بين الفوقيّة والدونيّة، سليم زاروبي، وتعقيب من عادل سماره

لا تكفّ قيادة المؤسسة الصهيونية عن التمنّن علينا بأن وضع الفلسطينيين في إسرائيل (أو كما يحبون أن يسمونا “عرب إسرائيل”) هو “أفضل وضع مقارنة بوضع العرب في أي مكان في الشرق الأوسط”، أو حتى أحيانا يأخذ بعضهم الحماس ويدّعي أن وضعنا هو “أفضل وضع لعرب في العالم”. لهذا لا يفهمون مما نشكو وما الذي يدفعنا إلى التذمر من هذا “النعيم” الذي نعيشه. بالطبع هذا الادعاء هو حجة واحدة من مجمل الحجج الدينية والتاريخية والسياسية والاجتماعية، وغيرها، التي يستعملونها لتبرير سياساتهم تجاهنا. لكن هذه الحجة، كغيرها من حججهم، تتهاوى أمام أي تفحص جدي وموضوعي، بل وتكشف الفكر الاستعلائي، العنصري والفوقي الذي يحمله أصحاب هذا الادّعاء.

في الحقيقة، فإنّ التاريخ مليء بمثل هذه الادعاءات والتي دائما ما تأتي لتبرير وتكريس حالات ظلم ومعاناة. لكن لعل المثال التاريخي الأكثر قربا من حالتنا هو صراع تحرير العبيد والنقاش الذي دار بين طرفي النزاع قبيل الحرب الأهلية الأمريكية، حيث قدّم مناصرو العبودية عدّة ادعاءات تدعم إبقاء نظام العبودية. شملت هذه الادعاءات، كما في ادعاءات الحركة الصهيونية، حججا اقتصادية وتاريخية ودينية واجتماعية وحتى حججا إنسانية وعلمية هدفها إبقاء حالة العبودية على ما هي. إحدى هذه الحجج كانت أن حالة العبيد، الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة، أفضل بكثير من حالة السود في أفريقيا، وحتى أفضل بكثير مقارنة بحالة فقراء أوروبا، أو بوضع العمال في الولايات الشمالية التي كانت تدعم تحرير العبيد. أي أن الحالة الاقتصادية والاجتماعية هي سبب كافٍ لإبقاء العبد عبدا أو لتحريره من عبوديته.

يتضمن هذا الادعاء، عادة، جانبا آخر بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي (مستوى الحياة)، وهو الجانب المدني، الذي يمنّون علينا به، وهو أننا نتمتع بالحرية والديمقراطية التي يحرم منها باقي مجتمعات العالم العربي. هنا أيضا يفرض هذا الادعاء أن الحرية والديمقراطية (المحدودتين جدا) اللتين تسمح بهما الدولة، والفكر الصهيوني الذي يرشدها، هما هِبَة من “السيد صاحب النعمة”، ولا تندرجان ضمن الحق الطبيعي لأي مواطن فيها.

هذا الادعاء في جوهره هو حجّة من أجل عدم التغيير وإبقاء حالة الظلم على ما هي وتكريسها إلى الأبد. لكنه في الحقيقة أسوأ من ذلك بكثير لأنه يحوي، أو بالأحرى يخبّئ، عددا من الفرضيات التي علينا أن نعيها:

الفرضية الأولى، كما ذكرت، هي أننا سكان ثانويون نستمد قيمتنا واعتبارنا ورفاهيتنا المزعومة بفضل “السيّد” الذي تعطّف علينا بهذه “النعم”. ليس هذا فقط، بل إنّ هذا الادعاء يشير إلى أننا، بنيويا في جوهر طبيعتنا، لا نستطيع أن نحقق العيش الجيد لوحدنا.

الفرضية الثانية، والمرتبطة بالأولى، هي أن موقع المواطن في الهرم الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدولة مرتبط بأصله الاثني، لهذا فنحن لا نتمتع بوضعية متساوية أمام الدولة التي يرأسها “السيد الصهيوني”، لأن موقعنا الطبيعي بحسب هذه النظرة الاستعلائية هو في قاع الهرم.


الفرضية الثالثة التي يتضمنها هذا الادعاء، هي أنه تصحّ مقارنة أوضاع فئة مستضعفة من السكان، بأوضاع فئات أخرى تعيش تحت واقع سياسي واجتماعي واقتصادي مغاير، وفي ظل سياق تاريخي مختلف. تشبه هذه المقارنة اجمالا مقارنة التفاح بالبرتقال، أي أنها خاوية من أيّ معنى لأنها لا تقارن المثل بالمثل. يأتي التبرير لهذه المقارنة من فرضية عميقة في العقلية الصهيونية، ومفادها بأنّ ارتباط الفلسطينيين في هذا المكان، خالٍ من الخصوصية التاريخية العضويّة، وأنه من الممكن اعتبارهم عربا بمفهوم عام غير عينيّ، وأنه ممكن نقلهم واستبدالهم كحجارة الشطرنج من هذه البقعة إلى تلك (كما خططوا نقل سكان المثلث الشمالي مؤخرا) من دون أية عواقب تذكر، فكلنا “عرب” والسلام!

الفرضية الرابعة، هي أن هذا التصنيف، الذي بحسبه موقع الفلسطيني أدنى من موقع اليهودي في هذه الدولة، هو الترتيب الطبيعي والسرمدي للأمور الذي كان منذ الأزل وعليه أن يبقى كذلك إلى الأبد.

الفرضية الخامسة هي أن حقوق المواطن والإنسان هي حقوق نسبية وليست مطلقة.

حتى أوضح النقطتين الأخيرتين، لنفكر في ادعاء مشابه قد يستعمله من يعارض تحرر المرأة وتقدمها ومعاملتها بشكل متساوٍ في مجتمعنا، أو أي مجتمع، بحيث يقارن وضعها عندنا بوضع المرأة في أغلب الدول الفقيرة أو المتزمتة في العالم، ليصل إلى استنتاج بأن وضعها جيد نسبيا، لهذا عليها أن تستكين وتتقبّل بما هي عليه، بل وتكون شاكرة للرجل القيّم عليها الذي مكنها أن تكون أفضل من نساء في مجتمعات أخرى. بالإضافة إلى ذلك، من يستخدم هذه الحجة يقول بشكل صريح، بأن هذا هو نظام الأمور الطبيعي والدائم، وأن المرأة يجب أن تكون في وضعية متدنية نسبة إلى الرجل، لأن هذا هو موقعها المناسب. هذا بالطبع مرفوض جملة وتفصيلا، لأن حقوق المرأة وحقها في الحرية وتحقيق الذات، ومساواتها مع الرجل في كل المجالات، وما إلى ذلك من حقوق، هي حقوق إنسانية أساسيّة، لا تخضع لمثل هذه المقارنات الجائرة والمضلّلة. أي أن مثل هذه المقارنات تجعل من حقوق أيّة فئة مظلومة في العالم، إن كان الفلسطيني، أو الأمريكي الأسود، أو المرأة، أو المثليين، أو المسلمين في الصين أو الأقليات الدينية في العالم العربي أو غيرهم، حقوقا ذات قيمة نسبية وليست قيمة مطلقة يستحقها كل إنسان.

المقارنة الوحيدة التي علينا الإصرار عليها، هي بين سكان يعيشون تحت نفس الإطار السياسي والاقتصادي، والتي تهدف إلى تصحيح الغبن وعدم المساواة، وليس إلى ابقائها وتكريسها. وفي حالتنا بالذات، علينا أن نطالب بأكثر من مجرد مساواة، حيث إننا نستحق أن نعامل بتفضيل، لأننا في النهاية أبناء هذا المكان الأصليّون الذين سُلبوا حقهم، واستبيح مجتمعهم، وشتت شعبهم، وزوّر تاريخهم. أي أننا نحن الذين يأتي وجودنا في هذه البلاد من خلال سياق تاريخي طبيعي، أما الذي يرمي في وجهنا مثل هذا الادعاء، فهو ابن المستعمر الغاصب، الذي يفتقر وجوده لأي سياق طبيعي وعضوي، وهو الذي يجب أن يقف معتذرا أمامنا، ليكفّر عن جرائمه وجرائم آبائه وأجداده، لا أن يتمنن علينا بـ “أفضاله”.

تذويت الدونية

الأنكى من ذلك، أن هناك الكثيرين ممن يقبلون هذه الادعاءات من بين أبناء شعبنا، معظمهم بصمت، ولكن بعضهم يرددها بصوت عالٍ، ويستخدمها حجة لتبرير أسرلته وانسلاخه عن جذوره وهويته. من يقبل هذا الادعاء يقبل، سواء بشكل واعٍ أم غير واعٍ، بأنه أقل استحقاقا وأنقص من أن يعامل بالتساوي، وبأنه أدنى قيمة من أي مواطن يهودي في البلاد. فهو عمليا يقبل بشكل صريح أو ضمنيّ، كل الفرضيات الاستعلائية والعنصرية (وبالتالي يقبل دونيتّه)، التي تختبئ في هذا الادعاء، والتي ذكرتها أعلاه. قد تكون أسوأ نتيجة لقبول هذه الادعاءات هي تذويت الفلسطيني أنه ابن مجتمع “متخلف” بشكل بنيوي (وحتى جيناتي متوارث) ولا يملك القدرة على ادارة دفة شؤونه بذاته. هذا علينا رفضه ومحاربته بكل وضوح وحدّة.


إضافة إلى ذلك، هناك من يستعمل مثل هذه الادعاءات كحجة للاستعلاء على إخوانه في المجتمعات العربية المختلفة، من نفس المنطلقات التي يستخدم بها الصهيوني هذا الادعاء ليستعلي علينا. وهذا يذكرني مرة أخرى بما كان يحدث للعبيد في أمريكا قبل الحرب الأهلية (وما زال). فقد كان هناك فرق كبير بالتعامل والموقع بين العبد الذي يعمل في المنزل (والذي عادة تكون بشرته أقل سوادا)، وبين العبد الذي يعمل في الحقل. حيث كان عبد المنزل يُعامَل بتفضيل واضح مقارنة بعبد الحقل، وهذا بالتالي أدّى إلى تعامل استعلائي من قبل عبد البيت تجاه عبد الحقل. وهذه النتيجة هي أكبر مآسي قبول هذا التفكير، وهي أن عبد المنزل تقبّل تصنيف السيد له ولإخوانه الذي يعملون في الحقل، واستعمل نفس المنطق المريض، ليبرر لنفسه أنه أفضل من عبد الحقل. طبعا، الموقف الصحيح هو أن على كليهما رفض عبوديتهما ومحاربتها، وذلك لأن الحقيقة الأساسية هنا هي أن كليهما عبد لا أكثر.

لقد ذكرت في بداية المقال أن هذا الادعاء لا يأتي لوحده، بل هو جزء من مجموعة ادعاءات تعكس توجها متكاملا، هدفه إبقاء الوضع القائم كما هو، بل وحتى تعميق حالة الظلم وتزوير التاريخ التي نعيشها. لهذا، وعندما نناقش ادعاء “أفضل حياة في الشرق الأوسط”، لا نستطيع أن نعزله عن مجمل الادعاءات الأخرى للحركة الصهيونية. مناقشة هذه الادعاءات هي ليست مجرد نقاش أكاديمي منعزل عن الحياة اليومية، بل هي في جوهر الصراع الفكري بيننا وبين الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل التي تجسدها. لأن دحض هذه الادعاءات وإثبات خطرها يقوّض الاساس الفكري الذي تقوم عليه هذه الحركة، والتي ستنهار كليًا إذا ما غيرت نظرتها إلى الأقلية الفلسطينية في إسرائيل. هذا ما حصل في كثير من الحالات المشابهة في التاريخ، والتي انتهت بانتصار الحركات التي استعمل مثل هذا الادعاء ضدها (مثل الهند تحت الاستعمار البريطاني وجنوب افريقيا في ظل نظام الأبارتهايد، وغيرها). تقويض مثل هذا الادعاء هو شرط أساسي، ومسؤولية ذات أولوية قصوى، لتحريرنا من نير هذا الظلم الهائل الذي حل بنا!

المصدر: من صفحة الكاتب على الفيس بوك

تعقيب من عادل سماره

عزيزي الأستاذ سليم،

قرأت مقالتك المحكمة، وبودي إضافة بعد هام آمل أن تأخذه بالاعتبار وهو البعد المتعلق بالاستيطان الاقتلاعي او ما أسماه الاقتصادي الماركسي إرجيري إيمانويل: “المستوطنات الرأسمالية البيضاء” والكيان الصهيوني أحدها.

ملخص ما اود قوله أن الكيان قد اغتصب وطنًا بأكمله اي الأرض والمباني والمعامل والمزارع…الخ وهذا وفَّر عليه قيمة كل هذا، بل هذا كل شيء، ولذا لم يبق لديه سوى تشغيل هذه الماكينة الهائلة التي هي وطن بأكمله ليجني الربح الهائل المسروق بل على شكل تقشيط.

ولذا، فهو مهما سرَّب بعض الحقوق لأهل البلاد فهو يدفع تعويضاً بسيطاً مقابل ما إغتصب .

وحتى لو لم يميز في كل ما ذكرته في مقالتك بيننا وبين المستوطنين، في مختلف الحقوق يبقى الكيان بمستوطنيه مغتصِباً لوطن بمعنى أن استعادة الوطن تعني نفي وجود هذا الكيان.

وعليه، فمناوراته بأنه “ديمقراطي” اكثر من الأنظمة العربية أو ان وضع السكان الأصليين أفضل من وضع العرب، فهذا مجرد غطاء شكلاني لتغطية حقيقة أنه هو الذي يعيش من وطننا ودمنا.

هذا إضافة إلى أن تخلف الوطن العربي وتخريبه يعود إلى حد كبير إلى وجود ودور استزراع الكيان في فلسطين كي يقطع تطور الوطن العربي، فهو استثمار استراتيجي للإمبريالية مهما انفقت عليه فهي رابحة جدا لأنه يساهم بقوة في تخليد مصالحها في الوطن العربي سواء النفط أو السوق وطبعا عبر أنظمة هي عدوة الأمة.

بمودة

عادل سماره

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.