العنف كضرورة رأسمالية، علي القادري

جزء (1)

يُمارس العنف بارتباطاته بالحالة الإنسانية كما يمارس بارتباطاته بالطبقية. في الحالة الأولى، يُدرس العنف بأدوات علم النفس والفلسفة الوجودية. أما في حالته الثانية، فيُدرس بأدوات علوم التاريخ. والدراسة الثانية تحقِّب المراحل حسب قوانين التطور التي تميز مرحلة عن أخرى. ففي المرحلة الرأسمالية أو التسليعية، ونظراً لتسليعها كل ما هو موجود، يُسلَّع العنف كأداة إنتاج، وكممارسة، على حد سواء.

ما قبل الرأسمالية، كانت أنماط الإنتاج تتسم بقلة الانتاج والاستهلاك، كما يقول روسو، وكانت مركّبات اجتماعية تجتاح مركّبات أخرى لقلةٍ أو لطمعٍ بما ينتِجه الآخر. وكان العنف يُمارس بقرار سياسي ذاتي يشكِّل فيه العنف أداةً لإعادة ترتيب علاقات الإنتاج المنوطة بزراعة الكفاف؛ فلا يتغير الكثير لفترات طويلة الأجل. هنا، في مرحلة ما قبل رأس المال، ينحصر العنف كأداة للتراكم وليس كمجال للتراكم، وهذا ما لا يحدث في ظل الرأسمالية.

أما في الحقبة الرأسمالية، أي في الفترة التاريخية المحكومة بعلاقات رأس المال، تُسلع الطبيعة وتصبح بالتسليع ظاهرة سلعية، أو طبيعة اجتماعية. وظاهرة رأس المال هذه، هي هذا الكم المتكاثر من السلع بما يشمل تسليع الإنسان. وهنا يجب الإلتفات، إلى أن الحرب أو العنف بكل أشكاله هو نفسه مجال سلعي ذاتي الدفع. أما العنف والعسكرة فهما عمليّتان صناعيتان تتوسعان بتوسع السوق وبتحقيق السلع العسكرية، بما يشمل تحقيق الإنسان كسلعة تُستخدم كمدخل ومخرج  في هذه العملية الإنتاجية. وبالدلالة على أهمية الدافع الذاتي للعسكرة مثلاً، يجتمع كثر من علماء الاجتماع كبول سويزي، بول باران، ميخائيل كاليكي، على صوابية المفهوم اللينيني القائل بأن الحرب عملية تراكم. وبهذا يفسر هؤلاء العداء للاتحاد السوفياتي على أنه كان قائماً على أرضية توسع العسكرة أكثر منه على أرضية كراهية الرأسمالية للشيوعية. خلاصة القول، العسكرة عملية تراكم، صناعتها تُدعى الحروب. وبهذا يكون القتل بالمعيار الصناعي industrial scale killing صناعة كأي صناعة أخرى بل وأكثر… أكثر بماذا؟

تقلب العسكرة موازين القوى والوعي الطبقي، وهي بهذا تغير قوة الذات البشرية (الفاعل التاريخي). أنها تقلب موازين الإنتاج والتبادل لكل الصناعات. العسكرة هي حجر الأساس لعملية التراكم الرأسمالي لأسباب عدة أخرى، منها التطور التقني، وتخفيض العمل الضروري (أي تكلفة إعادة إنتاج الطبقة العاملة)، مخلفة بهذا قدراً أكبر من فائض العمل الذي إذا ما توسط في عملية تبادل احتكارية خلّف بدوره ربحية عالية.

أمام هذا الأفق اللامتناهي من السلع التي تجسد مبتغى رأس المال، والفاعل التاريخي في مرحلة الرأسمالية، يُطرح السؤال البديهي: ما هي السلعة المتكاثرة باستقلالية عن إرادة المجتمع؟…

السلعة المتحكمة بمصير الناس هي الشيء أو الفحوى، والعلاقة الاجتماعية التي صنعته، أي هي الذات والموضوع كمفهوم تفرض مادته العلاقة الاجتماعية، والسلعة تتطور بأولوية الذات “the subject” أو العلاقة الاجتماعية المكونة لها، وهذه كلها رأس المال.

في علاقة الذات بالموضوع أو علاقة رأس المال بالسلعة، يفترض الأول، أو الذات، العلاقة المحددة لتكوين السلعة ولتوسعها؛ الذات إذن هي غرض الدراسة، اللهم إلا إذا أردنا أن نكمم (quantify)، عندئذ نستكشف المادة بمفاهيم العلوم الطبيعية.

“السلعة كعلاقة” حالة تتفرد بها الحقبة الرأسمالية. فالسلعة تتمثل في قيمة من خلال التبادل وهي قيمة بذاتها. ما كان لمنتوج ما قبل الرأسمالية أن يكون ظاهرة سلعية ولا أن يكون لتبادل السلع الأرضية أن يعيد إنتاج المجتمع. هذه القيمة هي تجسيد لعلاقة رأس المال، وللعلاقة قائمة في السلعة، وهي الحمض النووي الذي يرسم خطوط عريضة لتكوين المجتمعات. فما هو هذا الحمض أو البذرة التي تنعكس في الأداء الاجتماعي الكلي، أو التي إذا ما وضعت تحت عدسة مكبرة أبانت رموزها النزعات الملازمة لتطور الرأسمالية؟

التطور النظري لا يفسر الظاهرة بما هي ظاهرة، إنما يفسرها من خلال تاريخ الظاهرة ومكوناتها التي توسط تجسدها في الحالة الآنية الـ”mediated immediacy”. إن كم السلع الهائل وتطوره بغرض التسليع هما الظاهرة وضرورتها. والضرورة هذه سمة لقوانين العلم التي تتبع علاقة منطقية أو عقلانية. وإذا كانت الظاهرة مشجعاً تاريخياً وعقلانياً وكان من الأفضل أن تدرس بقانون ذهني يربط التاريخي بالعقلاني أو المنطقي، فمن الأسهل على المعرفة أن تخوض في المنطق على أن تخوض في الإلمام بالكل التاريخي؛ اللامتناهي في تفاصيله. إن قانون التوافق العقلاني والتاريخي يخلق مرجعية لما هو قائم في الواقع وبهذا يُلحق النظرية بالممارسة.

وهنا السؤال: ما هو العقلاني أو المنطقي؟ أو ما هو قانون التطور في التسليع؟.

في السلعة هناك “الشيء”، وهناك العلاقة التي كونت الشيء، وهناك التناقضات أو التهافت الذي أسس لحركتها. والسلعة بشكل أولي هي العمل الاجتماعي الضروري أو الجهد المحصَّل من سيرورة العمل. بهذا المعنى هي ليست فقط ساعات العمل التي استبطنت في آخر مراحل السلعة في معمل ما، إنما مجمل التحول الاجتماعي الذي يكثف ساعات العمل الاجتماعي في الزمن الكرونولوجي ليخلق سلعة ما. وتكثيف العمل الضروري في الزمن الكرونولوجي أو الاصطلاحي يخلق زمناً جديداً حقيقياً هو الزمن الاجتماعي، أي الزمن الذي يفرضه رأس المال على المجتمع من أجل فرض علاقات اجتماعية محددة تأتي بالربحية. والربحية محددة في البرهة الأخيرة (أي أنها لا تتحقق عيناً)، وما هو مشهود يمكن اختزاله بمبدأ أولوية السياسة التي تفيد إنتاج علاقة رأس المال بالمجتمع. أما رأس المال، فهو واعٍ لأهمية السلطة ويعمل جاهداً ولو بربحية أقل من أجل تسيده من خلال الهيمنة الأيديولوجية والعسكرة في آن. وهاتان الأخيرتان تفضيان معاً لتحول transference مغذ للأيديولوجيا من خلال إظهار دور العنف الفائق في عملية التحول: فالقدرة على القتل الذي يزيد عن حده يغذي الأيديولوجيا السائدة والعكس بالعكس.

إن ارتباط النظرية بالممارسة أمر منوط بأولوية الأيديولوجيا على النظرية، أي أن كل ممارسة نظرية هي تغطية لممارسة ما أو أيديولوجيا، فلا يستقرأ ما هو نظري إلا في برهة فقد الأيديولوجيا السائدة. نحن هنا في صدد استنباط البناء النظري لظاهرة التسليع؛ أي ما هو راهن، أو بالأحرى الرأسمالية في قيد تطورها. لكننا عرضنا ما هو بديهي، أي علاقة النظرية بالممارسة، لأن نقاش علاقة القيمة أو القيمة ينطلق من ممارسة أيديولوجيا مرتبطة بالتطور الطبقي.

السلعة لدى أيديولوجيا الطبقة المستقلة ليست إلا الشيء أو المادة التي تتمثل بكم أو بسعر ما، فهي مجردة من العلاقة الاجتماعية، ولذا فهي مجردة من التاريخ والزمن الاجتماعي أي الزمن الحقيقي. لكن بناء المفهوم من منظور الطبقة العاملة يرتكز على الانبثاق المتبادل بين الفحوى والذات، بين المادة والعلاقة التي تصنع المادة، وهي ترتكز على تطور الذات لأن التركيز على المادة أو الغرض تشييء، واستخراج الأشياء من الأشياء يضفي عليها صفة الخصوبة، فلا هي خصبة ولا العقول التي تستخرج قوانين الحركة الاجتماعية من مادة أسقطت عنها الصفة الاجتماعية.

جزء (2)

 

الذات – العلاقة هي القيمة التي تتكون في التبادل والتي تتمثل بتناقضات. التناقض الأول: ويكمن في العمل الاجتماعي الضروري المتجسد في سلعة موضوعية ليست لها قيمة استعمالية لصانعها. التناقض الثاني: يتمظهر في أننا نصبح أمام تناقض بنى العمل الاجتماعي الضروري والقيمة الاستعمالية للشيء، وهذه حالة غير مسبوقة “كظاهرة اجتماعية”، إذ ترتبط بسلخ اليد العاملة عن وسائل الإنتاج. فتطور الملكية الخاصة بالمعنى الرأسمالي هو جوهر علاقة رأس المال بسلب حق الملكية من الطبقة العاملة، وهذا السلخ هو القاعدة المادية للاستلاب. نحن هنا نتكلم عن الملكية الخاصة، ونلفت إلى أن الملكية الشخصية ليست مآلاً، بل هي نقطة المرتكز في عملية الإنتاج، وهي ترتبط بالاستهلاك، وهتان مسألتان مختلفتان.

وللسلعة ميزة ثالثة ألا وهي القيمة التبادلية التي تتكون كتوسط لتنافر القيمة المجتمعية، أي قيمة العمل الضروري من جهة، والقيمة الاستعمالية من جهة أخرى. لأن الأخيرة هذه ليست بقيمة استعمالية لصانعها أي الطبقة العاملة، إنما وُجدت لقيمتها التبادلية، وهذا التوسط التبادلي يشكل بتنافره مع القيمة الاستعمالية، أي ما هو اجتماعي أو لمصلحة اجتماعية، الحلقة الثانية أو التنافر الثاني. وهذا التناقض مفصلي أيضاً، لأنه يسلب ما هو اجتماعي في القيمة الاستعمالية لصالح ما هو خاص، أو القيمة التبادلية، وهذا ما يتم من خلال العنف دائماً. لأن سلب القيمة الاستعمالية من الطبقة العاملة يخفض العمل الضروري، أو ما تستهلكه الطبقة العاملة لإعادة إنتاج ذاتها. ويزيد من نصيب العمل الفائض من مجمل القيمة البحتة التي هي العمل الاجتماعي الضروري. وهذا التنافر يحدد فائض القيمة أو معدل الاستغلال.

هنا يجب التنويه أن فائض القيمة كمفهوم مجتزأ من القيمة، وهو كذلك فئة تحتية sub-category، أو تصنيف فرعي للقيمة التي كانت ذاتاً وغرضاً أو فحوى في وحدة هي قيد الصيرورة، تتكون بنوعية الذات. أي أنه ذات تتراكم مادياً وأيديولوجياً في الزمن الاجتماعي أو الحقيقي. في هذا التخزين الزمني، يصير تراكم الذات تراكماً للوعي أو ذخراً آيديولوجياً لرأس المال المكون للقيمة. لذا يصبح لدينا عملية إنتاج اجتماعية تتكون فيها القيمة، بما في ذلك فائض القيمة، باختزال الذات التي تمثل الطبقة العاملة. أي أن الانحسار الأيديولوجي الذي يمثل انحساراً للطبقة العاملة الثقافية هو جزء من عملية الانتاج، ويتطلب ذلك عنفاً كإجراء يعمق روح الهزيمة عند الجماهير. وبهذا نصل إلى نتيجة مفادها أن العنف ضروري لسلخ القيمة الاستعمالية عن التبادلية وضروري لتعميق هزيمة العمل كذات فاعلة تاريخية، مما يعني إلغاء الثقافة البروليتارية بشكل ضروري من خلال العنف.

أما التناقض الثالث، فهو توسيط التنافر بين القيمة الاستعمالية الاجتماعية من جهة، وقيمة التبادل الخاص بالسلعة من خلال النقد. يتخذ النقد هنا صيغة الضم الأولي الذي يخفي قيمة العمل الضروري المدخل في كل سلعة خلف ستار التساوي بالنقد أو بالسعر؛ عندئذ يصبح السعر النقدي الغشاوة التي تعمي الأبصار عن القيمة الاجتماعية. كل سلعة لها قيمة حقيقية وقيمة سعرية إسمية تتحقق من خلال التبادل، ومدى تخفيض نسبة العمل الضروري بالنسبة للعمل الفائض. وتوسيط هذا الفائض بربحية مبنية على الفارق بين أسعار الإنتاج أو سعر التكلفة والعمل الاجتماعي الضروري من جهة وقدرة رأس المال على الاحتكار من جهة ثانية، بما يحدد الربحية والتي بدورها ترمز إلى عمليات توريد قوة العمل في المجتمع أو القوى التي يجب أن تشغّل مقابل القوى التي يجب أن تحذف. تتعقد الأمور ههنا مع التطور التقني الذي يغذي الإنتاجية التقنية من جهة ويخفض القيمة الضرورية أو مجمل العمل الاجتماعي الضروري.

هناك ما يعرف بالتكوين العضوي لرأس المال الذي ينتِج، بحذف العمل الحي وتكثيف العمل الميت، كمّاً أكبر من السلع لكنه يخفض فائض القيمة. هذا التناقض يعمق أزمة فائض الإنتاج من ناحية ويخفض الربحية المبنية على فائض القيمة المنخفضة من جراء اختزال العمل الحي. للتذكير الربحية منوطة بالعمل الحي فقط وبفائض العمل الذي يكبر إذا ما صغر العمل الضروري، ومعه كلفة إنتاج العامل. والأخيرة تختزل بنقطة مهمة هي التالي: كلما اقتصدنا من حياة الطبقة العاملة كلما انتقصنا منها ومن معيشتها وزادت الربحية. هذه النقطة هي إعادة إرساء مفهوم القانون المطلق للتراكم في الفصل الأول من كتاب رأس المال، كما وردت كعصارة هذا القول في الجزء الثالث من الكتاب نفسه.

هذه هي دينامية المنظومة الرأسمالية التي تتجلى بقانونها الأول: قانون القيمة، أي القانون الذي يساوي السعر بما يخفيه في القيمة. فلكل سلعة قيمة نقدية في ذاتها، وتتساوى القيم النقدية بالتبادل النقدي لتخفي القيمة الحقيقية، أي العمل الاجتماعي الضروري، الذي بانخفاضه تحت السعر يغذي الربحية، ويفرض من خلال قانون العمل إعادة توزيع المورد المكون للقيمة، أي الطاقة العاملة، إلى مجالات أكثر ربحية. وبما أن هذا التبادل النقدي الذي يغيب القيمة يؤثر بكل مفاصل الحياة، تتخذ السلعة المنقّدة شكل الصنم، والتي بألوهيتها المكتسبة من قدرتها على تعطيل الأسس الاقتصادية لإعادة الحياة الاجتماعية، تتحول إلى العقل الاجتماعي المتمثل في مؤسسات رأسمالية طِبقاً لتنافرات متعددة، لأن تحول القيمة إلى نقد يعني أيضاً ارتداداً جدلياً يتحول بموجبه النقد إلى قيمة.

والنقد بشكله المثالي هو الاعتماد والمديونية، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، والذي اذا ما توسع يوسع بدوره رقعة الاقتصاد الحقيقي. والذي كذلك اذا ما انتفخ إلى رأس مال وهمي (Fictions capital) حفز الاقتصاد الحقيقي إلى الانتقال إلى مجالات تراكمية أكثر استقلالاً؛ أي ما يعرف بالاستقلال التجاري “نسبةً إلى الطبقة التجارية الإنكليزية التي وسعت العبودية الرأسمالية”، والذي رافق التراكم البدائي الذي توسع مع أزمة الرأسمالية، والذي يتمثل حالياً بحروب الانتهاك والتراكم الهدري.

 * مفكر اقتصادي عربي

:::::

موقع “الخندق”، العدد 11 – تموز 2021

● ● ●

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.