الثقافة والفداء الثقافي: عن نصري حجاج وغسان كنفاني، عادل سماره

يصدق القول في مَنْ رحل لأن مَنْ رحل قام بما أراد ربما لظرف ما أو قناعة ما أو تحت ضغط ما. هذا من ناحية، ومن أخرى، يجوز القول في من رحل إذا كان من يكتب قد كتب في من رحلوا في حياتهم كي يبقى للكاتب وجه واحد موقف واحد.

وإذا كانت الناس ترحل، ففعلها لا يرحل. هذه مسألة هامة في اما اسميه “ألاقتصاد السياسي للثقافة  والفكر” بمعنى أن السلعة حتى المعمرة لا يتجاوز عمرها الافتراضي عشر سنوات بينما الفكرة، الكلمة ، النظرية، القصيدة، الفيلم اللوحة، حتى لو أُنتجت بأُجرة أو بأمر أو لزيْغ، فإنها أقدر على البقاء من السلع التكنولوجية لأنها هي اساس ما خلقه البشر كي يبقوا، اي لأنها أُنتجت للاستعمال الإنساني لأجل البقاء والرفاه وليكون للحياة مذاقاً يليق بالإنسان، ولذا لها وبها قيمة استعمالية بريئة من التبادل والربح والنهب والاستغلال بل وحتى الاغتصاب، بريئة من التسليع، هذا وإن كانت المسافة شاسعة بين فكر وفكر.

عرفت الراحل نصري حجاج في لندن عام 1985 وخاصة حينما كنا نحاول اجترار موافقة من مخابرات العدو البريطاني كي نحصل على فيزا للراحل الشيخ إمام ونجحنا بعد اشهر. بريطانيا العظمى خشيت فنان عجوز كفيف! أليس لأنه مقاوِم!

والتقيت حجاج هنا في رام الله، في جلسة واحدة، قبل اكثر من خمس عشرة عاما حيث هاتفني والتقينا وكان يسألني أن أطبع له عملاً ما. أوضحت له أنني أطبع على نفقتي كل كتبي، مع استثناء بسيط، أطبعها بنفسي أو ارسلها للخارج غالباً بلا عائد.

غاب الرجل إلى أن قرأت له مقالاً في جريدة العربي الجديد/لندن

ALARABY.CO.UK الجمعة 14/07/2017 م  . (https://www.alaraby.co.uk/…/%D8%BA%D8%B3%D8%A7%D9%86…

 

غسّان كنفاني قتيل السياسة كل المبدعين الفلسطينيين الكبار الذين انخرطوا بالتنظيمات الفلسطينية،…)

وها قد رحل حجاج قبل أيام.

لست أدري لماذا ومن أجل مَنْ! وصف حجاج غساناً ب “القتيل” أي بهذا التطاوُل على غسان واستشهاده. وإذا كان حجاج على علمٍ بالروح الشعبي الفلسطيني والعربي، فإن للشهيد قداسة تثير شوق حتى من هرموا.  أما عن التنظيم الذي ولد غسان من رحمه فقد حظي بإهانات لم نعهدها حتى من “مثفقي النفط أشباه الأميين كما يهرفوا اليوم”. مثلاً:

” العمليات الخرقاء، مثل خطف الطائرات… أقول ربما لأن واقع اليسار الفلسطيني كان، منذ البدء، هجيناً وإسقاطاً بلا معرفة، ولا دراسة، ولا إدراك لماهية الماركسية اللينينية … كانت الجبهة الشعبية في تلك السنوات جامحةً جموح مراهق، وفهمت النضال الفلسطيني بطريقةٍ ساذجةٍ واستعراضيةٍ كفاحية. كانت الجبهة، وهي تحاول مستميتةً منافسة حركة فتح على قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، غير مدركة حجمها، وبنيتها الخربة، وتناقضاتها في اعتناق النظرية الماركسية اللينينية على أرضيةٍ فكريةٍ غارقة بالفكر القومي العروبي، وبنية طبقية لا تؤهلها لأن تكون حزباً للطبقة العاملة الذي انقطعت أنفاسها، وهي تسعى إليه منذ عقود طويلة، وهو يتهرّب من بين أصابعها، لأنه لا يقوم في أرضٍ غير أرضه، ولا بيئة غير بيئته، ولا في فهم صبياني للنظرية، ولا بالنهج الأهوج في محاربة العدو في كل مكان، كما كان شعار الجبهة…”

لقد حاولت حتى استنباط فكرة نظرية من ما كتبه الراحل حجاج كي أبرر الشتم السياسي الذي باح به، فلم أجد! فقد غلف كل ذلك بقشرة رقيقة تشف رغم ذلك  عما تحتها بأن غسان لو لم يكن مقاتلا لعاش اكثر وابدع وخدم القضية أكثر.

طبعاً، أنا لا اعرف إن كان حجاج مُلمَّاً في النظرية الماركسية من ماركس حتى ماركسيي اليوم؟ بمعنى أن الصحيح أن ينقد الطرح الفكري لغسان وللجبهة الشعبية وأن يطرح رؤيته وتحليله ورده على طرح الجبهة. أما الكتابة باستخفاف ودون قرائن فقد دفعتني إلى الاستنتاج بأن الراحل حجاج كتب عن غسان  وعن الجبهة ضمن وفي سياق دور جرى الاستكتاب له ضمن برنامج إمارة قطر في تخريب الثقافة العربية وهي الوكالة المعطاة ل عزمي بشارة كبير المقاولين للتخريب الثقافي وخاصة تخريب اليسار الفلسطيني والعربي. بوسع المهتمين العودة لسيرة حياة كثير من الفلسطينيين الذين ينشرون اليوم في إمبراطورية قطر الإعلامية أو في تمفصلات لها بأكثر من لغة وإن كانت تبدو بعيدة عنها.

حبذا لو لم يقع حجاج في هذه السقطة. ترى: هل هو العَوْز ؟ هل هو حاجة الفلسطيني للعلاج وخاصة في الغربة؟ ربما. ولا أود استدعاء العنتريات  في هذا الموقف. ولكن ما يحزنني أن النفط جرى توظيفه لحرق فلسطين. وبهذه السقطة فقد حرق الراحل نفسه حينها!.

لم يكن غسان الماركسي الوحيد ولا ألمع الماركسيين، ولكنه كان مبدعا لا شك، على الأقل في حدود ما يمكنني أن اعرف. أما حدود ماركسية الجبهة الشعبية ففيها نقاش كثير وطويل وعميق شأنها شأن مختلف المنظمات الماركسية من السوفييتية إلى الماوية إلى الجيفارية إلى منظمات العنف الثوري بادر ماينهوف/المانيا، الكتائب الحمراء/إيطاليا، الدرب المضيى /بيرو  الجيش الأحمر الياباني…الخ، ولكنها ، اي الشعبية أساساً حركة فدائية حقيقية، وهذا بيت القصيد ولها سجل لا ينكره الأعداء من العرب وغير العرب. ولا أعتقد ان حجاج يخالفني التقييم بأن مشكلة الشعبية وكل م.ت.ف ، والتي كان هو في صفوفها ضمن جبهة النضال الشعبي، التي ربما خجلت ذكر ذلك في إعلان رحيله، ليست في عمق الفكر او ضحالته بل في طبيعة الصراع وحجم الصراع وتحديداً بأن الفلسطينيين دون البعد القومي العربي لا يمكنهم الانتصار على الثورة المضادة بثلاثيتها أي الثلاثي الإمبريالي، والصهيونية وأنظمة التبعية العربية، انظمة التطبيع لأن التطبيع هو تاكيد أن الأمة باسرها تحت الاستعمار، دعك من كل حاكم وملك ورئيس شكلانيِيْن هامشيين أذلاَّء. ولكن، هل أمامنا سوى أن نقاوم ؟ بل إن ما حاولناه مقدس وهو التأسيس لإعادة القضية إلى عمقها العروبي وحينها ننتصر بلا شك.

ولكي لا نشيطن الرجل، فإن ما كتبه هو مساهمة في جوقة هائلة من تقويض ومسح اليسار فلسطينيا وعربياً. هو جزء من اسلحة الثورة المضادة ضد العروبة وضمن ذلك اليسار العروبي، ولا أقصد  اليسار العربي. ويمكن للمهتم أن يطالع على سبيل المثال لا الحصر على  نموذج نُشر في  “قزيطات” من طراز (  https://www.arab48.com/ أو جريدة القدس/المقدسية (3 آب 2021 ص 3  )  ليرى فتاوى من لا يعرفون  ومع ذلك يتحدثون! وكأن الهدف هو التعالُم، أو بعض المال، أو بإغراء من صحفي يبحث عن عنوان لمقاله القادم…الخ.

النقد مهماز التطور، ولكن على الناقد أن يكون ذي علم عميق في ما ينتقد ومن هنا فالناقد أقدر من الكاتب لأنه يحوز ما لديه وما لدى الكاتب ايضاً. من هنا كانت كتابات ماركس نقدية اصلا، سواء في “نقد الاقتصاد السياسي” او حتى في مجلدات راس المال الثلاثة نفسها.

كثير ممن ينقدون اليسار الفلسطيني في هذه الأيام هم على نسغ مرتبط مع مؤسسة عزمي بشارة لأن هذه أصول تقويض واجتثاث الفكر الماركسي والذي في النتائج يتقاطع مع ما تركز عليه المخابرات الصهيونية في الاجتثاث التنظيمي لليسار، وطبعاً “عرب 48 مثالاـ والعربي الجديد  ومتراس…الخ.

أذكر حينما كنت في السجن في بداية السبعينات أن أهلي أدخلوا لي كتاب “الطريق إلى العبودية   The Road to Serfdomل فريدريك هايك أحد عُتاة الفكر الاقتصادي البرجوازي والذي عاش أمدا امتد تقريبا على مدار قرن ليكون من مدرسة شيكاغو النقودية والنيولبرالية مع ملتون فريدما وليفي شتراوس، لكنه كتب كصاحب إطلاع عميق على الماركسية.كان عدو حقيقي للماركسية لكنه كان يكتب بمعرفة.

نكتب عن رحيل غسان ورحيل حجاج وغيرهما على أمل الإضاءة والتنوير وهذا واجب ومقاومة، ونترك للوطن وأهله، وليس للمثقفين فقط، أن يقولوا كلمتهم.

آمل أن لا أكون قد أوجعت أرملة حجاج وخاصة ما أوردته في وصيته: “…  وجزء في سورية التي تضامن مع شعبها حتى آخر نفس “. فبعد عشر سنوات من الاستشراق الإرهابي رحل الرجل وأخطأ التضامن.

هناك عديد المثقفين فلسطينيين وعرباً غاصوا في خدمة الثورة المضادة منذ أن رقصوا لتدمير العراق 1991 وحتى اليوم. لذا، لا بد من الدفاع عن العروبة حتى لو تألَّم البعض. فالوطن سيدنا والعروبة هويتنا.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.