توازن التحليل تلافياً ل “فتل” الأدمغة بتحليلات عنترية، عادل سماره

إنشغل كثيرون ، وبحق،  في الأيام الأخيرة في الأزمة التي انفجرت بين امريكا وفرنسا، وجرى التركيز ضد أمريكا إلى الحد الذي قد يبدو بأن فرنسا “حمامة” سلام ودولة مظلومة أو عاشقة جرت خيانتها، بل وغطى هذا الحدث على الخروج/الهزيمة/الهروب الأمريكي من بلاد الأفغان!

لا بد من استخدام السياق التاريخي لإسناد التحليل الجاري لحدث جارٍ. فرنسا كانت دولة عظمى، وهذا يعني أنها دولة استعمارية إمبريالية باطشة كانت ولا تزال. فسقوط صفة عظمى عن اية دولة استعمارية ، أي شيخوختها وتراجعها لا يغطي على جرائمها التاريخية ولا على مواصلة وحشيتها. فسقوطها من عليائها الدموي ليس ما رآه فرانز فانون، بأن  الثورات المسلحة فقط هي التي، كما رأى  تعيد أو تخلق المستعمِر اي القاتل، والمستعمَر/اي الضحية خلقاً جديداً، هذا إن حصل كثيراً.

لفرنسا جنود متوحشون معتدون في سوريا، والعراق وتحديداً في ذيل القوات المحتلة الأمريكية. وكان لها جنود مثلهم في افغانستان وعام 1991 شارك أوغادها في ذبح العراق. واليوم لها جيوش في العديد من بلدان القرن الإفريقي وإفريقيا الوسطى. هذا ناهيك عن دورها في تدمير ليبيا، ولا ننسى مذابحها في فيتنام قبل أن تُهزم وتسلِّم دور الجريمة لأمريكا وطبعا تاريخها الدموي  ضد الجزائر حتى هزيمتها بل وفي كل المغرب العربي.

السياق الإمبريالي لفرنسا طالما تمت محاولات تجديده، لذا حاول رئيسها الأسبق شارل ديجول إقامة قوة فرنسية و/ أو اوروبية خارج الناتو كمنظمة عدوانية معولمة، وبقيت فرنسا وحدها من بين دول أوروبا خارج الناتو إلى أن اضطرت للعودة إليه .

ولعل فرنسا كإمبريالية تراجعت تراقب تراجع الدور الإمبريالي المتوحش الأمريكي، ولذا عادت لطرح نداءات لتشكيل قوة عسكرية أوروبية خاصة بأوروبا على اعتبار ان امريكا وخاصة منذ ترامب أخذت تبتز أوروبا بحجة أنها تحميها من روسيا. وهذا لا يروق لأمريكا بالطبع.

فرنسا ليست الدولة الأوروبية الأقوى اقتصاديا، فهناك ألمانيا. لكن ألمانيا ممنوعة من التسلُّح المفتوح، كونها مستعمرة عسكريا لأمريكا بحجة حمايتها من روسيا  وطبعاً ألمانيا تتشوق لممارسة وحشيتها النازية الراسخة ولذا تمارسها في حدود السماح الأمريكي سواء بإرسال قوات إلى سوريا لحماية الكرصهاينة أو دعم الكيان الصهيوني أو المشاركة في احتلال أفغانستان قبيل الخروج الأمريكي.

وفرنسا ليست الدولة العسكرية الأقوى في أوروبا ، أو ربما هي بقوة بريطانيا، وهما نوويتان ولكن طبعاً خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أربك حسابات فرنسا.

ولكن، لماذا تفكر فرنسا بإنشاء قوة عسكرية اوروبية، وتوافقها دول أوروبية؟ أليس السبب في أنها لها وجود عدواني في عديد بقاع العالم وتهدف توسيعه؟ ألا يركض ماكرون بين الأنظمة التابعة الحاكمة في لبنان والعراق كسيد على أوغاد! وهذا يعني أن فرنسا ليست أقل عدوانية من أمريكا ولكن اقل قوة .

لماذا تحتاج فرنسا لقوة أوروبية بل لماذا تحتاج أوروبا لقوة أوروبية جماعية! هل الأمر مرتبط بالخوف من روسيا؟ كلا، فهي ذريعة لأن اوروبا التي ربما تعتدي على روسيا إن أمكنها ذلك. أوروبا تحلم بتوسيع عدوانها المعولم، ولا تريد استمرار التقاسم مع أمريكا التي لا تُطعم أحداً.

الأمر إذن شكل جديد من تقاسم العالم ما أمكن الإمبرياليات ذلك.

فرنسا وأوروبا تخشيان صعود الصين، وتتهمان الصين بأنها إمبريالية وبأنها ستغزو العالم. لكن الخلاف بين الثلاثي الإمبريالي كما اسماه سمير أمين اي (امريكا والاتحاد الأوروبي واليابان) هو في تحديد الأولويات وإجراء الحسابات.

امريكا ترى أن عليها محاربة الصين بمختلف أنواع الحروب، أما فرنسا فترى خطر الصين بعيدا نسبياً ولذا فهي تتقنَّص ، كثعلب صغير، اين  تخرج أمريكا لتحل محلها. اي نحن أمام تنافس اللصوص وليس “تآخي اللصوص” كما قال ماركس ذات وقت.

لجأت أمريكا إلى تشكيل تحالف  “الواسب” أي البروتستانت الإنجلو ساكسون البيض بشكل خاص اي هي أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا ، ربما باستثناء نيوزيلندا ولو مؤقتاً . أما الكيان فله دور لا شك، ولكن بمنتهى السرية. فهذا التجمع الراسمالي الإمبريالي والعدواني بالطبيعة هو الذي يتجمع ضد الصين.

وهنا أجرت امريكا حساباتها بدقة حيث أغرت استراليا بشراء غواصاتها بدل الفرنسية. والأمر هنا ليس اللون الأبيض وليس العنصري وليس تفاوت العدوانية،وليس الغدر كما يحلو لكتاب لم يخرجوا من إسار ثقافة البدو والثقافة ما قبل الراسمالية ، لغة الدين السياسي وثقافته، كل هذه تفاصيل دورها ضئيل. الأمر هو:

·       أستراليا اقرب إلى الصين

·       استراليا تلعب هناك دور إمبريالية رثة أو مساعِدة

·       لذا استراليا أكثر عدوانية من فرنسا في تلك المنطقة ومصالحها مع من يعتدي على الصين واي صعود صيني هو على حسابها.

·       وأستراليا ستدفع ثمن الغواصات سواء لفرنسا أو أمريكا، ولذا تختار من يقف بجانبها في العدوان هناك تحديداً.

ما نود تكريسه في هذه الأسطر هو أن لا تأخذنا معزوفات الإعلام الأعرج فلا نرى سوى حزن فرنسا، بل يجب أن نرى دمائنا على كفيها حتى نصل درجة قطع كفيها.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.