في ذكرى عبد الناصر: شل الدولة المركزية لتصفية القضية المركزية، عادل سماره

  • جمهوريات التعويض ليست بديلا

لعل ما يميِّز أعداء العروبة عن العروبيين أن العروبيين يتذكرون عهدعبد الناصر ونضالاته ومشروعه وإخفاقاته في ذكراه مما يحول ذلك العهد إلى مجرد طقس بدلاً من الشغل الدائم على نقد وتطوير المشروع على ضوء التطورات والتغيرات، بينما يقوم الأعداء، اي الثورة المضادة بحرب يومية متواصلة لكشط بل اجتثاث  ذلك العهد كشغل يومي وعلى مدار القرن. وهذا يبين الفارق المفصلي بل الفالق بين الطرفين العدوين وليس الخصمين.

إن كنت تتابع، ستجد هجوم يومياً ضد المشروع العروبي وخاصة الناصري من:قوى الدين السياسي، والمخابرات والأكاديميا الغربية ومختلف دوائر الكيان الصهيوني وجميع مثقفي الطابور السادس خدم الغرب والصهيونية والأنظمة العربية التابعة وأدواتها طبعاُ  والتي صيغت لاجتثاث الشأفة العروبية.

قد ندخل للحديث عن عهد عبد الناصر من مشهدين:

المشهد الأول مشهد الثورة:

·        مشروع بناء الدولة العربية المركزية لتحرير القضية المركزية/فلسطين

·        وهذا إقتضى لجم جميع قوى الدين السياسي والطوائف والمذاهب والقبائل  والعشائر والإقليمية والقُطرية وثقافة التخارج والتغربن.

والمشهد الثاني مشهد الثورة المضادة وهو الأقدم:

·        مشهد العدو الغربي الراسمالي الذي موجته الأخيرة ممتدة منذ ثلاثة قرون

·        وتنفيذيا تدمير محاولة محمد علي في مصر

·        وتدمير مشروع عبد الناصر.

في صراع الثورة ضد الثورة المضادة، علينا أن نتذكر حقيقتين:

الأولى: وهي واضحة بأن الثورة المضادة موجودة قبل الثورة وتحت جلد البنية السياسية الحاكمة وجزء من البنية المجتمعية في الوطن العربي سواء أدوات الاستعمار العثماني التي تتجدد وتنادي بالخلافة العثمانية بينما العثمانية تحلم بالأوربة، وفي هذا ينطبق قول الشاعر:

“عُلِّقتُها عَرَضاً، وعُلِّقت رجلاً غيري …وعُلٌّق أخرى ذلك الرجلُ”.

أي قوى دين سياسي عربية تتعلق بتركيا وتركيا تُحب أوروبا وأمريكا بينما أوربا وأمريكا تحبان الكيان! هذا إذا كانت قوى الدين السياسي بريئة من كونها تخليق غربي اساساً وعلى الأقل كما اتضح من “الربيع/الخريفي” العربي الجاري.

وتركيا في أفضل حالاتها تجاهنا تعمل على استعمار الوطن العربي لتقديم نفسها لأوروبا كحاكم للوطن العربي. لقد انشغلت ولم تتوقف الثورة المضادة في الغزو الاستشراقي الغربي عسكريا وثقافيا وفي النهاية اقتصاديا، وإقامة الكيان الصهيوني وحماية وتغذية الإقليمية والطائفية والمذهبية والقبائل والعشائر وزرع كتائب الثقافة المتخارجة وصولا إلى أحدثها اي الأنجزة وبالطبع الربيع/الخريفي العربي.

 والثانية: مشروع عهد عبد الناصر الذي حاول لجم كل هذه القوى والأدوات كي يصل إلى إنجاز الدولة العربية المركزية ومن ثم إنجاز القضية المركزية.

ولأن هذا مشروع الرجل، كان لا بد من قيام الثورة المضادة بخطوتين ضده هما مكوِّنَي خطتها:

·        إفشال مشروع عبد الناصر هنا و/او هناك

·        ثم تدمير المشروع بشل مصر طالما يصعب احتلالها.

لقد حاول عبد الناصر إنجاز الوحدة العربية عبر تجربة الوحدة المصرية السورية. كان ذلك إنجازا، لكنه فشل في اتخاذ قرار الاشتباك مع الانفصاليين كعملاء كانت غالبية الشعب ضدهم حيث اختار الانسحاب. وكان خطأه الثاني ان إحتفظ بعبد الحكيم عامر بدل تنحيته عن السلطة.

ونجح عبد الناصر في تأميم قناة السويس وقرارات تأميم الأراضي وإنشاء القطاع العام وبناء تجربة اشتراكية بغض النظر عن حدود جذريتها النظرية، واتجه شرقاً في التسلُّح، لكنه لم يتجه تجاريا/إقتصاديا إلى الشرق حيث كان كمختلف الجمهوريات العربية معظم متاجرتهن مع أوروبا وحتى أمريكا، اي مواصلة الانخراط في السوق الراسمالية التي هي غربية بامتلاء وهذا أبقى على جذور طبقة البرجوازية الكمبرادورية والطفيلية لتنبت بعد حين.

وأنجز في سياق مشروعه دعم الثورة الجزائرية ما كلفه عدوان 1956 حيث وصل الأمر بفرنسا عرض الوحدة مع بريطانيا كي تشاركها في عدوان 1956 وبالطبع كانت بريطانيا نفسها  جريحة تأميم قناة السويس.

وربما كان عدم قتال عبد الناصر دفاعا عن الوحدة مع سوريا هو الذي أقنعه بدعم ثورة عبد الله السلال في اليمن لاقتلاع نظام الإمامة.

وهنا بالتحديد تهمنا ملاحظتان:

الأولى: أكذوبة الطائفية وملاحظة جذور جاهزيتها للاستخدام عمالاتيا حيث تلاحم النظام السعودي الوهابي مع الإمامية الزيدية  التي ليست سُنية على الأقل لمواجهة الجيش المصري وإرهاقه في اليمن.

والثانية: أن المحرك الإمبريالي وراء النظام السعودي والإمامي كان الشعور بخطر اقتراب مصر من منابع النفط لأن نظاما ناصريا ومع إمكانات نفطية يعني دولة عربية مركزية قادرة على:

·        التصدي للإمبريالية

·        التصدي للصهونية

·        التصدي للقوميات القديمة المحيطة بالوطن العربي اي إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا.

ونجح عبد الناصرفي لجم التغلغل الصهيوني في إفريقيا رغم قلة إمكانات مصر.(أنظروا صهينة إفريقيا اليوم بينما النظام المصري يقوم بتسهيل ذلك، حيث لا يعترض على عضوية مراقب للكيان في الاتحاد الأوروبي!)

كانت هزيمة 1967 هي التي قصمت ظهر المشروع العروبي الناصري وهي الهزيمة التي ترتب عليها:

·        تغيير النظام المصري من الاستقلالية والتنمية إلى التبعية والعمالة

·        تفكك حركة التحرر العربية بين الاستسلام أو الردة وذلك في مستويي القوميين والشيوعيين مما افرغ الساحة لقوى الدين السياسي.

·        بقاء الجمهوريات العربية ليس بحكم قوة الدفع الذاتي بل نظراً لدور السوفييت في لجم العدوان الإمبريالي، ولذا ما ان تفكك الاتحاد السوفييتي حتى تهالكت هذه الجمهوريات بفقدان الحماية الخارجية ونظراً لأن تماسكها الداخلي كان بالقمع الأمني وليس بالإلتفاف الشعبي فلم تستطع مواجهة ارهاب الدين السياسي الذي صيغ ضمن مشروع الاستشراق الإرهابي كإرهاب معولم مما اضطرها للاستعانة بروسيا وإيران. وهنا لا ننقد هذه الاستعانة لكن ما يمهنا هو توضيح أن الحماية الاساسية هي الشعبية في التحليل الأخير.

ولنعد إلى الوراء قليلا، صحيح أن التاريخ باحداثه لا ينتظرنا. ولكن، رغم كل النكسات والهزائم التي حاقت بالعهد الناصري وخاصة هزيمة 1967، إلا أن انتصار الثورة الليبية كان فرصة لعودة الدور المصري للهجوم المضاد. وهنا يكون السؤال: هل رحل عبد الناصر قضاء وقدراً أم قُتل، لا ندري ولكن بقاءه كان سيفتح فتحا عروبيا جديدا، فرحيل عبد الناصر قد أدى إلى قتل حلم القذافي بالوحدة العربية ليأتي بعد عبد الناصر نظام السادات الذي هوإخراج ثلاثي من الغرب والكيان الصهيوني وقوى الدين السياسي حيث قام بتنشيط هؤلاء الذين قتلوه لاحقاً لأنهم يرون في أنفسهم الأولى بالحضن الأمريكي والصهيوني.

يتذكر المرء في هذا السياق الموقف المضحك للراحل محمد حسنين هيكل الذي كان يهزأ من حماسة القذافي للوحدة مع مصر في فترة السادات ويصف الرجل بالبدوي الذي لا يتقن بروتوكول البرجوازية في أنواع  الأكل  والحديث.

ليس هذا مقام تقييم إن كان مجيىء السادات خطيئة ناصر أم لا، أو ضعف فريقه الذي استسلم لخيانة السادات تماما كما استسلم الحزب الشيوعي السوفييتي لخيانة جورباتشوف. وهذا يفتح على مفارقة فريدة تكشف التشابه الاستسلامي بين:

·        حزب التنظيم الحديدي السوفييتي

·        والحزب التجميعي المنفلش اي الاتحاد الاشتراكي في مصر.

كان لا بد من هذا التصفُّح المقتضب لشل مصر وصولا إلى الإضاءة على فشل الجمهوريات البديلة للدولة المركزية.

جمهوريات التعويض ليست بديلا

 كثيراً ما حاولنا التفاؤل بإمكانية تعويض شل مصر عن ذاتها وعن دورها المركزي عروبياً، ببدائل عربية هي سوريا والعراق وإلى حد ما الجزائر.

لكن  الوقائع كانت ولا تزال عنيدة ومعاكسة.

في العقد الأول من ستينات القرن الماضي شهد الوطن العربي وصول قوى تقدمية وقومية إلى سدة الحكم في كل من اليمن الشمالي وسوريا والعراق والجزائر. وفي نفس الفترة كانت تجربة الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسوريا والتي انتهت إلى الفشل والمناكفات إن لم نقل الصراع. وإذا كان من الصعب الحكم بإدانة هذا الفريق أم لا، لكن الممكن استنتاجه بأن مختلف هذه الأنظمة كانت قُطرية أو منغمسة في سياسة محور عربي ضد آخر، أكثر مما هي قومية وحدوية.

كانت سياسة المحاور في الوطن العربي هي الإسفين الذي قاد إلى تجسيد محلي ذاتي لتفكيك الوطن العربي كتكملة لمخطط سايكس-بيكو، قصدا أو بالنتيجة،  وصولا إلى تكريس القطرية هنا وهناك ، هذا إلى أن كانت الاحترابات العربية البينية والعمل كذيل وأداة للغزو الإمبريالي ضد اقطار عربية ثم الغزو نيابة عن ذلك الغزو .

كانت خطيئة عبد الناصر أنه في سياسة المحاور منع عراق عبد الكريم قاسم من استعادة الكويت وأرسل قوات عربية لحمايتها! والكويت إمارة اقتطعتها بريطانيا من العراق بما هي بئر نفطي لبريطاينا وأوكلت عليه عشيرة. وهكذا تم تأجيل لغم الكويت ليقود إلى تدمير العراق حينما حاول صدام استعادة الكويت في وقت وحسابات خاطئة وفردية مما ادى إلى تدمير الجيش العراقي حتى وهو ينسحب من الكويت مما يؤكد أن الهدف لم يكن إستعادة الكويت لصالح الإمبريالية بقدر ما كان تدمير العراق أيضاً. ولم يكن لصدام أن يقوم بذلك لولا استقواء كيانات الريع النفطي على العراق بتحريك وحماية الإمبريالية. وبغض النظر إن كان العراق هو الذي بدأ الحرب مع إيران أو العكس، فإن دور العراق في تلك الحرب كان لحماية الخليج إذا صحَّ عزم الثورة الإيرانية حينها تصدير “الثورة” إلى الوطن العربي. في هذا السياق نعتقد أن الثورة الإيرانية كان لديها هذا الطمع. لذا كان من نتائج الحرب العراقية الإيرانية أن غيَّرت إيران تكتيكها في مشروع التصدير، وهذا يمكن أن يقود إلى علاقات متوازنة بين الطرفين وبمعزل الآن عن ما هو دور إيران في العراق.

استعادة الكويت لصالح الإمبريالية والعشائرية اشتملت على أخطر دلالة تدميرية في التاريخ العربي الحديث وهي:

·        قيام جيوش عربية بالمشاركة مع الإمبريالية في ضرب قطر عربي، اي إجتثاث مادي ومعنوي لشأفة القومية العربية وهذا الأمر الذي أصبح القاعدة  الأساسية في العلاقات البينية العربية اي سلسلة حروب.

·        وحلول إيديولوجيا أنظمة وقوى الدين السياسي محل حركة التحرر العربي القومية والاشتراكية.

إذن، لم ينتج عن وصول قوى تقدمية إلى جمهوريات سوريا والعراق واليمن والجزائر أي مشروع وحدوي، بل صراعات داخلية على السلطة في الفريق أو الحزب الواحد حيث لم يوجه اي انقلابي لرفيقه مثلاً تهمة الخيانة! أما المحصلة فأدت إلى إنهاكها:

·        قام بومدين بالانقلاب على بن بلّه زاعما أنه حركة تصحيحية لنفس المسار

·        وقام حافظ الأسد بالانقلاب على يسار البعث زاعما انه حركة تصحيحية لنفس المسار

·        وقام صدام حسين بالانقلاب على أحمد حسن البكر زاعماً أنه حركة تصحيحية لنفس المسار

·        وقام علي عبد الله صالح باغتيال إبراهيم الحمدي.

ولعل أوضح مثال على هذا الخراب أن العلاقة بين العراق وسوريا وصلت القطيعة في الوقت الذي كانت تركيا تتربص بالبلدين، وها هما تدفعان الثمن في هذا القرن.

حينما حاولت تركيا 1958 الاعتداء على سوريا أضطر شكري القوتلي لقبول الوحدة مع مصر ردعاً لتركيا. أما اليوم، فإن العراق وسوريا تتوقعان الدعم من إيران لردع تركيا. وبغض النظر عن الحليف الإيراني فإن الفارق هائل بين حليف وبين جزء من المشروع القومي العربي.

لا ينحصر الدرس المستفاد من غياب مصر في حالتي العراق وسوريا بل يمتد إلى كامل الوطن العربي.  فلم يكن لنظام المخزن أن يتحرش بالجزائر لو كانت مصر هي مصر، ولم يكن للناتو أن يدمر ليبيا ولا لكيانات الخليج أن تتحول إلى أدوات لتدمير بلدان عربية أخرى ولا أن تتحول إلى إمبرياليات رثة وتابعة.

إن حضور الدولة المركزية هو حضور جوهره توفر القرار السيادي سواء في السياسة أو الاقتصاد. فرغم ضعف الموهوبية الثرواتية لمصر إلا أن اقتصادها في الفترة الناصرية كان اقوى بلا نقاش منه في فترة الركوع والشلل.

وأبعد من هذا، فغياب الدولة العربية المركزية فكَّ لجام قوى الدين السياسي والطائفية والمذهبية وأنعش مشايخ القبائل. وحتى في المستوى الفكري والثقافي، فإن شلَّ مصر قاد إلى تغلغل ثقافة التبعية وخاصة بروز فرق المابعديات وتفشيها في الجسم الثقافي العربي: ما بعد الاستعمار، وما بعد الحداثة وما بعد القومية وما بعد الشيوعية وما بعد السرديات الكبرى عموماً…الخ.

إن تخدير مصر  وخاصة بتركيعها للتطبيع مع الكيان الصهيوني هو الذي قاد إلى تفشي التطبيع في العديد من الأنظمة العربية ومن القوى السياسية العربية. وما نلاحظه اليوم هو الهجوم التطبيعي على القلعة الأخيرة عربيا وهي الشعب العربي نفسه الذي يرفض التطبيع.

وهذا يفتح على مسألة مركزية هي وجوب استعادة الشارع العربي من قوى الدين السياسي ومن تبعية كثير من التنظيمات والأحزاب في الوطن العربي للأنظمة المحكومة إمبرياليا وصهيونياً.

وحيث أن الحديث عن العهد الناصري، فإن ما تسمى “الحركة الناصرية” أو التيار الناصري هي بحد ذاتها تبين واقعها المزري: ناصريون في سوريا يقفون مع قوى الإرهاب/إرهاب الدين السياسي، وناصريون في اليمن الجنوبي يدعون للانفصال عن اليمن الشمالي ويتحالفون مع الوهابية السعودية ومع نظام الإمارات الذي يستميت في التطبيع مع الكيان اي العدوان على فلسطين ، وناصريون في مصر منقسمين اشتاتا كتشتت الحركة التروتسكية!

لقد كشفت عشرية الاستشراق الإرهابي عن واقع عربي خطير ملْمحه الأساسي حروب عربية بينية متواصلة لصالح الإمبريالية والصهيونية والعدو التركي، وهو واقع دفع كل قطر عربي للبحث عن مظلة حماية خارجية.

في الوطن العربي وحده تجد تدخلات ووساطات وإشراف وفرض حكومات على هذا البلد أو ذاك من ثلاثي الإمبريالية (امريكا، والاتحاد الأوروبي واليايان). فالسياسة الخارجية وحتى ترتيبات الحكم في معظم القطريات العربية هي بايدي من يسمون مبعوثي “الأمم المتحدة” وهم في الحقيقة مبعوثي الإمبريالية.

ليس هذا المقال من باب البحث الاستراتيجي لما يجب عمله، هذا مع أن الأمر واضح بأن لا خيار سوى المشروع العروبي. إن اي تمسُّك باي بديل أو حليف ليس سوى إعاقة للمشروع العروبي ما يجب أن يؤكد بأن اية تحالفات جارية مع اي حليف يجب أن لا تعيق العمل الجاد للمشروع العروبي.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.