رانا أبي جمعة في روايتها الأولى (ياسمينا)، رشاد أبوشاور

طالما آمنت ياسمينا بسحر الرواية، وقدرتها على إدارة حوار هادئ مع النفس لتغيير ما فيها. رواية(ياسمينا) ص22.

أمّا كاتبة ياسمينا فهي الإعلامية اللبنانية رانا أبي جمعة، المعروفة منذ سنوات عبر فضائية (الميادين) كمذيعة ومحاورة، والتي تقدّم روايتها الأولى للقارئ العربي.

وياسمينا تختار اسطنبول، بعيدا عن بيروت، لتجلس مع نفسها بهدوء، وفي وقت تجولها في حي قديم من عاصمة تركيا، يلفت انتباهها مكان على مدخله قارمة مكتوب عليها ( بيروت) فيجتذبها لدفع بابه، لتفاجأ بأنه مقهى ومطعم، وأن صاحبه لبناني،وأن العاملين فيه شباب سوريون.

هنا تلتقي ( الهاربة) من تجربة جحيمية بالهاربين من الحرب، وتألف المكان وهو ما يشجعها على أن تحقق فكرتها عن قدرات( الرواية) في إدارة حوار هادئ، وإن كان موجعا، مع النفس، ونقل التجربة – وهي دخلت التجربة ولم تنج من الشرير- على الورق، وتتمدد على ( سرير) يشبه ان يكون سرير المحلل النفسي، وتبوح بمعاناتها، ورحلة عذابها، لا كشكوى امرأة منكسرة، ولكن فضحا لأوضاع مجتمع مبني طائفيا، وذكوريا، وعوائليا، ويعاني من فساد يصل إلى أجهزة الأمن والقضاء بتأثير طائفي يعبث بكل شيء.

تقرر ياسمينا، وهي تتأمل تجربتها المرّة استرجاع تفاصيل حادثة اعترضت حياتها في العام2007عبررواية تُكتب.

ياسمينا تعيش في( الجبل)، وتستعمل المواصلات العامة، وتنتقل عبرها من بيتها إلى عملها، طيلة تسعة أعوام، نزولا إلى بيروت مقر جامعتها ومن ثم عملها.

لا غرابة لقرار ياسمينا كتابة روايتها، فهي تهوى القراءة والسفر، وهي في حالة سفر بعيدا عن بيروت، سفر في التجربة، ورحلة آلامها.

ياسمينا فتاة تستخدم عقلها، لهذا كان والدها يخاطبها: يا فطنة أنت…

في المقهى الذي يشعرها بالدفء والسلام الداخلي تقرر البدء في كتابة روايتها القصيرة هنا.(ص33)

في بيروت، كما تخبرنا الرواية، تقيم ياسمينا مع صديقتا( زينة).

فادي لا يغيب عن أحاديث ياسمينا وزينة، وزينة تنصحها: لا تنتظريه أبدا، وهو غائب بعيدا، ونصيحة زينة ستوقظ ياسمينا في نهاية روايتها( غير القصيرة) ثقيلة الوطء على روحها…

تجربة ياسمينا المفجعة بدأت من لحظة اختطاف قريبها إياد لها، ووضعها أمام خيارات كلها خسارات.

إياد مشوّه النفس من جيل الحرب الأهلية، وهو طائفي، وحاقد طبقيا على تميّز عائلة ياسمينا المتعلمة، وهو غير متعلم وجاهل، وفي سياق الرواية نتعرف على شخصية (بلطجي) لا يؤمن بغير القوّة، وقوته يستمدها من السلاح، ومن التزامه بطائفية يحتمي ويستقوي بها.

من محلة( الكولا)، حيث طلب إياد من ياسمينا أن تلتقيه، يختطفها، وينطلق بها بسيارته بسرعة، وهو في حالة سُكر، وبنظراته، وقيادته السريعة، تشعر ياسمينا أن إياد يضمر لها سوءا:عينان كبيرتان تعكسان غضبا غير مفهوم، ووجه أحمر كالدم يظهر فظاعة ما قد يخرج عن هذا الجسد الضخم من سلوك غير مسؤول.

إياد هذا بذيء، يتوعدها هي وأهلها. يخاطب فتيات يعرفهن عبر الخلوي بكلمات منحطة غير لائقة: هل تقبليني يا بنت ال..وتهربين معي خطيفة؟ ثم ينتقل إلى غيرها، وبنفس البذاءة يخطبها، وقصده أن تسمع ياسمينا مدى استجابة كثيرات له، واستعدادهن الزواج منه و( خطيفة)..وهو ( يختطف) ياسمينا، رغم أنها قريبته.

تفكر ياسمينا: بالتاكيد يريد خطفي..أنا قريبته في منزلة شقيقته!(ص40).

والطائفي الجاهل لا يميّز بين الحلال والحرام، فلا أخلاق، ولا قيم تردعه، وهو موتور على عائلتها المتميزة، وعلى رفضهم له. 

يوقف سيارته في الجبل، يضربها، ويهبط ويشرع في إطلاق الرصاص من مسدسه، ويلتقي بمجموعة من المسلحين الذين ينتمي هو وإيّاهم للتنظيم الطائفي، وكأنما ليروعها أكثرن بحيث يسهل امتلاكها ببث الخوف في نفسها.

يتنقل بها من مكان إلى مكان، بسبب اضطرابه،

في رحلة العذاب هذه تنحاز أمه له، لكراهيتها لوالدة ياسمينا، وهو يعجز عن امتلاكها جسديا في بيت عائلته، وينتقل بها إلى بيت اخته، وأيضا لا يمكنه اكتظاظ البيت، ومقاومتها، من الاقتراب منها جسديا.

تعاني ياسمينا من قلقها على أسرتها، فإياد بلطجي مسلح، ومحمي طائفيا ممن هو في (حزبهم) وميليشتهم،مستقو بقوتهم، وهو يمكن أن يوقع الأذى بأفراد أسرتها المسالمة التي يتوعدها.

يعقد قرانه (الاغتصابي) قهرا، واستفرادا بها، والشيخ عاقد القران لا يسألها، فهو متساوق مع العقلية الطائفية، وهي تردد في داخلها: هذا الزواج لن يستمر، فإمّا الطلاق، أو الانتحار، أو الهرب.

تقنعه برغبتها في العودة إلى العمل، وفي ذهنها التواصل مع صديقتها( زينة).

لقد حمت ياسمينا أهلها من إياد، فمن يحميها هي الآن؟

تتساءل ياسمينا: ألم تكن الغيرة بين العائلتين اللتين يتفاوت مستواهما الاجتماعي، سببا في هذا الحقد الدفين؟ ألم تكن السياسة جزءا من الحقد المُبيّت؟ (ص89)

وتتواصل رحلة ياسمينا في اسطنبول، وهي ليست رحلة سياحية، بل علاجية صرفة.(94)

وياسمينا تعالج نفسها بالكتابة، بإفراغ معاناتها على الورق، وتواصل ترك الأوراق (وديعة) لدى الشباب الغرباء العاملين في مقهى( بيروت)، كأنها تريد بذلك بقاء التواصل معهم..ومن للغريب سوى الغريب؟!

ياسمينا المثقفة التي كانت تعمل في دار للنشر، قوية الشخصية، تقع في براثن( بلطجي) طائفي، حاقد طبقيا، وسياسيا عليها وعلى أسرتها، وهو يستمتع بقهرها وإهانتها وتلويثها.

ياسمينا هربت بعد أن تمكنت من ( مخادعته) وإيهامه باستسلامها، وبدأت بخوض فصل جديد من فصول حياتها، بمواجهته قضائيا، حتى انتزعت حقها في الطلاق…

أمّا الطلاق، والقضاء، فحكاية مريرة، يتداخل فيها ما هو طائفي، وما هو روتيني، وما هو فساد مستحكم، ولا عجب في بلد تتحكم فيه الطائفية.

فادي في الرواية، الحبيب الغائب البعيد، شخصية باهتة،( مخلّص) منتظر، لكنه عندما يحضر..تلتقيه في المحكمة..فإذا به قد حضر ليكتب كتابه على فتاة أحضرها معه من تلك البلاد التي كان فيها!

لا خلاص لياسمينا سوى بالاعتماد على نفسها، مع محبتها لأسرتها، وفشل انتظرها للحبيب الذي طلب منها انتظاره حتى عودته، وهي (عاقلة) كما وصفها والدها، ولذا فهي تواجه بالعقل، بالكتابة، بتفريغ التجربة..لتتطهر من دنس الطائف والطائفية المنافقة والمنحطة، ولتفضح تخلفها وجهلها.

كتبت رانا ابي جمعه روايتها بسلاسة، فصولا متتالية، تبدأها في كل صباح في مقهى بيروت حتى اكتملت، وهي لم تحضر للسياحة والاستمتاع بعاصمة الإمبراطورية العثمانية، ولكن لأنها أرادت الابتعاد عن الأمكنة التي عاشت فيها فصول الرعب والمهانة والإذلال، تلك التي حملتها في نفسها وروحها. لتفرغها بعيدا، في إسطنبول، بكل هدوء.

ليس في الرواية فذلكة( تقنية)، ولا استعراض لغوي لإبهار القارئ، ولذا يشعر من يقرأ ياسمينا بأنه يعيش معها، يألم لألمها، ويغضب وينقهر من حماقة القوّة الجاهلة التي امتهنت كرامتها، و..يبتسم في الختام لانتصار ياسمينا، التي تخرج من التجربة وهي تنزف وتترنح، ولكنها تخرج( منتصرة).

قرأت على لسان رانا ابي جمعة مرّة بأنها لن تترك ياسمينا، روايتها الأولى، وحيدة، فهل يا ترى ستضيف لياسمينا شقية وشقيقا، لتكبر عائلتها الروائية، فنكسب بهذا روائية جادة، منحازة للحياة الحرة الكريمة في مجتمع بغير طائفية، وبلا قوة تدمّره، وتضاعف تفتته؟

برأيي (ياسمينا) رواية مقاومة..للتخلّف الاجتماعي، وللتحكم الطائفي، وللعبث بحياة المرأة، ترفض العسف والقمع و( الاختطاف) على كافة الصعد، وعلى كافة الجوانب السياسية والاجتماعية…

*رانا أبي جمعة إعلامية لبنانية، تعمل في فضائية (الميادين) مذيعة ومعدّة برامج.

*صدرت الرواية عن منشورات دار( الفارابي) بيروت 2021.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.