من أدوات الهيمنة الإمبريالية: التضليل الإعلامي، الطاهر المعز

توطئة:

خصص الإعلام السائد في العالم صفحات ونشرات وبرامج خاصة بالذّكرى العشرين لانفجارات 11 أيلول/سبتمبر 2001، ولكنه لم يُولِ اهتمامًا يُذْكَر للذكرى الثامنة والأربعين للإنقلاب العسكري الذي نظمته الشركات والإستخبارات والحكومة الأمريكية في الحادي عشر من  أيلول/سبتمبر 1973 ضد السلطات المُنْتَخَبَة بتشيلي، ولا بذكرى “مجازر أيلول الأسود” ضد الفلسطينيين بالأردن (أيلول 1970) ولا بمجازر مُخَيَّمَيْ “صبرا” و “شاتيلا” (لبنان 16 – 18 أيلول/سبتمبر 1982)، وغيرها من المجازر.

فَرَضَ معظم حُكّام العالم على المواطنين التزام دقيقة صمت، حِدادًا على ضحايا تفجيرات 2001، ولم يقف أحد دقيقة صمت لضحايا الإستعمار والإمبريالية والصّهيونية، وللضحايا من السّكّان الأصليين بالأمريكيَّتَيْن (الشمالية والجنوبية) وللعبيد ولشهداء حُرُوب التّحرير، ولا للأطفال، أو للعمّال ضحايا حوادث العمل في البحر وفي البر وتحت الأرض (المناجم) وغيرهم من ضحايا الحُرُوب العدوانية، والإستغلال والإستعمار والإضطهاد…

إنه مثال بسيط، يعْكِسُ وَضْع الإعلام كجُزْءٍ من أدوات الهيمنة الرأسمالية الإمبريالية على العالم، بالتّوازي مع الهيمنة العسكرية ومع الإستغلال لقوة عمال البَشَر واضطهاد الشّعوب الواقعة تحت الهيمنة، مع تطوير أدوات القمع ومُراقبة المواطنين، وما إلى ذلك.

هناك مُؤَشِّرات على انحدار مكانة الإمبريالية الأمريكية، القُوّة الأعظَم في العالم، آخرها إعلان الإنسحاب من أفغانستان، بعد عشرين سنة من الإحتلال والقصف والقَتْل والتّدمير والتّخريب، لكنه انحدار بطيء جدًّا، قد يدوم عدّة عُقُود أو قرنًا كاملاً، في ظل عدم وجود قُوّةٍ نقيضة للرأسمالية، حاملة لمشروع ثورِي، يُحرّر العاملين والعاملات من الإستغلال، ويُخلّص الشعوب من الإستعمار والهيمنة والإضطهاد، ولا تزال الإمبريالية الأمريكية تمتلك قُوّة عسكرية ضخمة، مُوزّعة على بحار العالم، وثمانمائة قاعدة عسكرية، وبلغت قيمة الميزانية العسكرية الأمريكية المُعلنة 740 مليار دولارا، سنة 2020، وقد تصل إلى 760 مليار دولارا، سنة 2022، فضلاً عن الأبواب والبُنُود غير المُعْلَنَة للميزانية العسكرية، التي تُقدّر بأكثر من 250 مليار دولارا سنويا، فيما تؤكد منظمة “يونيسف” التابعة للأمم المتحدة، ومنظمة “أوكسفام” (الخيرية) أن ثلاثين مليار دولارا ستكون كافية لإطعام وتعليم ورعاية جميع أطفال العالم لمدة عام واحد، وأشارت بعض وسال الإعلام الأمريكية إلى استفادة الشركات الخاصة من المبالغ الضخمة التي تم إنفاقها على الحروب العدوانية، وهي مبالغ تم اقتطاعها من الإنفاق الحكومي على القطاعات والخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطنون.

تتعرض الفقرات الموالية إلى استغلال أجهزة الدّولة في معظم بلدان العالم، لتشديد مراقبة وقمع المواطنين، وانتهاك الحريات، باسم “مكافحة الإرهاب”، وإلى التّضليل الإعلامي، كأحد روافد الهيمنة الإمبريالية، وإلى إظْهار بعض مُخَطّطات شبكة أو ماكنة هذه الهيمنة التي تمكّنت من تهميش وطَمْس بعض الحقائق، فبقي انتشار بعض الأخبار، المُثْبتة ةوالمُوثّقة، محدود الإنتشار.

 ديمقراطية “الحرب الدّائمة” الأمريكية:

قُدِّرَ الإنفاق الإجمالي المُتعلّق بالأمن والحُرُوب العدوانية الأمريكية بين 2001 و 2020 بنحو 21 تريليون دولارا، منها حوالي ثمانية تريليونات دولارا على البرامج العسكرية البحتة، وأدّت هذه الحروب إلى تدمير البنية التحتية ومقتل نحو مليون شخص غير أمريكي، في إطار خطط “الحرب على الإرهاب” التي كانت فُرصة لسيادة الدّولة البوليسية داخل الولايات المتحدة، عبر رَفْعِ ميزانيات وتسليح الأجهزة الأمنية وتعميم التجسس على الأفراد والتجمعات، ونشر كاميرات المراقبة داخل المؤسّسات المدنية والتعليمية، وتقنية التعرّف إلى ملامح الوجه، ومراقبة “وكالة الأمن القومي” و “مكتب التحقيقات الفيدرالي” لمحتوى الشبكة الإلكترونية، بحسب “نقابة الحريات المدنيّة الأميركيّة” التي أعلنت مخاوفها من تقويض الحريات الفردية والجمعية، فيما أعلنت “مؤسسة مُستقبل الحرية” (فيوتشر اوف فريدوم فاونديشن) عن مخاوفها من تغوّل الأجهزة الأمنية والرسمية، لتشكّل الحكومة الأميركية تهديداً أكبر لحرياتنا من أيّ إرهابيّ أو متطرف أو كيان أجنبي… إن التهديد الرسمي يستهدف أيضاً مناوئي السياسات الحكومية المختلفة”، الذين تُصنّفهم الأجهزة الأمنية “عَدُوًّا داخليا”، وهي نظرية وممارسة ابتكرها الجيش الفرنسي لقمع المُقاومة الشعبية بالجزائر، زمن الإستعمار.

لا يُشكل الإنسحاب (الجزئي) من أفغانستان أو العراق نهاية “الحرب على الإرهاب”، بل تحولاً في في التكتيكات، من خلال الإستخدام المكثف للطائرات الآلية، وتحشيد قوات حلف شمال الأطلسي، بزعامة الولايات المتحدة ضد الصين وروسيا، ضمن “الحُرُوب الإستباقية…(بهدف) إرساء نظام أمني عالمي قادر على قمع أو تدمير مصادر تهديد الاستقرار من قبل القوات العسكرية الأميركية”، بحسب محتوى وثيقة بعنوان “إرشادات للتخطيط الدفاعي” الصادرة عن وزارة الحرب الأمريكية، منذ 1997، ووقع تعديلها عدة مرات، بحسب تطورات الوضع الدّولي.

 وَفَّرت تفجيرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 فُرصة لإقرار قوانين سالبة للحريات مثل “باتريوت أكت”، ولبلورة استراتيجية “الحرب الكونية على الإرهاب” في الخارج، وتطبيق وتطوير تقنيات التّحكّم في حركة المواطنين وانتهاك حرياتهم بواسطة القوانين الإستثنائية والمراقبة المستمرة، وعرقلة نشاط القوى والمنظمات الاجتماعية المناوئة لسياسات الحكومة الإتحادية، بذريعة “مكافحة الإرهاب”، بالتوازي مع تقويض برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية، لتُسيْطر عليها الشركات الكُبرى.

بعد أسبوع واحد من التفجير، في الثامن عشر من أيلول/سبتمبر 2001، أقرّ الكونغرس قانونًا يُمكّن الرئيس من صلاحيات كاملة لشن حرب عدوانية ضد “الدول أو المنظمات أو الأشخاص الذين يُشتبه في ارتكابهم أو تخطيطهم أو مساعدتهم” تنفيذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، واستخدم جورج بوش الإبن هذا القانون لشن الحرب على أفغانستان، ثم العراق، ولعدم تطبيق القوانين الأمريكية على سُجناء “غوانتنامو”، ولا يزال هذا القانون ساريًا واستخدمه كافة الرؤساء الحمهوريين (بوش وترامب) والديمقراطيين (أوباما وبايدن، الذي كان نائب أوباما)، ثم استخدم باراك أوباما هذا القانون والسماح لوكالة المخابرات المركزية بتنفيذ عمليات سرية في ليبيا، ولاغتيال المدنيين بواسطة الطائرات الآلية، ولاغتيال عُلماء وخُبراء من العراق وسوريا واليمن وإيران وباكستان وغيرها…

بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وحلّ حلف وارسو، عززت الولايات المتحدة حلف شمال الأطلسي (الذي تأسّس قبل حلف وارسو)، بدَل تقليصه أو إنهاء وجوده، بل أصبح يتدخّل في كل مكان من العالم، لمهاجمة واحتلال البُلدان، باسم “مكافحة الإرهاب” (وهو مفهوم يَعْسر ضَبْطُهُ)، وليس دفاعًا عن أعضاء الحلف، كما ينُصُّ ميثاقُهُ، وأصبح حلف شمال الأطلسي أداةً أمريكية لتنفيذ العمليات السّرّية والحُروب العلَنِيّة في أي مكان من العالم، ولاستفزاز ومحاصرة روسيا والصين، ما اضطر أنظمة هاتَيْن الدّولتَيْن للتقارب، ويستخدم الجيش الأمريكي شركات خاصّة للمُرتزقة “المُتعاقدين”، أي خصخصة العُدْوان، والتّنصّل من مسؤولية جرائم قَتل واغتيال مواطني البُلدان المُعْتَدَى عليها…   

خولت استراتيجية “الحرب على الإرهاب” تكثيف إجراءات مراقبة المحلات الخاصة (السّكن أو النشاط المهني)، وأجهزة الإتصال والمراسلات والمكالمات الهاتفية، وجمعت وزارة الحرب (ضمن برنامج “المعلومات الشاملة) سجلات وبيانات الجنود والعاملين بها وأفراد أُسَرهم وأقاربهم وأصدقائهم، ومعارفهم، قبل تعديل البرنامج وتلافي بعض الهفوات، قبل تعميم الإجراء على كافة المواطنين، ويتمثل في إنشاء قاعدة بيانات ضخمة للسجلات الهاتفية والمصرفية والسفر والبيانات الصحية، بالتعاون مع مكتب التحقيقات الإتحادي (إف بي آي) لجمع البيانات الخاصة دون قرار قضائي.

بالمُقابل، وخلافًا لدولة كوبا الفقيرة، ترفض السّلطات الأمريكبة إنفاق بضعة ملايين من الدّولارات لوقاية المناطق الشعبية وإنقاذ سُكّانها من الكوارث، مثل العواصف والأعاصير، إذْ بلغت سرعة الرياح 240 كلم/ساعة، خلال إعصار “آيدا” بولاية لويزيانا حيث بقي حوالي مليون شخص بدون كهرباء، وتوفي ستون شخصًا في أربع ولايات، يوم 30 آب/اغسطس 2021، ورفضت السلطات نقل المساجين السود من سجنهم والفُقراء من أحيائهم المُعَرّضة للتدمير، كما أدّت التّدابير العنصرية، خلال إعصار “كاترينا” قبل 16 عاماً، إلى وفاة ما لا يقل عن 1800 شخص، وتدمير الأحياء الفقيرة، وتهجير ما تبقى من السكان بقرار رسمي دون تعويضات.

إلى جانب القوة العسكرية والأمنية كأداة للهيمنة على الوضع بالدّاخل، وتدمير البلدان الأخرى بالخارج، وتهجير وقتل شُعُوبها، تستخدم الإمبريالية الأمريكية “القوة الناعمة”، ومنها الإعلام والفُنُون (أهمُّها السينما، والمُسلسلات التلفزيونية) والمنظمات “غير الحكومية” وحتى الأمم المتحدة…  

 الإعلام والمنظمات “غير الحكومية”، و خُرافة “حرّيّة الإعلام”:

شكّل الإعلام سلاحًا هامًّا، خلال الحرب الباردة، لا يقل أهمية عن سلاح الجُيُوش كالطائرات والصواريخ وأجهزة التّجسّس، فأنشأت الولايات المتحدة محطات إذاعة وتلفزيون موجّهة نحو الإتحاد السوفييتي وشرق أوروبا، في إحدى أكبر عمليات التّضليل، كما أنشأت محطات إذاعية بالعديد من لُغات العالم، بهدف بث الدّعاية لبرامجها ومُخطّطاتها، وتشويه أي مُعارضة لحُرُوبها العدوانية، ولا تزال هذه السياسة قائمة، خلال القرن الواحد والعشرين، لتشويه المنافسين والخُصُوم الذين حوّلتهم الإمبريالية الأمريكية إلى “أعداء”، كالصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا وشُعُوب فلسطين وسوريا واليمن، وغيرها.

أنشأت الولايات المتحدة (والدّول الإمبريالية الأخرى) كذلك جَمْعيات ومنظمات “غير حكومية” ومؤسسات بحثية ومكاتب دراسات وطوائف دينية، لنشر الدّعاية المُضادّة للدول والأحزاب والمجموعات والأفراد (صحافيين، أُدباء، زعماء سياسيين…) وكل من يُعارض سياسات الإمبريالية الأمريكية أو يكشف مُخطّطاتها، ونورد نموذجًا لهذه “الإبتكارات” الأمريكية.

ظهر، سنة 2016، موقع “كودا ستوري” ( Coda Story )، وتم تقديمه كمُبادرة مُسْتَقِلّة لتَعْرِية “التّضليل الذي يمارسه الإعلام الرّسمي الصّيني والرّوسي”، وأطلق الموقع حملة تشهير ضد الصحفيين الأمريكيين الذين يتجرأون على التنديد بأجواء “الحرب الباردة الجديدة” التي تخلقها الولايات المتحدة، وكشفت هذه الحملة، دفاع الموقع عن سياسات الإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، وهو مُمَوّل من قبل حكومة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومرتبط بحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وما هو سوى حلقة من شبكة مجموعات تمولها الحكومات “الغربية” والمصارف والشركات العابرة للقارات، للمُساهمة في الإطاحة بالأنظمة التي تُعرقل أهداف حلف شمال الأطلسي، ومصالح الشركات الكُبرى العالمية، ونَشَرَ موقع “غراي زون” ( The Grayzone ) أي “المنطقة الرّمادِيّة”، أو الحَيّز الفاصل بين بين الحرب العلنية وفترة السّلم، تحقيقًا عن وظيفة وتكتيكات ومَنْهَجِيّة “كودا ستوري” والمواقع والمنظمات المُشابهة، في منظومة الدّعاية الإمبريالية، كذراع للإمبريالية ولحلف شمال الأطلسي، وكجزء من مجموعة أدوات تغيير الأنظمة الحاكمة، بالقُوّة، وتندرج حملة التّشْهِير بالصّحفيين الأمريكيين الذين يكشفون الدّعاية الأمريكية الكاذبة، ضمن هذه المُخطّطات، حيث لا يُجادل موقع “كودا ستوري” حقيقة الحُجَج والبراهين، بل يَرُدُّ بإطلاق أوصاف وأحْكام مِعْيارية، من قبيل “هؤلاء أُناس غير جديرين بالثّقة” أو أنهم “مُزعجون، لكن تأثيرهم هامشي”، والإدعاء أحيانًا بأن المنظمات والصحافيين والمُدَوِّنِين المُناوئين لمخططات حلف شمال الأطلسي، “مُرتبطون بالحكومة الصينية أو الروسية أو بإيران…”، وما إلى ذلك، وثبت تمويل جمعيات ومنظمات ومواقع مثل “كودا ستوري” و”أكسيوس”، من قِبَل الحكومة الأمريكية، بواسطة وكالة الإستخبارات المركزية، ووزارة الخارجية الأمريكية، والوقف (أو الصندوق) القومي للديمقراطية ( NED )، حيث ثبت حصول أحد البرامج الإعلامية ل”كودا ستوري”، سنة 2019، على منحة تفوق قيمتها 180 ألف دولارا، لمساعدة الصحافة الروسية المُعارضة لسياسات الرئيس بوتين”، وحصلت في تموز/يوليو 2020، على جائزة الصحافة الأوروبية، “لجودة المُحتوى المناهض للنظام الشُّمولي بالصين”، بحسب مُدونة “دموكرسي دايجيست” (التابعة للوقف القومي للديمقراطية) التي يضم مجلس إداراتها العديد من المحافظين الجُدُد، الذين عملوا، من خلال عدد من المنظمات “غير الحكومية” على تقديم المزيد من الدّعم للمجموعات الإرهابية بسوريا والعراق، بالتّوازي مع تشديد السياسات العدوانية تجاه روسيا والصين وإيران وفنزويلا وكوبا وغيرها.

من جهته أنشأ الإتحاد الأوروبي صندوقًا أو وَقْفًا مُماثلا ل”نيد”، سنة 2013، تحت إسم “المُؤسسة الأوروبية للديمقراطية” ( EED )، من أجل “الترويج للديمقراطية” وزعزعة استقرار الخُصُوم بهدف تعزيز مصالح الإتحاد الأوروبي بالخارج، ولهذه المُؤسسة روابط متينة بالمنظمات الأمريكية وبحلف شمال الأطلسي الذي جعل من “جورجيا” ثم “أوكرانيا” زيادة عن “بولندا”، وجميعها مُحاذية لروسيا، مواقع استراتيجية لإدارة “الثورات المُلَوّنة”، منذ سنة 2003، لما أصبحت جورجيا دولة عميلة للولايات المتحدة وللإتحاد الأوروبي، وشريكًا مُهِمًّا لحلف شمال الأطلسي الذي دعمها (إلى جانب الكيان الصهيوني)، سنة 2008، لشن حرب خاطفة على روسيا، لكنها فشلت، واستخدمت الإمبريالية الأمريكية أفراد القوات الخاصة الجورجية وعناصر شيشانية وقوقازية، دربهم جميعًا الجيش الأمريكي لمحاربة روسيا، لتضُمّهم إلى المنظمات الإرهابية بسوريا والعراق، مع الإشارة أن “ساكاشفيلي” الإبن (ابن الرئيس الذي نصبته أمريكا إثر “ثورة مُلَوّنة” بجورجيا) ، الذي درس بالولايات المتحدة، موظف لدى “كودا ستوري” الأمريكية، ويُترجم بعض المقالات الدّعائية إلى اللغة الروسية، بتعاون وثيق مع موقع “ذي إنتربريتر” ومع “هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) والمخابرات البريطانية ( MI6 ) ومركز “وودرو ويلسون الدولي للباحثين” بواشنطن، وهي “مؤسسة فكرية” تُمولها الحكومة الأمريكية، ومُجَمّع الصناعات العسكرية الأمريكية، وبعض شركات صناعات الأدوية، بهدف “تعزيز مصالح السياسة الخارجية الأمريكية” التي تُرَكِّزُ منذ حوالي عشر سنوات على الصين وروسيا، بشكل يميل إلى الهَوَس.

أعادت الولايات المتحدة، سنة 2015، إلى الوجود المحطات الإذاعية التي كانت مُخصّصة للدعاية ضد الإتحاد السوفييتي، أثناء الحرب الباردة، بإشراف وكالة الإستخبارات المركزية، مثل إذاعة أوروبا الحرة، صوت الحرية، واستخدمت مِنَصّة “أكْسس ناو”، ذات العلاقة الوثيقة بوكالة الإستخبارات المركزية، ووَظّفت إعلاميين ناطقين باللغة الرّوسية، بدعم من شركات أمريكية وأوروبية في قطاعات تصنيع الأسلحة والمحروقات (النفط والغاز)، وبالتعاون مع  مركز تحليل السياسات الأوروبية (CEPA) وهو مركز أمريكي، وليس أوروبي له مكاتب في بروكسل وفي كييف (عاصمة أوكرانيا)، وحصل على تمويلات من الحكومات الأوروبية ( بريطانيا والسويد وهولندا وألمانيا ) ومن حلف شمال الأطلسي وشركات صناعة الأسلحة، مثل “لوكهيد مارتن” للطائرات الحربية و”رايثون” للدفاع الجوي والصواريخ و”بل” للطائرات المروحية، وشركات أمريكية أخرى مُتعدّدة الإختصاصات، مثل غوغل وأمازون وفيسبوك وتويتر ومايكروسوفت وفرزيون (الإتصالات) و”أي تي تي”، ومؤسسة فورد، ومؤسسات المجتمع المفتوح للملياردير جورج سوروس، وغيرها، بهدف “نشر الرسائل المؤيدة للغرب والمناهضة لموسكو في وسائل الإعلام الناطقة باللغة الروسية… بتمويل من المساهمات الطوعية للحكومات ذات العقيدة والفكر المماثل، ومن المؤسسات الخاصة والمنظمات الدولية…”، بحسب ما ورد بموقع “كود ستوري” الذي لم يكشف عن “الحكومات الدّاعمة”، ويمكن للمُتَتبّع للنشاط الإعلامي الدّعائي للإمبريالية الأمريكية وللحلف الأطلسي معرفة مكونات الشبكة الدّعائية، عند الإطلاع على الأهداف المُعْلَنة بالمواقع الإلكترونية لعدد من المنظمات المُرتبطة ب”المجتمع المفتوح” و “نيد” وأهدافها المتمثلة في قَلْب أي نظام يرفض الهيمنة الأمريكية-الأطلسية، عبر الدّعاية وعبر محاولات تقسيم البلدان على أسس عرقية أو طائفية، كما حصل بيوغسلافيا، وعلى سبيل الذّكر، حصل “مشروع الويغور لحقوق الإنسان”، وهي إحدى منظمات الإنفصاليين “المُسلمين” بالصين، المدعومة من نظام تركيا الإخوانجي ومن مَشْيَخات الخليج، على 310 آلاف دولار سنويا، بين 2016 و 2019، وعلى 126 ألف دولار سنويا من “نيد”، منذ 2004، “لدور هذه المُنظّمة في خدمة الأهداف الجيوستراتيجية الأمريكية”، بحسب موقع (نيد) الإلكتروني.

 مُشاركة وكالات الأنباء ووسائل الإتصال الحديثة:

وكالة “رويترز- طومسون” هي وكالة إعلامية بريطانية المَنْشَأ، تنشر الأخبار، وكذلك التّحليلات ذات الصبغة الإقتصادية والمالية، وتُقدّم الإستشارات للشركات والحكومات، وقدّمت لها الحكومة البريطانية تمويلات، خلال فترة الحرب الباردة (1945 – 1991)، لنشْرِ الدعاية المناهضة للإتحاد السوفييتي، ولِنشر معلومات مضللة تخدم مصالح السياسة الخارجية البريطانية في المشرق العربي وفي أمريكا الجنوبية، بحسب بيان اعتراف نشرته الوكالة في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير 2020، ولا تزال “رويترز”، بعد ثلاثين سنة من انهيار الإتحاد السوفييتي، تعمل بشكل وثيق مع الحكومة البريطانية، لخدمة أهداف بريطانيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، كما أنشأت رويترز تحالفًا مع “تويتر” (المُرتبطة بوكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية) ومع وكالة “أسوشيتد برس”، التي كانت أول وكالة تُروّج ادّعاء امتلاك العراق “أسلحة الدمار الشامل”، سنة 1990، كما نشرت التقرير السمعي البصري المزيف بشأن قتل الجنود العراقيين أطفالا حديثي الولادة بمستشفيات الكويت، وهي منحازة بشكل مُطلق للكيان الصهيوني، إذ فصلت وكالة “أسوشيتد برس” مُراسلتها “إميلي وايلدر” (أيار/مايو 2021)، بسبب تغريدة على حسابها بتويتر، تنتقد جانبا بسيطًا من سياسات الكيان الصهيوني. نشأ هذا التحالف “الإعلامي” (الدّعائي) في إطار “حرب المعلومات”، بذريعة “مُراقبة وتَفْنِيد المعلومات المُضَلِّلَة على وسائل التواصبل الإجتماعي” (بيان شركة “تويتر” 02 آب/أغسطس 2021)، وتتعاون وسائل الإعلام الثلاثة (رويترز وأسوشيتد برس وتويتر) مع شركات التكنولوجيا الأمريكية ومع الحكومات، لإخماد أي صوت مُستقل أو ناقد، بحسب موقع “ميدل إيست آي” الذي أشار إلى إشراف موظفة سابقة عملت لمدة 33 سنة بوكالة الإستخبارات الأمريكية، وضابط بالجيش البريطاني، متخصص بالحرب النفسية، على “تنسيق المحتوى المرتبط بالشرق الأوسط على منصة تويتر”، وعلى مُراقبة وحَظْر “التضليل الإعلامي”، و”تهديد الأمن القومي” لدول حلف شمال الأطلسي، بحسب وثائق رسمية بريطانية تم تسريبها في شباط/فبراير 2021، ولم تَنْفِها حكومة بريطانيا أو الولايات المتحدة، وهي ذريعة اتخذتها شركات “فيسبوك” و”تويتر” و”غوغل” لتبرير إلغاء المنصات وإسكات الأصوات التي تتحدى مصالح الشركات العابرة للقارات وتُعَرِّي أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، وأغلقت هذه الشركات العديد من الصفحات أو الحسابات، في جميع أنحاء العالم، وخصوصًا في إيران وفنزويلا وسوريا والصين وروسيا، أو لمواطنين عرب (بخصوص فلسطين أو اليمن أو سوريا…)، بتهمة “نشر معلومات مُضَلِّلَة”، بتعاون بين “غوغل” (التي تمتلك يوتوب) و”فيسبوك” (التي تمتلك توتير وإنستغرام) ووكالات الأخبار والحكومة الأمريكية، بينما يوصف موقع “ويكيبيديا” ب”المصدر الموثوق”، رغم نشر العديد من المعلومات المُضلِّلَة، وينطبق نفس الأمر على كالات الأنباء وعلى الصحف الكبرى، في إطار حرب منهجية تدعمها الحكومات الإمبريالية، ومؤسساتها، على حرية الصحافة والتعبير، وعلى رواية المُضْطَهَدِين والمُستَغَلِّين لتاريخهم، ولواقعهم، ولطموحاتهم…

 رويترز و “بي بي سي”، جزء من شبكة التّضليل الإعلامي:

أظهرت الوثائق الداخلية المسربة من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية، والتي نشرتها مجموعة تطلق على نفسها اسم “مجهول” (أنونيموس)، في شباط/فبراير 2021، مُشاركة رويترز ووسائل الإعلام الأخرى في تشويه الحقائق، لتصبح أدوات في عملية حرب المعلومات البريطانية والأمريكية، بهدف “إضعاف نفوذ الدولة الروسية”، وساعدت رويترز في إنشاء وإدارة شبكة من المراسلين المناهضين للحكومة داخل روسيا، بهدف تشويه سمعة حكومة روسيا وتلميع صورة بريطانيا والولايات المتحدة، وأظهرت نفس الوثائق، حصول وكالة “رويترز” ومجموعة “بي بي سي”، ووسائل إعلامية أخرى، على دعم كبير من وزارة الخارجية البريطانية، ومن مؤسسات الكمونويلث، وشاركت في برامج سرّيّة بهدف إضعاف روسيا وتغيير نظامها وتقويض نفوذها في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، بعد مُشاركة رويترز وبي بي سي، خلال فترة الحرب الباردة، في إضعاف الإتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وأشرفت “رويترز” على إعداد وتنفيذ برامج تدريب الصحفيين الروس، بتمويل من الحكومة البريطانية، وأكدت “جيني فيركير”، المتحدثة باسم مؤسسة تومسون رويترز، صحة الوثائق المسربة، وأعلنت “يندرج عَمَلُنَا ضمن المصلحة العامة، ولذلك دعمنا، على مدى عقود، الصحافة الحرة علنًا، وعملنا على مساعدة الصحفيين على مستوى العالم لتطوير المهارات اللازمة للإبلاغ، باستقلالية “.

توضح التسريبات، من سنة 2018 إلى 2021، تفاصيل كثيرة عن مُشاركة رويترز وبي بي سي، من خلال عُقُود بقيمة ملايين الدّولارات، في البرنامج البريطاني/الأمريكي/الأطلسي “لمواجهة رواية الحكومة الروسية … ولإضعاف تأثير الدولة الروسية على جيرانها القريبين”، كما أوردت الوثائق المُسَرّبة تفاصيل الدّعم المالي والإعلامي البريطاني والأمريكي، للإحتجاجات في روسيا وآسيا الوسطى، ودعم المترشحين المناهضين لسياسات الحكومة الروسية، ودعم “الثورة الملونة” في “بيلاروسيا” (سنة 2020)، وكشفت هذه الوثائق (إضافة إلى وثائق رُفِعت عنها السّرّية في كانون الثاني/يناير 2020) حقيقة اثنتين من أكبر وأعرق المؤسسات الإعلامية في العالم ( وكالة رويترز وهيئة الإذاعة البريطانية – بي بي سي) كمكاتب استخباراتية، وأدوات للتغطية على تمويلات دول حلف شمال الأطلسي لبعض أنواع “المُعارضين” المأجورين، ووسائل إعلامهم، منذ 1969، على الأقل، وساعدت رويترز، وبي بي سي في تأسيس محطة بيلسات التلفزيونية البيلاروسية “المُستقِلّة” (كما تَدّعِي)، وهي قناة دعائية يُشرف عليها حلف شمال الأطلسي، مقرها في بولندا، وتمولها حكومات الإتحاد الأوروبي، “لمكافحة انتشار المعلومات الرسمية الروسية”، ولعبت دورًا هامًّا في دعم وتضخيم الاحتجاجات، على غرار الثورة الملونة (أيار/مايو 2020) التي كانت تهدف لإطاحة بالرئيس البيلاروسي “ألكسندر لوكاشينكو”، ووجبت الإشارة إلى رَفْض الحكومة البريطانية الرّدّ على التّوضيحات التي طلبَها بعض النواب، ورفضت الكشف عن ميزانية بعض الأقسام السّرّية والغامضة بوزارتي الخارجية والحرب، بذريعة الحفاظ على “الأمن القومي”، وقَدّرت التسريبات قيمة المِنَح البريطانية والدّعاية التي كانت مُقَرّرة لصالح معارضي “بوتين”، قبل انتخابات 2021، بنحو 8,3 ملايين دولارًا، بما في ذلك مدفوعات لمتعاقدين مع رويترز و بي بي سي، ومع موظفين أمْنِيِّين، بحسب تقرير نشره الصحافي  الإستقصائي “كيت كلارينبيرغ” في الثامن عشر من شباط/فبراير 2021، كما خصّصت بعض المنظمات الأمريكية (منها وَقْف “نيد”) حوالي 2,5 مليون دولارا، بين آذار/مارس 2016 وآذار/مارس 2019، لتأمين شبكة محلية من أعوانها في روسيا، وفق تقرير نشره نفس الصحافي (كيت كلارينبرغ) يوم 25 تموز/يوليو 2021، وكان قد نَشَر تقارير أخرى عن تمويل المليشيات الإرهابية بسوريا، وعن شبكات التضليل الإعلامي، ومنها منظمة وهمية لحقوق الإنسان بسوريا، يُديرها شخص من لندن (عضو الإخوان المسلمين بسوريا) بإشراف الإستخبارات البريطانية، تُروّج للمنظمات الإرهابية بسوريا، التي تمولها وتُدرب عناصرها وتُسلّحها الدول الأعضاء في الناتو ودويلات الخليج…

يمكن تلخيص الإندماج الكامل لوسائل الإعلام (مثل وكالات الأخبار ومحطات التلفزيون “المُستقلّة”) مع برامج ومُخطّطات القوى الإمبريالية، بنقل مُقتطف من تصريح المتحدثة باسم شركة “رويترز” (جيني فيريكير)، ردّا على سؤال بشأن مدى توافق مشاركة رويترز في البرامج الممولة من وزارة الخارجية البريطانية والتي تهدف إلى مواجهة روسيا، مع مبادئ الثقة الخاصة بالمؤسسة الإخبارية، قائلة: “يدعم هذا التمويل عملنا المستقل لمساعدة الصحفيين والصحافة في جميع أنحاء العالم، كجزء من مهمتنا لتعزيز نظام إعلامي عالمي حر وحيوي لدعم تعدد الأصوات والحفاظ على تدفق المعلومات الدقيقة والمستقلة،  وذلك لأن التغطية الإخبارية الدقيقة والمتوازنة هي ركيزة أساسية لأي مجتمع حر وعادل ومستنير(عن موقع “غراي زون” 07 أيلول/سبتمبر 2021).

لعبت بي بي سي ورويترز، طيلة عُقُود، منذ الحرب الباردة، إلى الآن، دورًا عدوانيًا وتُشارك، خلال السنوات الأخيرة، وبشكل متزايد في شيطنة حكومات البلدان التي تسعى الإمبريالية الأمريكية وبريطانيا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى تغيير نظام حُكمها (كوبا وفنزويلا وإيران وروسيا والصين وسوريا…)، وأسّست رويترز وبي بي سي وأسوشيتد برس وغيرها مواقع على الشبكة الإلكترونية وحسابات وصفحات بأسماء وهمية، لدعم هذا العمل التّخريبي، باسم “مُقاومة الأنظمة استبدادية”…

الأمم المتحدة حلقة من شبكة التّضليل الأمريكية:

بعد 17 يومًا من تفجيرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، فرض مجلس الأمن ( الأمم المتحدة )، يوم 28 أيلول/سبتمبر 2001، على جميع الدّول، قراراً اعتبر “إن فعل الإرهاب يشكل تهَديداً للسِلم والأمن الدوليين”، وفَرَضَ تعهّدات مُلزِمة لمجمل الدّول، منها تغيير القوانين، وتَجريم الإرهاب (بدون تعريف دقيق للإرهاب، وعدم اعتبار إرهاب الدّول عملا إرهابيا) وتأمين ومراقبة الحدود والتحويلات المالية ومحتوى وسائل الإعلام ووسائل الإتصال المُسمى “اجتماعي”، وأنشأت الأمم المتحدة “لجنة مكافحة الإرهاب” بإشراف خمسين “خبير”، يُقدّمون تقارير عن درجة “امتثال” الدول لقرارات مجلس الأمن، ثم أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 2006، بإجماع الدول الأعضاء (192 دولة)، “استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب”، وتُركّز الوثيقة على “التصدي للظروف التي يُمكن أن تؤدي إلى انتشار الإرهاب، واتخاذ تدابير لِمَنع الإرهاب ومُكافحته، واتخاذ خطوات عملية لبِناء قُدرة الدول على تنفيذ ذلك،  واتخاذ التدابير اللازمة لِضَمان احترام حقوق الإنسان في مُكافحة الإرهاب…”، بحسب الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة، وبذلك أضْفَتِ الجمعية العامة للأمم المتحدة “الشرعية” التي كان يفتقدها قرار مجلس الأمن…

أظْهَر تطبيق قرارات الأمم المتحدة (وهي قرارات أعدّها خُبراء الإمبريالية الأمريكية) ارتفاع حجم انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاك الحقوق الأساسية للمواطنين، باسم “الحرب على الإرهاب”، ليس من قِبَل “الحكومات الإستبدادية” (كما تُسمّيها الولايات المتحدة) فحسب، وإنما من قِبَل أجهزة الأمن والقضاء في الدّول الرأسمالية المتطورة، أو “الديمقراطية”، بحسب التّصنيف الأمريكي، ونشر “مجلس حقوق الإنسان” التابع للأمم المُتحدة ( جنيف ) وثائق وشهادات وتقارير تثبت هذه الإتهامات، ما اضطر الأمم المتحدة لتعيين “مُقَرِّر أممي، مُستقل، معني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب”، ووردَ في تقرير المحامية الإيرلندية “فيونوالا ني أولان” التي عينتها الأمم المتحدة في هذا المنصب يوم أول آب/أغسطس 2017: ” تُمثل الإنتهاكات التي لاحظناها نتيجة منطقية لخطاب صَدّرَتْهُ الولايات المتحدة وفرضته على جميع دول العالم، من خلال الأمم المتحدة، يُشَرّعُ مكافحة الإرهاب، وهي نتيجة لعدم دقّة مجموعة القرارات التي اتخذها مجلس الأمن الدّولي، والتي تطالب كل دولة بوجوب إقرار تشريعات خاصة بها، لمكافحة الإرهاب”، وأورد التقرير نماذج للإنتهاكات التي تذرّعت بقرارات الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، من قِبَل حكومات تركيا وسريلانكا، والهند والكيان الصهيوني، ومن الولايات المتحدة نفسها، وغيرها، والتي تُجَرِّمُ حُرّية التعبير وحرّية التجمع، باعتبارها “أعمالا إرهابية”، وسَجَنَ القضاء العديد من المُدافعين عن حقوق الإنسان في مصر والفلبين وتركيا وكولومبيا وغيرها، باسم “مكافحة الإرهاب”.

تُعْزى هذه الإنتهاكات إلى صعوبة تعريف “الإرهاب”، وعدم الفصل بين النّضال من أجل الحُرية، أو ضد الإستغلال والإضطهاد والإستعمار، والعمل الإرهابي، وهو أمر مقصود “لتتمكّن الأنظمة الموالية للولايات المتحدة من إساءة تطبيق تدابير مكافحة الإرهاب ضد المجتمع المدني، أو الصحفيين، أو المُعارضين…”، ما يُقوّض مصداقية الأمم المتحدة، بسبب تبعيتها واندماج خذذها مع مخططات الإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، بحسب موقع “جسْتِس سكُورِتي”، الذي يُشير إلى دور “مكافحة الإرهاب” في إضْعاف فكرة الدّيمقراطية والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية، التي لم تقع استشارتها قبل اتخاذ هذه القرارات المُلْزِمَة…”، وتستثني الأمم المتحدة ومُنظمات “المجتمع المدني” الإغتيالات التي تُمارسها العديد من الحكومات، وفي مقدّمتها الإمبريالية الأمريكية والكيان الصّهيوني، وإرهاب أجهزة الدّولة، من التصنيف ضمن “الأعمال الإرهابية”.

خاتمة:

قد لا يُعِير البعض أهمّيّةً لحدث انهيار الإتحاد السّوفييتي (بغضّ النّظر عن مواقف أيٍّ مِنّا من سياسات ومفاهيم وتطبيقات الإتحاد السوفييتي، باسم الإشتراكية)، الذي أتاح للإمبريالية الأمريكية الإستفراد بالطبقة العاملة وبالفُقراء، وبالبلدان والشعوب الواقعة تحت الهيمنة، وترجمت الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها هذه المرحلة الجديدة، بالعدوان على العراق (كانون الثاني/يناير 1991) وعلى الصومال ويوغسلافيا (الحرب الأولى بداية من آذار/مارس 1991)، وسَدّد الشعب الفلسطيني ثمنًا مُرتفعًا جدًّا، حيث تُرجِمَ انهيار الإتحاد السوفييتي بهجرة نحو مليون من المُستوطنين الجُدُد الذي استعمروا فلسطين، وبدل حلّ حلف شمال الأطلسي، تم توسيعه وتعزيزه، لِيُحاصر الصين وروسيا، ويحتل أفغانستان، بحد تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر 2001، أي بعد عشر سنوات من انهيار الإتحاد السوفييتي، ومن إعادة ترتيب “النظام العالمي الجديد”، بزعامة الولايات المتحدة التي اتخذت الإرهاب ذريعةً لاحتلال أفغانستان ثم العراق، وتدمير العديد من البلدان، منها سوريا واليمن وليبيا، فضلاً عن العراق…

استخدمت الإمبريالية الوسائل العسكرية والمنظمات الدّولية ووسائل الإعلام، وساعدها تشتُّت القوى التّقدّمية، وضُعفُ صفوفها، وضُعْف المُقاومة، لِتُحقّق معظم أهدافها…

من الضّروري دراسة أسباب الهيمنة ونتائجها، من أجل بناء قُوى تقدّمية، محلّية وأُمَمِيّة لمقاومة الهيمنة الرأسمالية المُعَوْلَمَة، أي الإمبريالية، ومن يُمثّل مصالحها في بُلداننا، وأظْهرت انتفاضات تونس ومصر غياب برنامج مُستقل للقوى التقدّمية، ما جعل الصّراع ينحصر بين تَكتُّلَيْن رجْعِيَّيْن…    

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.