اقتصاد عالمي، سنة ثانية كورونا، الطاهر المعز

تتعرض الفقرات الموالية لتفاقم الفوارق الطبقية، على مستوى محلي وعالمي، منذ انتشار وباء كوفيد 19، مع بعض الأمثلة من تقارير الأمم المتحدة أو البنك العالمي، التي تُقدّم المعلومات بطُرُق خبيثة، تُحَوِّل حقوق الأُجراء والفُقراء إلى عملية تَسَوُّل واستجداء “المُحْسِنِين” من الدول الغنية ومنظماتها “الخيرية والحقوقية”، ويتعرض الجزء الثاني من هذه الفقرات إلى تنظيم عملية سرقة المال العام من قِبَل الشركات الخاصة، بالولايات المتحدة، بدعم من إجراءات الحكومة الإتحادية، كنموذج لفساد الرأسمالية المتقدّمة التي تحكم البلاد والعالم…  

كورونا وعدم المساواة:

توسّعت الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، منذ انتشار وباء “كوفيد-19″، بسبب ظروف العيش والمسكن والنّقل للفقراء، واضطرارهم إلى عدم التوقف عن العمل، أثناء فترات الحجر الصّحي والحبس المنزلي، واكتظاظ مساكنهم ونقص المرافق الصحية والتّهْوِئة.

أما على الصعيد العالمي، فقد تسببت الجائحة في تفاقم عدم المساواة بين الدول الأكثر ثراءً التي تمتلك شركاتها موارد ومختبرات لابتكار الأدوية واللقاحات، والدّول الفقيرة التي فرض عليها صندوق النقد الدّولي خصخصة قطاع الرعاية الصحية، ما جعل مواطنيها يجدون صعوبات في العلاج، فضلاً عن نقص الموارد الحكومية، وعدم اهتمام الدّولة أصلاً بالفُقراء…

قَدّرَ منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ (منتصف كانون الأول/ديسمبر 2020)، عدد المحتاجين إلى مساعدة إنسانية عاجلة، سنة 2021، بنحو 235 مليون إنسان، وعدد المحتاجين إلى مساعدة غذائية عاجلة بنحو 270 مليون شخص، وتُقدّر الأمم المتحدة قيمة المساعدات العاجلة بنحو 35 مليون دولارا، لتقديم الغذاء والدواء والمأوى والتعليم وبعض الخدمات الضرورية الأخرى، لكن منظمات المساعدات الإنسانية تشكو عجزاً كبيرًا في ميزانيتها.

تؤكد الأمم المتحدة على “ضرورة التعاون الدولي للتخفيف من معاناة الفئات الأكثر ضعفاً في 56 دولة”، فالدّول الغنية أنفقت داخل بلدانها حوالي عشر تريليونات دولارًا لدعم الشركات، خلال فترة انتشار الوباء، وهو ما لا تقدر عليه الدول الفقيرة  التي تُعاني من إضافة الملايين إلى أعداد العاطلين عن العمل والفُقراء.

في الأثناء لا تزال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (انروا) تعاني من العجز المالي، لأن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يريدان اغتيال شاهد آخر على النّكبة، وفصلت الوكالة عددًا من موظفيها وخفضت حجم الخدمات ولا تزال المدارس والمراكز الصحية والخدمات الاجتماعية التي تقدمها الأونروا في المخيمات معرضة لخطر الزوال…

ورد في تقرير للبنك العالمي (2019) “إن نخب البلدان الناشئة تستحوذ على المساعدات الخارجية”، ونشر موقع البنك العالمي وثيقة أظْهرت تزامُنَ مدفوعات المساعدات مع الزيادات في الودائع المصرفية في المراكز المالية الخارجية المعروفة ب”أوف شور” أو الملاذات الضريبية، وقدّرت وثيقة صادرة عن “مجموعة أبحاث التنمية” بالبنك العالمي، في شباط/فبراير 2020، أن حوالي 7,5% من القُروض الخارجية و”المُساعدات” للبلدان الفقيرة، تتسرب مباشرة (خلال أقل من ثلاثة أشهر بعد صَرْفِها) إلى الملاذتات الضريبية، ولا تُساهم في تسيير عجلة الاقتصاد أو معالجة الخلل، ومن هذه الملاذات: سويسرا ولكسمبورغ وبلجيكا وجيرسي (مستعمرة بريطانية) والعديد من الجزر الأخرى الواقعة تحت النفوذ الأمريكي والأوروبي (سنغافورة وكايمان وباهاماس…)، حيث يُمثل حجم الودائع القادمة من البلدان الفقيرة نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي لنفس هذه البلدان الفقيرة، واعتمد تقرير البنك الدّولي على ما كشفته “أوراق بنما”، دون أن يعترف مُعِدُّو التقرير بذلك، وأهمل تقرير البنك العالمي ما فَرَضَهُ من شروط على المُقْتَرِضِين، مثل استفادة القطاع الخاص من القروض و”المساعدات”، بعنوان “الشراكة بين القطاعين العام والخاص”، وبذلك ساهم البنك العالمي (مع صندوق النقد الدّولي) في خصخصة الأرباح و”تأميم” المخاطر التي تتحملها الدّولة، فيما تستفيد الشركات الخاصة من الأرباح، كما أهمل تقرير البنك العالمي تهريب الشركات العابرة للقارات للأموال والثروات والتّهرب من تسديد الضرائب، كما أهمل استفادة الدول الغنية “المانحة” من الدّيون ومن شُرُوطها التي تدعم شركاتها ومن فوائد الديون، فضلا عن استفادة الدّول الغنية من المبالغ المخصصة لوكالات ومصارف التنمية، حيث تقترن القروض و”المساعدات” باستفادة شركات الدّول الغنية من المشاريع التي تمولها هذه الوكالات والمصارف في مجالات البنية التحتية والزراعة والطاقة والصحة وغيرها، وتستخدم هذه المشاريع المُمَوّلة من المال العام، لتغزو في مرحلة ثانية العديد من المجلات الأخرى التي لا تشملها القُروض و”المساعدات” المشروطة بتحديد مجالات استخدامها، وطريقة إنفاقها…

وأدّت سياسات صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي إلى خصخصة المرافق والبنية التحتية والمرافق والخدمات، عبر “الشراكة بين القطاعين العام والخاص”، ليصبح الناس مطالَبِين بدفع رُسوم لاستخدام الشوارع، وتسديد تكاليف الدّراسة وتسديد مبالغ متزايدة للإستفادة من مرافق الرعاية الصحية ومياه الشّرْب والتيار الكهربائي، وغير ذلك.

تنطلق مُقاربة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من مَشْرُوعية وديمومة الهيمنة الإمبريالية على الدول الفقيرة، ولئن لاحظت وَوثَّقَت اتّساع الفَجْوة، فإنها تدعو إلى مُعالجتها “أخلاقيا”، أي بالإحسان و”المُساعدة” الطَّوْعِية والتّبرُّعات “لمن استطاع إلى ذلك سبيلا”.

تَطْمُسُ هذه المُقاربة نتائج الإستعمار المُباشر والعُبُودية واستنزاف موارد بلدان إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وتحويلها إلى الدّول الغنية، بقوة السّلاح، منذ القرن الخامس عشر، وخصوصًا منذ القرن السابع عشر.

تندرج مسألة مُعالجة الفَقْر ضمن النضال ضد الإستعمار والإمبريالية، وضمن النضال الطبقي داخليا، ضد الطبقات والفئات التي تساهم في استنزاف ثروات البلدان وفي استغلال العاملين في المناجم والمصانع والمزارع وغيرها، وفي اضطهاد المواطنين، لتأمين مصالحها المرتبطة بالشركات وبالدّول الأجنبية، ويتطلب هذا النضال مُجابهة قوة الدّولة، القوة العسكرية والأمنية والإعلام والقضاء وما إلى ذلك من مؤسّسات تخدم الطبقات السائدة…     

 نماذج من سرقة المال العام في الدّول الرأسمالية المتقدّمة:

الولايات المتحدة، سرقة المال العام- عن دراسة لجامعة بوسطن والمعهد الوطني للصحة (نشينال إنستتيوت أوف هيلث) أيلول/سبتمبر 2021

من يطلع على الدّعاية الرّسمية للحكومة الإتحاديةو الأمريكية، يتوهّم أن الولايات المتحدة رائدة في مجال مكافحة الفساد والاحتيال، لكن المنظومة التشريعية والقانونية الأمريكية لا تعتبر أن مكافحة الإحتيال من أولوياتها، بل تدعمه من خلال الثغرات العديدة التي تسمح بالاحتيال واختلاس المال العام…

تخطط الحكومة الأمريكية لإنفاق ما يصل إلى 4,5 تريليونات دولارًا على البنية التحتية والرعاية الصحية والمجالات التي تريد الحكومة تعزيزها، مثل النقل العام والطاقة النظيفة والإنترنت عالي السرعة، وتُقدّر الدراسة الجامعية التي اعتمدناها، أن نسبة 5% من هذه المُخصّصات، أو ما يُعادل 225 مليار دولارا (أو ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لليونان ) من هذه الاستثمارات العامة للدولة الفيدرالية تضيع من هذه المبالغ المُخصّصة (نظَرِيًّا) لمساعدة الفقراء ومساعدتهم على العلاج، ولخلق وظائف للعاطلين عن العمل، لتستحوذ عليها الشركات الخاصة التي تُنفّذُ برامج الحكومة الإتحادية، وتتلاعَبُ ببنود تنفيذ العُقود، بتواطؤ موظفي الدّولة، وعلى سبيل المثال فإن منظمات وشركات الرعاية الصحية تُزَيِّفُ بيانات المرضى للحصول على مدفوعات أعلى من “مديكير” أو “مديكيد”، كما تُضَخِّمُ شركات أخرى تكاليف الخدمات التي تُقدّمها للجيش في الولايات المتحدة أو القواعد العسكرية المنتشرة حول العالم، أو في البلدان العديدة التي يحتلها أو يعتدي عليها الجيش الأمريكي…

تزعم وسائل الإعلام والعديد من السياسيِّين ومن المواطنين أن احتيال الأفراد والفقراء هو الذي يشكل الجزء الأكثر أهمية في اختلاس الأموال العامة المُخصّصة لبرامج الحكومة الإتحادية، مثل برنامج الغذاء الفيدرالي وبرنامج المساعدة الغذائية التكميلية، لكن قدّرت وزارة القضاء أن كل دولار يُنفق على مكافحة الاحتيال في مجال الرعاية الصحية في عام 2020 من قِبَل الشركات الخاصة المُنفِّذة لبرامج الصحة، جلب 4,3 دولارات، وهو ما اعتبرته عائدًا جيدا للغاية على الاستثمار، فيما تُثْبِتُ الوقائع والأرقام أن معظم عمليات الاحتيال تشمل الشركات التي تسرق الأموال التي تدفعها الحكومة لتوفير الخدمات العامة (في إطار خصخصة المرافق والخدمات)، إذ تمثل العقود الحكومية مع الشركات الخاصة حوالي 15% من الإنفاق العام، ولو افترضنا اعتزام الحكومة مُراقبة هذه الشركات، فإن موظفي الحكومة ومراقبي الإنفاق الحكومي يمتلكون معلومات أقل بكثير من المعلومات التي تمتلكها الشركات الخاصة التي تستغل هذه الميزة لزيادة تكلفة الأعمال والخدمات، وتعرّضت برامج البنية التحتية بشكل خاص للاحتيال أكثر من غيرها، لأنها تتميز بدرجة أكبر من عدم تناسق المعلومات، إذ لا يزال من الصعب التحقق من جودة المواد المُستخدمة في مشاريع البناء، كما استغلّت المنظمات الإجرامية ضُعْف إجراءات الرقابة الحكومية، ليزيد حجم احتيالاتها.

قدّرت الدّراسة أن الحكومة الإتحادية خسرت سنة 2019، نحو 4% من القيمة الإجمالية للإنفاق الطارئ، أو غير المنتظم للأفراد والأُسَر والعاطلين عن العمل والمنظمات الخيرية والإنسانية، ولكن النسبة تصل إلى نحو 15% نتيجة لاحتيال الشركات الخاصة، في إطار “الشراكة بين القطاعَيْن العام والخاص”، من ذلك أن برنامج حماية المدفوعات (PPP) أنفق 792 مليار دولارا من المال العام، سنة 2020، لمساعدة الشركات الصغيرة على تحمل الآثار الاقتصادية لوباء كوفيد -19، خسر منها نحو 76 مليار دولار بسبب الاحتيال، وفقًا لدراسة أجريت سنة 2021 اعتمدت على أدلة ثابنة، مثل سجلات الأعمال التجارية غير المسجلة أو المنشأة حديثًا، أو العديد من العناوين السكنية المتطابقة، أو رواتب الموظفين المرتفعة بشكل غير معقول، وعادة ما تُفلت شركات القطاع الخاص من المتابعة والعقاب، سوى في حالات نادرة، ومنها، إدانة شركة هندسية في ولاية “أُوهايو” (حزيران/يونيو 2021) بتسديد غرامة بقيمة 8,5 ملايين دولارا بسبب الغش في إنجاز مشاريع الصّرف الصّحّي، ولكن نادرًا ما تمت معاقبة هذه الشركات، فضلا عن ضُعْف قيمة الغرامات، وتضارب القوانين، حيث يدعو أحد مشاريع القوانين التي يدرسها الكونغرس إلى “عدم تشجيع التبذير والاحتيال”، لكنه لا يحدد آليات التطبيق ولا العقوبات للمُخالفين، ولا يحتوي القانون الأمريكي سوى على عدد قليل جدا من بنود ردع الاحتيال، ما يعني تشجيع الحكومة، والمؤسسات النيابية، وهي جزء من المنظومة الرأسمالية المُهيمنة، للإحتيال والفساد من الحجم الثقيل…

تُخصّصُ معظم الصحف ووسائل الإعلام حيزا هامًّا لصغار الجانحين والمُجرمين من الفُقراء ومن الأقليات (السّود أو العرب أو المهاجرين…)، وتُهمل عمدًا كبار المجرمين، لأنهم أثرياء، مثل أصحاب الصحف ووسائل الإعلام الأخرى، ونادرًا ما نقرأ أو نسمع أخبارًا عن فساد الحاكمين والأثرياء وأصحاب المصارف والشركات، وتسربت القليل من الأخبار بعد نشر “أوراق بنما” (2016) أو من خلال بعض التقارير البرلمانية والدّراسات والبُحوث الأكاديمية، قليلة الإنتشار، والتي يستفيد منها الأثرياء لكي يتلافوا الأخطاء والهفوات والثّغرات التي مَكّنت الدّارسين من اكتشافهم عمليات الإحتيال واللُّصُوصية التي يُمارسونها، دون رقيب أو حسيب…

يندرج اعتقال وسجن “جوليان أسانج”، مؤسس موقع “ويكيليكس” والتهافت الذي أظهرته الولايات المتحدة وبريطانيا ضدّه، ضمن الإنتقام ممّن تجرّأ على نشر أخبار وحقائق كثيرة، لا يُراد للجمهور العريض الإطلاع عليها، لأن الفساد والإحتيال ليس انحرافًا عن “القِيم” الرأسماليا، بل جزءًا منها، وشكل انتشار وباء كوفيد فُرصةً للشركات الكبر لنهب المال العام، بتواطؤ من الحكومات، بينما زادت هُموم الفُقراء…    

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.