كنعان” تنشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، لمؤلفه د. عادل سمارة، الحلقة (1)

الكتاب: هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة

المؤلف: د. عادل سماره

الحلقة (1)

المحتويات

شكر وتقدير …………………………………………………………………………………..3   

تمهيد ………………………………………………………………………………………….. 5

القسم الأول

هزائم منتصرة

  1. كميونة باريس:  حرب العمال حرب المدينة ………………………………………….26   
  2. الثورة الثقافية: حرب من خارج الحزب ……………………………………………… 46
  3. الثورة الطلابية: حرب الطلاب المدينية …………………………………………….. 73    
  4. إنتفاضة 87 حرب الشعب بلا بنادق ……………………………………………… 101                           

القسم الثاني

انتصارات مهزومة

  1. اوروبا الشرقية نصف ثورة نصف مضادة …………………………………………. 120     
  2. الموجة القومية الثالثة وليدة  اللبرالية الجديدة والعولمة ورثت الأولى …………. 150

استخلاص مقارن ………………………………………………………………………….. 161

English Abstract ………………….………………………………… 184

شكر  وتقدير

لا يقتصر إنجاز عمل فكري أو اي عمل إنساني آخر على جهد أي امرىءٍ وحسب، فتراكم وتواصل المعرفة البشرية تدمج العمل الحي/ الجاري بالعمل الميِّت/مجازاً بالطبع، الذي أنجزه البعض قبلهُ ممن ناقش او نقد أو نقض أطروحاتهم فهم حضور في العمل وإن كان الكاتب لا يعرفهم ولم يعاصرهم، لذا لهم شكر الذكرى.

الشكر للرفيق د. عصام السعدي في الأردن الذي ساهم برأيه وإمكاناته في طباعة هذا العمل رغم جائحة كورونا التي مكَّنت راس المال من اعتقال معظم البشرية في منازلها وأكواخها. والشكر موصول للرفيق د. مسعد عربيد في كاليفورنيا لمتابعته بناء هذا الكتاب بالنقد والإضافة.

ومن قبيل المصادفة الجميلة أن أعثر بعد إنجاز هذا العمل ووضع عنوانه على مقطع كتبته المفكرة والمناضلة الشيوعية/الشهيدة روزا لكسمبوغ على فقرة تتطابق مع عنوان كتابي هذا، فقد كتبت هي:  “… لقد جعلوا من هذه الهزيمة حلقة  في سلسلة من الهزائم التاريخية  والتي تشكل  الكبرياء والقوة  للأممية الاشتراكية. وهذا السبب في ان من هذه  “الهزيمة” سيولد  نصرا … ان الثورة سوف تصعد مرة اخرى  بوهج  درعها وسوف ترعبك بصرختها : انا كنت، انا هنا، وانا ساكون” .

وذلك في كتاب:

  • The Accumulation of capital –An Anti-Critique by Rosa Luxemburg.
  • Imperialism and the Accumulation of Capital by Nikolai Bukharin. Monthly Review Press, 1972, p 6.

ويكون الشكر لروزا التي قتلتها الرأسمالية بوحشية معنىً اليوم حيث تقوم الرأسمالية الإمبريالية الألمانية اليوم بتكرار قتل روزا لكسمبورغ  عبر دورها، دور ألمانيا هذه، في تدمير سوريا متحالفة مع كيانات النفط العربية، الإمارات وقطر مثلاً،  التي تقدم ظاهرة عجيبة للجيوبوليتيك التي تغزو اقطارا عربية لا تلاصقها جغرافيا كما أنها تفتقر إلى القدرة الإنتاجية والعسكرية وحتى الكم الديمغرافي والبنية الثقافية والحضارية لتلعب هذا الدور إذ لا يتوفر منه لها سوى السيولة المالية المتأتية من الريْع معتمدة بل مقودة بتقسيم العمل الراسمالي الإمبريالي. أذكر هذا لأن الرأسمالية الألمانية قد زجت بإسم روزا لكسمبورع في منظمة أنجزة تقوم بدور إمبريالي وصهيوني وخاصة في الوطن العربي وفلسطيننا. فاي تشويه لهذه المناضلة!

ويبقى بالضرورة الشكر والعرفان ل عناية الشريكة الدائمة في كل ما أنتجت.

تمهيد

ليس عنوان هذا الكتاب بغرض جدل المفردات كما قد يتخيَّل البعض، بل بغرض التأكيد التاريخي، تأكيد شروط التاريخ. فليست الهزيمة في مرحلة ما وظرف ما معزولة عن السياق التاريخي الطويل، لأن هزيمة ما في موقع ما هي تأسيس لانتصار مُقبل. كما أن انتصارا ما، وتحديداً للثورة المضادة هو مؤقت بالمعنى التاريخي وهو مقدمة لهزيمة لا مندوحة عنها تاريخياً. وتحديداً، فإن سياق التاريخ الكلي العالمي والجزئي هنا وهناك هو في التطور النهائي إلى الأمام حيث يكنس “انتصارات” الثورة المضادة لأنها لا تاريخية. هذا هو المفهوم الديالكتيكي للتاريخ بما هو من صنع البشر، من صنع الإنسانية ولأجلها.

يميل البعض للاعتقاد بان الديالكتيك هو تحديدا مكون من القضية وعكسها وطباقها.

التفسير الحقيقي للتاريخ قائم على الحدث متولد من الحدث، والحدث هو وعاء التناقض، وعاء يحتوي التناقض الدائم، متنقل من مستوى إلى آخر أشد وأعلى، ومن هنا يرى ماركس أنه ليس صحيحاً فهم الديالكتيك على أنه ثلاثي، اي القضية ونقيضها والطباق، فلا وجود للطباق، ولكن ما يقوله ماركس في هذا الصدد بأن لا وجود للطباق. فما يوجد هو فقط استدخال لِ وإحتواء للتناقض. فالتناقضات لم تُحل ابدا ولا تُحل ابداً، بل يمكن فقط أن تتكرر ضمن نظام حركات أبدية، على شكل أقل بيضاوي/إهليجي أو على نطاق أعظم[1].

لذا، لم يتوقف هذا الكتاب المتواضع عند هزيمة كميونة باريس معزولة عن ما بعدها، كما لم يتوقف عند انتفاضة 87 في فلسطين، ولم يقدم التاريخ طباقا لهذه او تلك، بل بقي كل شيء مفتوحا على مداه لأن التناقض لا ينتهي بل يرتقي. من هنا أُجيز  هذا العنوان.

يجوز لنا القول أن هذه الفترة، اقصد منذ تسعينات القرن العشرين،  من التناقض/الصراع  الرئيسي في الكوكب، هي فترة انتقالية أعقبت تحقيق راس المال انتصارات واسعة ضد العمل حفزت فوكوياما للزعم بأن التاريخ قد انتهى عند الرأسمالية وأرعبت الكثير من الشيوعيين فأقسموا غلاظ أيمان الردة، وتسابقوا على المساجد والكنائس والندم والتنصُّل. لكن ذلك لم يشهد استسلام العمل اي  قوى الثورة، على تنوعها ومستوياتها، وإن كان يشهد أيضاً تماسكا/تعاضداً  أشد بين قوى الثورة المضادة وانكشاف ما لم يكن منها في العلن وبطريقة فجَّةٍ تشير إلى أن معسكر الثورة في العديد من بقاع العالم لم يعد يُخيف قوى الإرهاب  والتبعية والفساد والقمع والجريمة وتجميع هذا كله في هدف را س المال اي الربح اللامحدود بآليات التبادل اللامتكافىء والاستغلال والنهب اللامحدودين.

هي فترة انتقالية تلت تفكك أنظمة الاشتراكية المحققة وبروز الأنظمة التقدمية في امريكا الجنوبية، ثم الانقضاض على معظمها من الثورة المضادة، واستعادة روسيا قوتها وظهور البريكس ثم تراجعه بفقدان البرازيل واختلال الوضع بالفساد في جنوب إفريقيا، وصعود الصين كقطب دولي وتنامي دور إيران كقوة إقليمية…الخ. أما في الوطن العربي فوصول الانحطاط إلى ربيع الثورة المضادة، ربيع السبع العجاف حتى الآن.

هذا إلى جانب الأزمة المالية الاقتصادية في المركز الإمبريالي وانعاكاساتها على المحيط على شكل أزمة تحظر على المحيط تبني سياسة حمائية لدرء مخاطرها وهو المنع الذي جوهره أو قانون حركته تحالف:

  • رأسماليات المركز  مع
  • كمبرادور المحيط.

مما جعل أو حول العالم إلى قطاع عام رأسمالي معولم لصالح برجوزايات المركز مع فتات لتوابعها من برجوازيات المحيط[2].

هذا الوضع بين الشد والشد المضاد ممكنة قرائىته على أرضية صراع معولم لا يخرج عن نطاق مقاومة العمل ضد راس المال حتى وإن اتخذ هنا وهناك شكلا دولانياً لا طبقياً مباشراً.

في هذه الفترة ظهرت التنظيرات اليائسة  بل الميالة للاستسلام لجبروت راس المال بتقولات بان العالم تم احتوائه تحت جناح “الإمبراطورية” الأمريكية، وبان سيادات الدول قد ديست وانتهت ومثال على هذا “الماركسية الثقافية” Cultural Marxism والتي بدأت من الإدارة الأمريكية وخاصة فترة أوباما وروج لها المضارب المعولم جورج شورس . بل وصل البعض إلى الاقتراب من القول بأن الإمبراطورية الأمريكية ستكون الناقلة المعولمة إلى الشيوعية وهذا ما دفع قيادات من الحركة التروتسكية إلى الانخراط في تيار الدين السياسي الراسمالي أي  المحافظين الجدد في الولايات المتحدة كي يصل هؤلاء “الشيوعية عبر إمبراطورية الرأسمالية الاحتكارية والأممية عبر العولمة الرأسمالية!” وكانت ثمرة جرائمة احتلال العراق وتدميره. ولا تبتعد عن هذا من حيث الترويج او التبشير بهيمنة الإمبراطورية وضياع السيادات القومية،  في جانب اليسار تنظيرات هاردت ونيجري في إيطاليا.

لكن هذه الفترة المضطربة والمختضَّة بشرت بما هو شديد الأهمية وهو تهالك هذه الحقبة أي حقبة العولمة بمضمونها النيو-لبرالي أو على الأقل قصر عمرها مقارنة بحقب راس المال الطويلة نسبيا السابقة عليها بالطبع. فلم يكن أحدنا ليجرؤ على التكهن بتهافت سريع للعولمة، بل كان هناك، كما اشرنا، تعجُّلا في الاستسلام لها.

لكن العامل الأكثر تأكيدا على ضبابية هذه المرحلة الانتقالية هو عدم حراك الطبقات الشعبية في الشارع العالمي رغم توفر مناخات تدعو للحراك أي أن النجاح البرجوازي في تحييد الشارع أمر مذهل. وهذا يفتح على أسئلة عديدة، هل العامل الذاتي من الضعف إلى هذا الحد، وهل هو ضعيف على مستوى معولم، وهل الحراك الذي حصل ضد الحرب قبيل وخلال العدوان المعولم ضد العراق وأفغانستان كان حراكا ملغَّما بالأنجزة بقيادة المضارب شورش وأمثالة مما حصره في نطاق مخملي واحتجاجات مدفوعة الثمن بتذاكر طائرات وفنادق هنا وهناك مما أدى إلى إجهاضه؟ وهل كان هذا الحراك بلا حزب/أحزاب ثورية تطرد تيار الأنجزة أو تطوعه لثوريتها؟

هذه وغيرها أسئلة طبيعية وفي الجوهر، ولا أقرب عليها من الإجابة ذاتها بأن حركة الثورة كانت أضعف من حمل المهمة. وهذا الغياب او الوهن يذكرنا بالمآلات التي انتهت إليها كميونة باريس والثورة الثقافية في الصين والثورة الطلابية أيار 68 التي هي الموضوعة الأولى لهذا الكتاب، وذلك على العكس من فرص الثورة المضادة حيث كان العامل الذاتي لتلكم الثورات جاهزا وقويا سواء في سقوط اوربا الشرقية أو “الربيع العربي” أو حتى تراجع الثورة في امريكا الجنوبية. بمعنى أن الثورة المضادة موجودة ومتجذرة، موجودة قبيل الثورة مما أعطاها القدرة على التقاط اللحظة والاغتيال وتحقيق إنتصارات سواء في سقوط الكتلة الشرقية أو تفجير الوطن العربي أو تصنيع راس المال لموجة القومية الثالثة التي هي ضمن الفكرة الثانية لهذا الكتاب نفسه.

كل هذا يستدعي السؤال الحي تاريخيا الذي طرحه لينين: ما العمل؟

ليست هذه المحاولة بصدد تحديد طريق ما للعمل، وإنما إعطاء إضاءات مقارنة من خلال المعالجات التي سوف تتناولها وهو ما يمكن أن يشير إلى طريق ما.

قد يصح البدء بالشغل الفكري الثقافي ضد جملة أمور شكلت رافعة لصالح معسكر العدو:

  • كشف ونقد وتفنيد توثيقا وتحليلاً لإيديولوجيا قوى الدين السياسي التي خلقتها، و/أو تحالفت بوضاعة مع الإمبريالية والصهيونية وأنظمة الدين السياسي فكان وليدهما الأكثر وحشية هي القاعدة وداعش وتمفصلاتهما.
  • استعادة/استرداد الشارع من قوى الدين السياسي وخاصة بعد انكشافه، أي أن لا نكتفي بتحليل الظاهرة بل بالهجوم التنظيمي الممنهج لنفيها.أو لنقل تجاوز تحييد ومن ثم حيادية الشارع وتحديداً الطبقات الشعبية.
  • ·       إيديولوجيا استدخال الهزيمة ألاتية من اطراف الثورة المضادة بل وحتى من “حلفاء” في الإقليم التي تروِّج لأكذوبة أن العرب لا يقاوموا ولا يحاربوا[3] ولا ينتصروا ولا ينهضوا وبأن أقصر طريق للحياة هي النذالة وليس التصدي بشرف.
  • تعميق الطلاق الضروري بين الشعبي والرسمي في الوطن العربي اي بين البرجوازية التابعة المحيطية والكمبرادورية  والطفيلية وبين الطبقات الشعبية
  • حسم الموقف من التطبيع ليصبح جزءا من الحياة اليومية للناس لا سيما وأن مناهضة التطبيع ومقاطعة منتجات الأعداء هو أفضل تشغيل ممكن للجماهير بين حرب وحرب. ونقصد هنا بالتطبيع مع ثلاثي الثورة المضادة.
  • تفكيك مفاصل سلطة الدولة القطرية وذلك بالشغل اليومي على تقويض “مصداقية” السلطة القطرية سواء بالتثقيف أو العناد أو إرهاق اجهزتها وخاصة عبر مهاجمة مواقع الأنظمة العدوة وصولا إلى أجهزة هذه الدولة التابعة والعدوة للشعب، وهذا يشترط تشكيل اللجان الشعبية الميدانية في الأحياء كي تلعب دورا توعويا تحشيديا تعاونيا كفاحياً…الخ

ولكن، كيف يمكن تحقيق هذه المهام ومثيلاتها كمقدمات لثورات جذرية تطيح بما هو قائم  وتبني عالماً جديدا؟

هل يعني هذا الانتقال إلى  الانفجار الثوري المباشر؟

في حال تدفقت الجماهير إلى الشارع، فهذا حدث. والحدث لا يستشيرنا، بل يفرض نفسه. وفي هذه الحالة يكون السؤال المحرج: هل جرت ولادة الحزب الثوري الطليعي ليقود الجماهير أم لا؟

إن كان قد تبلور، فذلك تطابق الموضوعي والذاتي، وإن لم يكن، فذلك يعني محاولة الانخراط في الميدان وإثبات الذات وقيادة الحراك نحو العنف الثوري بلا مواربة.

أما إن لم يحدث الفيضان الجماهيري إلى الشوارع، يكون السؤال:

  • هل تقوم المفارز المسلحة بالاشتباك مع السلطة كمهماز للتحريك الجماهيري؟ هذا على اعتبار أن تفكيك مفاصل السلطة القطرية هو عمل دائم لا موسمي كمقدمات للصراع العنفي مع النظام العميل والتابع والبرجوازي، تماما كما هو الموقف المقاتل ضد التطبيع.

وهذا امر يشترط حسابات دقيقة، بمعنى حدود القوة وحدود الاحتضان الشعبي الجماهيري للمنتفضين المسلحين سواء في غوار الريف أو غوار المدن السري طبعا. هل هناك إلى جانب الزمر المسلحة وحدات شعبية تقاتل وراء المتاريس؟ هل لدينا التأثير على الجماهير لتقيم متاريساَ شعبية بمعنى العصيان المدني وزمر تفكيك مفاصل سلطة الدولة القطرية.

يحضرني هنا مشهد المتاريس المعممة في المناطق المحتلة 1967 حيث أقيمت متاريس الحجارة وقطع الخردوات والإطارات في مداخل وداخل كل قرية ومخيم ومدينة. ولم تتم مشاغلة جيش العدو في أية لحظة أكثر من مشاغلته في هذه الانتفاضة 87. وهي مشاغلة جماهيرية شاملة رجالا ونساء وصبية.

ما أقصده هو جاهزية أداة الثورة قبل المباشَرة بها، إلا إذا بدأت كحدث، وحينما تبدأ كحدث يكون السؤال كما اشرنا أعلاه:

  • هل الأداة جاهزة
  • أو هل يمكن ولادتها مع الحدث

كيف يمكن جعل الأمرين ممكنين معا؟

ليس صحيحاً أن معارك المتاريس قد انتهى زمانها. فقد تعلمنا من الانتفاضة الفلسطينية 87 أن إغلاق الشوارع وقذف العدو بالحجارة وحرق العجلات في كافة القرى والمدن كان يُشاغل جيش العدو.

كما ليس صحيحاً القول بأن بندقية حرب الغوار لم تعد ذات فاعلية بعد الهليوكبتر. فقد نجح حزب الله في الجمع بين البندقية وتكتيك الغوار من خبرات فيتنام وكوريا الديمقراطية[4] واستخدام الكورنيت في شل دبابات الكيان الصهيوني، وفي منعه من التقدم من الريف إلى المدن.

بقول آخر، فإن حرب الشعب لا تفقد دورها ولا قدرتها على الانتصار. قد تتآكل تكتيكات وتحل محلها أخريات يتم ابتكارها، لكن استراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد لا تتداعى ولا تتغير. وليس علينا سوى توسيع مضمونها الماوي. فإذا كان المفهوم الماوي قد ركز على الشعب في احتضان الغواريين، فإن حرب الشعب اليوم تتضمن ذلك وتتضمن حرب المدن وتتضمن مقاطعة منتجات الأعداء وتتضمن رفض التطبيع وتتضمن التنمية بالحماية الشعبية وتتضمن صد ونقد وتعرية إيديولوجيا السوق واستدخال الهزيمة. إن فضاءات المقاومة عديدة ومتسعه وتتسع دائماً. 

الشعب مخزون هائل للكنوز. الشعب كالتاريخ يقدم لنا مفاتيحاً ومغاليقاً والعبرة في توفر من يمكنه التقاط المفاتيح والعبور إلى الكنوز وتفعيلها وتثميرها من جهة وما طبيعة مشروعه من جهة ثانية، بمعنى لأية طبقة مما يعني أن تاريخية المشروع هي في حدود أو مشروطة بأن تكون أداة المشروع توليداً شعبيا من الأكثرية الشعبية وتعمل لمصالح هذه الأكثرية وتحت عينها ومراقبتها ومتابعتها. هذا معنى التقاط مفاتيح التاريخ، وإلا كيف تُبدع الشعوب آليات مقاومة جديدة؟

يقودنا هذا إلى الوجع الحقيقي وهو غياب أو تغييب الحزب الثوري  الذي يلتقط كل هذا ويطوره ويقاتل معه وبه أي ينقل الصراع من مستوى الغضب والنقد إلى  الاحتجاج وتفكيك مفاصل السلطة وصولا إلى العصيان المدني والكفاح المسلح أي الحرب الشعبية ضد الطبقة الحاكمة المالكة والتابعة معاً. وهو الحزب الذي تفرزه وتراقبه وتحاسبه الطبقات الشعبية التي تشكل برلمانها الخاص مُلهم وواضع استراتيجتها وتكتيكها الذي على الحزب تبنيه.

هي حرب أهلية حقاً، الفقراء ضد اللصوص الأغنياء، المقموعون ضد الجلاوزة، حيث يقوم

الأب  كشرطي بقمع ابنه في الشارع إطاعة لأوامر السلطة، أليست هي حرب أهلية حقيقية؟

في قراءة شروط الثورة، لا بد من أخذ النظام العالمي كإطار قراءة وتحليل وصولا إلى الحالات العينية المحددة في البلد او الدولة القومية. في هذا السياق كانت قراءة كميونة باريس والثورة الثقافية، والانتفاضة الفلسطينية 87 والثورة الطلابية هي صلب هذا العمل.

كما  تفيد إشارات عن الاقتصاد السياسي المعولم لعالم اليوم لتوفير إضاءة فرؤية تساعد على قراءة وضع البلد المعني من حركة ثورية معينة شريطة الاطلاع المعمق للحالة العينية وتحليل ظروفها ومبناها .

لا شك أن هذا العالم منقسم بالعموم إلى مركز ومحيط وربما صحيح القول بأن المحيط درجات والمركز درجات أيضاً. كما أن كل مركز مقرون به محيطاً، وفي كل بلد محيطي مركز ومحيط أيضا؟ لا بل إن من زُخرف القول بأن العالم قرية واحدة، قول مبتذل  لا معنى له سوى الكذب والتعمية، فبإمعان النظر نجد أن هذه القرية مكونة دائما من Down Town and Chanty Town  .

لا يقتصر التقاط خطر الراسمالية وخطورة استمرارها على الثوريين النقديين الماركسيين، فبعض اللبراليين يُقرُّون بذلك الخطر كما كتب ديفيد كورتن:

“… في الحقيقة فان أساطير الدعاية الهادفة لتبرير انتشار الجشع والتغطية على الانحراف المعولم  للمؤسسات الانسانية  هو نتيجة  التدخلات الممولة جدا  والنتائج المعقدة  لما قامت به نخبة صغيرة  التي مكنتها اموالها  من العيش في عالم من الوهم بعيدا عن  بقية الانسانية[5]

“…ان الفجوة التي تفصل اغنياء العالم عن فقرائه  داخل البلد الواحد وما بين البلدان، هي هائلة وتتسع. ففي عام 1992 بيَّن برنامج الأ مم المتحدة الانمائي عدم المساواة بشكل درامي  حيث عرض التوزيع العالمي للدخل  برسم بياني  على شكل زجاجة شمبانيا تُظهر أن 20 بالمئة من سكان العالم  الذين يعيشون في البلدان الأكثر ثراء  يحصلون على 82.7  من الدخل العالمي، وبأن 1.4 بالمئة من  دخل العالم يذهب الى ال 20 بالمئة  الذين يعيشون في البلدان الأفقر في العالم. اما في عام 1950  اي في الوقت الذي حصل فيه الالتزام العالمي بتقدم التنمية  – بلغ متوسط الدخل ل ال 20 بالمئة من سكان البلدان الأكثر ثراء ثلاثين ضعف  دخل ال 20 بالمئة من سكان البلدان  الأشد فقرا . وبحلول عام 1989  تضاعف الفارق ب ستين مرة[6]

“… تصف شركة نايك الأمريكية الضخمة للملابس نفسها على انها “شركة/منظومة ” فهي تشغل 8000 شخص  في الإدارة ، والتصميم والبيع، والتحفيز،  بينما يقوم  بالانتاج 75 الف  عامل مستاجرين  على أيدي  متعاقدين مستقلين. ويتم معظم الانتاج خارج الحدود في اندونيسيا،  حيث أن  زوج الأحذية والذي يباع في الولايات المتحدة من 73-135 دولار لا تزيد  كلفة انتاجه عن 5.60 دولار من قبل بنات ونساء شابات  يتقاضين  اقل من 15 سنتا  للساعة. ويتم حشر العمال في بركسات للشركة ، ولا توجد لهم اتحادات عمالية،  ونادرا ما يتقاضَون على ساعات العمل الزائدة –أوفر تايم- واذا ما حصل اضراب فمن المحتمل ان تاتي الشرطة لكسره. ان مبلغ ال 20 مليون دولار التي حصل عليها لاعب كرة السلة  مايكل جوردان  عام 1992  من اجل الترويج  لأحذية نايك  تتجاوز كل اجور العمال الاندونيسيين الذين ينتجونها[7].

 في عام 2010، مثلًا، شكلت ثروة 500 شركة في الولايات المتحدة 73.5% من كل الناتج الوطني الإجمالي. وتجني أكبر 2000 شركة في العالم إيراداتٍ بلغت 32 تريليون دولار، وأرباحًا بلغت 2.4 تريليون دولار، كما يشير آلان وودز. كما أن إيرادات آبل وأمازون .وجوجل مجتمعات عام 2017 فاقت إيرادات دول الخليج مجتمعة.


 يعيش 76% من سكان العالم في بلدان فقيرة بينما يعيش 8% في بلدان ذات مستوى وسطي، ويعيش 16% من العالم في بلدان غنية. هذا إلى جانب تبخر الطبقة الوسطى في العديد من بلدان العالم وخاصة على ضوء الآثار التي تلت أزمة عام 2008 المالية الاقتصادية.ومع ذلك تصر دول المركز على شجب ومنع تبني ايا من بلدان المحيط للحماية الاقتصادية.

يمتلك 1%من سكان الكرة الارضية نصف ثروات العالم وتعادل الثروة الشخصية لأغنى 62 ملياردير الثروة المجمعة لأكثر من 3.5 مليار من ابناء البشرية، يتسبب الجوع في وفاة اكثر من 18 مليون انسان في العام على مستوى العالم ، بينما يموت 35 الف طفل يوميا بسبب الجوع والمرض، ويقضي خمس سكان البلدان المتخلفة اليوم وهم يتضورون جوعا. في ما تقل المساعدات المخصصة للدول الفقيرة عن طريق منظمة الامم المتحدة عما تنفقه تسعه من البلدان المتقدمة على طعام القطط والكلاب .

توقع ماركس كذلك تطورًا معينًا للرأسمالية يقوم على تركيز شديد لرأس المال وتراكم هائل للثروة، يصاحبه فائض إنتاج وبطالة ولا مساواة، إضافة إلى فائض بؤس للملايين من البشر. ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة أوكسفام في بداية هذا العام 2018، فإن 82% من الثروة المتولدة في العام الماضي ذهبت إلى أغنى 1% من سكان العالم، في حين أن 3.7 مليار شخص، يشكلون نصف سكان العالم الأكثر فقرًا، لم يشهدوا أي زيادة في ثرواتهم. ويحتاج المدير التنفيذي لإحدى أكبر خمس شركات أزياء عالمية لأربعة أيام فقط ليجني من المال ما تجنيه عاملة ملابس بنغلاديشية طيلة حياتها. ويشير التقرير نفسه إلى أنه في الولايات المتحدة، يجني المدير التنفيذي في ما يفوق اليوم الواحد بقليل ما يجنيه العامل العادي في سنة كاملة. وتبلغ تكلفة رفع أجور 2.5 مليون عاملة ملابس فيتنامية إلى الحد الأدنى للمعيشة 2.2 مليار دولار، هذا المبلغ يساوي ثلث المبلغ الذي تلقاه الشركاء في أكبر خمس شركات في قطاع الملابس عام 2016.

www.7iber.com/politics-economics/

هناك مؤشرات إحصائية جديدة في العالم للأعوام الحالية، تؤكد استمرار هذا التوجه وتفاقمه لا سيما في حقبة العولمة بمضمونها النيولبرالي مما يضع العالم في لحظة التناقض التي يصعب فهمها إن لم نقرأ العالم برؤية تاريخية. تناقض مضمونه بأن شروط الثورة تتكاثف بوضوح، بينما حدوث أو وقوع الثورة لا تبدو له ملامح ذات بال! وهنا يأتي قانون التاريخ الذي يقول بأن ما حدث في فترة ما، وما ظهر كقانون مُسلًّم به في زمن ما أو بلد ما، لم يعد قابلآ للولادة مجدداً في زمن آخر وبلد آخر وحتى البلد نفسه. صحيح أن التاريخ البشري واحد لكنه واحداً في المتعدد.

أما المفارقة، فإن أعتى دُعاة تحرير التجارة الدولية، أي الولايات المتحدة التي وُصفت بالإمبراطورية في بداية حقبة العولمة قد ارتدّت لتتبنى سياسة حمائية واسعة وعلنية وهو ما تمت ممارسته بعد عام على رئاسة دونالد ترامب حيث فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية على سلع أوروبية تصل 25 بالمئة ناهيك عن العقوبات الاقتصادية ضد روسيا…

الخ [8].

كيف يمكن للمرء فهم هذه المعادلة الواضحة فوق العادة بمعنى:

  • تتراكم في العالم مختلف موجبات الثورة.
  • بينما لا تحصل الثورة!

مليارات المفقرين، وأكثر منهم من يرزحون تحت نير الاستغلال، ذهاب رأس المال باتجاه الفاشية كما في امريكا راس المركز الرأسمالي، وفي العديد من مجتمعات أوروبا الغربية،وتراجع القوى التقديمة والثورية في أمريكا الجنوبية، والانخراط المستسلم لأوروبا الشرقية في التبعية،  تفريخ قوى الدين السياسي في الوطن العربي بتحالفها الثلاثي : المحافظية الجديدة، اليهوسيحية، الوهابية وتمفصلاتها.

لا يصح القول أن أحد الأسباب غياب الأحزاب، لأن الأحزاب موجودة في الغالبية الساحقة من بلدان العالم. لذا، ربما يصح القول أن الإشكالية هي في تغير طبيعة الأحزاب وخاصة الأحزاب الشيوعية ولا سيما إثر تفكك الكتلة الشرقية علماً بأن تجلي الأزمة في هذه الحقبة ليس معزولاً عن “سيرورة” تراجع هذه الأحزاب والأحزاب القومية التقدمية منذ عدة عقود. وأعني أن التغير هو في مسألة الموقف من الفكر إما بتحويله إلى إيديولوجيا أو بتمييعه ليصبح مفرغاً من محركه الصدامي. إنه تدجين النظرية وتحويلها من معرفة ثورية إلى كم معلوماتي منزوع السلاح، بل للبيع والتأجير.

وإذا كانت الرأسمالية قد احتوت قيادات النقابات العمالية في فترة  ما بين الحربين وفترة الازدهار بعد الحرب الثانية وحولتها إلى قيادات  “ارستقراطية” فإن هزيمة الكتلة الاشتراكية وتراجع بلدان الموجة القومية الثانية، قد دجنت العديد من الأحزاب الشيوعية. أما الأحزاب في بلدان المحيط، فالعديد منها  سقط إلى درك الأنجزة إثر قبول التمويل من الأنظمة الرأسمالية الغربية تحديداً وخاصة بعد أن تمكنت الإمبريالية من تحويل الكثير من ما تقدمه من مال مسموم من الحكومات إلى منظمات الأنجزة في عملية اختراق للمجتمع وليس للسلطة فقط. ولا تجرؤ الحكومات على الاعتراض كونها تتلقى وحسب.

قد تكون قمة التناقض بل اللامعقول، أن تتراجع الحزبية العربية متخذة شكلا من الأنجزة، ولتحل محلها قوى الدين السياسي التي نبتت من الحقل الاجتماعي نفسه، في التربة نفسها، واستبدلت الشعارات التاريخية في التحرر والوحدة والتحرير والاشتراكية بشعارات دامية مسلحة حيث كل مذهب ضد الأخريات وكل طائفة ضد الأخريات، وتكفير بالسرديات الكبرى، القومية والاشتراكية، والدعوة إلى امة الإسلام عبر ممارسة القتل والذبح ضد معظم مكونات الأمم التي تدين بالإسلام وضد القومية العربية بوضوح فاقع.

وإذا كانت الحزبية العربية القومية والشيوعية ضد الإمبريالية وإلى حد ما ضد را س المال، فإن قوى الدين السياسي هي من خلق ورعاية المركز الإمبريالي. وعليه، إذا ما تابعنا كيفية توليدها، ومن ثم رعايتها من الإمبريالية، نلتقط المشترك في التوليد والرعاية والاستخدم مع الكيان الصهيوني.

لا غرابة أن تجنيد قوى الدين السياسي هذه أضاف للولايات المتحدة خاصة ما اسميناه جيش أوباما/جيش امريكا الثالث مما وفر على الجيش الأمريكي، وحتى الجيش الصهيوني /جيش أمريكا الثاني الدخول في الحروب البرية فاسحة المجال للإمبريالية والصهيونية بالقتال من الفضاء.

في مواجهة هذا الواقع الصعب الذي لا يدع فرصة للمرونة الطبقية من جانب الطبقات الشعبية بل يدفع بالوجوب الثوري العنفي تحديداً. وهذا يطرح السؤال التحدي: هل العنف المطلوب هو بمعزل عن ميزان القوى. ولا نقصد بميزان القوى أن تصبح قوة الثوريين بمثل قوة اسلحة العدو، أم  بتوفر قدرتهم على الاستمرار كي لا تكون هبَّة لمرة واحدة وللحظة وحسب.

إن تفكيك مفاصل سلطة الدولة القطرية في الوطن العربي  مقدمة لفرض التراخي على أجهزة هذه الدولة سواء عبر مشاغلتهن أو عبر ارتخاء ارتباطهن بتلكم السلطات التي لم تغادر موقع التبعية والقمع والإفقار . وتفكيك المفاصل ليس عملا سلميا ولا سلبيا، إنه عنف ثوري طابعه سري، مجموعاته سرية محدودة العدد، مهامهه تخريب منشآت الأعداء وتشغيل قوى الأمن في  حماية هذه المؤسسات، والدعوة لمناهضة التطبيع ولمقاطعة منتجات مختلف الأنظمة المعادية وصولا إلى مهاجمة مسوقيها بعد تحذيرهم وتحريض المجتمع ضد الاستهلاكية عموما وضد منتجات الأعداء خاصة. إنه تدريب المجتمع على الاحتجاج، ثقافة الاحتجاج والانتقال من مستوى الوعي الثقافي إلى ممارسة التصدي بتفكيك مفاصل سلطة الدولة القطرية ،في الحالة العربية مثلاً.

يترتب على هذه المقدمات الانتقال إلى العنف الثوري سواء بالإضرابات والعصيان المدني وصولا إلى الكفاح المسلح بحرب غوار المدن خاصة متزامناً مع هذه المقدمات جميعاً.

ليس المطلوب زج الجماهير مباشرة في الكفاح المسلح لأن هذا قد يعطي السلطات الفاشية فرصة الفتك وأداً للحراك لزمن طويل قادم. بل يمكن للجماهير أن تكون حاضنة الكفاح المسلح إلى جانب نضالاتها بالعصيان المدني والمقاطعة ومناهضة التطبيع .

وحدها هذه الأشكال الابتكارية من النضال هي التي تنقل المجتمع من وضاعة الحرب الطائفية والقبلية والجهوية والمذهبية إلى الحرب الأهلية الحقيقية، النضال لتغيير كافة البنية الطبقية الحاكمة وإيديولوجيتها. وهي التي تفرزالحركة الحزبية الثورية لتخلع قوى الدين السياسي ذات الارتباط بالثورة المضادة بعدما فكَّكَت هويته القومية التحررية.
إن “السياسة العسكرية الثورية هي اعداد واستعمال لوسائل القوة العسكرية في خدمة الهدف الثوري”. لاسيما وأن الشيوعية تعارض جذريا اية دوغمائية تحاول ان تفرض  والتي عبر ذلك الارتباط فتكت بالهوية القومية للطبقات الشعبية ووضعتها رهينة قطبين متحدين شكلا ومنفصلين بالضرورة وهما:

الطائفة أو المذهب في البلد الواحد ووهم دولة الأمة الإسلامية على صعيد عدة قارات!

ما نحاجج من أجله هو: مستويان من الاستعادة، قد يكونان متزامنين أو يولّد احدهما الاخر عبر الحدث.

  • استعادة قوى الثورة شارعها المختطف أو المُحَيّد.
  • ·       واستعادة الحزب الثوري/تكوينه في مواجهة قوى الدين السياسي.

وكلا الاستعادتين ليستا مهمة سهلة. ذلك لأن غياب  الأحزاب الثورية عن ساحة النضال بدءاً من هزيمة 1967 وصولا إلى تفكك الكتلة الاشتراكية التي لم تتدارك خطيئة تتبيع الأحزاب الشيوعيية لمركزها مما خلق حالة من العجز عن فهم متطلبات الساحة وبالتالي العجز عن صياغة خطوط العمل النضالي المطلوب والممكن تحقيقه.

لقد سقطت أنظمة الجمهوريات العربية في مأزق صارت هزيمتها بناء عليه متوقعة. فقد اعتمدت في تثبيت النظم داخليا على الدور الأمني، تحولها إلى دولة أمنية واعتمدت في حماية نفسها من الإمبريالية على الاتحاد السوفييتي. وما أن تفككت الكتلة الشرقية حتى اصبحت هذه الدول بلا مظلة حماية ضد العدوان الراسمالي الغربي أي الإمبريالي وبالتالي عرضة للغزو الخارجي. ورغم ما قطعته من شوط باتجاه العلمانية والاشتراكية والتنمية والثقافة والتعليم المجاني ووضع المرأة …الخ إلا أن الثورة المضادة تمكنت من تجنيد المفقرين، والمطرودين من العمل والمأخوذين بالدين السياسي ليرفعوا السلاح ضد الدولة ويحتضنوا الغُزاة من الخارج. وهذا يؤشر على وجوب قراءة الحالة التالية:

هل التوجه الحداثي دون مضمون اشتراكي يمكنه جذب الشارع لدعم النظام؟ وهل غياب بنية أو توجه اشتراكي أي غياب حرية اقتصادية وغياب أو ضعف الحريات السياسية قادر على تجنيد الجماهير أكثر من التوجه التقدمي والقومي  والعلمانية والحريات المدنية والتعليم والطب المجانيين كما كانت الحالتين العراقية والسورية؟

وكذلك، هل الخلل هذا هو الذي جعل من السهولة بمكان تفوق الثورة المضادة مجسدة في الجنون السلفي الوهابي ومجمل فكر الدين السياسي مدعوماً بفيض من التمويل الذي اتخذ، ويا للمفارقة، وضعا شبه اشتراكي بمعنى وصوله إلى كل فرد من جنود الثورة المضادة سواء بالدفعة الأولى وراتبه الشهري والبندقية والدبابة والصاروخ وفتاوى جهاد النكاح ؟ أم أن سر قوة هذ الحالة آتية أساساً من كونها جزء من المشروع الإمبريالي الصهيوني في الوطن العربي ولم تكن انظمة وقوى الدين السياسي سوى حاملات تطبيقه. بل كلها مجتمعة.

من جهة ثانية، ساهم انحصار نقد الكثيرين من القوى القومية والشيوعية ضد الأنظمة الجمهورية ارتكازا على هزيمة 1967 ولاحقاً تفكك الكتلة الشرقية في إهمال نقد وتعرية أنظمة الدين السياسي والمَلَكيات كأنظمة تابعة طوعا وبالمطلق، وخالية من الحريات والدمقراطية والتنمية والعروبة ومعتمدة على الريع في حالة دول الفائض وعلى حقن ريعية من دول الفائض إلى دول العجز.

كان ولم يزل الدور الخياني لأنظمة الدين السياسي النفطية وإلى درجة أقل أنظمة الريع النفطي العربية عموماً،  في التواطؤ مع الأنظمة ومن ثم الشركات الغربية لنهب الريع النفطي هناك عبر سياسة خطيرة مكونة من:

  • التجويف، اي تجويف الوعي الشعبي سواء بالقهر القمعي أو بالتجهيل الوهابي وربط حل مآسي المستغَلِّين تأجيلاً بالسماء كي ينسوا أوجاع الأرض الناجمة عن الجوع والفقر والقمع واحتجاز كل من التنمية والحداثة.
  • والتجريف، أي تهيئة الواقع ليسمح للشركات الغربية بتجريف الثروة سواء بحيازة الريع مباشرة أو عبر غمر الأسواق بكل شيء، وعقد صفقات التسلح لمقاتلة الشعب وتسليح الإرهابيين لتدمير الجمهوريات.

هذا ما لم تتنبه له القوى الثورية لكشف السياسات الخيانية لأنظمة وقوى الدين السياسي والملكيات والإمارات والمشيخات…الخ.

إن استعادة الحزبية لا تعني  قطعياً العودة للأحزاب المرتبطة بالسلطات والمساوِمة لها. بل المقصود استعادة حيوية الأحزاب الثورية التي تعمل على تغيير الأنظمة وليس فقط إسقاط طرابيشها.

فأحزاب السلطة أو الأحزاب المعارضة للسلطة هي جزء من تكريس ما هو قائم من جهة، ومن جهة ثانية هي أحزاب قطرية طائفية تقف بالضرورة وإن لم يكن بالإعلان ضد السرديات الكبرى.

وهذا يفتح على مشكلة الخطاب. لا بد لقوى جديدة من خطاب مختلف، نقيض ما هو قائم، سواء في اللغة أو المعنى والمحمول. خطاب وعي نقدي وتحريض بهدف تغيير كل ما هو قائم ينيخ بكلكله على كاهل الشعب والوطن.  ليس الخطاب هو الكتاب فقط، وليس الفكر النظري  العميق فقط، وليس التحليل العلمي فقط، بل هو ايضا خطاب الإعلام.

لا بد من لغة جديدة كلياً، لغة الطبقات الشعبية، لغة الثورة الاشتراكية، لغة تحرر المرأة،  لغة مواجهة ثلاثية  الثورة المضادة. لغة جديدة في المفردة والمصطلح، لغة تنقض هيمنة الخطاب الراسمالي الغربي خاصة وتحديداً وتضرب مركزانيته.  وفي هذا السياق يجدر التركيز ضد الإعلام الذي لم يعدُ كونه ترجمة لخطاب الغرب الراسمالي  سواء في المفردة أو المصطلح.

بعض المصطلحات والمفردات تؤدي المقصود هنا: الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بدل الوطن العربي، العالم العربي بدل الوطن العربي، الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدل الصراع العربي الصهيوني، الغرب بدل الإمبريالية، المسلحون بدل الإرهابيين الوهابيين، الضربات الأمريكية بدل العدوان الأمريكي التحالف السعودي ضد اليمن بدل العدوان ضد اليمن، إسرائيل بدل الكيان الصهيوني، الحل العادل بدل التحرير، حل الدولتين بدل التحرير، التضامن العربي بدل الوحدة العربية…الخ.

الكلمة  عادية أو مصطلحاً تحدد الموقف والاتجاه الفكري واللغة مجرد غلاف، هذا ما يمكن استنتاجه بمقارنة استعمال المفردات الرديفة. تشاهد فضائية تقول: المتمردون الكوبيون. طبعاً تترجم هذه الفضائية نصوصاً غربية رأسمالية معادية للثورة حتى وهي تكتب تأريخاً للحدث الكوبي. كلمة “متمرد” تعني أن هناك من يخرج على السلطة الحاكمة بإيحاء انها شرعية وتمثل الشرعية! أي هو غير شرعي. بينما التجربة الكوبية هي تجربة ثورية، أي :الثوار الكوبيون. لاحظوا حين يستمع الجيل في فترة الاهتمام بالسياسة، ما الذ ي يعلق في ذهنه: ما يعلق أن أية سلطة قائمة هي شرعية وبأن من يثور هو خارج على “الشرعية”. هذه المفردات المزيفة هي دعوة للعالم للبشر للناس بأن يعتبروا السلطات الموجودة هي الحقيقة هي طبيعية، ف …لا تثوروا.وحين تستخدم فضائيات عربية هذه المفردات الخبيثة تكون الكارثة أكبر لأن كل شبر في وطننا بحاجة لثورة. يكفي ان نتذكر أن أمريكا استخدمت كلمة “فيتكونج أي المخربين” ضد ثوار فيتنام وترجمها الصهاينة ضد المقاومة الفلسطينية فأسموا الفدائيين ب المخربين.

كثيرا ما تكون الكلمة، او تُوظَّف ك”فيروس” استعماري. الكلمة، فالجملة فالخطاب، هي مترتبات ذهنية تعبر عن مواقف وأحداث وتهدف إرساء قناعات معينة ونسف أخريات. لذا، هي قوة هائلة سواء في الدفع والشحن الثوري، أو الإهلاك الوعيوي إلى حد الإسقاط.

ودونما إطالة: حينما تنقل وسيلة إعلام عربية خبراً مترجماً عن اصله ، أي البلد العدو، دون أي تعليق، بل ربما بابتهاج، هي تدرك أو لا تدرك أنها تهتك بذلك وعي المشاهد لا سيما انه يرى ويسمع وربما يتمتع معاً.

مثلا: “صرح جون بولتون مبعوث الرئيس الأمريكي إلى روسيا، بأن الأسد لا يشكل خطراً استراتيجيا على المصالح الأمريكية” إنتهى الخبر.

لاحظوا كمية الذل والتخريب الوعيوي في هذا النقل “غير البريىء”.

1- لا يقول الخبر “الرئيس الأسد” وهذا مقصود به التقليل من شأن الرئيس لضرب الثقة الشعبية به. وليس لا ن الرئيس ولا حتى عجوز في حلب بانتظار احترام هذا العدو لهما.

2- أما وامريكا عدو، لماذا لا تقل وسيلة إعلام عربية: العدو الأمريكي؟ ألا يصفوننا بالإرهاب والتخلف…الخ.

3- من هو الطرف الذي يشكل تهديداً سواء استراتيجيا أو آنيا ضد الآخر؟ هل هو سوريا المُعتدى عليها، أم العدو الأمريكي المعتدي؟

إن نقل الخبر هكذا هو تأييد ودعم وموافقة على الزعم الأمريكي وهذا يضع في وعي العربي بأن أمريكا لها مصالح وحقوقاً في الوطن العربي وبأن لها حق حمايتها!

4- والخبر كما تم نقله يتماهى مع التجهيل الهائل بمصطلح “المصالح” ! فاية مصالح لأمريكا في المنطقة؟ لأمريكا مستعمرات، مواقع نهب واستغلال، أي بؤر وقواعد عدوانية سواء عسكرية او اقتصادية أو ثقافية. فمن الغش أو الجهل التوقف عن مفردة “مصالح”. بل يجب القول مواقع النهب والعدوان الأمريكي.

ولأن الإعلام يفيض على الحياة اليومية للناس طوال ال 24 ساعة، فإن مراقبة هفواته أو خياناته أمر يجب الاستمرار به كواجب وطني.

إنها لغة بديلة عن أخرى. بديلة لهندسة الموقف الشعبي، وإعادة هندسة الموقف الشعبي من واقعه ومستقبله وحتى الاعتداء على الماضي. لا بد من مواجهة الهندسة وإعادة الهندسة الاجتماعية السياسية الوطنية اللغوية بإعادة التثقيف بالوعي النقدي.

ولا يختلف التصدي لخطاب الغرب الراسمالي والمركزاني عن التصدي لخطاب قوى الدين السياسي الذي يتجاوز على الوطن ويستبيح الحريات، ويبرر القتل المجاني ويعتدي على التاريخ والتراث ويتحالف مع الإمبريالي والصهيوني ويحارب العلمانية فما بالك بالاشتراكية، ويُحل “الأمة” الإسلامية المفترضة محل الأمة العربية الموجودة موضوعياً أسوة بمختلف الأمم التي تدين بالإسلام…الخ.

لقد ترعرع هذا الخطاب في غفلة من التاريخ إثر هزيمة الكتلة الاشتراكية ومارس دوره ما فوق الفاشي خلال السني السبع العجاف لما يسمى الربيع العربي، فقتل ودمر وصولا إلى أكل الأكباد بل وكبد الوطن. 

هذه التجربة المروعة على مرارتها اشتملت كذلك على قانون خلق الشيء او الحدث لنقيضه بمعنى أن انكشاف هذا الخطاب هيىء المناخ للإجهاز على هذا اللغو والوهم ووجوب استثمار هذا الانكشاف لمواجهة هذا الخطاب ودحضه ونفيه بكل من المنطق والشواهد.

وإذا كان الخلل البنيوي والسياساتي في إتباع الجمهوريات لسياسات الخصخصة والسوق الاجتماعي قد ادى إلى سقوط العديد من الطبقات الشعبية من سوريين وعراقيين وليبيين ويمنيين ومصريين …الخ لصالح قوى الدين السياسي دفعهم الفقر والحرمان والبطالة من جهة وتلقي المال والابتهاج بالحصول على السلاح والتدريب …الخ من جهة ثانية[9]  من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ودول غربية وأنظمة حكم السعودية وقطر والإمارات وتركيا…الخ ، فإن عمق وشدة التجربة يجب ان تدفع القوى الثورية لنضال دؤوب وثابت من أجل واقع تنموي وتعاوني كمقدمات للاشتراكية.

إن التجنيد والتحشيد والتدريب والتمويل والتسليح لمآت آلاف الإرهابيين ضد الجمهوريات العربية هو إعلان الثورة المضادة حرب الإبادة ضد الشعب العربي بلا مواربة، الأمر الذي يتطلب ويشترط نهوضا وجبهة جذرية التوجه العروبي والعلماني والاشتراكي لمواجهة هذا العدو وصده وهزيمته.

لا بد من جعل تجربة ربيع السبع/الثمان العجاف نقطة البدء من الوطن العربي لهزيمة الداعش الثلاثي، أسطورة الأبيض الذي تكشَّف عن وحش حقيقي، واسطورة شعب الله المختار الذي اسس لتبرير إبادة مختلف الأجناس البشرية، وما عقيدة داعش في إبادة كل طائفة تخالفها إلا تتلمُذأ على إيديولوجيا الغوييم،  واسطورة قوى الدين السياسي في الوطن العربي ألتي اتخذت من إراقة الدم عقيدة وتطبيقاً لممارساتها.

لعل ثلاثي الثورة المضادة هو أوسع من طبقة الجريمة المعولمة الحاكمة كأنظمة سياسية، فهو رأس المال الشركاتي، والمثقفين العضويين لرأس المال بدءا من اللبراليين وصولا إلى رجال الدين السياسي وما بعد الحداثيين وحتى الطابور السادس الثقافي، وهذا تحالف يقطع الطبقات عرْضياً  بشكل موجزه استخدام البرجوازية ومثقفي الطابور السادس الثقافي بأفرعه: اللبرالي والديني للطبقات الفقيرة لأجل القتل المباح.

لقد كشف ما يسمى الربيع العربي عيوباً هائلة في ثقافة العالم في حقبة العولمة. تساقط الكثير من المزاعم الإنسانية. لعل أكثرها انكشافا كان الزعم بوجود مجتمع مدني. وهنا نقصد التفريق بين نظرية/ات، بل بعض تنظيرات متعلقة بالمجتمع المدني وبين مدنية المجتمعات أو حدود ومحدودية دور مؤسسات المجتمع المدني في ممارسة دور مدني لا سيما خارج حدود دولتها القومية وصولاً إلى حدود مدنية المجتمعات الغربية تحديدا في ظل هيمنة راس المال وحلول المصالح حتى المنفعة الفردية المباشرة في خلدهم مما يدفعهم للمشاركة المتحمسة لدعم مواصلة النهب وإعادة الاستعمار أو الصمت الخبيث عن ذلك.

كيف يكون هذا المجتمع أو ذاك مدنياً بينما ينتخب ويصمت على دور دموي لسلطة بلاده في بلدان اخرى كما فعلت وتفعل الإمبريالية الأمريكية بل ومختلف الدول والدويلات الغربية ضد العراق، أفغانستان، ليبيا ، سوريا اليمن وباسم الديمقراطية؟

أما الجر يمة التي عرَّت مختلف خبث وأكاذيب اللبرالية الراسمالية فكانت عبر تخليق القاعدة وداعش كقوى دين سياسي دموية من جهة، وتحالف هذه الأنظمة الغربية الراسمالية مع أنظمة الدين السياسي النفطية لتخريب الوطن العربي ارتكازاً على القاعدة وداعش ونظيراتهما.

وتصل المأساة قمتها حينما نسمع ونقرأ لمثقفين في بلدان النفط يتحدثون عن مجتمع مدني هناك؟ لا يستقيم النظام الريعي مع مقولة فما بالك بواقع المجتمع المدني. ذلك لأن المجتمع السياسي /السلطة تملك البشر والحجر والنفط والعقل معاً.  

قد يكون ممكناً تفسير حدث الحراك الشعبي العفوي في فترة ضعف التنظيم حيث قوة المقاومة الشعبية تهب للصد ورفع الجاهزية واستعادة المبادرة كي تولد تنظيماً اقدر على ولوج وإدارة الصراع وحمل المهام، ولكن، ما يصعب تفسيره أو استثماره أو توظيفه هو أن تحصل الأزمة وخاصة الاقتصادية في فترة التراجع الثوري ففي أزمة (1929 كانت القوى ضعيفة، وكذلك ازمة 2008!!)

أما السؤال المتعلق بهذا العمل فهو: ما الحكمة في استعادة هذه الأحداث اليوم؟ هي ليست استعادة بهدف التأريخ، وحتى لو حصل فليس لمجرد التسجيل  أو بغية المتعة.

يمكننا الزعم أن استعادة هذه الأحداث محفوزة بضرورة  عالية الأهمية لكنها تحت ثقل الوعي المترنح والمُثقلُ تعباً وهبوطاً  لكنه مقترن في التحليل الأخير بل ومشروط بقرار مواصلة المواجهة والصراع. إن مشكلة هذه الحقبة، الحقبة الجارية اليوم،  من الزمن، هي الانحصار في برزخ إرهاصات الثورة لا الثورة نفسها. بل مسألة تواصل هجمة الثورة المضادة بما هي متمترسة في البنية السياسية العربية إلى حد لم يتم معه فك تبعية الشعبي بالرسمي بشقي الرسمي:

  • أنظمة وقوى الدين السياسي
  • وأنظمة الكمبرادور.

وكليهما عدو للأمة كأجزاء من الثورة المضادة بقيادة الثلاثي الإمبريالي ومعه الصهيونية حيث تشن حرباً أهلية على المجتمع العربي. وخطورتها في كونها ايضا كانت شبه مرئية إلى أن فجَّرت نووي “الربيع العربي السبع العجاف واطول”. ومع ذلك ، وهنا بيت القصيد وهدف هذا القول، لم يتحرك الشعب/الشارع العربي من مواته، ولم يتم فرز القوة الثورية المنظمة التي تستعيد ذلك الشارع. وبقول آخر، لا بد من استعادة التاريخ في حالة القوى والمواقف والفكر التاريخي. وقد تكون نقطة البدء في النضال من أجل تفكيك مفاصل سلطة الدولة القُطرية العربية، مفاصلها الداخلية بكل من العنف الثوري والعنف السلبي.

ففي حين يتقدم العالم فيما يخص وفرة بضاعة السلع وبضاعة المعلومة، تقوم قيادة الثورة المضادة بهندسة وإعادة هندسة الطبقات الشعبية على صعيد عالمي كي تُنتج هذه الطبقات باغتراب أشد وأقل تمويهاً وتتقاضى أقل تاركة مقادير أعلى وتتعاظم من القيمة الزائدة لعدد يتضائل من البشر، وتستهلك بعض ما انتجته. وإذا ما استهلكت المعلومة، فهي لم تستهلك/تتمثل الثقافة والوعي بل بقيت في وهم الوعي الشكلاني، مما يضع البشرية في فورة وشبق استهلاك  لا في ثورة المجتمع ضد راس المال بسيطرته المتعددة على العقل وعلى الجهد وعلى الثروة وعلى المرأة وعلى معظم الذكور ايضاً. إنه السوق، الانفتاح على السوق، انفتاح السوق وليس انفتاح العقل بالوعي ودائماً يكون انطباق هذا السيناريو الرهيب أكثر ما يكون على الوطن العربي.

في مناخ كهذا، فقدنا فيه الشارع العربي، وتحديداً الطبقات الشعبية، يصبح من المحتم استعادة ثقافة الاحتجاج وثقافة المواجهة، بما فيها تفكيك مفاصل سلطة الدولة القُطْرية. فثقافة الاحتجاج درجة من الوعي تؤسس للبناء ومن ثم العمل الثوري. ثقافة الاحتجاج هي عملياً الحاضنة الأوليَّة/الأم للعمل الثوري. وهذا يقود إلى سؤال: من الذي يحتج ويثور ؟ إنها أساساً شريحة الشباب والتي كثيرا ما تلعب الرافعة للثقل الكبير وهو الطبقات الشعبية. حراك الطلاب أسرع  وحراك الطبقات الشعبية أبقى وأقدر على وصول التغيير. لكن هذا يشترط على قوى الثورة في كل مكان استعادة الشارع من الثورة المضادة.

استعادة الشارع، أي الطبقات الشعبية من سيطرة وهيمنة الثورة المضادة هو الشرط الحقيقي للتغيير، للانتصار على السوق كإيديولوجيا صارت  هي الفريدة في هذه المرحلة من التاريخ. إستعادة الأكثرية الساحقة من تحكُّم أقلية تتضائل من جهة ويتعمق تحكمها وإيغالها من جهة ثانية. تناقض مريع، لكنه فعلي ومَرئيْ.

للثورة المضادة أدوات فعالة ومتجددة، الاستهلاكية والمال والإعلام والثقافة والجنس والسلاح كملاذ أخير. وللثورة ، بل وعلى الثورة مواجهة كل هذه الأدوات/الخليط، فالإعلام  يستغرق حياة الطبقات الشعبية، يكتسح الوعي فيمحوه ويصل حتى احتلال المصطلح الثوري فيُعيد إنتاجه ضد ذاته.

ليس بخافٍ أن رأس المال يتحكم بالإعلام، فتحل الفضائية محل الحزب، ويحل المذيع أو المحلل المأجور محل المفكر الثوري، وصاحب الفضائية محل الأمين العام، لنجد انفسنا أمام عالم جرت إعادة هندسته ليسير في الثلم كثور معصوب العينين  أو دابَّة حرث تحاصر عينيها شوَّافات فتنظر باتجاه واحد فقط. وتصل المأساة قمتها حين يُجادلك البسطاء بما يضخه فيهم الإعلام. فيصبح ستالين مثل هتلر، والشيوعية مثل الصهيونية، والعروبة مثل الفاشية، وتحرر المرأة مثل بيع الهوى، والاستقلال مثل الشوفينية، والحفاظ على الثقافة صنو العنصرية، والريع مثل الإنتاج…الخ

إنه صراع الضد والضد، سيطرة الثورة المضادة مقابل تراجع الثورة. هكذا هي حلقات التاريخ. صحيح ان التاريخ من حيث التفصيل ليس واحداً، وصحيح ان به تقطُّعات، ولكنه، على الأقل، يتضمن أن يُضيىء أمس على ما يجري اليوم واليوم على ما سيجري غداً، ومن هنا وحدة التاريخ من حيث دوره ودرسه وليس من حيث اندماج التواريخ التفصيلية للأمم في صورة واحدة. التاريخ وحدة  متنوعة متعددة طبقاً لإنتاج وثقافة كل تشكيلة اجتماعية اقتصادية، طبقاً لعمل البشر  بالزمن في المكان او الفضاء إن شئت.

لعل صراع الثورة والثورة المضادة وامتداد هذا على العالم، عولمته، مثابة تأكيد أن الحدث هو عالمي وبأن قرائته تختلف ومجريات تطبيقه تختلف ايضا، وهذا طبيعي.

إن قراءة تجربة الثورة ونقدها هي بالمعكوس تحليل للهجوم المستمر من الثورة المضادة ضد البشرية. وهذه أهمية “نقد السلاح”. لقد افتتحت الثورة المضادة القرن العشرين بحرب بين ضواري الإمبريالية تحت تسمية كاذبة “الحرب العالمية الأولى”، فردت عليها الثورة بالثورة البلشفية خلال تلك الحرب ليكون القرن العشرين مثابة جولات متبادلة بين المعسكرين انتهت بهزيمة العمل لصالح راس المال في معظم بلدان العالم. وهي الهزيمة التي ربما أخطر تجلياتها في تأزُّم قوى الثورة سواء اسميناها اليسار أو الاشتراكية أو الشيوعية أو القومية في مرحلة التحرر الوطني وبناء الدولة، وتخلي كثير من الأحزاب والمثقفين والمفكرين عن فكر الثورة، وارتداد كثيرين لصالح الثورة المضادة. وهذا ما اسميته استدخال الهزيمة.  لكن هذا القرن تميز عن التاريخ بانه القرن الأول الذي احتوى تضاد الاشتراكية والرأسمالية وهذا تأسيس خاص للمستقبل جسد تضاداً من نوع خاص، تضاد  بين نقيضين، وليس تضاداً بين استغلال يتورث آخر. ولأنه تأسيس من نوع خاص جاء عنوان الكتاب على ما هوعليه.

ربما يصح الاستنتاج بأن كثيرا من أجنحة الحركة التروتسكية “الأممية الرابعة” قد تورطت باكراً في خدمة الثورة المضادة ، لتكون المؤسس لهذا السقوط. (انظر كتابنا ظلال يهو-صهيو-تروتسكية في المحافظية الجديدة). وقد لا يكون هناك أوضح من هذا السقوط هو انحياز قيادات تروتسكية لصالح المحافظين الجدد في الولايات المتحدة حيث كانت باكورة دورهم “الأممي”  تدمير العراق 1991، واحتلاله 2003. ومن ثم انضمام هذه الحركات لصالح الثورة االمضادة التي استهدفت أفغانستان  وسوريا، وليبيا واليمن وفنزويلا وأوكرانيا…الخ

ولعلها مفارقة عجيبة بأن كثيرين من اليسار العربي الذي بدأ واستمر تابع لليسار العالمي، أيضاً تخلى عن النظرية الثورية العلمية إثر تخلي من تبعهم وقلَّدهم عنها! لعله بدأ بشراء التحليل وانتهى بشراء الهزيمة. وهذا يؤكد بان اليسار التابع ليس يساراً باي حال من الأحوال.

كان من تثمير استدخال الهزيمة أو الاختراق الفكري الثقافي تشكُّل الطابور السادس  الثقافي على صعيد عالمي وليس فقط في جغرافيا محددة. أما في الوطن العربي فشهدنا حالة فريدة من تحالف الثورة المضادة هو تحالف أنظمة وقوى الدين السياسي (الوهابية/التكفيرية) والإمبريالية والصهيونية ومختلف الأنظمة التابعة التي تحكمها الرأسمالية الكمبرادورية مضافة إليها الاتجاهات اللبرالية والتروتسكية ومثقفي ما بعد الحداثة.

كانت تجربة “الربيع العربي”  لافتة في اكثر من مستوى وخاصة أن المذبحة التي تُدار ضد الجمهوريات العربية جيوشا وشعباً كانت بالجيش الأمريكي الثالث/جيش أوباما المكون فقط من عرب ومسلمين حيث لم تخسر امريكا جنديا واحداً. لقد حرقت أنظمة الدين السياسي في هذه المحرقة أهم رصيدين لدى أية دولة تحترم شعبها وهما:

  • القوى الشابة
  • والثروات.

وهذا صب في صالح الإمبريالية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم تشغيل متزايد لماكينتها التسلحية. إنه مشروع ربح صاف وصفر خسائر للإمبريالية.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] Lefebvre, The Explosion (New York, 1969), p 62.

[2] في أعقاب تفكك كتلة عدم الانحياز وبقاء هيكلها بلا مضمون، دخلت معظم هذه البلدان كمحيط مؤدب تحت إبط المركز الراسمالي العالمي وتجلى ذلك في تدفق المزيد من ثرواته إلى المركز، وتلا ذلك تحول الولايات المتحدة وبريطانيا خاصة إلى اللبرالية الجديدة حيث تغول رأس المال على حصة العمل من الدخل القومي في المركز. ومع نهاية تسعينات القرن العشرين تفككت كتلة الاشتراكية المحققة وتم انتصار رأس المال على العمل وتمظهرت كل هذه التطورات في تحالف تقوده رأسمالية المركز الثلاثية الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وتتبعه معظم بلدان المحيط  مما حول الاقتصاد العالمي إلى قطاع عام رأسمالي معولم لرأس المال المركزي .

[3]  في كتابه الانفجار، قصة حرب يونيو 1967 ، القاهرة ، مركز الأهرام للترجمة والنشر 1990، ص 803، يقول هيكل بأن وظيفة الحرب الفعلية لم   تكن ضمن  الوظائف التي  كانت ملقاة  على عاتق الدولة والشعب المصري، معظم فترات التاريخ، حيث اضطلع بها في القديم الجند المملوكي والتركي المستجلب، واحتكرتها في العصر الحديث الدولة الاستعمارية الحامية، ولم يشترك ابناء المصريين الحقيقيين في المؤسسة العسكرية  للدولة المصرية  الا في وقت متأخر هكذا، لم يتح لمصر ان يتمرس جيشها على أساليب القتال ويتمكن شعبها من  استيعاب فكرة الحرب… والمحصلة ، انه حتى منتصف القرن العشرين لم يكن العرب ومن بينهم مصر  قد تعرفوا على فكرة الحرب وعلى دورها في صهر وصب وصياغة معادن الأمم”. لست أدري إن كان هذا راي هيكل أم هو مستوحى من نظرة خارجية استعمارية مغزاها الحرب النفسية وتقطيع التاريخ. فمصر الفرعونية كانت مقاتلة وحربية وكان الأمويون ، إن لم نقل العباسيين قد أقاموا إمبراطورية ناهيك عن الدولة الفاطمية في مصر نفسها. لذا، ليس دقيقا أن يبدأ هيكل من فترة انحطاط الوضع العربي مملوكيا ومن ثم استعماريا عثمانيا وغربياً وفك ذلك عن المراحل السابقة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن هيكل لم ينتبه لهزيمة فرنسا ميدانيا على يد الجزائر وبريطانيا على يد جنوب اليمن حيث كان لمصر الدور العظيم في ذلك. ولعل الأهم من كل هذا، أن الحرب ليست عادة وتعويداً أو وظيفة وإنما مواجهة تحدي بالمقاومة، وهو أمر ينطبق على مختلف الأمم. أما الحرب كوظيفة فذلك دور العدوان الخارجي وشكله الحديث الاستعمار. وقد يكون من قبيل الاستزادة، أن العرب في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قد تورطوا في شكل فظيع من الاحتراب الوحشي على يد قوى الدين السياسي.

مقتطف في :عادل سمارة دفاعاً عن دولة الوحدة: إفلاس الدولة القطرية.  رد على محمد جابر الانصاري. منشوات دار الكنوز الادبية، بيروت 2003. ومركز المشرق/العامل 2004، ص ، ص 162-63.

[4]  أنظر، عادل سمارة، حزب الله : تفوق القائد والمقاتل والكيان: ارتباك الإثنين
 قراءة في كتاب: حرب 2006 بين  حزب الله وإسرائيل تأليف مان. م. ماثيو . ورقة صادرة عن مركز الأسلحة المشتركة للجيش الأمريكي.  ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2008 في “كنعان”، النشرة الإلكترونية، السنة السابعة عشر –  العدد 4558 ، 3 أيلول (سبتمبر) 2017

https://kanaanonline.org/ar/2017/09/03/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-2006-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%88%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6/

[5] Korten C. David, When Corporations Rule the World, Copupublication of Kumarian Press, Inc, and Barrett-Koehler Publishers, Inc 1996 p.p. 106-97, p.11

[6] Ibid., p.p. 106-97

[7] Richard J Barnet and John Cavanagh, Global Dreams: Imperial Corporations and the New World Order (New York : Simon  and Schuster, 1994, pp. 325-329.

[8] كنعان النشرة الإلكترونية، السنة الثامنة عشر –  العدد 4770  30 أيّار (مايو) 2018 ترامب ثور يدوس أمعاء آدم سميث هل آن أوان كسر ظلفه؟ د. عادل سمارة

[9] https://www.facebook.com/100004579598508/videos/909784765850835