عن كمال الصليبي في ذكراه العاشرة: التاريخ والهوية والذات‎، مصطفى سبلاني

بعد شهر من 17 تشرين 2019، اجتمع عدد من الطلاب اللّبنانيين وأحرقوا نسخًا من كتبُ التاريخ المعتمدة في المدارس اللبنانيّة، والتي تعرض سرديّات متناقضة عن نشأة لبنان وتاريخه. إن كان ثمّة تحيّة لروح المؤرخ كمال الصليبي، فلتكن دعوة محبّبة لهذا الجيل الجديد لقراءة كتبه ومُصنّفاته.

كانت قراءتي لكمال الصليبي (1929-2011) مدخلي الأوّل لفهم تاريخ لبنان الوسيط والحديث فهمًا تاريخيًا، على ما يستقيم معنى الفهم في حدود هذه الصنعة. وأعني الفهمَ المبنيَّ على وعيٍ نقديّ يجعلنا نُدرك أنّ الحدث يتشكّل في التاريخ، لا فوق التاريخ، وأنّ الطريق إلى المعرفة التاريخيّة معبّدةٌ بالشّكّ لا باليقين، وبتفكيك الأساطير لا بتبنّيها. هذه المطالعات، بالنّسبة لي كقارئ شابّ، كانت فاتحةً لقراءاتٍ متتابعةٍ في تاريخ المشرق العربيّ وتشكّل كياناته القطريّة وجماعاته الإثنيّة والطّائفيّة، وكانت إضافة إلى ذلك مدخلًا لاستشكال ذاتيَ نفسِها، بما هي مُنتج للوعي الأسطوريّ الذي صاغ نظرتنا لأنفسنا وللبلاد التي ولدنا فيها.

في مثل هذه الأيّام في مطلع أيلول/سبتمبر قبل عشر سنوات، رحل عنّا كمال الصليبي تاركًا خلفه عددًا من الكتب المرجعيّة والمقالات والدراسات المتخصّصة في التاريخ. وليس من المبالغة القول إنّ الصليبي هو الألمعُ في جيله بين مؤرّخي لبنان، وإنّه من نخبة المؤرخين في العالم العربيّ. انتهج الصليبي في أبحاثه سبيل النقد، فانقلب على كثير من التصوّرات، سواء تلك التي رسّختها أيدي من تعاقب على تدوين التاريخ في ما سبق، أو تلك التي تبناها هو في مرحلةٍ مُبكرةٍ ثم ما لبث أن أعاد قراءتها ووضعها تحت مِبضع التشكيك من جديد.

نقد التاريخ والجغرافيا

لم يكن الصليبي متحفّظًا في نقده، وهو الذي أكّد في أواخر حياته أنّه أفرغ كلّ ما في جعبته من دون أن يُبقي في سريرته ما لم يقله أو يكتبه خوفًا أو ترددًا. هذه الجرأة وصلت إلى حدود تحدّي البديهيات، كما في أطروحته المثيرة للجدل في كتاب “التّوراة جاءت من جزيرة العرب” (1985) حيث عكس مسار البحث، فلم يأخذ جغرافيا التوراة كمسلّمة ليُناقش في أحداثها ومصدرها، بل أخذ تاريخ التّوراة كمسلّمة ليُناقش ويُشكّك في جغرافيّتها.

ومن الضّرورة الإشارة هنا إلى أنّ المؤرخ المتمكّن لا بدّ أن يكون جغرافيًا متمكّنًا أيضًا. توصّل الصليبي إلى أنّ أحداث التّوراة الأولى دارت في منطقة عسير جنوب غرب الجزيرة العربيّة، ثمّ أُعيد انتاج هذه الجغرافيا من جديد في بلاد الشام بعد السبي البابليّ. وكان لذلك تبعات على فهمه للمسيحية وتاريخها كما تبيّن لاحقًا في كتابه “البحث عن يسوع – قراءة جديدة في الأناجيل” (1992). وليس ثمّة شكّ أنّ خلفيّته البروتستانتيّة الّتي تولي للعهد القديم أهميّة خاصّة كانت قد ألهمته رؤية ما لا يمكن لغيره أن يراه. لكن، بصرف النّظر عن نقاش الطّرح نفسه، حيث استند على مقاربات لغويّة وجغرافيّة في ظلّ غياب معطيّاتٍ أثريّة، فإنّ الخطوة نفسها تدلّ على المدى المفتوح الّذي كان يوليه للجرأة في البحث والنشر، ما سبب له لاحقًا أزماتٍ مباشرةً مع رجال الكنيسة ومع بعض الأكاديميين أيضًا.

من اللّافت أنّ الصليبي، وهو الذي فكك أساطير تاريخ لبنان، لم تكن له مواقف متطرّفة إزاء هذا الكيان السياسي المُستحدَث ولا إزاء الانتماء إليه بوصفه وطنًا حقيقيًا

في تاريخ لبنان، سار الصليبي مسار النقد أيضًا، معتمدًا على الوثائق وتحقيقها ومقارنة مضامينها، واضعًا موضع الشكّ السرديّة الرائجة التي نشأنا عليها، والتي نشأ هو كذلك عليها في بداياته. أي السرديّة التي تعتبر الإمارة هي النواة التأسيسيّة التي تمخضت عن لبنان لاحقًا؛ لبنان المتصرفيّة ثمّ لبنان الجمهوريّة، وتعتبر فخر الدين المعنيّ هو المؤسس السياسيّ لهذا الكيان.

ولا يكتفي الصليبي بتفكيك الأخبار الّتي ذكرها الرواة في المصادر، بل يعمد أيضًا إلى شرح الدوافع وراء كلّ خبر. هكذا يبيّن للقارئ الخيط الجديد الذي يرسمه للمسار التاريخيّ، ويأخذ بيده ليكتشف معه في رحلة ممتعة كيف أنّ هذه السرديّات تفسّر الماضي على ضوء مستلزمات الحاضر، فتربط ما لا يمكن ربطه، وتجعل ممّا هو جائز تاريخيًا (historiquement contingent) ضروريَّ الحدوث كما لو أنّه كان مُعدًا مُسبقًا في باطن الأحداث. وعلى هذا الخلط تُبنى التصورات المغلوطة واللّاتاريخيّة (anachroniques)، الّتي تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى رؤية متكاملة لكنها مفصومة عن الواقع والتاريخ. وتزداد الأمور تعقيدًا حين نلتفت إلى كلّ جماعة طائفيّة وإلى ما تحمله من تصوّرات عن نشأتها هي وعن نشأة غيرها من الجماعات. وهذه تصوّرات لا يفرضها التّاريخ بقدر ما تفرضها تحديات الواقع، وتفرضها العصبيّة التي تستخدم أساطير التأسيس لا للنّظر إلى الماضي فحسب بل إلى المستقبل أيضًا بما يضمن استمرارية الجماعة ووحدتها.

وهنا، كان البحث الذي قام به الصليبي في كتابه الشهير “بيت بمنازل كثيرة – الكيان اللبناني بين التصوّر والواقع” (1988) بعد سلسلة أعمال نشرها عن تاريخ لبنان. في الكتاب المذكور درس الصليبي التصورات المتباعدة، لا بل المتناقضة، التي تقبع خلف الطروحات المختلفة التي تحملها الجماعات في لبنان عن نفسها وعن غيرها وعن بلدها ذاته. ومن هنا دقّة العنوان الذي حمله الكتاب، والذي استلهمه الكاتب من كلامٍ ليسوع المسيح في إنجيل يوحنّا.

تفكيك أساطير لبنان التأسيسية

عملُ الصليبي هذا، لا يقتصر على توصيف الطروحات المختلفة، بين العروبيّة والكيانويّة، بل يبحث بعيدًا في التاريخ عن الحوامل والهواجس والتناقضات، وعن ظروف تشكّل الوعي الخاص بكلّ جماعة. ذلك أنّ فهم الأسباب العميقة لهذه الطروحات طريقٌ لا بدّ من عبوره قبل أي محاولة توليفيّة تُبنى فيها الدولة على عُجالة. فالتاريخ ليس مسألةً هامشيةً يمكن تجاوزها بتسويةٍ سياسيةٍ أيّام السّلم أو بانشقاقاتٍ وصراعاتٍ أيّام الحرب، بقدر ما هو قراءة نقدية لا بدّ من ترجمتها إلى فعل وإرادة سياسيّة. وهذا ما خلص إليه الصليبي في خاتمة كتابه، مشددًا على ضرورة انصراف اللبنانيّين إلى تنظيف بيوتهم من خيوط العناكب، أي إلى مواجهة تاريخهم المُستبعد والتّخلي الطّوعي والواعي عن الأحكام المسبقة التي تحملها كل جماعة عن نفسها وعن غيرها.

من اللّافت أنّ الصليبي، وهو الذي فكك أساطير تاريخ لبنان، لم تكن له مواقف متطرّفة إزاء هذا الكيان السياسي المُستحدَث ولا إزاء الانتماء إليه بوصفه وطنًا حقيقيًا. إذ إنّ تفكيك الأسطورة لا يُلغي ما للأمر الواقع من مشروعيّة في الانتماء والوجدان وفي السياسة والاجتماع. هكذا مشروعية لا يمكن الدخول في قطيعةٍ معها، لا سيّما بعد أن ثبتتها السّنون وأضفت إليها بُعدًا جديدًا تعاقبت عليه الأجيال. لكن المطلوب هو الوعي التاريخيّ والتخلي عن القراءات التي تناقضُ معطياتِ الواقع، مع ما يتبع ذلك من التخلي عن كلّ الأوهام والتّصورات الإيديولوجيّة التي تؤسس في حال تضخمها إلى نزعات انفصال وصراع موتورة. انتقل الصليبي في حياته من موقف إلى موقف آخر، ورحلاته هذه لم تكن سهلة، لأنّها كانت تصدر عن بحث وقراءة ومراجعات نقدية، لا عن ردّ فعل.

قدّم الصليبي أطروحته تحت إشراف برنارد لويس، المستشرق المعروف بعدائيّته للعرب، وبقيت علاقته بأستاذه لويس تحت سقف النّقد العلميّ

كانت حياة كمال الصليبي كثيفة في تجاربها، لكنّها متخفّفة من كلّ ثقل. (Travel light) هذا شعار اتّخذه لحياته منذ أن اكتشف باكرًا في سفره في القطار في سهوب فرنسا وانجلترا أنّ طريق المسافر يكون أجمل عندما لا يحمل على ظهره متاعًا ثقيلةً.  في بحثه التاريخيّ أولى الصليبي للسير الذاتية أهميّة كبيرة كمادّة مفتاحيّة تُدخلنا إلى العالم الواقعي لصاحبها، وكان يعرف ببراعة كيف يُحوّل الهامش إلى متن. والصليبي، المولع بالسير والأدب، ترك لنا حياته موجزةً بين دفّتين في سيرة لطيفة بعنوان “طائر على سنديانة” (2002). يوجز عنوانها الجميل حياته الحافلة بالتّواضع والبحث عن المعرفة أنّى كانت ومن أين أتت. تقول الأبيات الإنجليزية:

طائرٌ حكيم مسنٌ حط على سنديانة

كلّما رأى أكثر تكلّم أقلّ

كلّما تكلّم أقل سمع أكثر

لماذا لا نكون جميعًا مثل هذا الطائر الحكيم المسنّ؟

أسئلة الهوية والتاريخ

أكتب هذه الانطباعات، في الذكرى العاشرة لرحيل كمال الصليبي تحيةً له وعُربونَ شكر. هو شكرٌ على المستوى العام لما قدّمه من جُهدٍ للصناعة التاريخيّة في بلادنا (و”بلادنا” عبارة كان يستخدمها كمال الصليبي نفسه للتعبير لا عن لبنان فحسب، إنّما عن جواره أيضًا)، وشكرٌ على المستوى الشّخصيّ لأنّ للرجلِ دورًا عميقًا في إذكاء ولعي بقراءة التاريخ. وهو ولعٌ بدأ معه ثمّ سرعان ما انفتح على أعمالِ عددٍ واسعٍ من المؤرّخين العرب والأوروبيّين.

كمال الصليبي مؤرّخ فذّ، نشأ علميًا في مرحلة ذهبيّة عرفتها بيروت، على أيدي أهمّ علمائها في التاريخ والعلوم الإنسانيّة واللغات (منهم أنيس فريحة وقسطنطين زريق ونزيه فارس وماجد فخري إلخ)، ثمّ استكمل دراسته في بريطانيا معتمدًا في أعماله لاحقًا منهجًا أقربَ ما يكون إلى التجريبيّة الوضعيّة. في بريطانيا قدّم أطروحته تحت إشراف برنارد لويس، المستشرق المعروف بعدائيّته للعرب. بقيت علاقة الصليبي بأستاذه لويس تحت سقف النّقد العلميّ، ولم تجرّه التجربة لا للانقلاب على الذات، ولا لردّ الفعل والانفعال.

يبقى الصليبي مرجعًا في التاريخ لا يمكن إغفال أعماله، ويستحقّ دائمًا العودة المستمرة إلى إسهاماته القيّمة. لكنّ هكذا عودة، لا تستقيم إلّا بتوسيع واستكمال ما ابتدأه من جهة، وقد شرع عدد من طلّابه بذلك فعلاً، إضافةً إلى ضرورة نقد طروحاته على أيدي مؤرّخين آخرين لمساءلة محدوديّة المنهج الذي اعتمده ونقد المصادر التي انتقاها*. هذا إضافة إلى نقد قراءته للطوائف من خلال الاستعانة بأدوات ومفاهيم جديدة في العلوم الاجتماعيّة أغفلها الكاتب. وكان الصليبي نفسه قد امتاز بدعوة الآخرين إلى مراجعة ما كتب وقدّم، وهو الذي عُرف عنه التواضع العلميّ والشخصيّ.

بعد شهر من بداية أحداث 17 تشرين 2019، اجتمع عدد من الطلاب اللّبنانيين أمام وزارة التربية في بيروت، وأحرقوا نسخًا من كتبُ التاريخ المعتمدة في المدارس اللبنانيّة. وهذه النسخ، وهي عديدةٌ بتعدّد منازل البيت اللبنانيّ، تعرض سرديّات متناقضة عن نشأة لبنان وتاريخه، ثمّ تتوقّف في سرد التاريخ عند نيل لبنان استقلاله، تاركةً التاريخ المعاصر بعد الاستقلال في عداد تابوهاتٍ يُستحسنُ السّكوت عنها. هذه الخطوة الرمزيّة، والّتي قام بها تلامذة مدارس من مواليد هذه الألفيّة، تعكس تمامًا سؤال هؤلاء عن الذات والهوية والتاريخ.

كمال الصليبي، واحد من مؤرخين لا يعرفهم أغلب هؤلاء التلاميذ اليافعين، وقراءته اليوم، إضافة إلى غيره من المؤرخين، واجب وضرورة. وهو الذي كان قد صنّف مؤلّفاته ويسّرها بأسلوب أنيق وجزل العبارة، لأنه كان يقصد منها الجمهور العريض أولًا وقبل كل شيء. كان يستعين بتقنيّات الأدب والسرد والشعر بالعربيّة والأجنبيّة، ليضفي على نصوصه بُعدًا جماليًا إضافة إلى بُعدها المعرفيّ.

إن كان ثمّة تحيّة لروح كمال الصليبي في ذكراه العاشرة، فلتكن دعوة محبّبة للجيل الجديد لقراءة كتبه ومُصنّفاته، اليوم قبل الغد.

 (*) راجع على سبيل المثال الفقرة النّقديّة من مقالة وجيه كوثراني “كمال الصليبي في تأريخه للبنان الحديث ولصورة الأمير المعنيّ : من لبنان-الملجأ إلى لبنان-المأزق”. نُشرت في الفصل الثاني من كتاب أعدّه عدد من المؤلفين للإضاءة على أعمال الصليبي ونتاجه العلمي تحت عنوان “كمال الصليبي: الإنسان والمؤرخ (1929-2011)” صدر عام 2016.


:::::

موقع “أوان”

05/09/2021

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.