ألمانيا، دولة استعمارية مُعادِية، الطاهر المعز

 مَدْخَل:

تزامنت زيارة الوداع التي أدّتْها المستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل”، يوم التاسع من تشرين الأول/اكتوبر 2021،  إلى أصدقائها الصهاينة، مع رواج أخبار عن تَوَسُّط حكومة ألمانيا (وهي ليست المَرّة الأولى)، بطلب من الحكومة الصهيونية، لدى حركة “حماس” بغَزّة، إلى جانب النظام المصري المُطَبِّع، لتكثيف الضّغط على “حماس” من أجل خَفْضِ سقف مطالبها بشأن تبادل الأسْرى والمُحْتَجَزِين، ما يُشِير إلى مكانة ألمانيا لدى الكيان الصهيوني، فضلاً عن تطابق وجهات النّظر السّياسية والقناعات الإيديولوجية لكل من حكومة ألمانيا (بل النظام السياسي بمجمله) والكيان الصهيوني الذي لا يحترم أي اتفاق، بل عمد إلى إعادة اعتقال الأسْرى المُحَرَّرِين واغتيالهم، ولم يحترم محتوى قرار منظمة الأمم المتحدة رقم 181، لسنة 1947، المُسمّى “قرار التّقسيم”، الذي مَكّنه من شَرْعَنَةِ وُجُودِهِ على أرض ووَطَن الشعب الفلسطيني. أما ألمانيا فتُمثّل السّند الأوروبي الأول للكيان الصهيوني، وتتناول الفقرات الموالية بعض الوقائع والحقائق عن التّاريخ الإستعماري لألمانيا، منذ توحيدها بزعامة “أوتو فون بيسمارك” ( 1815 – 1898 ) بعدما قاد الإنتصار العسكري على فرنسا سنة 1870، ومُشاركة الطوائف البروتستانتية الألمانية في إنشاء المُستعمارات الإستيطانية بفلسطين، قبل الحركة الصهيونية، ثم مُساهمة ألمانيا الغربية (1949 – 1990) وألمانيا المُوَحّدة منذ 1990 إلى الآن (2021) في الدّعم السياسي والعقائدي والعسكري والمالي للكيان الصهيوني، بالتّوازي مع تغلْغُل المنظمات “غير الحكومية” الألمانية (وجميعها مُمَوّلة من الدّولة) في البلدان العربية، لتخريب العمل النقابي والسياسي والإجتماعي المَدَنِي، وتحريف وجهته ليتحول من النّضال إلى المُفاوضة، من موقف ضُعْف، كما حصل لقيادات منظمة التحرير الفلسطينية…

 مُقدّمة:

نادِرًا ما يقع التّذكير بالتّاريخ الإستعماري لألمانيا، لكنها مثل معظم الدّول الأوروبية، كانت تحتل العديد من البلدان في إفريقيا، بين سنَتَيْ 1884 و 1919 ( ناميبيا وبوستوانا والكامرون والتُّوغو ورواندا وبوروندي وتنجانيقا )، وفي المحيط الهادي ( غينيا الجديدة أو مايكرونيزيا وجزر سليمان وساموا ومجموعات عديدة من الأرخبيلات والجُزُر )، وكانت لها أيضًا بُؤَر استعمارية في الصين، بين سنتَيْ 1898 و 1914، وتقاسمت الدّول المُنتصِرَة في الحرب العالمية الأولى، الأراضي والبُلدان التي كانت تستعمرها ألمانيا، وفق مُعاهدة “فرساي” التي حَمّلَتْ ألمانيا مسؤولية إطلاق الحرب العالمية الأولى…

تحوّلت هزيمة ألمانيا إلى ثورة داخلية، أطْلَقَها الشّيُوعيون، لكن الرأسمالية الألمانية، بقيادة التيارات الديمقراطية الإجتماعية، انتصرت وارتكبت مجازر ضد الشيوعيين واغتالت القائدَيْن الشّيُوعِيّيْن “روزا لكسمبورغ” (1871 – 1919) و “كارل ليبكنيخت” ( 1871 – 1919) والعديد من القادة والمُناضلين الثوريين…

أدّت هزيمة ألمانيا، خلال الحرب العالمية الثانية، إلى إدماجها في المنظومة الرأسمالية الإمبريالية بزعامة الولايات المتحدة، حيث تحوّل مركز الهيمنة الإمبريالية من أوروبا إلى الولايات المتحدة، ولا تزال ألمانيا دولة امبريالية تُساهم في كافة الحُرُوب العدوانية التي تشُنُّها الإمبريالية الأمريكية، باسم حلف شمال الأطلسي أو باسم تحالف دولي، من أفغانستان إلى مالي، بدون استثناء، مرورًا بسوريا والعراق واليمن وليبيا والصّومال ومالي، وغيرها، فضْلاً عن الدّور التّخريبي الذي تُمارسه المُنَظّمات “غير الحكومية”، التّابعة للأحزاب المُمثَّلَة في البرلمان الإتحادي الألماني، والتي تُموّلها الحكومة الألمانية. أما أهم هذه المنظمات التي تعمل على تخريب الوطن العربي فهي:

مُؤسسة “فردريك إيبرت” (تابعة للحزب الديمقراطي الإجتماعي)، رئيس ألمانيا من 1918 إلى 1933، أي خلال فترة المجازر ضد الشيوعيين حتى انتصار النازية، ولها عشْرُ مكاتب بالوطن العربي

مؤسسة “هاينريش بول”، التابعة لحزب “الخُضْر”، ولها خمس مكاتب “عربية”

مؤسسة “فريدريش ناومان”، التابعة للحزب “الديمقراطي الحر”

مؤسسة “كونراد إيدناور”، التابعة للإتحاد الديمقراطي المسيحي، لها 120 مكتب في العالم وخمس مكاتب “عربية”

مؤسسة “هانس سايدل”، التابعة لحزب الإتحاد الإجتماعي المسيحي، ولها مكاتب في المغرب وتونس ومصر

مؤسسة “روزا لكسمبورغ”، التابعة لحزب “دي لينك”، وتُركّز على خصْي ما تَبَقّى من اليسار العربي، عبر “تدريب اليسار العربي والنّساء على النضال السياسي السّلمي والمُتمدّن” وهي أصغر المنظمات “غير الحكومية” الألمانية، وآخر مَوْلُود ألماني في هذا المجال، وتوجد أهم مكاتبها بتونس ولبنان وفلسطين…

من المانيا الغربية إلى ألمانيا المُوَحَّدَة

تأسّست ألمانيا الغربية سنة 1949، كواجهة للعالم الرأسمالي، وللإحتلال الأمريكي، في مُواجَهَةِ أوروبا الشرقية، التي كانت تحت النّفوذ السوفييتي، وفَرَضت الإمبريالية الأمريكية على دول أوروبا المنتصرة في الحَرْبَيْن العالميتَيْن الأولى والثانية، إلغاء الغرامات التي أقرتها عُصْبَة الأمم، بنهاية الحرب العالمية الأولى، وإلغاء الدُّيُون والغرامات التي يُفْتَرَضُ استخدامها لإعادة إعمار البلدان التي خرّبتها الحرب، وتكفلت الولايات المتحدة بإقراض أوروبا المال (مشروع مارْشال) وإحكام الهيمنة على أوروبا الغربية، وخصوصًا إيطاليا، وألمانيا التي تُسدّد “تعويضات” للكيان الصهيوني، وتَمُدُّهُ بالأسلحة وبالتكنولوجيا المتطورة، “تكفيرًا عن الذُّنوب” التي ارتكبها نظام الحُكم النازي الألماني، ضد مواطنين ألمانيِّين من ذوي الدّيانة اليهودية، أي تعترف ألمانيا بأن دولة الكيان الصهيوني تُمثل يهود العالم، بمن فيهم المواطنين الألمانيين (لم تتبادل ألمانيا والكيان الصهيوني السُّفراء سوى سنة 1965)، واعتبرت ألمانيا (مهما اختلفَ إسم الحزب الحاكم أو إسم المُستشار) أن المنظمات الفلسطينية، بما فيها منظمة التحرير هي “مُنظّمات إرهابية”، وأنكرت حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه، خلافًا لألمانيا الشرقية التي ساعدت الدّول العربية والمنظمات الفلسطينية، واستقبلت آلاف الطلبة واللاجئين العرب.

شكّل انهيار جدار برلين (تشرين الثاني/نوفمبر 1989) وانهيار الإتحاد السوفييتي، إيذانًا بإعلان وحدة جُزْئَيْ ألمانيا، ولم تكن وِحْدَة بل ضَمّ أو ابتلاع ألمانيا الغربية لألمانيا الشرقية، وبذلك بقيت ألمانيا المُوحّدة أكبر حليف ومُمَوِّل ومُسلِّح للكيان الصهيوني، وأعلن كافة رؤساء حكومات ألمانيا (المُستشارون) التزامهم “بحماية أمن وسيادة إسرائيل” وتسليح الكيان (مع الولايات المتحدة وأوروبا) للمحافظة على تفوق الكيان المُغتصب لوطن الشعب الفلسطيني اللاجئ والواقع تحت الإحتلال، ونظرًا لتأثير ألمانيا في مؤسسات الإتحاد الأوروبي، وهو اتحاد رأسمالي امبريالي، فإن انحياز ألمانيا الدائم إلى جانب الكيان الصهيوني أصبح موقفًا أوروبيا…

تميزت فترة حُكم “أنغيلا ميركل” بتوطيد العلاقة، لتصبح ألمانيا أكبر شريك تجاري أوروبي للصهاينة، وسبق أن ألقت خطابا في الكنيست (أيار/مايو 2008)، بمناسبة الذكرى الستين لاغتصاب فلسطين، أنكرت حقوق الشعب الفلسطيني، والتزمت “بضمان أمن إسرائيل، وترزيدها بما تحتاجه من أسلحة وتكنولوجيا”، وبعد عشر سنوات (سنة 2018)، كرّرت دعم حكومة ألمانيا المُطلق لدولة الإحتلال، ثم في تشرين الأول/اكتوبر 2021، حيث أدّت المستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” زيارة وداع للكيان الصهيوني، يوم التاسع من تشرين الأول/اكتوبر 2021، قبل مغادرة منصبها، وهي الزيارة الثامنة خلال ستة عشر سنة، وأعلنت ميركل: “إن ألمانيا لا تزال ملتزمة بأمن إسرائيل” بحسب وكالة “أسوشيتد برس” (10 تشرين الأول/اكتوبر 2021)، وأكّدت المستشارة الألمانية على “دعم ألمانيا الكامل لتل أبيب”، وعلى “رَبْطِ المساعدات المالية للمناطق الفلسطينية”، بتخلي الفلسطينيين عن الكفاح المسلح و”بتأكيد إعلانهم الإعتراف بالدولة اليهودية الديمقراطية”، ولكنها لم تطلب من الصهاينة التخلي عن العنف تطبيق قرارات الأمم المتحدة، والإتفاقيات الدّولية، ولم توجّه أي نقد لممارسات الحكومة الصهيونية ولا لانتهاكاتها لحقوق الإنسان، بل تُجازيها بإهدائها غواصات قادرة علي حمل أسلحة نووية، بذريعة “المسؤولية التاريخية التي تتحملها ألمانيا تجاه اليهود”، ومن الضروري التأكيد أن الدّول الأوروبية اضطهدت اليهود وليس العرب، وأن الحركة الصهيونية انطلقت خلال القرن التاسع عشر، قبل الحُكْم النّازي بعدّة عُقُود، وأن الشعب الفلسطيني ليس مَعْنِيًّا بتحمل تبعات الجرائم التي ارتكبها النازيون الألمان، ضد مواطنين ألمانيين أو أوروبيين.

تعتبر صحيفة “يونغا فيلت” “إن ألمانيا تُنفِّذُ الدور المطلوب منها أميركيا وإسرائيليا”، وتكتفي وسائل الإعلام الألمانية بنقْلَ الرواية الصهيونية، للتعليق على ما يحدث بفلسطين، وتتجاهل تقارير الأمم المتحدة والمُنظّمات الحُقُوقية التي تنقد، بِلُطْف وبحذرٍ شديد، سياسات الكيان الصهيوني، وتكتفي الحكومة الألمانية ووسائل الإعلام، بما فيها المحسوبة على اليسار، مثل صحيفة “تاغس تسايتونغ” أو المجلة الشّهْرِيّة “كونكريت”، بترديد الموقف الرسمي الأمريكي والصهيوني.

أما “هايكو ماس” وزير خارجية حكومة ميركل فقد اعتبر، خلال زيارة تل أبيب، يوم 20 أيار/مايو 2021 “إن دعمنا المُطلق لإسرائيل ينطلق من اعتبارها مُضْطَرّة للدفاع عن نفسها ضدّ الإرهاب الفلسطيني”، وتزامنت زيارة وزير الخارجية مع عُدْوان صهيوني جديد على سكّان غزة المُحاصرين، حيث نَدَّدَ ببعض المظاهرات التي لم تضُمَّ سوى مئات الأشخاص بمدن ألمانية، منها برلين وفرانكفورت، وبعض المُدُن الأخرى، دعما للشعب الفلسطيني، و”تنديدًا بالسياسة العدوانية” للكيان الصهيوني، واعتبر الوزير إن هذه المُظاهرات مظْهَرٌ من مظاهر مُعاداة السّامِيّة.

مُراجعة تاريخية:

إن أهمّية التّذكير بالماضي الإستعماري لألمانيا ضروري (راجع الفقرات الأولى) لفهم الإيديولوجيا التي حكمت ألمانيا الغربية، ثم ألمانيا “المُوَحّدة” الحالية، وبالنسبة لاستعمار فلسطين من قِبَل الحركة الصهيونية، كانت مساهمة ألمانيا عقائدية (إيديولوجية) ومالية ومادية وعسكرية، ولم ينزعج الرئيس الألماني “فرنك فالتر شتانماير”، الذي زار ا فلسطين المحتلة، في بداية تموز/يوليو 2021، من تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني “نفتالي بينيت” (وهو مستوطن أمريكي)، متفاخرًا: “لقد قتَلْتُ الكثير من العرب في حياتي، ولم يُسبب لي ذلك أي مشكلة أخلاقية”، بل دافع “شتانماير” عن موقف الحكومة وكافة الأحزاب الألمانية المُعارِض لأي ملاحقة قضائية مُحْتَمَلَة للمسؤولين الصهاينة بتهمة ارتكاب جرائم اعترفوا بها بأنفسهم، كما لم يشجب أي حزب برلماني ألماني ما حدث من المجازر وعمليات الإبادة بالمُستعمَرات الألمانية، خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، والتي وقَعَت بالتزامن مع الموجة الإستيطانية للمسيحيين “الهَيْكَلِيِّين” (فرع من البروتستانتيين بألمانيا) لفلسطين، منذ منتصف القرن التاسع عشر، الذين أسسوا ما لا يقل عن ست مُستعمرات، بين الناصرة وحيفا والقُدس، خلال الفترة 1861 – 1873، وأسّست ألمانيا، منذ سنة 1898 “جمعية تطوير المُستوطنات الألمانية بفلسطين”، التي أقامت ما لا يقل عن أربع مستعمرات استيطانية ألمانية جديدة، بين سنتَيْ 1902 و 1907، تضم ما لا يقل عن أَلْفَيْ مُستوطن، كما أسّست مشروعًا استعماريا آخر تحت إسم “شركة تنمية أراضي فلسطين”، سنة 1908، لتيْسير عملية الإستعمار البروتستاني أو اليهودي (الألماني)، ضمن مشروع ألماني صهيوني مُشترك، تمت صياغته سنة 1911، لطرد الفلسطينيين من بلادهم، ولمّا هاجم الفلاحون الفلسطينيون (سنة 1908) المُستوطنات الألمانية والصهيونية التي سلبت أراضيهم، على السواء، أرسلت ألمانيا سُفنًا حربية إلى حيفا، لتعزيز أسطولها الحربي المرابط هناك، منذ الحرب بين روسيا والدّولة العثمانية، سنة 1877، ما جعل من ألمانيا، منذ توحيدها سنة 1870 (بيسمارك)، عدوًّا للشعب الفلسطيني، وللشعوب التي تعرضت للإبادة من قبل المُستعمرين الألمانيين بإفريقيا وبجنوب المحيط الهادئ. أما النظام النازي فقد وقّع، منذ سنة 1933، اتفاقية مع مُمثّلي الحركة الصهيونية، لتحويل أموال اليهود الذين يغادرون البلاد إلى فلسطين، وتم تنفيذها من 1933 إلى 1939، تاريخ بداية الحرب العالمية الثانية، ومكّنت من هجرة خمسين ألف ألماني يهودي إلى فلسطين ومن تحويل أكثر من أربعين مليون دولارا (بقيمة الدّولار آنذاك)، بالإضافة إلى تأمين القنصلية الألمانية بالقدس قرضًا بقيمة مائة ألف جنيه فلسطيني، لتعزيز المُستعمرات الإستيطانية ليهود ألمانيا بفلسطين، ولشراء تجهيزات ألمانية الصُّنع، وأسلحة ألمانية استخدمتها مليشيات “الهاغاناه” الصهيونية لقتل الفلسطينيين، أثناء ثورة 1936-1939، بتواطؤ من الإستعمار البريطاني، وبعد تأسيس ألمانيا الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واصلت كل الحكومات منذ ذلك الحين (وكل حكومة ألمانية منذ إعادة توحيد ألمانيا سنة 1990) السياسات الاستعمارية الألمانية المؤيدة للاستيطان، بغض النظر عن الحزب أو الإئتلاف الحاكم، بل ندّدت كافة الحكومات والأحزاب البرلمانية بألمانيا الغربية بالمقاومة الفلسطينية التي اعتبرتها “إرهابًا مُعاديا للسامية”، واستخدمت ألمانيا (الغربية، أو المُوحّدة، منذ 1990) هذه الذّريعة لمُضايقة الجمعيات والمنظمات المُساندة للشعب الفلسطيني، ما جعل أحد الجنرالات الصهاينة ورئيس الحكومة السابق (إيهود باراك) يُصرّح لصحيفة “دير شبيغل”، سنة 2012 : “إنه لفخْرٌ عظيم لشعب ألمانيا الذي ضمن وجود دولة إسرائل وتعزيزها لعقود طويلة…”، وعمومًا اتّسمت سياسات ألمانيا بتأييد الإستعمار، بل والمُشاركة في أي عدوان أمريكي وأطلسي وصهيوني على شُعُوب العالم، ما ينفي تبرير الدعم المُقَدَّم للكيان الصهيوني بخرافة “الإحساس بالذنب إزاء المجازر النازية”، لأن السياسة ليست مَبْنِيّة على عواطف وأحاسيس، بل على مواقف إيديولوجية ومصالح سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية، وأظْهرت ألمانيا الحديثة، منذ توحيدها سنة 1870، أنها دولة استعمارية، عنصرية، تُؤيّد، بل وتشارك في عملية الاستعمار الاستيطاني لأوطان الشعوب، وتعود جُذُور هذه الإيديولوجيا الإستعمارية إلى أواخر ما سُمِّي “عصر النّهضة”، وبداية تطوّر الرأسمالية الأوروبية، بمساهمة أتباع المذهب البروتستانتي…

 جُذُور الإستعمار الإستيطاني لفلسطين

دَوْر بعض الطّوائف المسيحية البروتستانتية

كان الكاهن وأستاذ اللاهوت الألماني “مارتن لوثر” (1483 – 1546) من الدّاعين لإصلاح الكنيسة في أوروبا، وتزامن ظُهُور هذه الفكرة مع بدايات تطور الرأسمالية، بالبلدان التي أصبحت تُدين بالمذهب البروتستانتي، ولمارتن لوثر موقف رجعي من الفلسفة وعلم المنطق، فهو معادي ورافض للفلسفة، وعُنصري تجاه المواطنين الأوروبيين من الديانة اليهودية، وإن غَلَّفَ موقفه بغلاف ديني، حيث بدأ يُرَوِّجُ مع أتباعه أصحاب المذهب البروتستانتي فكرة عدم انتماء اليهود للحضارة الأوروبية الغربية، وإنما هم “شعب الله المختار” (وفق “العهد القديم”)، وموطنهم الأصلي هو فلسطين، ويجب أن يعودوا إليه، بعد تنصيرهم واعتناقهم المذهب البروتستانتي، وأهمل مارتن لوثر وأتباعه أن فلسطين موطن المسيحية التي وُلِدَت في فلسطين، وانتشرت في المشرق، قبل أن تستحوذ أوروبا عليها، والواقع أن الفكرة (تجميع اليهود في فلسطين) عنصرية، لأنها تهدف تخلّص أوروبا من التّجّار اليهود، الذين ساعدتهم ممارسة الحِرَف والتجارة (لأن الكنيسة حَظَرَتْ عليهم مِلْكِيّة الأرض) على مُراكمة رأس المال (ما سُمِّي لاحقًا “التّراكم البدائي لرأس المال)، وتهدف الفكرة، من النّاحية الدينية، تجسيد الإعتقاد بأن تجميع اليهود بفلسطين يُعجِّلُ عَودَة المسيح ليُخلّص البشرية من مشاكل الحياة الدُّنْيا، وتُخْفِي هذه الخلفية العقائدية الدّينية فكرة تأقلم الدّين (أو الكنيسة) مع مرحلة بداية تدهور النظام الإقطاعي، وظهور الرأسمالية ، وكان “الإصلاح” بمثابة ثورة ضد مركزية السلطة الدّينية (البابا) التي أصبحت تُعاني من انتشار البذخ والفساد، بفضل الأموال التي جمعتها الكنيسة من بَيْع “صُكُوك الغُفران” للفلاحين الفُقراء…  

بعد حوالي قرن ونصف من وفاة “مارتن لوثر”، أعدّ تاجر دنماركي ثَرِي (أوليغربولي) خطة، سنة 1695، لتوطين يهود أوروبا في فلسطين، وطلب من مُلُوك أوروبا دراستها وتنفيذها، ولم تتحول الفكرة إلى خطة تنفيذية، واهتم التّجّار بعملية التّراكم البدائي لرأس المال، قبل أن تعم الرأسمالية قارة أوروبا، إلى أن اجتاح نابليون بونابرت أوروبا، حتى وصل روسيا، حيث هَزَمَته عزيمة الرّوس بمساعدة البرد والثُّلُوج، ولم يكتفي نابليون باجتياح أوروبا، بل غزا مصر والعديد من مناطق المشرق العربي، إلى أن هُزِم بفلسطين (معركة “عَكّا”) سنة 1799، وخلال هذه الحملة على مصر وسوريا الكبرى، طَرَحَ تجميع اليهود في دولة خاصة بهم في فلسطين التي كانت عامِرَةً بأهلها الذين هَزَمُوا جيشه العظيم، وكان نابليون رائدًا للصهيونية، ومُلْهِمًا لأصحاب المشروع الصهيوني الذين استغلوا انتشار الإيديولوجيا الإستعمارية، في القرن التاسع عشر، عصر الإمبريالية، لطرح مشروع الإستعمار الإستيطاني الصهيوني، بدعم من القوى الإمبريالية، بحسب ما كتبه “ثيودور هرتزل” في رسائله إلى حكومات روسيا وفرنسا وبريطانيا. أما في ألمانيا (بروسيا آنذاك) والنّمسا وهولندا فقد تداخلت العقيدة الدّينية مع الفكر الإستعماري، بالتزامن مع وَهَن الدّولة العثمانية التي كانت تحتل فلسطين، ومعظم أراضي الوطن العربي، وهو ما أشار إليه الكاتب البريطاني “جيمس بتشينو”، منذ سنة 1800، في كتابه “عودة اليهود وأزمة كل الأمم” ( The restoration of Jews- The crisis of all nations: to wich is now )، وما عمل بعض السياسيين البريطانيين (كانت بريطانيا رائدة الرأسمالية، خلال القرن التاسع عشر) على تحقيقه، منهم اللورد آشلي الذي أراد استخدام فكرة رعاية “عودة اليهود” من أجل احتلال فلسطين “كضرورة للاقتصاد البريطاني”، بحسب رأيه، ونشَر اللورد ليندسي (Lindsay ) كتابًا سنة 1838، بعنوان “رسائل عن مصر وإيدوم والأرض المُقدّسة”، يُعيد صياغة فكرة تجميع اليهود في فلسطين، وناقش مع اللورد “آشلي” مسألة تنفيذ وتمويل المشروع، برعاية الدّولة البريطانية.

لم يكن مشروع الصهيونية اليهودية واستعمار فلسطين باسم الدّين، رائدًا بل مشروعًا لاحقًا ومتمّمًا للإستعمار الإستيطاني المسيحي والبروتستانتي، الذي بدأ قبل المُؤتمر الصهيوني الأول بسويسرا البروتستانتية ( الكالفينية)، سنة 1897، بعدّة عُقُود، وبعد حوالي قَرْن من مشروع نابليون بونبارت (1799) الذي خَطَّطَ لإنشاء دولة لليهود بفلسطين، وبدأ الإستعمار الإستيطاني المسيحي لفلسطين، منذ بداية القرن التاسع عشر، ليرتفع عدد اليهود هناك، منتصف القرن التاسع عشر، إلى نحو ثمانية آلاف (من إجمالي حوالي 500 ألف نسمة)، نصفهم من اليهود المستوطنين الذين جاؤوا من مواطن البروتستانتية الأوروبية، زمن الإحتضار الطويل للدولة العثمانية، خاصة بعد حرب بحر “القرم” ( 1853 – 1856) وفَرْض القوى الإمبريالية الأوروبية بعضَ شروطها على العثمانيين، مقابل نجدتهم ضدّ روسيا القيصرية، وكانت المجموعات البروتستانتية الألمانية من أثْرى وأنشط هذه المجموعات الأوروبية (وحتى الأمريكية) بفلسطين، خلال النصف الثاني من القرن التّاسع عشر، حيث أنشأُوا العديد من المستوطانت التي وَرَدَ ذكِرُ بعضها في فقرات أخرى، معظمها في مناطق يافا والقُدس وحيفا والنّاصرة، ونشرت صحيفة “أوغسبورغر ألغماين تسايتونغ”، سنة 1841، مشروعًا قَدّمه ضابط بالجيش الألماني، لاستعمار فلسطين من قِبَلِ ألمانيا، يعود إلى سنة 1835، فضلاً عن مشاريع جمعية “الهيكل” الألمانية البروتستانتية التي اشترت أراضي وأنشأت مستعمرات بفلسطين، بموافقة الدّولة العثمانية، ودعّم البروتستانتيون الأوروبيون هجرة مواطنيهم من اليهود إلى فلسطين، منذ منتصف القرن التاسع عشر، أي قبل ولادة الحركة الصهيونية المُعاصرة، وهنا تكمن جُذُور الدّعم القوي الحالي الذي تحضى به الحركة الصهيونية والإحتلال الصهيوني لفلسطين، من قِبَل الطوائف البروتستانتية الأوروبية والأمريكية (الإنجيليون)، وكذلك اليمين المتطرف – الأوروبي والأمريكي- الذي يدّعي الدّفاع عن المسيحية الأُصُولية ضد المُسلمين، وتحَوّل الدّعْم إلى تحالف مَتِين بين الصهيونية واليمين المتطرف في العالم.

كان الفلسطينيون واعين بمخاطر هذه المستعمرات الإستيطانية الأوروبية التي تعيش بمعزل عن السّكّان الأصليين، سواء كانت مستعمرات مسيحية (وخاصة الألمانية) أو يهودية، وتظاهروا ضدّها عدة مرات، بداية من سنة 1875، واعتبرت الصحف الألمانية أن المتظاهرين مسلمون، لنَفْي صفة “الوَطَنِية” عن الفلسطينيين لأنها تعتبرهم مجموعات في وضع “ما دُون الوطنية”، أي قبائل وعشائر مُتخلّفة، وجب استعمارها و”تَمْدِينُها” و “تَحْضِيرُها”، بإشراف أوروبي، أي ألماني، ولذلك باركت الصحف والفئات المثقفة إرسال الأسطول البحري الألماني إلى سواحل فلسطين سنة 1877، ثم سنة 1898، بذريعة “حماية مواطني ألمانيا ومتلكاتهم”، وكانت الحكومة الألمانية تُقدّم منحة سنوية للمُستعمِرِين الألمانيين (جمعية الهيكل) بفلسطين، من سنة 1868 إلى 1918، أي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث هُزمت ألمانيا.

وَرَدَ في مُذكّرات “كيدرلن” ( Kiderlen ) مُدير الدّائرة السياسية بوزارة الخارجية الألمانية، والتي نُشرت سنة 1891: “إن المستعمرات الألمانية في فلسطين لا تقدم لنا مثالاً مشجعاً. فالمستعمرون يكسبون قوتهم بصعوبة، ويتعرضون لعداء السكان المحليين…”، فهل كان يتوقّع أن يَسْتقبلهم الفلسطينيون بالوُرُود والهدايا؟ أما الحقيقة فهي أن مساحة فلسطين صغيرة، وعدد سكانها قليل (حوالي نصف مليون، منتصف القرن التاسع عشر)، وليست غنية بالمواد الأولية والموارد التي تحتاجها ألمانيا، ولا يمكن لألمانيا تصريف فائض إنتاجها بفلسطين الصغيرة، ولا يمكن للمُستعمِرِين المُستوطنين العيش بدون دعم خارجي (دعم مالي وعسكري)، ورغم هذه الإستنتاجات التي أصدرتها وزارة الخارجية ووزارة الحرب، تأسست، سنة 1899 (أي بعد المؤتمر الصهيوني الأول) بمدينة “شتوتغارت” (ألمانيا) “جمعية تطوير الاستيطان الألماني في فلسطين” ( Gesellschaft Zur Foerderung der deutschen Ansiedlungen in Palaestina  ) وتمكّنت من جَمْع التبرعات المالية لشراء الأرض في فلسطين ولتوسيع النشاط الإستيطاني لجمعية الهيكل التي حصلت على ثلاثماءة ألف مارك، خلال ثلاثة أشهر، مكّنتها من شراء قطعة أرض كبيرة، أنشأت عليها مُستعمرة بالقرب من مدينة اللد، ثم تمكّنت نفس الجمعية من بناء ثلاث مستعمرات جديدة، بفضل الدّعم المالي (التّبرُّعات)، بالإضافة إلى قَرْض مُيَسّر من “دويتشه بنك” لجمعية تطوير الاستيطان الألماني في فلسطين، بقيمة مائة ألف مارك، “لتطوير المُستعمرات بفلسطين، ولرفع سمعة ألمانيا”، بالتوازي مع دعم اللإستيطان الصهيوني بفلسطين، من خلال اقتراح “مَنْح اليهود حكمًا ذاتيا بفلسطين”، منذ سنة 1913، ما زاد من غضب الفلسطينيين الذين أعربوا عن مُعارضتهم لإنشاء المُستعمَرات الإستيطانية الأجنبية (يهودية أو بروتستانتية) منذ 1858، بحسب “كريستوف هوفمان”، أحد مؤسسي جمعية “الهيكل”، الذي نَعَتَ هذه المُعارضة ب”العداء العربي “، فيما أوردت مجلّة “سويدوتش وارت” (08 أيار/مايو 1909)، الناطقة باسم المُستوطنين من جمعية “الهيكل”، مقالات تُعبر عن نظرة الإستعلاء والتفوّق لقادة جمعية الهيكل الذين يُحذّرُون من “الاختلاط بالسكان العرب (فهُمْ) وَقِحون متعَجْرِفون بطبيعتهم، كسُولون، يمارسون التّسَوُّل والإستجداء والسّرقة، وهم جُبناء ولا يمتثلون سوى للقوة وطَمّاعون، يَسهل شراؤهم بالمال” (هل نَسِي صاحب المقال الإحتجاجات الفلسطينية ضد الإشستيطان الإستعماري؟)، وسبق أن حذّر قادة الجمعية، منذ 1884، من “التزاوج مع العرب… فمن الأفضل للألمانيات أن يبقين عوانس من أن يلقين بأنفسهن في أحضان الرعاع من العرب الذين لم يتحولوا بعد إلى كائنات بشرية”، ثم بدأ التحالف بين المستوطنين اليهود، من شرق أوروبا، ومُستوطني “جمعية الهيكل” يتعزز ضد الفلسطينيين، منذ 1882، بحكم “المصالح المُشتركة”، والثقافة الإستعمارية المُشْتَرَكَة…

المشروع الصهيوني = مشروع استعماري

دعم البروتستانتيون الأوروبيون، ثم المُبشّرُون الأمريكيون، هجرة اليهود الأوروبيين إلى فلسطين، منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وساعدوا في تأسيس الإتحاد الإسرائيلي العالمي (الاليانس)، سنة 1860، ودعموه ماليًّا وتقنيا، لاستئجار أو شراء الأراضي، وإقامة مستوطنات بفلسطين، التي يُسميها بعضهم “أرض صهيون”، قبل ظهور الحركة الصهيونية، وانطلق المشروع الإستعماري الإستيطاني من أوروبا من خلال دعوات “مارتن لوثر” 1483 – 1546، مؤسس المذهب “الإصلاحي” المسيحي (البروتستاني)، من منطلقات عقائدية، لأن “عودة اليهود إلى أرض صهيون تُعجّل عودة المسيح”، ومن منطلقات عُنصرية تعتبر أن اليهود (الأوروبيين أبا عن جَدّ) “غُرَباء عن النّسيج الحضاري والإجتماعي الأوروبي”، أي المسيحي الأُصُولي، وأسّس المستوطنون البروتستانتيون الألمانيون أول المُستعمرات الرسمية بفلسطين، وساعدوا (منذ سنة 1870) المُستوطنين اليهود لتأسيس المُستوطنات الزراعية، وتقديم التسهيلات المالية، ودعمهم بالمُعدّات وبالخبرات الفَنّيّة والزراعية…

أما خلال الفترة النّازية، فقد عقدت الحركة الصهيونية اتفاقًا مع حكومة ألمانيا، لتوجيه خمسين ألف يهودي ألماني نحو فلسطين، بين 1933 و 1939، وأرسلت ألمانيا النازية، بواسطة المُحامي “فون ميلدنشتاين” والموظف السّامي في الحكومة النّازية “أدولف إيخمان”، أسلحة وذخائر، بداية من سنة 1933، إلى المليشيات الصهيونية (أهمُّها “الهاغاناه”) بفلسطين، التي استخدمتها لإخماد ثورة الفلسطينيين (1936 – 1939)، ومع ذلك تم اختطاف “إيخمان” من الأرجنتين، ومحاكمته وإعدامه بفلسطين المحتلة، سنة 1962، وبعد الحرب العالمية الثانية، لم تُسدّد ألمانيا، المدعومة أمريكيا، تعويضات إلى الشعوب التي استعمرتها ألمانيا النازية ودمّرت بلدانها (المغرب العربي وأوروبا الشرقية وروسيا واليونان وألبانيا ويوغسلافيا…) وسددت أموالاً طائلة، ولا تزال، إلى الكيان الصهيوني، بما يفوق تكاليف كافة الحروب العدوانية التي شنّها الصهاينة ضد الشعوب العربية، ولا تزال الحكومات وكافة الأحزاب البرلمانية الألمانية تعتبر المُقاومة الفلسطينية “إجرامًا وإرهابًا، وتعتبر هذه الأحزاب، وكذلك معظم الصّحف الألمانية، أي احتجاج أو مُعارضة للكيان الصهيوني “عِدَاءً للسامية”، وحاولت السّلطات الألمانية (وكذلك الفرنسية) مَنْعَ كافة تظاهرات الخامس عشر من أيار/مايو 2021، في ذكرى النّكبة، وفي برلين استخدمت الشرطة العُنف لتفريق مسيرة سلمية، شارك بها حوالي ثلاثة آلاف شخص، معظمهم من العرب، واتهمت وسائل الإعلام المتظاهرين بالإستفزاز وبمعاداة السّامية، وطالبَ بعض السياسيين، منهم وزير الدّاخلية “أندرياس جيزل”، وكذلك الزعيم اليميني “ألكسندر دوبريندت”، بترحيل المُقيمين الأجانب الذين يُشاركون في مثل هذه المَسيرات، رغم خُلُوّها من أي حوادث، وأعلن أحد زعماء ائتلاف “ديلينكه”، الذي يُعتبر يساريا للغاية، بمقاييس ألمانيا، والذي يُشرف على إدارة مؤسسة “روزا لكسمبورغ” (منظمة “غير حكومية”، تمولها الحكومة الألمانية) :” لقد استَوْرَدنا مُعاداة السّامية”، أي أن ألمانيا كانت خالية من العُنْصُرية ومن العداء للسامية، قبل مجيء اللاجئين والمُهاجرين، الذين عبّروا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، واتفقت الأحزاب البرلمانية الألمانية والإعلام الرسمي، على اعتبار مناهضة الصهيونية “عداءً للسّامية”، وحذّرت محطة “دويتشه فيلله” الحكومية صحافييها من استخدام عبارات “استعمار” أو ميز عنصري”، عند الحديث عن فلسطين، أو عن الكيان الصهيوني، ما يُبرّئُ النّازية والإستعمار الألماني لبلدان إفريقية وبالمحيط الهادئ من العُنصرية ومن عمليات الإبادة والمجازر المُرتكَبَة بحق الشُّعوب، وما يُبرّئُ اليمين المتطرف من الجرائم العنصرية العديدة التي ارتكبها باسم “نقاوة العرق الآري”، وما يُبَرِّرُ الدعم المُطْلَق للكيان الصّهيوني ولجرائمه، وإنكار أي عدوان صهيوني، وتصنيفه “كرد مَشْرُوع على الإرهاب الفلسطيني”، وانتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية (التي تمولها وكالة التنمية والتعاون الدولي التابعة للحكومة الأمريكية) المُستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل”، بخصوص موقفها المُعادي للشعب الفلسطيني، والمُنحاز بدون قيد أو شرط للكيان الصهيوني، وانتقدت تصريحها “يجب أن تكون هناك دولة أسرائيل يهودية ديمقراطية”، واعتبرت أن ميركل “تتجاهل واقع المَيْز العنصري واضطهاد ملايين الفلسطينيين”…

تميزت السياسة الرسمية الألمانيا، منذ هزيمة ألمانيا بنهاية الحرب العالمية الثانية، وتقسيمها، وتأسيس ألمانيا الغربية التي لا تزال تحتضن أضخم القواعد العسكرية الأمريكية، بالإنحياز المُطلق للكيان الصهيوني، ونكران حق الشعب الفلسطيني في وطنه وبحساسية مُفرطة إزاء أي نَقْدٍ لبعض جوانب سياسات الكيان الصهيوني، ناهيك عن مُعارضة الحركة الصهيونية وأُسُس إنشاء دولتها على الأراضي الفلسطينية والعربية.

أعلنت الحكومة الألمانية، منذ سنة 1998، بيع الكيان الصهيوني ما لا يقل عن سبع غواصات (حتى سنة 2014) متطورة وقادرة على حمل رؤوس نووية، بأسعار تقل عن سعر التكلفة، وبنسبة  تقل عن 65% من سعر البيع المُعلَن رسميا، أي أن الخزينة الألمانية تُسدّد ما لا يقل عن 35% من سعر الغواصات، أي حصول الكيان على غواصَتَيْن مجانِيّتَيْن، فضلاً عن الدّعم المالي المُباشر، بقيمة لا تقل عن 3,5 مليارات دولار سنويا، منذ سبعة عُقُود، بحسب موقع صحيفة “يونغا فيلت” الألمانية (08 أيار/مايو 2014)، وكانت صحيفة “دير شبيغل” قد أثارت (30 كانون الثاني/يناير 2006) انحياز الحكومات الألمانية المتعاقبة، سواء من الإئتلاف الذي كان يقوده الحزب الديمقراطي الإجتماعي، أو الذي يقوده اليمين المسيحي-الديمقراطي، إلى دولة الإحتلال، وتجسّد الإنحياز في منح إسرائيل غواصات متطورة، مُزوّدة بأنابيب كبيرة قادرة على إطلاق أنواع مختلفة من الطوربيدات والصواريخ والقذائف، وقادرة على حمل رؤوس نووية، بأسعار منخفضة جدًّا (مع غواصَتَيْن مجانِيّتَيْن)، بقرار من حكومة المستشار غيرهارد شرودر (الحزب الديمقراطي الإجتماعي) والحكومات التي تلَتْها، “لإظهار التزامها غير المحدود بضمان أمن إسرائيل في ظل أوضاع الشرق الأوسط الحالية المتفاقمة، ما يُمثل مُخالفة لمُعاهدة حَظْر انتشار الأسلحة النّوَوِيّة”، بحسب الصحيفة، وكان الكيان الصهيوني قد نفَّذَ في أيار/مايو 2002، مُناورات عسكرية بَحْرية، في سواحل سريلانكا، تَضَمّنت إطلاق صواريخ من هذه الغَوّاصات الألمانية يبلغ مداها ما بين 1000 و1500 كلم…

تُعَدُّ ألمانيا حليفا أوروبيا رئيسيا للكيان الصهيوني، وتمثّل دَوْرُ “أنغيلا ميركل” في تعزيز العلاقات الأمنية والاقتصادية الثنائية، حيث أكّدت يوم العاشر من تشرين الأول 2021: ” إن قضية أمن إسرائيل ستكون دائما ذات أهمية مركزية ومسألة محورية لأي حكومة ألمانية، فنحن ( في جميع الأحزاب الألمانية) متفقون جميعًا على ضرورة أن تكون هناك على الدوام رؤية لبقاء دولة إسرائيل اليهودية الديمقراطية… لأن تاريخ المحرقة حادثة فردية نحن مستمرون في تحمل المسؤولية عنها في كل مرحلة من التاريخ بما في ذلك المستقبل…”، بحسب ما نقلته وكالتا رويترز وأ.ف.ب، يوم 10 تشرين الأول/اكتوبر 2021.

ضُعْف اليسار الألماني:

بعد الحرب العالمية الأولى، نفَّذ التيار “الديمقراطي الإجتماعي” مجازر ضد الحزب الشيوعي وقادَتِهِ سنة 1919، ولما فاز الحزب النّازي بأغلبية نسبية وحَكَمَ البلاد، بداية من سنة 1933، بادر بحشر الشيوعيين في المحتشدات، قبل الغَجر، وقبل اليهود بحوالي عشر سنوات، وخلال فترة ما بعد الحكم النّازي (بعد الحرب العالمية الثانية وتقسيم ألمانيا) تم تهميش وإقصاء التّقدّميّين الذين قاوموا النّازية وسدّدوا ثمنا باهضًا، وحرمانهم من الوظائف في القطاع العام، وتم حَظْرُ عودة الحزب الشيوعي وحظْرُ مشاركته في الحياة السياسية، ما أدّى إلى تهميش الفكر التقدمي واليساري، في ظل تقسيم ألمانيا وهيمنة الإمبريالية الأمريكية على أوروبا الغربية، وعلى ألمانيا بشكل خاص، واقترنت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية باصطفاف ألمانيا وراء السياسات العدوانية الأمريكية، وكذلك بالدّعْم المُطْلَق للكيان الصهيوني، ولم يشذ اليسار البرلماني، وكذلك التروتسكي الألماني عن هذه “القاعدة”، بذريعة أن كل فئات الشعب الألماني (وليس الحزب النازي ونظامه) برمته، وبكافة أجياله، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، يتحمّل نتائج السياسات النازية، ووجب “التّكفير عن الذّنوب” (وهي فكرة دينية أخلاقوية، وليست سياسية أو عقلانية) من خلال الدّعم المُطلق للحركة الصّهيونية، ولدولتها، وإلْصاق صفة “الإرهاب” بضحايا الحركة الصهيونية، وبكل من يُقاومها…

في منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2021، عبرت حركة ( Antideutsche Deutschen ) أو ما يمكن ترجمته ( مناهضو ألمانيا الألمان  )، أي مُعادين للفكرة القومية التي أدّت إلى انتصار الحزب النازي في انتخابات 1933، وهذه الحركة مُصنّفة “حركة يسار راديكالي”، بمقاييس ألمانيا، عن دعمها المطلق وغير المشروط لسياسات الكيان الصهيوني، بدون أية تحفظات، وهو موقف لا يختلف عن حكومة ألمانيا وأحزابها، كما لا يختلف عن دعم الطوائف الإنجيلية اليمينية للكيان الصهيوني، خلافًا لحركات اليسار الألماني، قبل بضعة عُقود (ستينيات وسبعينيات القرن العشرين)، التي شارك مناضلوها في المقاومة الفلسطينية، واعتبروا الكيان الصهيوني مشروعًا استعمارِيًّا، امبرياليًّا، في تناقض تام مع موقف شق من تنظيم تروتسكي ألماني (الرابطة الشيوعية)، دافعَ سنة 1991، عن العدوان العسكري الأمريكي على العراق، ودافع عن الكيان الصهيوني (مجلة “كونكريت”، كانون الثاني/يناير 1991) كما أَيَّدَ بعض اليسار الألماني العدوان على العراق ثم احتلاله، سنة 2003، ورفع مناضلو حركة “مناهضو ألمانيا الألمان” العلم الأمريكي والعلم الصهيوني، سنة 2003، لاستفزاز المتظاهرين المناهضين للحرب…  

أظهرت الإنتخابات الأخيرة بألمانيا، التي جرت يوم السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2021، تَعَصُّبَ معظم وسائل الإعلام إلى الفكر الصّهيوني والرواية الصّهيونية لتاريخ فلسطين (وهي رواية تَوْراتِيّة، وليست تاريخية)، ولما يحدث حاليا، مقابل غياب كامل لوجهة النظر العربية والفلسطينية، رغم ظهور بعض الإختلافات بين الناخبين والمترشحين بشأن القضية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى، خلال الحملات الإنتخابية، وتعرّض حزب “دي لينكه”، الذي يدّعي الإنتماء إلى اليسار، لانتقادات شديدة من الداخل بسبب إدلاء زُعامئه بتصريحات مؤيدة للكيان الصهيوني، وانتهاجه أساليب مماثلة لحزب العُمّال البريطاني، لخَنْق صوت المدافعين عن الحقوق الفلسطينية، وقال أحد زعماء الحزب: “فشلنا في الفوز ببعض الأصوات التي كان من المفترض أن تكون لنا بطبيعة الحال، مثل أصوات أبناء المهاجرين وأنصارهم”.

خاتمة:

لمّا أراد زعماء الإخوان المسلمين (التّيار الحاكم بتركيا) ابتزاز دول الإتحاد الأوروبي التي رفضت قبول عضوية تركيا، جعلوا من بلادهم (تركيا)  -منذ سنة 2015- مَمَرًّا للاجئين الذين دَمّرت الإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (وألمانيا عضو نشط جدا بالحلف) بلدانهم، والراغبين بالذهاب إلى أوروبا، بحثًا عن ظروف حياة أفْضَل، وبالفعل حصلت حكومة تركيا الإخوانية على دعم مالي أوروبي بنحو 6,5 مليارات يورو سنويا، مقابل إغلاق الحدود مع اليونان، بوابة الإتحاد الأوروبي، واستثمرت شركات ودول أوروبية، وفي مقدّمتها ألمانيا، بتركيا لتشغيل اللاجئين السوريين برواتب منخفضة، وأعلنت منظمة أرباب العمل الألمانية أنها بحاجة إلى أكثر من مليونَيْ عامل مُختص وفَنِّي ومُهندس وطبيب، لتعويض النّقص جراء تقاعد المِهَنِيِّين وشيخوخة السّكّان، كما أرسل أرباب العمل الألمان مُختصّين إلى مخيمات اللجوء بتركيا وسوريا والعراق ولبنان والأردن، لاختيار حاجتهم من العاملين، وأعلنت منظمة أرباب العمل بألمانيا، سنة 2021، أنها بحاجة إلىى نحو 2,5 مليون عامل وموظف لِسدّ الشُّغُور، ولتنفيذ البرامج الإقتصادية والصناعية التي تُبْقِي ألمانيا في مركز الرّيادة الأوروبية…

لذا لم تكن لسياسة استقبال اللاجئين أي علاقة بحقوق الإنسان ولا بالإحسان أو التّعاطف مع ضحايا الحروب العدوانية، التي يُساهم جيش ألمانيا في إشعالها، بل هي سياسة تخدم مصالح رأس المال الألماني، وتخدم مُخطّطًا امبرياليا “غربيا”، حيث استقبلت ألمانيا (ودول أوروبا الشمالية وكندا)، بعد الإجتياح الصهيوني لِلُبنان، وبعد مجاز المُخيّمات، آلاف الشبان الفلسطينيين، بطلب من الإمبريالية الأمريكية، وباتفاق مع الكيان الصهيوني لإبعادهم آلاف الكيلومترات عن فلسطين ولبنان والمشرق العربي…

هذه بعض ملامح المانيا الإمبريالية التي لم تخرج سياساتها من المنطق الإستعماري العنصري، منذ التّوحيد القَسْري سنة 1870، ثم إعادة التّوحيد، سنة 1990، وبقي احتقار الشعوب، ودعم الحركة الصهيونية خيطًا رابطًا بين هذه المراحل…    

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.