كنعان” تتابع نشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، لمؤلفه د. عادل سمارة، الحلقة (2): كميونة باريس، الجزء الأول

كميونة باريس

(الجزء الأول)

كانت كميونة باريس أول تجربة حرب غوار المدن فجرتها الطبقة العاملة، وسابقة على الحروب الحديثة لغوار الريف/ الغواريون الفلاحون، في الصين وفيتنام والجزائر وكوبا.  تم في الكميونة دحر قوات الحكومة من معظم عاصمة دولة كبرى في ايام قليلة وعلى يد عمال لم يكونوا جيشا مدرَّباً ، وإقامة جمهورية عمالية واستمرارها سبعون يوما[1] ومواجهة دولتين عظميين تحكمهما برجوازيتين تجمدان حرب برجوازيتهما القومية وتتحالفان عسكريا ضد عمال المدينة الأولى في التاريخ التي سيطر عليها العمال.   لا بل تحالفت البرجوازية الأوروبية باجمعها ضد الكميونة، كما كتب بول باران:

“… ومنذ ذلك الحين ، بعد أن غرقت كومونة باريس بالدم  على يد” العمل الموحد “لجميع الطبقات المالكة في أوروبا ، كما عانت الحركة العمالية الداخلية من واحدة من” أكبر الانتكاسات الحزينة التي لحقت بها، خلال التقدم الاقتصادي المطرد والسريع في إطار عمل النظام الرأسمالي “[2]

إنه حدث مميز وفريد جدير بالدراسة المتواصلة من كِلْتَي الثورة والثورة المضادة.

مجرد حصول الحدث هو درس في التاريخ يؤكد أن التغيير ممكن وبأن التناقض الطبقي في عالم رأس المال لا يمكن التغاضي عنه  فهو يفرض نفسه حتى لو غابت أداته. بل وأكدت التجربة أن الثورة ليس  شرطا أن يكون قد سبقها الإعداد والإمكانات، بل هي حدث يأتي دهشة، يداهمنا على حين غرة، مما يضعنا في حالة اختبار الوعي والقوة النفسية/الإرادة، اي بين المجتمع الذي أخذته الدهشة أو بين الفعل الثوري الذي يجعل من الحدث والدهشة قوة تغيير.

في زمن من التاريخ، بل مجرد لحظة، كانت الكميونة فعلا وتطبيقا وخطابا جديدين. ممارسة عملية فتحت مناخ التنظير لاحقاً على مصراعيه مهما اتفق الدارسون أو اختلفوا فهي تبقى لحظة مميزة في التاريخ، لن تتكرر ولكنها تخترق وعي كل حراك ثوري فتطبعه في هذا المنحى أو ذاك ذلك لأنها فعل إنساني وضرورة  اكتشفت ان قيامها ضرورة.

خطاب الكميونة وخطاب البرجوازية :

ورد في اول بيان للكميونة يوم 19 آذار: “…  لتقم باريس وكل فرنسا  معا، أن تضع او ترسي بنشوة  قواعد  الجمهورية   بجميع  نتائجها ما يترتب عليها الحكومة الوحيدة  التي سوف تغلق والى الأبد  مرحلة الغزو  والحروب الأهلية… في ثورات  1792 و 1848  1870 العمال  صنعوا جمهوريات للغير، اليوم لنفسهم” الحكومة الوحيدة التي سوف تغلق وإلى الأبد مرحلة الغزو والحروب الأهلية”!

يا للهول، وهل ابلغ من هذا في التاريخ قولاً وشعارا وممارسةً!  أليس مثار رُعب لا يمكن احتماله لدى البرجوازية لدى راس المال؟ بلى، ولذا كان لا بد من تدمير الكميونة حتى لو أُقتُلعت باريس نفسها. فإغلاق باب الغزو في التاريخ يعني دخول العالم سلاماً لم يعهده، ويعني اكثر وضع نهاية لطبقة هي التي تصنع الغزو والحروب. وليس الجدير بإنهاء حروب العالم سوى الطبقة العاملة التي هي نفسها تقع تحت استغلال البرجوازية داخل وطنها ويتم تجنيدها للغزو خارج وطنها، هي التي تموت لتحيا وتُتخم البرجوازية. لكن هذا كله مرهون بشرط رئيسي واحد: الوعي السياسي الطبقي وأداة تحقيقه. وهذه هي المعضلة التي لم يحلها العالم حتى اليوم!

لهذا بالضبط، وبعد اكثر من قرن على الكميونة  ألغت البرجوازية الفرنسية الكميونة من مساقات تاريخ فرنسا. ولهذا بالضبط تبقى البرجوازية برجوازية، فما حصل بعد قرن لا يختلف، بل هو امتداد لموقف البرجوازية الفرنسية نفسها خلال الكميونة حيث كان الضباط من الجيش الفرنسي وقد هزمهم الجيش الألماني  متشوقين لقتال العمال  الكميونيين.

 فهل هذا مؤشر على الحقيقة الطبقية لكل دولة كسلطة إلى حد شطب وتزوير التاريخ . هذا مثابة شغل إيديولوجي على تفريغ، مسح،  مسبق ووقائي للفعل الثوري. ولكن، ليس على يد من أسمتهم الثورة المضادة ب “التتوتاليتاريين/الشموليين، او اللاديمقراطيين…الخ، بل على يد لبرالية “عريقة”!  طبعا لا تمسح تاريخ النازية لأنها تستثمره لتغذية الشعور القومي وتلهبه كي تغزو بلدانا أخرى، فاليوم، حتى اليوم ترسل فرنسا جنوداً ضد سوريا واليمن لدعم الإرهابيين من قوى الدين السياسي ضد أنظمة جمهورية وعلمانية! لكن هذه البرجوازية  ترتعب وترتعد فرائصها من التناقضات الطبقية. انه تغول راس المال على الطبقة العاملة. نعم كل طبقة تقرأ التاريخ أو تدونه أو تحذفه طبقاً لمصالحها الجارية والمستقبلية. وهذا يضع ما تسمى الموضوعية البرجوازية على الشاشة عارية على حقيقتها. أما بالنسبة للمثقفين العرب الذين يلهجون كل يوم شوقا بل شبقا للديمقراطية اللبرالية فهذا حدث يتحدث عن نفسه مؤكدا أن سلطة البرجوازية هي ديكتاتورية طبقة. دعك من الأغلفة.

في جانب تكمن روعة كميونة باريس أنها لم تبدأ بخطة أو مشروع مدروس مسبقاً، بل كانت عفو وعي الخاطر العمالي الباريسي، الوعي المادي وحتى العفوي ما قبل الاشتراكي. هكذا ننظر إليها للوهلة الأولى أي لحظة الاغتباط لأي حراك رافض للواقع ثائر عليه بروح إنسانية عفوية وبحتة، وبالطبع قبل التحليل والتشريح العلمي الطبقي الثوري للحدث، الوعي الطبقي السياسي، وذلك لأن أهمية الحدث في:

  • حدوثه المستقل
  • وكونه إعلان تمرد ورفض وتغيير
  • ومن ثم الدهشة والأمل العفويين الذين يرافقانه.

وهذه متعة معانقة الحدث طازجا، بخلاف بردوة كتابة التاريخ.

فالكميونة نموذج هي أقرب إلى الانتفاضة الفلسطينية لعام 1987 من حيث الانطلاقة الجماهيرية العفوية من جهة، ونظراً لأن كلتيهما حصلتا إثر، ومثابة رد أو وثبة شعبية على هزيمة وطنية قومية أمام عدو، هو في حالة فرنسا الاحتلال البروسي (الألماني) لفرنسا واستخذاء البرجوازية الفرنسية وفي الحالة الفلسطينية هي اقتلاع المقاومة الفلسطينية من لبنان ليس فقط بناء على هدف العدو من الغزو عام 1982، بل كذلك لتماهي البرجوازية اللبنانية مع مطلب العدو وركوع قيادة م.ت.ف لذلك الضغط. أما في الكواليس فكانت وعود الإمبريالية الأمريكية لهذه القيادة بتسوية أعلى سقفها “دولة” في الضفة الغربية وقطاع غزة. فكانت الانتفاضة الأولى شعبية تماماً باستثناء شريحة ضئيلة من الكمبرادور الثلاثي.

 تتفارق الحالتان في جماهيرية الانتفاضة، وعمالية الكميونة، لكن من اهم تشابهاتهما  في دور المرأة الابرز في كلتيهما.

لقد وصف صحفي بريطاني إقدام نساء باريس بما يلي:

” … تجلى هذا بكل تأكيد يوم 18 آذار 1871، حينما كانت النساء في الجبهة، في مقدمة الشعب العامل  الباريسي يمنعن الجيش من نزع اسلحة الحرس الوطني”(ص 162)

وُقَّعت في  10 أيار لعام 1870  اتفاقية الصلح في فرانكفورت  وفي 21 ايار صدقت عليها الجمعية الوطنية” وهي اتفاقية استسلام البرجوازية الفرنسية للبرجوازية الألمانية المحتلة. هذا في فرنسا’

ما أشبه هذا بقرار م.ت.ف برحيل المقاومة من لبنان بعيداً عن حدود الوطن.

كان مناخ ثورة عمال باريس هو هزيمة نابليون الثالث ومن ثم شعور العمال انهم الأجدر وطنيا وقوميا، فليس أبلغ من انكشاف البرجوزاية وطنياً أمام الطبقة العاملة لأن الوطنية الحقيقية هي للطبقة العاملة.

فقد حصلت بعد ان عقدت البرجوازية صلحا شائنا مع المحتل الألماني[3] . أما البارون روتشيلد فكان قد أقرض حكومة بسمارك من الذهب ما يكفي ليغزو فرنسا. وبينما كانت بروليتاريا باريس تقاوم الغزو الألماني أغارت السلطة البرجوازية على سلاح بروليتاريا باريس  فرد العمال بإعلان الكميونة. هي إذن تطورات غير متوقعة، فكان الرد عفوياً بالطبع. ولذا تكمن أهميته في حدوث الرد  اكثر مما تكمن في تقنية الرد بحيث يكون متمهلا وضمن تخطيط وحسابات…الخ.

ولكن، والبرجوازية كانت تمارس الخيانة العلنية، فقد كان خلل الكميونة في المبالغة في المسألة القومية مما يخدم البرجوازية التي تمتطي الشعار القومي ولا سيما في فترة من مستوى الوعي يزيح أي ولاء قومي موهوم  كرصيد للبرجوازية بينما كانت  الحكومة البرجوازية خائنة للشعب.  

وهذا يبين بأن الوعي العمالي الطبقي/السياسي  لم يكن قد وصل حالة الفرز بين القومية الحاكمة والقومية الكامنة. وربما من هنا كان نقد ماركس عموما على القومية في أوربا تلك المرحلة حين كتب بأن “القومية سلاح بيد البرجوازية” وهي المقولة التي ذهب كثيرون من بسطاء الوعي الماركسي لتعميمها على كل الأمم ومختلف المراحل[4].

 وكما استسلمت حكومة تاليران في فرنسا للمحتل الألماني، استسلمت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية للمحتل الصهيوني الذي وصل بيروت وخرجت منها إلى أبعد الأقطار العربية عن فلسطين، إلى اليمن وتونس.

لعل من اللافت، أن الفدائيين الفلسطينيين صمدوا في بيروت أمام الغزو الصهيو-أمريكي أياما ، ثمانون يوما وأكثر، تقارب او تزيد عن ايام صمود الكميونة واحد وسبعين يوما.

وإذا كانت الكميونة قد اشتعلت إثر بل خلال الاحتلال الألماني  لفرنسا واستخذاء البرجوازية الفرنسية أمام المحتل، فإن الانتفاضة الفلسطينية 1987 كانت نتاج خمس سنوات من اغتراب معظم الفصائل المسلحة الفلسطينية عن موقعها الطبيعي في لبنان مما أوصل الحالة الفلسطينية إلى ما يقارب اليأس، وأوصل الكيان الصهيوني الإشكنازي إلى الاعتقاد بأن المقاومة الفلسطينية انتهت وانتهت معها القضية الفلسطينية، وهو ما دفع ميرون بنفنستي ، نائب الصهيوني رئيس بلدية القدس المحتلة السابق تيدي كوليك للقول عشية الانتفاضة: “وصلنا ربع الساعة الأخير”. ولكن ما لبثت ان انفجرت الانتفاضة الأولى في وعيه المخبول.

ومن جهة ثانية،بينما كانت الكميونة تجربة عفوية أولية للاشتراكية وديكتاتورية البروليتاريا إنتهت بمذبحة برجوازية فرنسية/المانية، كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى حراك شعبي عفوي جرى خصيه على يد قيادات رجعية يمينية بيروقراطية برجوازية ويسارية شكلانية أنتهت بها إلى مذبحة للقضية الفلسطينية عبر التطبيع مع الكيان الصهيوني الإشكنازي وتقزيم المشروع التحريري الوطني إلى المطالبة بدولة في جزيء من الوطن، أي تقاسم الوطن مع عدو يهذي باحتلال  من أرض العرب من النيل إلى الفرات! هذا من جهة، ومن جهة ثانية كان يمكن للانتفاضة أن تكون فجر نهوض شعبي عربي  مما دفع الثورة المضادة بما فيها البرجوازيات العربية إلى خصيها عبر:

  • تمكين الكيان الصهيوني منها واعتقالها لاحقاً في مجرد مصطلح في القواميس
  • إعادة الاعتبار للقيادة اليمينية لقطع الطريق على قيادة محلية ميدانية للانتفاضة بل واستيعاب هذه القيادة وتدجينها وتعليبها.
  • إغراق المنظمات الشعبية القاعدية بالمال وتحويلها إلى منظمات الأنجزة.

وفي حين مارس الكميونيون تطبيقيا بداية نظام اشتراكي، فإن الانتفاضة كرست عفويا الحماية الشعبية للاقتصاد والتي بلورتها انا نفسي في موديل تنموي مقاوم “التنمية بالحماية الشعبية”[5]، لكن، هذا جرى اغتياله بالتطبيع والتمويل  والتورط في اتفاقات أوسلو ومن ثم الفساد.

إذن، هي كالانتفاضة بدأت دون خطة أو قيادة حزب أو حركة سياسية منظمة، لكنها انتظمت سريعا في معمعان النضال الذي كان قصير الزمن بالمطلق، كثيف الأنجاز بالمطلق أيضاً.

نعم لم تحصل الكميونة بقرار وتخطيط من حزب او قيادة فردية  او منظمة عملت ببرنامج متماسك. لكن نكهتها أنها كانت عمالية، كان ثلث المنتخبين في بنيتها القيادية عمالا يدويين أثبتوا قدرتهم على القيادة بوعي وابتكار.   ويعود هذا إلى تاثير هام حيث كان معظمهم من الثلث الذي كان نشيطاً في الفرع الفرنسي من الأممية الأولى[6].

تم اختيار هؤلاء الأعضاء حكومة  للكميونة من قبل الناخبين الباريسيين في انتخابات خاصة تم ترتيبها على يد اللجنة المركزية للحرس القومي الباريسي والذي وجد نفسه بعد اسبوع وبشكل غير متوقع يمسك زمام سلطة الدولة.

لقد حدث هذا حينما انسحبت الحكومة الفرنسية  المؤقتة  التابعة للمحتل الألماني من باريس  العاصمة  إلى خارج المدينة بعد ان تآخت بعض فرقها مع  الكميونيين   في 18  آذار 1871.

وقائع يوميات الكميونة:

في ايار 1871 كتب مراقب برجوازي للكميونة في جريدة انجليزية  يقول: ” لو لم تتألف الأمة الفرنسية إلا من النساء فأي أمة رهيبة تكون!”. (لينين، حول كوميونة باريس، دار التقدم طبعة طشقند 1978 ص 31)

الكميونة هي اول محاولة  تقوم بها الثورة البروليتارية  لتحطيم آلة الدولة البرجوازية والشكل السياسي  الذي  “اكتشف اخيرا”  والذي يمكن ويجب ان يستعاض به عن المحطم”. ص 62 لينين

قامت بعض مفارز المقاتلين صباح 18 آذار  بأخذ مدافع  الحرس الوطني.  حصل إبان ذلك تحرك أحياء عمالية  عفويا  من قبل شعب باريس   وخاصة نساء باريس.  انسحبت القوات  وأخْلَت الحكومة قصر فرسايل.

ماذا يعني هذا قومياً؟

ففي حين استخذت البرجوازية وتواطئت مع الاحتلال، أي انقادت لمصالحها بدل وطنيتها وقررت التعايش مع الهزيمة حتى لو مؤقتا  كان الموقف الوطني/القومي هو موقف الطبقة العاملة رجالا ونساء حيث اعتبرت أن وطنيتها هي الحقيقية  وبالتالي فإن السلطة لها ومن ثم حماية الوطن مهمتها.

إذا صح هذا التوضيح او الاستنتاج، فذلك يعني أن الفهم الشعبي العمالي للوطنية والقومية مختلف عما يدور دائما في أذهان البعض بأن القومية هي حكر على البرجوازية. بل هي شكلانية لدى البرجوازية أصيلة لدى الطبقات الشعبية. لا بد أن نلاحظ أن وطنية البرجوازية هي المال والربح اي القشرة /الغشاء الأعلى للواقع بينما وطنية وقومية الطبقات الشعبية هي الأرض.

هذا الدرس الذي لا بد أن نقرأه عربيا وفلسطينيا بدقة. الشعوب لا تختلف عن بعضها في الأساسيات، وكذلك الطبقات. فالبرجوازية تتعامل مع الوطن كمكان مصالح وتتمسك به اكثر كلما تعمقت مصالحها حيث تراه سوقها التي تدر لها الربح اللامحدود، وفي دفاعها عن مصالحها تزعم أنه دفاع عن الوطن فتجند الطبقات الشعبية للحرب حتى خارج الوطن[7]، وتبقى هي في القيادة، وقلما يُقتل منها أحداً، بينما الطبقات الشعبية تتعامل معه كمصدر وحيد للوجود.

لذلك، ما جرى في الكميونة أن قسما من الحرس الوطني انضم للكميونة لأنه من ابناء الطبقات الشعبية، وربما لو لم تنسحب السلطة من باريس لكان انضم لثوار الكميونة عدد أكبر[8]. بكلام آخر، كان لا بد من تجهيز وتعبئة الجيش للاشتباك مع الكميونة. ففي الحرب انت تقاتل اساسا لحماية نفسك وحتى بشراسة.

قامت الكميونة في يوم 3  نيسان بأول غارة مسلحة  لمواجهة الجيش لصد حملة قام بها الجيش الرسمي ، جيش السلطة، بالتعاون مع  السلطات البروسية المحتلة  ضد باريس. فشلت الغارة وأُسر بعض المقاتلين، وقتل البعض ومن بينهم قادة مهمين.

هذا مؤشر على أمرين:  

الأول: الروح القتالية، روح التصدي  والمبادرة أو المبادئة لدى رجال ونساء الكميونة. وهذه روح لا تقوم بدون الجاهزية الطبقية للثورة حيث الصراع طبقي وقومي مركّب كما هو معسكر أعداء الكميونة طبقي وقومي ايضاً. ولعل هذا الاصطدام قد كشف عن خطورة مهمة الكميونة حيث تواجه قوات دولتين كبريين في حينه.

والثاني: خضوع السلطة البرجوازية الفرنسية للمحتل الألماني  واستخذائها للعدو المحتل. وهذا يؤكد تماما، كيف يمكن للبرجوازية ان تخون الوطن حفاظاً على السلطة التي تتضمن مصالحها حيث تجعل السلطة/الدولة  ماكينة حماية وتوليد مصالح البرجوازية. وهذا ينفي عن البرجوازية زعمها في الحفاظ على السيادة القومية بمعنى أن السيادة مسألة يمكنها التنازل عنها في سبيل البقاء في السلطة كمشروع طبقي سياسي ترجمته الحقيقية ومآلاته مصلحة مادية.

في حرب المدن لا تكون هناك هزيمة تامة بين الغواريين والجيش النظامي، كما هو معتاد بين جيشين نظاميين حيث تحصل هزيمة ما إلى أن يتمكن الجيش المهزوم من ترك جيوب مقاومة خلفه تشاغل العدو مما يمنحه وقتا معينا لاستعادة وتجميع قوته وقواته وترتيبها والقيام بهجوم مضاد.

في حرب المدن يمكن ان يقوم الغواريون سريعا بالرد على هزيمة  كانت لصالح الجيش النظامي. هذا ما قام به المقاتل الكميوني البولندي الأصل يوم 9 نيسان  في استعادة اسنيرس. وبالطبع، فإن تعدد الأصل القومي لمقاتلي الكميونة، هو تاكيد لطابعها الأممي من جهة، وتأكيد للطابع الأممي “بالمعكوس” للعدو من جهة ثانية. نمطان من التحالف يؤكدان حقيقية التناقض الطبقي على صعيد أممي وفي فترة مبكرة من جهة، ووجود أممية البروليتاريا مقابل التحالفات البرجوازية المؤقتة بين سلطة دولة وسلطة دولة أخرى[9].

ربما كان يجب الحفاظ على هذا الأمر وتطويره لاحقا من قوى الثورة ضد الثورة المضادة على صعيد عالمي. بل إن عدم تطويره ومفاقمته مكَّن الراسمالية من تمويه التناقض إلى درجة انها جرَّت لصالحها الكثير من أحزاب الأممية الثانية فانحازت في الحرب الإمبريالية الأولى لبرجوازيات بلدانها، وهذا لعب دوره الخطير في عدم امتداد الثورة البلشفية إلى أوربا الغربية.

وهذا يفتح على الجدل الممتد حتى اليوم والذي تثرثر به قيادات كثيرة من الحركة التروتسكية بأن ستالين حصر الثورة الإشتراكية في بلد واحد هو الاتحاد السوفييتي. هذا مع أن الثورة البلشفية كانت على أحر من الجمر  بانتظار الثورة في ألمانيا، أكثر بلد كان مرشحاً للثورة، وكذلك في إيطاليا وفرنسا. ولكن الثورة المضادة تمكنت من هزيمة قوى الثورة. فما الذي كان بوسع الاتحاد السوفييتي القيام به إذن؟هل كان قادر على تحرير أوروبا الغربية بينما كان يتعرض في فترة الشيوعية الحربية التي تلت ثورة أكتوبر لغزو إمبريالي من مليون ونصف جندي ناهيك عن الثورة المضادة داخل البلاد! وقياساً على مواقف التروتسك لاحقاً، فإن الاتحاد السوفييتي لو دخل ألمانيا لاتهمته التروتسكية كما الإمبريالية بتصدير الثورة. كيف لا؟ أليس نفس التروتسكيين هم الذين اعتبروا الاتحاد السوفييتي إمبريالية حينما ضرب الثورة المضادة في المجر 1956 وتشيكوسلوفاكيا أو ما أُسمي إمبريالياً  “ربيع براغ”[10] ووقفوا مع نقابة تضامن في بولندا التي كانت مرتبطة بالغرب وبابا الفاتيكان، وأدانوا مساعدته للحكومة الاشتراكية في أفغانستان مع أنها هي اي ألحكومة طلبت المساعدة[11]!

هنا يمكننا الزعم بوجود قومية كامنة وقومية حاكمة في كل أمة. فالقومية الحاكمة هي قومية الطبقة البرجوازية التي تُخضع الوطن والأمة لمصالحها، في حين ان القومية الكامنة هي قومية الطبقات الشعبية التي تندمج مصالحها بالوطن والشعب بلا انفصام.(أنظر القسم الثاني من الكتاب)

أُجريت في يوم  16 نيسان  انتخابات ملحقة للكميونة وتمت بشكل جيد.

لعل الدرس هنا، أن قيادة وكوادر الكميونة رغم ثقل وتعدد الأعباء إلا أن الكميونة كانت تنجز أهم مقومين للثورة معا وتزامنا وفي وقت جد مضغوط وقصير:

  •  القتال
  • والديمقراطية الميدانية.

تجدر الإشارة إلى أن البرجوازية طالما تذرعت “بالدفاع” عن الوطن سواء في صراع الداخل أو الخارج لكي تفرض الأحكام العرفية والقمع المعمم دونما حاجة لذلك ولكن كي تتمكن من عنق المعارضة. (لا تعدم البرجوازية ابتكار اساليب لتثبيت سلطتها وإزاحة المعارضة من طريقها، فالقيادة الفلسطينية حين اندلاع الانتفاضة الأولى وتشكيل القيادة الوطنية الموحدة ومع انها تشكلت من ممثلي الفصائل الفلسطينية، إلا أن القيادة قررت التفاوض كي لا تتطور قيادة بديلة لها في الأرض المحتلة بل قررت المجيىء إلى الأرض المحتلة ضمن تسوية لم تخلع الاحتلال ولا حتى مستوطناته! وغطت كل ذلك بزعم نقل القيادة إلى الداخل، وكأنه نقل تم بالتحرير!!

وهذا يكشف بوضوح أن الديمقراطية لدى البرجوازية أداة تستخدمها حينما يكون توظيفها لخدمة مصالح البرجوازية ممكنا.

لم يكن ابدا صمود الكميونة لفترتها  القصيرة أمر سهل لولا ذلك التماسك الداخلي الذي يؤكد معنى القتال حتى الاستشهاد. إنه درس الاستشهاد الجماعي وهي حالة نادرة في التاريخ مقارنة ببطولات الاستشهاد الفردي.

مثلاً، الاستشهاديون الفرادى في الحالة الفلسطينية، بعد اتضاح خواء اتفاقات اوسلو 1993،  قاموا بذلك من ضمن ما قاموا به، كمحاولات فردية لرفع سقف النضال الوطني في حالة الجزر أي لتعبئة فراغ النضال بعد التسوية. (انظر كتابنا:  المثقف المشتبك والعمليات الفردية 2017).

في حالة الكميونة، الأمر مختلف تماما، حيث الاستشهاد جماعي في لحظة نهوض جماعي قاد إلى موكب استشهاد جماعي مهيب.

من نهاية آذار وحتى  منتصف ايار كانت كل المعايير  الاجتماعية فيما يخص  العمل  والتعليم والمراة  والفن تناقش  وتقرر بين الكميونيين “

لعل هذا يذكرنا بمقولة ماركس “الثورات قاطرات التاريخ”. إنها تكثيف السنوات في ايام، هذا ما أثبتته الكميونة في زخم نشاطها، حيث اسست وتمأسست في بضعة اسابيع سواء في التعليم وتحرر المرأة والفن. تأسيس حواري جماعي، حبذا لو تمت حماية النصوص والاحتفاظ بها، ولكن هيهات والبرجوازية الفرنسية حتى اليوم تسحق إرث الكميونة حيث قامت مؤخراً ، كما أشرتا أعلاه،  بشطبها من كتب المناهج المدرسية الفرنسية. ما أشبه اليوم بالبارحة وهذه الجغرافيا بتلك، من يمكنه أن يجد نصَّاً حقيقياً عن القرامطة في المكتبات العربية!

خلال شهر ونصف هي حالة الهندسة النسبية على جبهات حواف باريس تم إنجاز هذا كله . أليس هذا هائل بمختلف المعايير؟

كانت الحياة هادئة في باريس ولأول مرة  يتم سماع رأي العمال وتبادل آراء فيما بينهم ، لا يوجد سوبر فايزر ولا عملاء بوليس تغلق الشوارع وتعيق المرور. هذا مناخ التفكير الحر والديمقراطية الثورية ، بعكس حرية التفكير اي حدود الحرية التي يسمح بها الحاكم للمحكوم.

في الأيام ما بين 9-14 ايار تتدهور الوضعية العسكرية للكميونة. تحشد البرجوازية الخاضعة بدعم المحتل الألماني قواها وإمكاناتها الهائلة مقارنة بباريس العمالية. كان بسمارك حاكم بروسيا ومؤسس الوحدة القومية لألمانيا أكثر شبقاً لذبح الكميونيين/ات بما هو بطل الصعود الراسمالي الألماني. كان يعلم أن المانيا خارجة من فرنسا، لذا كان لابد ان يترك خلفه بالتأكيد، فرنسا غير عمالية. هل كان التدمير الأمريكي الهائل لفيتنام على نفس النهج  بهدف تركها عاجزة عن إقامة نظام اشتراكي لديه ما يعتمد به على ذاته! وهل التدمير الجاري ضد سوريا من قبل ثلاثي الثورة المضادة (الثلاث الإمبريالي، الصهيونية والكمبرادور وأنظمة وقوى الدين السياسي العربية) كي يتركوها خرابا يباباً؟

فهو لا شك تحالف راس المال الألماني والفرنسي أو بقولة ماركس:” تآخي اللصوص”  في مراحل بل ومآزق معينة..

أعلنت اللجنة المركزية للحرس الوطني يوم 19 أيار اول بيان سياسي بعد انتخابها  كقيادة عمالية .

وهذا هو التطبيق التاريخي الأول ليس لخطاب عمالي بل لقيادة عمالية لأول حالة دولانية عمالية في التاريخ، ولا اقصد هنا حالة دولانية للفقراء حيث سبقتها ثورات للفقراء كثيرة وسبقتها ثورة ودولة القرامطة بمآت السنين، ولكن الكميونة أول دولة عمالية في عصر راس المال، ولهذا بالطبع معنى مختلفا.

من المناسب هنا أن نشير إلى استقطاب آخر في حالة الكميونة. فبينما كان العمال ينتخبون ممثليهم وقيادتهم العمالية كان المثقفون غير المناضلين يدعمون قصر فرساي! وهكذا يصطف كل لصالح طبقته، يكون المثقف التقليدي البرجوازي مثقف طبقته حتى وهي تخون الوطن. لا عجب في هذا، فقد كان حتى مثقفين تقدميين في روسيا القيصرية يحتسون الفودكا في حانات موسكو ويسخرون من ابناء العمال والفلاحين والجنود المسرحين وهم يتدفقون إلى شوارع المدينة خلال ايام الثورة البلشفية ومن بين  المثقفين الكاتب الكبير مكسيم غوركي. كما وقف المثقفون غير المناضلين ضد ثورة ايار 68، ودعم ولا يزال مثقفون فلسطينيون قيادة م.ت.ف قبل وبعد اتفاق أوسلو !

وهنا يطيب لي أن أقدم للقارىء موقفا يناسب الموقع والمقال والتحليل.

كنت قد كتبت في صفحتي على الفيس يوم 6 أكتوبر 2017، رسالة للأستاذ عبد الله السناوي في مصر بشأن إعتباره المفكر إدوارد سعيد ممن وقفوا ضد اتفاقات اوسلو، ولم يكن سعيداً ضد منهج أوسلو حقيقة، فهو مع الاعتراف بالكيان الصهيوني بلا مواربة. فجاء تعقيب من الرفيق يوسف أبو دية  في امريكا موضحاً ما أقصد بمثال واقعي وجدت من المناسب تثبيته في هذا النص كما هو:

عادل سماره

سؤال حامض 1191: 
الأستاذ عبد الله السناوي المحترم،
وأنت الناصري والعروبي القومي، كتبت قبل يومين في جريدة الأخبار تستشهد بالراحل إدوارد سعيد في نقده لأوسلو! عجباً. سعيد هو أخطر من خدم أوسلو لكن بطبعة سعيدية. هو:
مع الاعتراف بالكيان، وهو الذي أخذ ياسر عبد ربه إلى امريكا 1991 فغاص الأخير في بحر التطبيع ولم يعد، وسعيد  مع الحوار مع الصهاينة وهو الذي دعانا لتفكير جديد غير التحرير وهو ضد الكفاح المسلح وهو الذي زار المحتل 48 للدعاية لعضوية عزمي بشارة في الكنيست، وهو الذي مدح السعودية وهو ضد القومية العربية وهو اللبرالي الذي فرضه ابو عمار عضو غير منتخب في المجلس الوطني. هل يكفي هذا؟ انظر كتابه بالإنجليزية غزة –اريحا أولا. 
لو استشهدت به في الأدب المقارن لرفعنا لك القبعات.
يجب إعطاء الناس حقها وأخذ حقوق الشعب منها.
يبدو أنك تشجعت من تطريب جريدة الأخبار للناس برفعها للمطبع محمد بكري الذي لولا الخجل لقالت هذا تشي جيفارا بكري. 
إذا لم تفهمونا، إبتعدوا عنا.

Yousef Abudayyeh

كان سعيد يأتي كل عام ولبضعة ايام ليحاضر في جامعة كاليفورنيا/ سان دياغو، وكنت دوماً اطلب منه، بصفتة عضو مجلس وطني يمثلني( معين وغير منتخب)، ان يجتمع مع الجالية ويدافع عن مواقفة الساقطة وطنياً، وكان يرفض داىماًويقول ان لا دور لهذه الجماهير.كنت أسألة كيف يمكن ان يرضى ان يعين ممثلاً للجالية ويرفض التواصل معها. كان عندما يراني كانة يرى الموت لاصراري ومواجهته( العنيفة في بعض الأوقات) الدائمة على ضرورة التواصل مع من ” يمثلهم”.

LikeShow more reactions

لعل لواقعة إدوارد سعيد هذه معنى خاصاً. فهو مثال على المثقف التقليدي /العضوي للبرجوازية. لذا وافق أن تعينه القيادة البرجوازية اليمينية (قيادة م.ت.ف) عضو في المجلس الوطني الفلسطيني أي ممثلاً للشعب والذي اكثريته هي الطبقات الشعبية التي لا ينتمي إليها ولا يرغب أن يأخذ رايها بالاعتبار!. مفارقة هائلة. لعل موقف سعيد من الجماهير هو النقيض المطلق لموقف ماو تسي تونغ بأن الشعب هو المعلِّم.

 واللافت في الأمر تطابق حالتي الكميونة والانتفاضة كحدث، واختلافهما كسيرورة بمعنى أن الكميونة بتحررها ودمقرطتها الشعبية أفرزت خلال زخمها ممثليها العضويين، أما الانتفاضة فقد تمكنت قيادة م.ت.ف أن تفرز/تفرض على الانتفاضة ممثلين لا يمثلونها. وإذا كانت الكميونة قد انتهت ذبيحة  بالمعنى الدموي، فإن الانتفاضة قد انتهت ذبيحة بمعنى الغدر بها باتفاقات اوسلو.

اعلنت  سلطات باريس الجديدة   يوم 26 أيار تنظيم انتخابات  للكميونة من 90 شخصا

ورغم الهجمات التي شنها جيش البرجوازية ضد الكميونة، إلا أن سير الأمور كما خُطط لها كان لا بد منه حيث أُجريت انتخابات لسلطات باريس لمجلس من 90 شخصاً ، وكانت العبرة في عدم تغيير البرنامج رغم اشتداد العدوان.

بين 21-28  ايار الجيش يخترق متراسا اثر آخر.  والمذابح تترى  وقد قُتل 20 الفا بالرصاص  وجرى اعتقال خمسون الفا.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] صمدت المقاومة الفلسطينية واللبنانية 82 يوما في بيروت أمام حصار الناتو باجمعه مدموجاً في جيش الكيان الصهيوني إلى أن قررت البرجوازية اللبنانية طرد المقاومة من لبنان خوفا على المدينة بل خوفا على أملاكها ورفضا للمقاومة، وهو القرار الذي قبلت به قيادة م.ت.ف كقرار انتحاري. هنا الفارق بين قيادة الكميونة وقيادة م.ت.ف.

[2] See, Paul A. Baran, The Political Economy of Growth, Monthly Review, 1957. P p. 48-49

[3] ولأن الشعر ديوان العرب، نستذكر في هذا المقام قول الشاعر مظفر النواب:

وصافح قادتنا الأعداء، ونحن نحارب

وناموا في الصف الاخر، والجيش يحارب.

[4] هذا الفهم او التفسير المقصود به التشويه للماركسية، هو الذي ازدراه ماركس فقال: بهذا المعنى : لست ماركسيا. لطالما تم استخدام وتوظيف هذه الجملة نفسها إما بجهل  او خبث.

[5] أنظر، عادل سمارة وعودة شحادة ،اقتصاد الضفة والقطاع من احتجاز التطور إلى  الحماية الشعبية، منشورات دار الأسوار، عكا 1988 ودار كنعان، دمشق .

–  Adel Samara Beyond De-Linking: Development by Popular Protection vs Development by State, 2005. Palestine Research and Publishing Foundation, P.O.Box 5025, Glendale, CA 91221, USA. ومركز المشرق/العامل رام الله 2005

[6] See A Dictionary of Marxist Thought, ed by Tom Bottomore, Blackwell Reference 1983. P.p. 359-60

[7] أورد هنا مثالين صارحين متشابهين رغم ظاهرية اختلافهما وهما تعبير عن تحول المستوى الطبقي عالميا  أي تبلور طبقة رأسمالية معولمة قوامها تحالف رأسمالية المركز مع كمبرادور المحيط كتابع معتبرة العالم او متعاملة مع اقتصاد الأمم وكأنه قطاع رأسمالي عام معولمم لصالحها.  فالكيان الصهيوني هو موقع عدواني متقدم أقامته برجوازيات المركز الرأسمالي في مرحلة الإمبريالية لحماية مصالحها، ودوره هو تجنيد اليهود من مختلف بقاع الأرض ليستوطنوا في فلسطين فيقتُلون ويُقتلون لصالح  المركز الراسمالي الغربي بما هو متروبول (الوطن الأم) لهذه المستوطنة البيضاء، اي المركز يقاتل خارج أرضه أو وطنه.والمثال الثاني، عائلة آل سعود تجند الوهابيين والتكفيريين والإخوان للعدوان على سوريا والعراق وليبيا واليوم ضد اليمن .وكل هذا ايضا في خدمة المركز الراسمالي الغربي.

[8] في مراحل الانحطاط الوعيوي انضم قسم، وإن بسيط، من الجيش العربي السوري لجيوش الإرهابيين التي تدفقت على سوريا كما وفرت قوى الثورة المضادة في الداخل  للمعتدين بيئة حاضنة ومجندين.

[9] كُتب في العقدين الماضيين كثيراً عن تبلور طبقة راسمالية ((بلوتوقراط)) على صعيد عالمي، وهذا أمر قيد التفكير والقرار ، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه، حتى لو حصل هذا التبلور، فهو قائم على الملكية الخاصة التي تفترض بل تشترط الصراع.

[10] كان النقد في حينه بأن الاتحاد السوفييتي قمع ثورة ضد البيروقراطية والتوتاليتارية، ولكن الفترة اللاحقة أي فترة تفكك الدول الاشتراكية قد اوضحت أن الخلل مزدوج، فلا كان الاتحاد السوفييتي دولة اشتراكية بالمفهوم الحقيقي ولا كان التمرد في المجر وتشيكوسلوفاكيا بهدف تاصيل اشتراكية غير تابعة، بل توجه مرتد على الاشتراكية بمعزل عن مدى كون تلكم النظامين اشتراكيين.

[11] أنظر، عادل سمارة، ظلال يهو-صهيو-تروتسكية في المحافظية الجديدة، منشورات مركز المشرق العامل للدراسات الثقافية  والتنموية، رام الله، 2014.