عادل سماره:

(1) حين تقترن الشهادة بالميلاد

(2) لبنان ستة عقود إلى الوراء

● ● ●

(1)

حين تقترن الشهادة بالميلاد

ربما هي الصدفة الزمنية التي تتضمن أحداثاً متقاطعة أو متعارضة. كيف لا، وايام السنة محدودة بينما حوادث الدهر/التاريخ لا عدَّ لها. لذا يُشحن كل يوم بوقائع واحداثا لا حصر لها.

في هذا اليوم 19 تشرين الأول/اكتوبر صادف مع التاريخ العربي ميلاد النبي العربي نبياً وعبقرياً وقائداً وقُرشياً بالطبع.

وفي هذا اليوم 19 تشرين الأول 1966 كان استشهاد أربعة من الفدائيين من تنظيم ابطال العودة .

وصادف تعيين الجلسة (33) لمحاكمتي وجرى تأجيلها لأن هذا اليوم عطلة ميلاد البني محمد (ص).

النبي غني أن اي شرح إضافي.

والمحكمة مؤجلة.

لكن مصادفة هذا اليوم بيوم مفترض للمحكمة أخذني عدة عقود إلى الوراء.

بعد خروجي من السجن في فترة حكم النظام الأردني في أوائل أكتوبر 1966 واستعادتي جواز السفر كان لا بد ان اذهب إلى بيروت سواء لمواصلة الاتصال مع قيادة القوميين العرب/تنظيم ابطال العودة ومع الشهيد وديع حداد تحديداً أو لموصلة الدراسة في الجامعة اللبنانية في منطقة الصنايع.

سافرت يوم 29 أكتوبر 1966 وحين وصلت بيروت ذهبت مباشرة إلى حارة حريك إلى المنزل الذي كان مقراً لأربعة رفاق من أبطال العودة هم: محمد رفيق عساف/ابو نظام، ومحمد اليماني، وسعيد البعد سعيد وسكران محمد سكران. كانت علاقتي المباشرة مع أبو نظام قائد المجموعة أما سعيداً فأعرفه بحكم الجغرافيا فهو من قرية دير عمار القريبة من قريتي.

طرقت باب الشقة ولم يرد أحد، طرقت كثيرا وجلست أنتظر حيث قلت ربما يأتي أحد منهم ولمدة ساعة، ولم يأتِ أحد.

قلت إذن لأذهب إلى بيت أحمد الأسمر في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين. حملت حقيبتي المثقلة بالكتب وأغراضي الأخرى وكنت قد أحضرت علب تمباك لوالدة أحمد حيث كانت تطلب مني ذلك لأنها تدخن أرجيلة.

طرقت الباب وفتح أحمد:

قلت: وين الشباب دقيت على الباب ولم يرد أحد.

قال: اي شباب ؟

قلت: أبو نضال وسعيد ومحمد وسكران

دُهش احمد وقال: شوووو وما مسكك المكتب الثاني، أنت مش عارف أنهم استشهدوا!

فهم لم يوقفوا مراقبة البيت! لقد أستشهدوا في معركة عند مستعمرة يفتاح قرب عكا، وجُرح وأُسر سكران.

لا أذكر شعوراً بالفاجعة كشعوري حينها. قلت لأحمد أنا مرهق ، دعني انام. وفي الحقيقة جلست على الفراش الليلة باكملها دون أن افعل شيئاً.

قرأت بعدها في “فلسطين/ملحق جريدة المحرر ما كُتب عن الفدائيين ومنه:

“أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح

واحمل جراحي لا يخفك دمي يسيل من الجراح

وانظر إلى شفتَيَّ أطبقتا على وهج الرياح

أنا لم امت أنا لم أزل أدعوك من خلف الجراح.”

مضت الأيام وأُدخلت القضية نفق أوسلو.

وذات يوم قبل 17 عاماً ذهبت إلى مكتب جبهة التحرير العربية الأقرب إلى بعث العراق ايام الشهيد صدام حسين وكان مسؤول المكتب الرفيق راكاد سالم، فقدم لي رجلٌ بلباس عسكري: الرفيق أحمد الأسمر.

قلت: هل أنت أحمد الأسمر الذي كان مع ابطال العودة؟ قال نعم.

تعانقنا وتذكرنا كل شيء.

وهذه الكتابة للذكرى شهادة تجمع بين النبوة والشهداء وهل أعلى!

(2)  

لبنان ستة عقود إلى الوراء

لعل لبنان أفضل نموذج على:

دولة لم تدخل ما يسمى ما بعد الاستعمار . لبنان كيان مقتطع من وسريا لكي يبقى لغما في أحشائها

دولة أقيمت على اساس طائفي كي تبقى مقتتلة ذاتياً

أقيمت على دور غسيل أموال في المنطقة ودور مالي لاحقا أخذه الخليج  وبالطبع على الفساد

لذا وصفوها بالدولة الرخوة.

كانت وكراً لمخلف مخابرات العالم

كما اعطى الاستعمار الحكم في البحرين للأقلية السنية اعطى الحكم للأقلية المسيحية ليبقى الاشتباك

مع الزمن تُصبح منح الاستعمار في تصور البعض حقوقاً

لم يتم تعيين او شبه انتخاب اي رئيس او عضو برلمان دون تدخل غربي اساس ومن حكام عرب

أي ان اللبنانيين على قناعة أنهم يُحكمون من الخارج بينما يثرثرون عن دستور…الخ

منذ الأربعينات حاولت قيادات من الموارنة استجرار دعم غربي لتقيم دويلة مسيحية لكن الغرب أفهمهم أنه:

لا إسرائيل في المنطقة غير إسرائيل.

حينما بدأت المقاومة الفلسطينية في التحرك في لبنان في منتصف الستينات كان المكتب الثاني اللبناني أعنف من الصهاينة ولذا حين استشهد الفدائي خالد من ابطال العودة (1964 او 65) لم يجرؤ أهله على التعرف عليه.

كانت المخيمات الفلسطينية عمليا محتلة.

حتى الآن ضئيلة هي المهن التي يُسمح للفلسطينيين بها.

ولأن لبنان نظام رخو تمكنت المقاومة الفلسطينية من توسيع تواجدها هناك، اي لم يكن برضى السلطات اللبنانية.

بعد مذابح ايلول في الأردن على يد النظام الأردني إتسع وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان مما أحدث نقلة نوعية في المجتمع اللبناني بمعنى أن المقاومة كانت:

·        بين نصير للمهمشين والمقموعين الفلسطينيين واللبنانيين

·        وايضا حليفة لليمن الإنعزالي

·        وطبعا لها أخطاء قاتلة

كان هدف الكيان بل كل الثورة المضادة بما فيها الأنظمة العربية اقتلاع المقاومة من لبنان

ولأجل ذلك جرى تفجير الحرب  المسماة أهلية وهي جوهريا طائفية/معولمة معاً وليست طبقية

خلال الحرب جرى اقتلاع المقاومة الفلسطينية من لبنان  ليعود صهيونياً، ولكن هذه المرة بدون حتى الإمتيازات التي كانت سابقا اي غسيل الأموال…الخ.

وجاء البديل الريعي على يد رفيق الحريري لتخدير الشعب لتركيعه في يوم موعود

جرى دخول سوريا في لبنان لإنقاذ اليمين الانعزالي

لكن لاحقاً، بعد تمكين اليمين أرغمت سوريا بعد 30 سنة على الخروج لكنها خرجت بأمهر من خروج العراق من الكويت

عوضت ذلك سوريا ,إيران بدعم المقاومة اللبنانية وخاصة مقاومة بقيادة العمامة السوداء.

إكتشفت الثورة المضادة أنها أخرجت مقاومة فإذا أمامها مقاومة اشد عوداً

تماما كما اعتقدت الثورة المضادة أن الصين ستصبح إجهاضا راسماليا ضخما تابعا لها، فإذا بالصين نِداً.

ومن هنا كان الشغل الشاغل لاقتلاع المقاومة تحالف فاشي داخلين صهيوني سعودي امريكي.

لم تبخل الثورة المضادة على الفاشيين والانعزاليين باي شيء

طبعاً كانت تجربة 005 وتم سحق الفاشيين  ليعودوا مؤخرا لمحاولة تحريب انفسهم.

يجري تجويع لبنان كي تطفو على السطح الفاشية والأنجزة وشيوعيين وتروتسك مخترقين.

من هنا كانت الطيونة مقدمة لما هو ابعد من كسب أصوات في الانتخابات.

لا يمكن لأمريكا ان تبذل كل هذا لزيادة كم عضو.

امريكا تشتغل لنفسها ولا يهمها أن يذهب الفاشيون ضحايا،

ليست امريكا وحدها هكذا بل كل الأقوياء إن لم تكن قويا.

هدف امريكا محاصرة وسحق المقاومة بتفجير الداخل وضربها من الخارج ودعوة تدخل مجلس الأمن

أي إعادة لبنان صهيونيأ

والفاشية اللبنانية ليست من المسيحيين فقط،

ألم يقم رفيق الحريري بمد اوتوستراد إلى حدود الأرض المحتلة

وحين فشل قُتل.

اليوم المعركة على مصير لبنان النهائي

لذا، على المقاومة الذهاب لبنانية جبهة شعبية لبنانية وليس فقط قوتها لوحدها

وهذا وحده الذي يلجم الفاشي عن المغامرة، كما فعل سعد الحريري

بالجبهة المشتركة يمكن كسب الوضع بلا حرب.

هذا فقط ما يحافظ للبنان على عروبته.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.