فرنسا، ثقافة استعمارية مُتَجَذِّرَة وتوتّر قبل الإنتخابات العامة 2022 (2)، الطاهر المعز

الجزء الثاني

  • من يهتم بمشاغل الفقراء؟

 بدأ التّنافس بين الطّامحين لِتَبَوُّإ منصب نائب بالبرلمان أو رئيس للجمهورية، داخل نفس الإتجاهات والتيارات، أو فيما بينها، قبل أكثر من ستة أشهر من البداية الرّسمية للحملات الإنتخابية، ومن المُقَرَّر أن تجري الدّوْرَة الأولى في نيسان/ابريل 2022، وتُشير مُجمل التقارير الرسمية وغير الرسمية، الفرنسية والأجنبية، إلى تدهور الوضع الإقتصادي والإجتماعي، خاصة منذ انتشار وباء “كوفيد 19″، وتسريح الآلاف من العاملين، رغم توزيع المال العام بسخاء على الأثرياء وأرباب العمل والشّركات، وبدل التنافس بين المُترشِّحين المُحتَمَلِين بشأن الحُلُول التي يقترحونها لحل مشاكل الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار (خاصة أسعار الطاقة والأغذية والتجهيزات وقطع الغيار…) انطلقت المُزايدات بشأن المُهاجرين واللاجئين، وبشأن المغرب العربي (خاصة الجزائر) والعرب عمومًا وإفريقيا، الواقعة تحت الصحراء، وتتنزل التّصريحات والإجراءات المُستفزة للجزائر (دولة وشعبًا ووَطَنًا) ولمواطني المغرب العربي، بشأن التّأشيرات، ثم بشأن نفي وجود كيان إسمه الجزائر قبل احتلال البلاد من قِبَل فرنسا (1830) وغير ذلك من التّصريحات، في إطار هذه المُزايدات بين الأفراد والتيارات اليمينية، التي ينحو معظمها بثبات نحو الفاشية، وتحميل الأطراف الخارجية وِزْرَ الأزمة التي لا يمكن إخفاؤها، وتدهور مكانة دولة فرنسا التي أصبحت قُوّة مُتوسِّطَة (وليست قوة عُظْمى) داخل المنظومة الإمبريالية والأطلسية، ونظرًا لعجز المنظومة الحاكمة على الوقوف بندّية في وَجْهِ الإمبريالية الأمريكية وحلفائها (بريطانيا وكندا وأستراليا، وحتى الكيان الصهيوني الذي يتجسّس على الرئيس الفرنسي)، ونظرًا للطبيعة الرأسمالية للنظام الحاكم، أهملت معظم الأحزاب والتّيّارات ورموزها التي دخلت الحملة الإنتخابية مُبكِّرًا، حصل اتفاق ضِمْنِي لاستبعاد مشاغل الكادحين والفُقراء، وتوجيه الخطاب السياسي روالإعلامي نحو قضايا أخرى، معظمها مُفتعلة، ومن بينها هل يجب الإعتذار للجزائر، بدل النقاش حول أساليب مُعالجة البطالة والفَقْر.     

أعلنت الحكومة الفرنسية، بنهاية أيلول/سبتمبر 2021، خفض عدد التّأشيرات لمواطني دُول المغرب العربي، ما أثار غضب المواطنين والسّلُطات في الجزائر، بينما آثرت سلطات المغرب وتونس الصّمت، بذريعة إثارة هذه المشاكل عبر “القنوات الدّبلوماسية”، واتهمت حكومة فرنسا دول المغرب العربي الثلاث بعدم  التعاون بشأن ترحيل مواطنيها الذين تنتهي صلوحية تأشيراتهم أو تُرْفَضُ طلبات إقامتهم، واتّسم إعلان الحكومة الفرنسية بالوقاحة وبالتّعالي، ويتنزّل ضمن المنطق الإستعماري السّائد بفرنسا، حيث أعلن ناطق باسم الحكومة: “أصبح القرار ضرورياً لأن هذه الدول لا تقبل باستعادة رعايا لا نريدهم ولا يمكننا إبقاؤهم في فرنسا… كان هناك حوار، ثمّ كانت هناك تهديدات، واليوم ننفذ تلك التهديدات”، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية (28 أيلول/سبتمبر 2021)، وتأتي هذه التصريحات ضمن المناخ السابق للإنتخابات، حيث أصبحت قضية الهجرة قضية دائمة الحُضُور، منذ أربعة عُقُود، وهي قضية مُفْتَعَلَة، تُمَكِّن الحكومات ومعظم الأحزاب من صَرْفِ نظر العاملين والفُقراء عن مشاغلهم الحقيقية، وخلق انقسامات وخُصُومات داخل الطبقة العاملة والكادحين والفُقراء…

تمثّل الفصل الثاني من استفزاز الجزائر في تَوَجُّهِ الرئيس الفرنسي، بداية تشرين الأول/اكتوبر 2021، إلى “الحركِيِّين” (أشخاص جزائريون جنّدهم الإستعمار الفرنسي، خارج إطار الجيش، لقتال المُقاومين الجزائريين) طالِبًا منهم الصّفْح عن إهمال الدّولة الفرنسية لهم ولأبنائهم، بعد استقلال الجزائر، وشكّل هذا التصريح عملية استفزاز جديدة، للدّولة الجزائرية، خلال فترة قصيرة، لتقترب مواقفه من اليمين المتطرف، قبل بضعة أشهر من الإنتخابات العامة، الرئاسية والنّيابية، بفرنسا، سنة 2022.

أما الفصل الثالث فكان تصريح الرئيس الفرنسي “يحكم الجزائر نظام سياسي عسكري، زيّف التاريخ ليكون قائما على قَلْب الحقائق، بل على كراهية فرنسا…”، وأعلن أن الجزائر بلاد وقع اختلاقها، لأنه لم توجد بلاد أو شعب أو أمّة على هذه الرقعة الترابية التي احتلتها فرنسا، لفترة 132 سنة، ولسائل أن يسأل: “من قاوم الإستعمار الفرنسي إذًا، منذ 1830، من الأمير عبد القادر إلى جبهة التحرير الوطني؟ ومن أفشَل مخططات الإستعمار الفرنسي لإلحاق الجزائر بها واعتبارها أرضًا فرنسية؟ واعتبرت السلطات الجزائرية هذه التصريحات خُرُوجًا عن الأعراف، وتدخُّلاً غير مقبول في شؤون البلاد الدّاخلية، خصوصًا بعد الدّعم العلني الفرنسي الرسمي لمجموعة “ماك” الإنفصالية البربرية، وتسببت تصريحات ماكرون في استدعاء الجزائر سفيرها من باريس.

لم يكن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” مُتعاليا، ولم يمتلك الجَرْأة لنقد الولايات المتحدة التي حرمت الصناعات العسكرية الفرنسية من صفقات الأسلحة، بل تنافسه (بدعم بريطاني وكندي وأسترالي) في مُستعمرات فرنسا السابقة، وبدلاً من مُقارعة المُنافسين الأقوياء، يُركز “ماكرون” على منافسة اليمين المتطرف، بإثارة القضايا المفتعلة بشأن الهوية والهجرة ومخاطرها المُفْتَرَضَة على نقاوة “العِرْق الأوروبي” المُفترَض…

فرنسا، خلفية استعمارية:

يُقَدّرُ عدد الجنود الفرنسيين الذين شاركوا في الحرب ضد مُقاوِمِي جبهة التحرير الوطني بالجزائر، بنحو مليونَيْ جُنْدِي، بين سنتَيْ 1954 و 1962، قَتَلُوا نحو مليون ضحية من أفراد الشّعب الجزائري، ولذلك تعتبر الجزائر “إن الإستعمار جريمة ضد الإنسانية”، وبعد ستة عُقُود من استقلال الجزائر، لا تزال هزيمة الإستعمار الفرنسي حاضرةً في الذّاكرة الجَمْعِيّة الفرنسية، تُغذّيها الحَملات المُتَكَرِّرَة ضد المهاجرين، أصيلي المستعمرات الفرنسية من إفريقيا، شمالها وجنوبها، وتزداد حِدّةُ هذه الحَمَلات خلال الفترات التي تَسْبق الإنتخابات، حيث يُعتبَر إصدار التصريحات الكاذبة وإعلان مزيد التّضْييق على المهاجرين، وشتم العرب والمُسلمين، أَيْسَر الطّرق للحصول على أصوات النّاخبين، دون عناء تقديم برنامج لحل مشاكل البطالة والفَقْر ونقص الخدمات العمومية، خصوصًا منذ اندثار اليسار البرلماني الفرنسي، قبل أكثر من عشرين سنة، وانزلاق الخطاب السياسي، والمُمارسة، نحو اليمين، وتحاول معظم القوى السياسية شرعَنَة الحُرُوب العدوانية التي تُشارك بها الجُيُوش الفرنسية، منذ 2001 بأفغانستان، ثم ليبيا واليمن وسوريا، فضلا عن الحروب المستمرة بالعديد من البلدان الإفريقية، والمُستعمرات الفرنسية السابقة، ولا توجد مُعارضة تُذْكَر لهذه الحُرُوب العدوانية، ولا للإحتلال الصهيوني…  

في هذا الإطار يتنزّل قرار خفض عدد التّأشيرات الفرنسية (القليلة أصلاً) لمواطني المغرب العربي، وتتنزّل التصريحات الإستفزازية للرئيس اليميني الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، مُمَثِّل مصالح رأس المال المالي، والقادم من مصرف روتشيلد، رمز الإستعمار والصّهيونية، حيث صَرَّحَ: “لقد تم بناء النظام السياسي العسكري الجزائري على ريع الذاكرة وعلى مراجعة التاريخ الرسمي وإعادة كتابته بالكامل، ليكون قائمًا على كراهية فرنسا”، مُتعمِّدًا التّنصّل من مسؤولية الإستعمار الفرنسي في مصير البلدان والشُّعُوب التي عانت من الإستعمار، ومن نهب الثروات، ومن الإستغلال والإضطهاد…

يُمثل تصريح الرئيس الفرنسي إقْحامًا للجزائر في الحملة الإنتخابية الفرنسية، حيث أنْكَر وُجُود “أُمّة جزائرية” قبل الإستعمار الفرنسي (1830)، ونَدّدَ بيان الرئاسة الجزائرية بهذا التصريح واعتبره “غير مسؤول” و “إهانة لأكثر من خمسة ملايين ضحية من الشعب الجزائري للإستعمار الفرنسي، من 12830 إلى 1962…”

أدى تقليص حصة التأشيرة الفرنسية للجزائريين، الذي أعلنه المتحدث باسم الحكومة الفرنسية في 28 أيلول/سبتمبر 2021، ثم تصريحات الرئيس الفرنسي عن “النظام السياسي العسكري” الجزائري ، إلى سحب سفير الجزائر بباريس، وإلى إلغاء اتفاقية 2012 التي تسمح للطائرات العسكرية الفرنسية بعبور سماء الجزائر، لقصف الأراضي المالية، وإلى زيادة توْتِير العلاقات بين الدّولتيْن، وإلى سحب السفير الجزائري من باريس، كما أدّى هذا التّصريح الإستفزازي إلى تحالف سلطات الجزائر ومالي، بعد الأزمة التي سببها انقلاب مالي لحكومة فرنسا المُتورّطة عسكريا بالبلاد، والتي بدأت خسائرها (القليلة) في الأرواح تُؤثِّرُ سلبًا على شعبية ماكرون وحكومته وتياره السياسي، وبثّ التلفزيون الحكومي المالي تصريحا يوم الخامس من تشرين الأول/اكتوبر 2021، لوزير خارجية الجزائر، يدعو إلى “تحرير فرنسا الإستعمارية من عُقَدِها التّاريخية، ومن المهمة الحضارية المفترضة للغرب، والغطاء الأيديولوجي للجرائم ضد الإنسانية، ضد شُعُوب الجزائر ومالي والعديد من الشعوب الأفريقية… لا توجد في السياسة وفي العلاقات الدّولية هدايا مجانية، بل تتسم العلاقات بين الدّول بالإحترام المُتبادَل وبتبادل المنافع، وبناء علاقات الشراكة على أساس المساواة التامة  “، وكان الرئيس ماكرون قد صرح يوم السادس من تشرين الأول/اكتوبر 2021 (قناة إذاعة فرنس انتار)، بالتزامن مع بداية إعادة هيكلة الجيش الفرنسي بالنيجر وتشاد، أن لا وجود للدولة ولا للأمن في مالي، ما أدّى إلى استدعاء السلطات المالية السفير الفرنسي لدى مالي، للإستفسار بشأن هذه “التصريحات المؤسفة وغير الودِّية”، ويُشكّل التصريح “غير الودّي” للرئيس الفرنسي، ردًّا على اعتزام حكومة مالي الإستنجاد بشركة أمنية روسية (مُقَرّبَة من حكومة روسيا) لمساعدتها على محاربة المليشيات الإرهابية، شمال البلاد، وذلك بعد أن قدّمت روسيا إلى حكومة مالي أربع طائرات مروحِيّة عسكرية، وتعبير وزير الدّفاع المالي عن شكره لروسيا التي أظهرت “قدرًا كبيرًا من الجدّيّة والنجاعة والمصداقية”…

تتجسّد الخلفية الإستعمارية الفرنسية أيضًا، في الرغبة التي عبر عنها الرئيس الفرنسي ب”مصالحة الذّاكرة” مع الجزائر، والمُراوَحة بين التّصعيد وبيع الكلام المعسول، دون تسديد ثمن الإحتلال والإستعمار الإستيطاني الذي استمر لمدة 132 سنة، وما انجَرّ عنه من مآسي وخسائر كبيرة، يريد “ماكرون” تحميلها للشعب الجزائري وحده، دون تعويضات مالية ومعنوية (احترام تاريخ ونضال وصمود الشعب الجزائري) مكتفيًا بالإعتذار المُخضّب بالإهانات والتّدخّل في الشؤون الدّاخلية للجزائر، واعتيار أي موقف جزائري “كراهية لفرنسا”، وتجدر الإشارة إلى تجاهل الحكومات الفرنسية المتعاقبة الآثار الوخيمة للتجارب النووية في الأراضي الجزائرية، والتي يُعاني سكان جنوب الجزائر نتائجها السلبية حتى اليوم، إلى جانب نتائج التّدمير المُمَنْهج والمجازر والإبادة التي خلّفت ملايين الضحايا بين شُهداء ومثصابين ومُعوّقين ومفقودين…

تأتي تصريحات الرئيس الفرنسي في سياق حملة انتخابية داخلية (فرنسية) يسعى خلالها معظم المرشحين للإتجاه نحو اليمين المتطرف، عبر إقحام الجزائر (حيث فقدت فرنسا مرتبة الشريك التجاري الأول)، وما يعنيه ذلك من تمجيد الماضي الإستعماري، وعبر تحميل المهاجرين، أي الفئة التي تحتل الدّرجات الدُّنْيا من السُّلّم الإجتماعي، عبء الأزمات ومشاكل المجتمع الفرنسي، وتحميل الجزائر مشاكل القوات العسكرية الفرنسية في ليبيا وفي منطقة الصحراء الكبرى… أما الطبقة العاملة والأُجَراء والفُقراء، داخل المجتمع الفرنسي، فإن حُضُورَ مشاغلهم يبقى هلامشيًّا، ولا يُثِيرُها سوى القليل من المُرشّحين، في مناسبات قليلة، ما يؤدّي إلى امتناع الفُقراء عن المُشاركة في العملية الإنتخابية…

الفقر في فرنسا:

تؤكد مختلف المُنَظّمات الاجتماعية الفرنسية، بنهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2020، نشوء فئة من “الفقراء الجدد”، بأكثر من مليون فرنسي باتوا اليوم تحت خط الفقر، وبحسب بيانات “المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية” (إنسي)، وصل عدد الفقراء في البلاد، بنهاية سنة 2019، إلى 9,3 ملايين شخص، أي ما يعادل 14,7% من مجموع السكّان، وكشف تقرير أصدرته منظمة الإغاثة الكاثوليكية بفرنسا أن عدد الفقراء في البلاد ارتفع خلال 2020 إلى نحو 10 ملايين شخص، بسبب تداعيات جائحة كورونا وإجراءات الإغلاق الشامل التي فرضتها السلطات لمنع تفشي الفيروس، فزادت حالة الأسر الفرنسية سوءاً، وارفع عدد من يعيشون تحت خط الفقر بالبلاد (من تقل مداخيلهم الشهرية عن ألف و63 يورو) إلى أكثر من عشرة ملايين مواطن سنة 2020، بزيادة نحو سبعمائة ألف شخص، مقارنةً بنهاية 2019، فيما أصبح نحو أربعمائة ألف شخص عاجزين عن تغطية النفقات اليومية للغذاء، خصوصًا مع زيادة نفقات السّكن والكهرباء والتّدفئة والماء والنّقل، ومع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، بنهاية الربع الثاني من سنة 2021، إلى نحو 4,5 ملايين، فضلاً عن المُعطّلين غير المُسجّلين أو غير المُعترف بهم رسميا… 

نشر موقع الحكومة الفرنسية ( Vie Publique ) يوم 24 أيلول/سبتمبر 2021، مُلخّصًا لعدد من الدراسات الحكومية التي تُشير إلى تزايد نسبة الفقر بين السكّان، من حوالي 14,8% من السّكّان، بنهاية سنة 2018، إلى نحو 20% بنهاية 2020، إثر سنة اتّسمت بانتشار وباء “كوفيد-19” وتسريح آلاف العاملين وعجز العديد من الأُسَر عن تسديد إيجار المسكن وثمن استهلاك الطاقة والغذاء، ونشر مجلس الشيوخ تقريرًا يوم 15 أيلول/سبتمبر 2021، يُشير إلى ارتفاع نسبة البطالة أكثر مما توحي به البيانات الرسمية، وإلى انتشار الفقر والعمل الهش الذي يُعتَبَرُ بوابة الفقر، وخصوصًا في أوساط الشباب الذين ارتفعت نسبة بطالتهم لتزيد عن العشرين بالمائة، وأشار تقرير مجلس الشيوخ أن ما لا يقل عن 20% من الفرنسيين يعدُّون أنفسهم فُقراء، بسبب البطالة أو هشاشة العمل، والعقود قصيرة الأجل (أقل من ثلاثة أشهر) والعمل بدوام جزئي ، والنشاط غير المستقر، ويجد الأُجراء والعاطلون عن العمل والفُقراء صعوبات كبيرة في الحصول على السكن، بسبب ارتفاع إيجار المسكن وثمن الطاقة، وعجزت حوالي أربعة ملايين أُسْرة عن تسديد ثمن الوقود والتيار الكهربائي والتدفئة، سنة 2019، قبل انتشار وباء “كوفيد-19” وما صاحَبَه من بطالة وفقر… 

نشر موقع “مرصد عدم المساواة ” يوم الخامس من تشرين الأول/اكتوبر 2021، تقريرًا يُشير إلى الإرتفاع المُستمر لنسبة البطالة والفقر منذ 2004، ويُشير التقرير إلى تعميق الفجوة الطبقية، حيث وزّعت الدّولة المال العام على الأثرياء، من أصحاب الأسهم بالشركات الكبرى والمصارف، خلال أزمة 2008/2009، وكذلك أثناء أزمة “كوفيد-19” ( 2020 و 2021) فيما لم تحصل الفئات الأكثر هشاشةً وفقرًا على دعم الدّولة، بل ازداد وضعها سوءًا، وأعلنت معظم مؤسسات البحث والدراسات أنها لا تمتلك تقديرات دقيقة للوضع خلال سنتَيْ 2020 و 2021، وقد تُعرقل الحُكُومة صُدُور هذه البيانات، التي يُتوقّع أن تكون سيئة، نظرًا لاقتراب موعد الإنتخابات العامة (نيسان/ابريل وأيار/مايو 2022)، وتُشير معظم التوقعات والتّقديرات الأوّلية إلى ارتفاع عدد الفُقراء، سنة 2020، بحوالي 1,3 مليون فقير “جديد”، وإلى انخفاض مستوى الدّخل، بمعدّل 8% كنسبة متوسطة، وترتفع النسبة لدى الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشةً، فيما يواجه العديد من العاملين الذين فقدوا وظائفهم صعوبات بالغة للحصول على عمل جديد، فضلاً عن الذين تم استبعادهم من “سوق العمل”، بسبب انعدام الكفاءة والخبرة…

عُمومًا، أجمعت الدّراسات المنشورة، على تدهور الوضع الاجتماعي للشرائح الإجتماعية الأكثر هشاشة، وكذلك للشباب والنساء، وعلى ارتفاع أعداد طالبي المساعدة الخاصة بالعاطلين من العمل، بسبب تدهور وضع العاملين بقطاعات كانت توظّف أشخاصاً ينتمون إلى هذه الشرائح، مثل قطاعي السياحة والمطاعم، وكذلك العمال والموظفين الذين لا تشملهم المُساعدات أو لا يستفيدون من حماية اجتماعية كافية، مثل المتعاقدين والمياومين والأشخاص الذين يعملون من دون تصريح رسمي، فنظام الحماية الإجتماعية لا يشمل سوى الأشخاص المحميين، أي غير المُهمّشين، مثل موظفي القطاع العام والعاملين بحسب عقود، ما يزيد من حِدَّةِ التفاوت الاجتماعي والفقر، وأوردت نشرة مؤسسة الإحصاء “إنسي” ( INSEE ) يوم الخامس من تشرين الأول/اكتوبر 2021، بيانات أظْهَرت وجود 9,2 ملايين شخص يعيشون تحت خط الفقر، أي بدخل شهري يقل عن 1102 يورو، بنهاية سنة 2019، أي قبل انتشار وباء “كوفيد 19″، وتُقدّر بعض الدّراسات ارتفاع العدد، بنهاية سنة 2020 إلى نحو 13 مليون شخص، أو ما يعادل 20% من العدد الإجمالي للسّكّان، بعد موجة التّسريح وفقدان الوظيفة، بالتوازي مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، أي ثروة البلاد، بنهاية سنة 2019، إلى نحو 2,332 تريليون يورو، وهو أعلى مستوى بلغه الإقتصاد الفرنسي (الناتج المحلي الإجمالي)، بحسب البيانات الرسمية التي نشرتها مؤسسة الإحصاء، بالمُقابل، تم تدمير ما لا يقل عن 715000 وظيفة بفرنسا، خلال النصف الأول من سنة 2020، ويُعتَبَر الحرمان من العمل أهم أسباب انخفاض (أو انعدام) الدخل والثروة ، وأكّدت دراسة استقصائية نشرها مجلس التحليل الإقتصادي ( CAE )، بنهاية 2020،  أن السكان الأكثر هشاشة اقتصاديًا واجتماعيًا قد تضرروا بشدة خلال فترات انتشار الأوبئة والأزمات، التي زادت من حدّة الفوارق، فارتفعت ثروة الأثرياء بفعل الميراث (وليس بفعل العمل) وبفضل الإعفاءات الضريبية، فانخفض دخل خُمُس الفرنسيين (20% ) بنحو 2 مليار يورو خلال فترة الحبس الأول (ربيع 2020)، بينما ارتفعت ثروة نسبة 10% من الأكثر ثراءً، بأكثر من 25 مليار يورو، وارتفعت ثروة هؤلاء الأثرياء بقمة 175 مليار يورو، خلال تسعة أشهر، من “نيسان/ابريل إلى كانون الأول/ديسمبر 2020، وفقا لدراسة مجلس التحليل الاقتصادي.

أكّد تقرير منظمة “أوكسفام”، الصادر بداية سنة 2021، بعض الأرقام عن الفقر بفرنسا، وزيادة مظاهر عدم المساواة، فمنذ بداية الأزمة الصحية (كورونا)، وقع مئات الآلاف من الناس في براثن الفقر بينما وصلت ثروات المليارديرات إلى أرقام قياسية جديدة، لِيُشكّل الوباء أزمة صحية، وكذلك  أزمة اقتصادية واجتماعية، أكّدتها مديرة صندوق النقد الدولي، التي أعربت عن تخوفاتها من أن “يُؤدّي تزايد التفاوتات إلى اضطرابات اجتماعية واقتصادية”، وقدّرت الجمعيات الخيرية العاملة بفرنسا ارتفاع عدد طالبي المساعدات الغذائية من 5,5 ملايين شخص في خريف 2018 إلى أكثر من ثمانية ملايين، في خريف 2020، فضلاً عمّن لم يطلبوا مثل هذه المُساعدة، كما قدّرت ارتفاع عدد فاقدي المأوى بنحو ثلاثمائة ألف، في أيلول/سبتمبر 2020، منهم 31 ألف طفل، فضلاً عن أؤلئك الذين لم يتّصلوا بالمنظمات الخيرية، ولم يطلبوا مساعدة.

دعمت الخيارات السياسية للحكومة الفرنسية (وحكومات العالم الأخرى أيضًا) والمصرف المركزي الأوروبي (عبر إعادة شراء الأُصُول) زيادة ثروة الأثرياء، وتدهور وضع الكادحين والفُقراء، ورفضت الحكومة الفرنسية مقترحات النقابات والمنظمات غير الحكومية، والرأي العام، لإدخال التعديلات على مشروع قانون المالية لعام 2021 لكي يتجه إنفاق المال العام نحو القطاعات الصحية والبيئية والإجتماعية، بدل توزيع المال العام على الأثرياء، وبذلك سمحت خطط الحكومة (خفض الضرائب، بل الدّعم المالي للشركات والأثرياء) لثروات المليارديرات بالإرتفاع، في ذروة أزمة 2008/2009، كما في ذروة أزمة انتشار وباء “كوفيد 19”.

قَدَّرَ المعهد الوطني للإحصاء عدد العاطلين عهن العمل، بنهاية سنة 2020، بنحو 5,4 ملايين عاطل، مُسجلين لدى مكتب البطالة والتأهيل ( Pôle Emploi ) ويعسر تقدير عدد من لا يحتسبهم المكتب في بياناته، لأنهم لم يشاغلوا مُدّة كافية للحصول على إعانة، أو انتهت فترة حصولهم على الإعانة، وقدّرتهم إحدى جمعيات المُعطّلين بنحو ثلاثة ملايين إضافيين سنة 2020، وهو الرقم الذي توصّل إليه “مرصد التفاوتات” ( Observatoire des Inégalités ) الذي أكّد على ارتفاع نسبة بطالة الشباب، من الجنْسَيْن، وخاصة الوافدين الجدد على سوق العمل، واضطرّوا إلى الإنسحاب، بسبب انتشار وباء “كوفيد 19” وإغلاق دواليب الإقتصاد الذي استفاد منه الأثرياء، بحسب دراسة نشرتها شركة الإستشارات ( PrincewaterhouseCoopers ) ومصرف “يو بي إس” السويسري، تُشير إلى الثروة التي تراكمت بين شهْرَيْ شباط/فبراير وكانون الأول/ديسمبر 2020، لدى أصحاب المليارات الفرنسيين، وصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، وعلى سبيل المقارنة، ارتفعت أُصُول الثروات الفرنسية الكبيرة بقيمة 300 مليار يورو سنة 2019، وبلغت قيمة الإرتفاع 442 مليار يورو سنة 2020…  

لا تتطرّق مداخلات المترشّحين الفرنسيين للإنتخابات إلى مثل هذه المواضيع (الفقر والبطالة وتعميق الفَجْوة والتفاوتات الطّبقية…)، وأصبحت الحملة الإنتخابية، منذ سنة 2002، تقتصر على المُزايدات برفع شعارات تتراوح بين اليمين واليمين المتطرف، وتهميش بعض المُرَشّحين الذين يُحاولون طرح مشاغل الطبقة العاملة والكادحين والفُقراء…

بدأ الرئيس “إيمانويل ماكرون”، ممثل رأس المال المالي، حملته مُبكِّرًا، واستغلّ فترة انتشار الوباء ليزيد من الإجراءات الزّجْرِيّة ومن فرض الرقابة والمراسيم التي تُجيزها حالة الطّوارئ. أما بخصوص السياسات الخارجية فقد دخل في مزايدات مع اليمين المتطرّف، فهاجم الجزائر، الشعب والدّولة والوطن، وليس نظام الحكم، وهو على أي حال شأن جزائري داخلي، ودغدغ مشاعر العنصريين بشأن خَفْض عدد التّأشيرات الخ.

أما المطلوب من التّقدّميين الفرنسيين فهو طرح مسائل التفاوتات المجحفة، والبطالة والفقر والمسكن والصحة والنقل العمومي، وربط هذه القضايا الدّاخلية بضرورة التضامن مع الشعوب الواقعة تحت الإستعمار والهيمنة، والتي تستغل الشركات العابرة للقارلات ثرواتها، ولا بُدّ من الجرأة لطرح مسألة حُرّيّة التنقل، داخل نفس البلد أو بين الحدود، كحق من حُقُوق الإنسان…  

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.