الولايات المتحدة: السياق التاريخي ل”إضرابات اكتوبر” 2021، الطاهر المعز

تُعتَبَرُ الولايات المتحدة، أكبر قوة اقتصادية (حجم الناتج المحلي الإجمالي) وعسكرية بالعالم، ويُقدّر حجم السّكّان بنحو 330 مليون نسمة، وحجم القوى العاملة بنحو 165 مليون، من بينهم ما لا يقل عن ثلاثين مليون “وُلِدُوا بالخارج” (أي مهاجرين)، بالإضافة إلى ملايين العاملين الآخرين الذين وُلِدُوا بالولايات المتحدة، ولا يحملون الجنسية الأمريكية، فيما يبلغ متوسط العمر 78,6 سنة، وهو في انخفاض، منذ سنة 2014، بحسب “مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها”، بسبب زيادة عدد غير المشمولين بالرعاية الصحية، والمَقْصِيِّين من نظام التّأمين الصّحّي (نُشرت مجمل البيانات بنهاية سنة 2020)، وهي بعض نقاط ضُعْف الإمبريالية الأمريكية المُهيْمنة على العالم، فرغم القوة العسكرية والإقتصادية، تُعاني فئات عديدة من المواطنين الأمريكيين من الإستغلال الفاحش، ومن الفقر، حيث يعمل ملايين العاملين بعقود هَشّة ومؤقتة، وبدوام جُزْئي، وتمتلك الولايات المتحدة الرقم القياسي لعدد المساجين، ونسبتهم من العدد الإجمالي للسّكّان، ما يعكس سياسة القَمع المُفرط، الذي فاق قَمْع أنظمة الدّكتاتوريات العسكرية، وتَخْدم هذه السياسة القمعية مصالح الشركات الأمريكية، المستفيدة من العَمل الإجباري للمساجين (نظام السّخرة)، في ظروف شبيهة بالعبودية، لإنتاج سلع عديدة (من الملابس إلى التجهيزات الكهربائية المنزلية، مرورًا بالعديد من مُعدّات الجيش الأمريكي) بتكاليف منخفضة جدّا وبيعها بأسعار السّوق، مع تحقيق فائض ضخم، وعمومًا تُعاني الفئات الدّنيا من الطبقة العاملة من ارتفاع عدد ساعات العمل، في ظروف سيئة، ومن ضُعْف الرواتب (لا يوجد أجر أدْنى وطني)، ومن غطرسة الرأسماليين، المَحْمِيِّين بالقانون…

للطبقة العاملة الأمريكية (من الرجال والنساء) تاريخ طويل وحافل بالإحتجاجات والإنتفاضات، منذ القرن التّاسع عشر، وكانت العاملات الأمريكيات من رائدات النّضال الطّبقي، وألهمت النضالات العمالية الأمريكية (إلى جانب نضالات عمال أوروبا) كارل ماركس وفريدريك إنغلس، ومجمل قادة “جمعية الشّغيلة العالمية”، الذين أشرفوا على تنظيم المؤتمر الدّولي للعمال (الأممية الأولى 28 أيلول/سبتمبر 1864) وألهمت كذلك مؤسسي النقابات العُمّالية والتّعاونيات…

انطلقت بالولايات المتحدة، خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر 2021، موجة غير مسبوقة من الإضرابات التي شملت القطاعات الصناعية التقليدية، وكذلك قطاعات الخدمات، والقطاعات “المُهمّشة” سياسيًّا ونقابيًّا، مثل الصناعات الغذائية والمطاعم ومتاجر التجزئة، وتوصيل السّلع والطُّرُود، وغيرها، وهي القطاعات التي احتدّت بها المنافسة، والتي تميّزت بظروف العمل السيئة وبانخفاض الرّواتب، ونقلت وكالات الأخبار ووسائل الإعلام تذمُّرات أرباب العمل بقطاعات البناء وأشغال البنية التحتية والمطاعم والفنادق ورعاية الأطفال والمُسنّين والمَرْضى، وغيرها من القطاعات التي تنتشر بها المنافسة وظاهرة التّعاقد من الباطن (المناولة)، من “صُعوبة التّوظيف”، ومن قِلّة الراغبين في العمل بهذه الوظائف، لِيُبَرِّروا تشغيل العمال سبعة أيام في الأسبوع لعشر ساعات يوميا أو أكثر، لأنهم لم يجدوا عُمّالاً لتخفيف الحِمْل، وقدّرت منظمات أرباب العمل الأمريكية عدد هذه الوظائف “الشّاغرة” بما لا يقل عن عشرة ملايين. أما السبب الحقيقي الكامن وراء عدم إقبال العُمّال على هذه الوظائف، فهو ضُعْف الرواتب وكثرة عدد ساعات العمل، وغياب شروط السلامة المهنية، وغيرها، باعتراف الرئيس الأمريكي “جو بايدن” (وكالات أسوشيتد برس ورويترز وأ.ف.ب، يوم 24 تشرين الأول/اكتوبر 2021)، أما أرباب العمل فلا يتطرقون لهذا الأسباب، بل يدّعون أن “استحقاقات البطالة سخية جدّا، ما جعل العُمّال لا يبحثون عن وظيفة”، والواقع أن “منحة” البطالة الأمريكية، هي أموال اقتطعها أرباب العمل من رواتب العُمّال، وليستْ مِنَّةً من الحكومة أو من أرباب العمل، ولا من المُجْتَمَع، وهي خاضعة لنظام يُعَدُّ من أسوإ ما يوجد في البلدان الرأسمالية المتطورة، ومُدّتها قصيرة جدًّا.

يرفض الجيل الجديد من العاملين الأمريكيين العمل غير المُستَقِر، الموسمي أو المؤقت أو الهش، برواتب منخفضة (لا تتجاوز ثلاث دولارا في الساعة أحيانًا، في بعض الولايات وببعض القطاعات)، وفي ظروف تُشكل خطرًا على صحتهم، في ظل غياب التّأمين الصّحّي اللائق، وتَجَلّى لهم ذلك، خلال فترة الحجر الصّحّي، حيث أجبرت شركات كبيرة، عابرة للقارات، العُمّال على مواصلة العمل والإنتاج، غير عابئة بصحتهم، وهذا الجيل هو الذي يقود الإضرابات الحالية، بدعم من قيادات النّقابات أو بدونه.

ورد بموقع صحيفة “نيويورك تايمز” (17 تشرين الأول/اكتوبر 2021)، مقال في باب “رأي”، يلخص المسألة كالتالي: “يمكن لأرباب العمل إنفاق المزيد من الأموال لجذب الموظفين وتحسين شروط العمل. إن أرباب العمل الذين يتخذون هذه الخطوات، يجدون موظفين بسهولة أكبر، لكن الكثير من أرباب العمل مترددين، أو رافضين زيادة الأجور، لأنها تقلل من أرباحهم وتجبرهم على زيادة رواتب الجميع”.

تتناول الفقرات الموالية بعض المحطّات التّاريخية لنضالات الطبقة العاملة الأمريكية، في محاولة لفهم السّياق التاريخي لهذه “الموجة” من “إضرابات اكتوبر”، أو “سترايك اكتوبر” 2021.

عَرْض مُوجز لأهم الإضرابات التاريخية:

ترافَقَ تطور الرأسمالية بالولايات المتحدة الأمريكية (التي ارتبطت نشأتُها بإبادة الشعوب الأصلية، ثم بالعبودية المُنَظّمة على أوسع نطاق ) مع مُقاومة عُمّالية للإستغلال الفاحش الذي مَكَّنَ الرّأسمالية من التّطوّر وغزو السّوق الدّاخلية، ثم التّوسُّع بالأسواق الخارجية (مرحلة الإمبريالية)، وتكمن جُذُور الأول من أيار، والحركة الإشتراكية في نضالات وإضرابات عُمّال وعاملات الولايات المتحدة، الذين احتجوا على ارتفاع ثروات أرباب العمل، مقابل تدهور أوضاع العاملين والعاملات، وحقّقت إضرابات العمال الأمريكيين بعض المطالب، لكن السّلطات الأمريكية كانت (ولا تزال) تُجابه النّضالات والإضرابات بالقَمع والمحاكمات، وأهمها محاكمة قادة حركة عمال المناجم الذين اتهمتهم السّلطات بقتل حاكم ولاية “إيداهو”، سنة 1905…

وَردت في دراستَيْن بحثِيّتَيْن من جامعة “ويسكونسن” (2006) وجامعة “كولومبيا” (نيويورك – 2018) مُلخّصات لأهم الإضرابات، خلال فترة قاربت القرن، ونذكر منها إضراب عُمال السكك الحديدية بخمس ولايات بالجنوب الغربي الأمريكي سنة 1886، بمشاركة 200 ألف عامل، ودام الإضراب من آذار/مارس إلى أيلول/سبتمبر 1886، من أجل توفير وسائل الوقاية والسّلامة المهنية، وخفض ساعات العمل وزيادة الرواتب، وتمكّنت السلطات من قمع المُضربين وحل النقابة (رابطة العُمال)، وبعد بضعة سنوات، شارك 250 ألف عامل من شركة “بولمان بالس” لصناعة السيارات بشيكاغو، في إضراب شامل، من أيار/مايو إلى تموز/يوليو 1894، احتجاجاً على عدد ساعات العمل (12 ساعة يوميا) مع تَعَلُّلِ أرباب العمل ب”الكساد الإقتصادي”، لخفض الرّواتب وزيادة عدد ساعات العمل، ثم انضم إليهم عمال نقابة السكة الحديد الأمريكية …

أضرب 147 ألف من عمال مناجم الفحم ب”بنسيلفانيا”، من أيار/مايو إلى تشرين الأول/اكتوبر 1902، من أجل تحسين ظروف العمل وزيادة الرواتب بنسبة 20%، ما أدّى إلى أزمة طاقة، فطالب العديد من الرأسماليين والمصارف بالتفاوض مع المُضربين، وأسفرت المفاوضات عن زيادة 10% وتحسين بعض شروط العمل…

بعد الحرب العالمية الأولى، نفّذ 350 ألف عامل إضرابًا بقطاع الصّلب (الفولاذ)، من 22 أيلول/سبتمبر 1919 إلى الثامن من كانون الثاني/يناير 1920، من أجل تحسين ظروف العمل، وخفض عدد ساعات العمل ورفع الرواتب، ومن أجل حُرّيّة العمل النقابي، وعمدت الشّركة المالكة للمناجم إلى عرقلة العمل النقابي، واتّهام قيادات الحركة العمالية الأمريكية الاتحادية “بالشيوعية وبمساندة العمال المهاجرين”، ونجح أرباب العمل، بمساعدة السلطة السياسية، في إفشال الإضراب، وحَلّ النقابة لفترة 15 سنة…

تتميز نهاية الحُروب بعودة الجنود الذين نَجَوْا من الموت، ولم يتمكن عدد هام من الجنود الأمريكيين (وغيرهم) العائدين من الحرب من الحصول على عمل، ولم تَهْتَم بهم السلطات التي انكبّت على مُحاربة الفكر الشيوعي، بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 بروسيا، ثم تأسيس الإتحاد السوفييتي، واستغلت الرأسمالية ارتفاع عدد الباحثين عن عمل، للضغط على العُمّال بزيادة ساعات العمل، مع خفض الرواتب، بذريعة الأزمة (التي لا تنتهي أبدًا)، ما أدى إلى إطلاق إضرابات بقطاعات هامّة، ونجحت السّلطة السياسية في تحويل غضب العُمّال والفُقراء، لتخلق صراعًا عِرقيا، بين البيض والسّود، أحفاد العبيد، وبعد مشاركة العُمّال بكثافة في تظاهرة الأول من أيار 1919، والإحتجاجات على اعتقال “فيكتور دبس” (من قادة الحزب الإشتراكي الأمريكي)، أطلقت أجهزة الدّولة العنان لمليشياتٍ هاجمت المتظاهرين، وتسببت بإضطرابات استغلتها السلطات لتنفيذ مداهمات أسْفَرت عن اعتقال حوالي عشرة آلاف من الاشتراكيين والمهاجرين، ضمن حملة عُرفت ب”غارات بَالْمِر”، وتم اتهام المُعتقلين والتقدميين والإشتراكيين بالتخطيط للإطاحة بالحكومة، وتم ترحيل الأجانب الذين اُعتقلوا في هذه المداهمات إلى أوروبا، ثم شكّل اعتقال ومحاكمة وإعدام المُهاجِرَيْن  الإيطالِيّيْن “نيكولا سَاكُّو” و” برتولوميُو فنزِتِّي” ، سنة 1921، مؤشّرًا على أجواء إرهاب السُّلطة السّائد آنذاك.

رغم إرهاب رأس المال والسلطات، ومُحاكمة القادة النقابيين والإشتراكيين، واصلت الحركة العُمّالية نضالاتها، وشن 400 ألف من عُمّال محطات القطارات إضرابًا من تموز/يوليو إلى تشرين الأول/اكتوبر 1922، بكافة الولايات الأمريكية، فتحالفت سلطة رأس المال مع السلطة التنفيذية والقضائية، لتسريح العمال المُنتسبين للنقابات، وتشغيل عمال غير منتسبين للنقابات، ما أفشل الإضراب، بتواطؤ السلطة القضائية، حيث قدّم المدعي العام الأمريكي والقاضي الاتحادي مشروعأ لحَظْرِ النشاط النقابي، وحَظْر التحريض على تنفيذ الإضرابات…

في أيلول/سبتمبر 1934، شارك أربعمائة ألف من عُمال الغَزْل والنسيج في إضراب دام أكثر من ثلاثة أسابيع، بالولايات الشرقية، وتمكّنت السّلطات من عزل المُضربين والتّنكيل بقادة “منظمة عمال النسيج المتحدة” وأدرجت السّلطات أسماء الكثير من العمال على القائمة السوداء، وتم طردهم وحل النقابة، ورفض أصحاب مصانع النسيج تشغيلهم، وتميزت هذه الفترة اللاحقة لأزمة 1929، بصعود الفاشية، في أوروبا وفي الولايات المتحدة، والعالم الرأسمالي، فركدت الحركة النقابية، ونَكّل الفاشيون والنازيون بالشيوعيين وبكل التقدّميين، وزادت الحرب العالمية الثانية من هُموم العاملين الذين تضرّروا أكثر من غيرهم، إلى أن جاءت موجة إضرابات ما بعد الحرب بالولايات المتحدة، نخصص لها فقرة لاحقة، ويمكن تلخيص أهمها في إضراب 400 ألف عامل بمناجم الفحم بست وعشرين ولاية أمريكية، من نيسان/أبريل إلى كانون الأول/ديسمبر 1946، احتجاجا على سوء ظروف العمل وضُعْف الرواتب، وعدم توافر التأمين الصحي، ما اعتبره الرئيس ترومان “نشاطا مضادا لمحاولات الإنعاش الاقتصادي”، لتبرير محاربة العُمال والنقابات، وتميزت فترة ما بعد الحرب باستغلال أجواء “الحرب الباردة” لمطاردة الفكر التقدّمي، واتهام أي مُعارض بالشيوعية (فترة “الماكارْثِيّة”)، ولم تنفذ الحركة العُمّالية إضرابات ضخمة، طيلة أكثر من عشر سنوات، بسبب القمع، إلى أن عاد عُمّال الفولاذ إلى شن إضراب من 15 تموز/يوليو إلى 06 تشرين الثاني/نوفمبر 1959، بمشاركة نحو خمسمائة ألف عامل، ونجح العُمّال في الصّمود لقرابة ثلاثة أشهر، وتمكنوا من الحصول على تحسين ظروف العمل، وزيادة الرواتب…

نَذْكُر في فقرات لاحقة بعض الإضرابات التي وَسَمت خمسة عُقُود، من 1970 إلى 2020، ويمكن إضافة إضراب 210 ألف من عُمّال البريد، لفترة أسبوعَيْن من شهر آذار/مارس 1970، احتجاجًا على ضُعْف المُرتبات وعلى سوء ظروف العمل، ونجح العاملون في تحقيق مطالبهم، وبعد أكثر من 25 سنة، وإثر خصخصة مصالح البريد وتقسيمها، شن 185 ألف من عُمال نقل الطُّرُود بشركة “يو بي إس”، إضرابًا من 04 إلى 19 آب/أغسطس 1997، بكامل الولايات الأمريكية، من أجل تثبيت العاملين في وظائفهم، وخفض عدد الساعات الإضافية الإجبارية، وتحسين الرواتب، ونحج العاملون في تحقيق مطالبهم، بسبب الدّعم الشعبي…

نشر الباحثان الأمريكيان “آن كيس” و”أنغوس ديتون”، سنة 2020، كتابًا بعنوان (Deaths of Despair and the Future of Capitalism ) أو ما يمكن ترجمته “وَفِيّات اليأس ومُستقبل الرّأسمالية”، ويشمل محتوى الكتاب بحثًا على مدى خمس سنوات، بشأن انخفاض متوسط العمر المتوقع لفئة العاملين البيض الأمريكيين، من أصل أوروبي (أي من غير أصيلي أمريكا الجنوبية)، من ذوي المؤهلات الدراسية المتواضعة، في جزء هام من الولايات المتحدة الأمريكية، ويُحلّل الباحثان (يُدرّسان الإقتصاد بجامعة برنْستَاون) أسباب الوفيات المبكرة لمئات الآلاف من هذه الفئة من السّكّان، فيُؤكّدان أنها بسبب حرمانهم من الوظائف القارة، برواتب لائقة، تفي بحاجاتهم، أي حَلَّ دَوْرُ العُمّال، ومُتوسّطي الدّخل، من الأمريكيين البيض، ليصبحوا ضحية النظام الإقتصادي الأمريكي المُجْحِف، منذ نحو ثلاثة عُقُود، بعد الأمريكيين من أصل أفريقي، الغارقين في الفقر والمرض والمخدرات، لنفس الأسباب: الافتقار إلى وظائف مستقرة وذات أجر جيد، ويُفَسِّرُ الباحثان انتشار هذه الظاهرة بعدد من الأسباب، منها استثمار الشركات الأمريكية (والشركات الرأسمالية العابرة للقارات، بشكل عام) في نقل الصناعات المُلوِّثَة والتي تحتاج عددًا هامّا من العاملين، إلى البُلْدان ذات الرواتب المنخفضة، ليزداد احتداد المنافسة بين عُمّال الدول الرأسمالية المتطورة والعمال بالصين أو فيتنام أو تركيا وغيرها، فضلاً عن زيادة حصة قطاع الخدمات من الناتج الإجمالي المحلي، بالدول الغنية، بفضل التكنولوجيا التي تُمكّن رأس المال من تحقيق قيمة زائدة وأرباحًا مُرتفعة، بالتوازي مع انخفاض مستوى الحماية الصحية والإجتماعية (ظروف العمل والرعاية الصحية والتقاعد… )، وانخفاض تأثير النقابات، بعد انخفاض نسبة العُمّال المنتسبين للنقابات (بالولايات المتحدة) بنسبة 50%، خلال أربعة عقود، وأدّى سَحْق النقابات بالولايات المتحدة، منذ فترة رئاسة “رونالد ريغن”، إلى انخفاض مستوى دخل العمال الأمريكيين البيض، بنسبة 13%، بين سنتَيْ 1979 و 2017، بحسب ما أورده البحْث المذكور، بينما ارتفعت ثروات الأثرياء، وأرباح الشركات، وارتفع الدخل القومي للفرد في الولايات المتحدة بنسبة 85%، أي أن العاملين خلقوا ثروة، استفاد منها الأثرياء، دون غيرهم، بل انخفض مستوى دخل العاملين، بينما ارتفعت أسعار السلع والخدمات، ما أدّى بالباحِثَيْن إلى استنتاج يمكن تلخيصه بإشراف الدّولة على إعادة  توزيع تمثلت في قَضْمِ دخل الفقراء، ومنحه إلى الأغنياء، أو ما يُسمِّيانه “التّدفُّق العَكْسِي”، الذي يُولّد فَقْرَ العاملين، ويؤثر على الحياة الاجتماعية والعاطفية والنفسية لضحايا هذا “التّدفُّق العَكْسِي”، المحرومين من وسائل حماية أنفسهم من تقلبات الحياة، وهو ما يُفسِّرُ ارتفاع معدلات الانتحار والوفاة، عبر إدمان الكحول والجرعات الزائدة من المخدرات والمواد الأفيونية، لدى العاملين المُعطّلين عن العمل، أو الذين يشغلون وظائف هَشّة، برواتب منخفضة…

تنويه:

إن حق الإضراب في أمريكا نسبي، وهو ليس مُثبتًا في القانون، وإنما يقوم على الاجتهاد القضائي، ولا يوجد سوى قرار واحد من المحكمة العليا الإتحادية، يعترف بالحق في الإضراب، صدر سنة 1923، ولكي يُعتَبَرَ الإضراب قانونيًا، يجب أن تكون المطالب مطابقة للهامش الضّيّق الذي تُحدّده وزارة العمل، ويمكن لصاحب العمل، في معظم الولايات، تسريح العُمّال، دون رادع قانوني، ودون الحاجة إلى تقديم أدنى مبرر، ويستخدم أرباب العمل “حقّهم” في التّسريح، خلال الإضرابات، فالقانون يحمي أصحاب العمل عند إلغاء المنح والمزايا (كالتّأمين الصّحّي) للعمال المضربين، وكذلك في حال تسريح العمال المُضربين وتشغيل عمال جدد، يمكنهم الإحتفاظ بوظائفهم بعد انتهاء الإضراب، ولهذه الأسباب، وغيرها، يعسر على العمال تنفيذ أي إضراب، إذا لم يكونوا مدعومين من قبل نقابة قوية، تحميهم من انتقام رب العمل المَحْمِي بالقانون وأجهزة الدّولة.

من جهة أخرى، لا يوجد بالولايات المتحدة تأمين صحّي للجميع، ولو بالحدّ الأدنى، بل يعتمد معظم الأمريكيين على التأمين الصحي لرب العمل، ولذلك تتعرض أكثر من نصف مليون أسرة أمريكية، سنويا، للإفلاس الشخصي بسبب ديون الرعاية الصحية والطبية، وتُمثل فواتير المُستشفيات معظم هذه الدُّيُون، وأظهرت دراسة أجريت سنة 2009 وفاة نحو خمس وأربعين ألف أمريكي سنويا، بسبب غياب التّأمين الصحي وعدم تمكّن الضحايا من العلاج في الوقت المناسب، وأظهرت دراسة أخرى، نُشرت سنة 2018، أن ما لا يقل عن 28 مليون أمريكي، يفتقرون إلى التّأمين الصّحّي…

يمكن أن تكون هذه المُقدّمة الطّويلة مَدْخلاً لفهم دواعي ارتفاع عدد الإضرابات بالولايات المتحدة، رغم القُيُود، لأن الإضراب ليس حقًّا، وحاولت النقابات الأمريكية تعريف الإضراب، كالتالي، لتفادي بعض التّعقيدات القانونية: “تَوقُّف العُمال عن العمل، وتعطيل الإنتاج، للحصول على أجور وظروف عمل أفضل”، وأصبح العاملون من غير المنتسبين للنقابات يُشاركون أو يُطلقون إضرابات طويلة، منها إضرابات تشرين الأول/اكتوبر 2021، لضمان مُستقبل أفضل، على مدى قريب أو متوسط، في أعظم قوة رأسمالية في العالم، حيث يضطر مئات الآلاف من المواطنين الذين تجاوزوا سن السّبعين، لمواصلة العَمل، لأنهم لا يحصلون على جراية تقاعد لائقة، تمكّنهم من العيش، بحسب صحيفة “واشنطن بوست” (05 كانون الأول/ديسمبر 2019)، وبدأت هذه الظاهرة تنتشر أيضًا في أوروبا (خصوصًا بألمانيا وسويسرا وهولندا وبريطانيا…)، رغم وجود النقابات ورغم الإضرابات، ففي الولايات المتحدة انخفض عدد العاملين المنتسبين للنقابات، من حوالي 20% من إجمالي عدد الأُجَراء، خلال عقد التَّمانينيّات من القرن العشرين، إلى نحو 10% بعد أربعين سنة، وخاض العمال الأمريكيون عددًا من الصراعات من أجل زيادة الحد الأدنى للأجور (وهو يختلف من ولاية إلى أخرى)، وتوحيده على مستوى البلاد، وحققوا بعض الإنتصارات في الولايات المأهولة بالسّكّان، والتي لها وزن حاسم في الإنتخابات الأمريكية، مثل كاليفورنيا أو نيويورك…

 من إضرابات 1945-1946 إلى “سترايك اكتوبر” 2021، مُرورًا ب”الإضرابات الكُبْرى” 1970-1971:

أدّت الحرب العالمية الثانية إلى انتصار الإتحاد السوفييتي على النّازية، دون مُساعدة خارجية، ما أدّى إلى توسّع رقعة الإشتراكية، فيما هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على أوروبا الغربية وكندا وأستراليا واليابان، لتصبح رائدة العالم الرأسمالي وقائدة “الحرب الباردة”، لمواجهة الإشتراكية كمنظومة فكرية وسياسية، وخَطّطت الولايات المتحدة لقيادة العالم، قبل انتهاء الحرب، حيث أعدت، وأشرفت على اجتماع “بريتن وودز”، سنة 1944، وأفضى الإجتماع إلى إرساء أُسُس عالم ما بعد الحرب، وتأسيس منظمة الأمم المتحدة والهيمنة عليها عبر “حق النّقض” (الفيتو)، والبنك العالمي وصندوق النقد الدّولي، ومجموعة من الهيئات والمنظمات التي سَيَّرت العالم، طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، بل تَعَزّزَ دور بعضها، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، قبل نهاية القرن العشرين…

بينما كان الجنود الأمريكيون يُشاركون في قيادة الحرب العالمية الثانية، بأوروبا وآسيا والمُحيط الهادئ، كانت النقابات، بالدّاخل، تُؤمّن “الإنضباط العُمّالي”، لكن العُمّال ضاقوا ذرعًا بظروف العمل التي حَوّلت المصانع وأماكن العمل إلى ما يُشبه الثّكنات، وبمجرّد انتهاء الحرب، اعتبر العُمّال أن فترة “الإنضباط” انتهت، وشنُّوا عددًا من الإضرابات “الوحشية”، أي بدون إعلام مُسبق وبدون موافقة القيادات النّقابية، من أجل خفض النَسَق وتخفيض عدد ساعات العمل، ومن أجل زيادة الرواتب التي ضعفت قيمتها بسبب التضخم الذي بلغت نسبته الرسمية 8% سنة 1945 و 14% سنة 1946 و 8% سنة 1947، واستغل أرباب العمل، عودة حوالي عشرة ملايين جندي من الحرب، يبحثون عن عمل، للضغط على العُمّال، ولفرض ظروف عمل سيئة، ولِتَسْرِيح العُمّال الذين يعتبرونهم “مُشاكسين”، أو رافضين “للإنضباط العُمّالي” الذي سادَ طيلة، سنوات الحرب، وأدّى تخفيض الرواتب، وارتفاع نسبة التضخم إلى إطلاق عدد من “الإضرابات الكبرى” بين سنتَيْ 1945 و 1946، بقطاعات الصناعة والخدمات والمرافق العامة، بمشاركة حوالي خمسة ملايين عامل، ومن أهمها إضراب عُمّال النفط والسيارات وغيرها سنة 1945، وعمال الكهرباء وتعليب اللحوم وعمال المناجم والصلب وسكك الحديد، سنة 1946، و شارك حوالي 4,3 ملايين من عُمّال الصّناعة في الإضرابات العامة التي شملت ثماني ولايات، سنة 1946، وردّت الرأسمالية، بواسطة الكونغرس، الذي صادق نوابه، سنة 1947، على قانون يُقيّد أنشطة وصلاحيات النقابات العُمّالية، لا يزال ساريًا سنة 2021، التي تشهد موجة من الإضرابات بمُشاركة ملايين العُمّال غير النقابيين، من ذوي الرواتب المنخفضة في الإضراب، بل تم إطلاق هذه الإضرابات أحياناً من قبل هؤلاء العُمّال غير النقابيين…

موجة الإضرابات الكبرى 1970-1971:

كانت تلك من أكبر موجات الإضرابات، بالولايات المتحدة، حيث قادت نقابات عُمّال قطاعات البناء ونقل السّلع (بالشّاحنات) وصناعة السيارات والمرافئ والعديد من عُمال قطاع الصناعات التّحويلية، إضرابات، سَنَتَيْ 1970- 1971، بمشاركة الآلاف من العُمّال غير المنتسبين للنقابات، ولا تزال البُحوث والدّراسات نادرة، بخصوص هذه الحقبة من تاريخ الطبقة العاملة بسبب تجاهل الأكاديميين والباحثين ووسائل الإعلام الرأسمالية، لتاريخ وإنجازات الطبقة العاملة الأمريكية، لأن تلك الإضرابات أفْضَتْ إلى زيادات فورية بنسبة 25% في الأجور، وحسّنت شروط اتفاقيات العمل الجماعية (ما يُسمّى “الإتفاقيات المُشتَرَكة” في بعض البلدان العربية) لِتَصِلَ إلى ثلاث سنوات (مما يعني تجديدها بشكل أسرع من العقود الحالية لمدة ست سنوات، وفرْض بعض المكتسبات النقابية، منه حَظْر إيقاف العمال والنقابات، خلال فترة عملهم، ما يضطر أرباب العمل إلى اللجوء إلى التّحكيم الحكومي كواسطة أو كطرف ثالث (وإن كانت الحكومة تُمثّل مصالح أرباب العمل والأثرياء) لإنهاء الإضرابات ولتوقيع الاتفاقيات التعاقدية.

شكّلت هذه الإضرابات ردًّا أو رَفْضًا من قِبَلِ الطبقة العاملة ل”البرنامج الإقتصادي الجديد”، الذي أقرّته الحكومة الإتحادية، في آب/أغسطس 1971، خلال فترة رئاسة “رتشارد نيكسون”، ويتضمن تجميد وتخفيض الأجور، بالتزامن مع إنهاء مُعادلة الدّولار بالذّهب، ومُهاجمة “الحُلفاء” في أوروبا واليابان، واتهامهم “بالمُنافسة غير الشريفة”، ما يُعَدّ بداية التّراجع عن منظومة “بريتن وودز” التي فرضتها الإمبريالية الأمريكية نفسها، سنة 1944، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي المنظومة التي تأسست بموجبها الأمم المتحدة وصندوق النقد الدّولي والبنك العالمي وغيرها من مؤسسات النظام الرأسمالي العالمي…

قَدَّرَتْ وزارة العمل الأمريكية في وثيقة “تحليل حالات التوقّف عن العمل” (نُشِرَتْ سنة 1973) عدد الإضرابات الكبرى بين سنتَيْ 1970 و 1972، بنحو 10800 إضراب، شارك بها 6,6 ملايين عامل، وأدّت إلى “خسارة 114 مليون يوم عمل”، وشبّهتها وثيقة وزارة العمل بموجة إضرابات سنَتَيْ 1945/1946، مباشرةً إثر الحرب العالمية الثانية التي شارك بها الجيش الأمريكي، لكنها لم تجْرِ على الأرض الأمريكية، ولم تُدمِّر البنية التحتية والمُدُن والمصانع الأمريكية، وبلغ عدد الإضرابات آنذاك 9750 إضرابًا بمشاركة أكثر من ثمانية ملايين عامل، وأدّت إلى خسارة 154 مليون يوم عمل…

إضرابات العُمّال المساجين:

تُعَدُّ إضرابات المساجين عن العمل، من أهم محطات نضالات الفئات المَسْحُوقَة من الطبقة العاملة الأمريكية، فالولايات المتحدة تستغل قوة عمل المساجين لتعظيم أرباح الشركات العابرة للقارات، وجَعْل ثمن إنتاج العديد من السّلع والتجهيزات والملابس، أقل من تكلفتها بالهند أو بنغلادش أو كولومبيا…

يُشكّل سُكّان الولايات المتحدة نحو 5% من العدد الإجمالي لِسُكّان العالم، لكن تَضُمُّ سُجُونُها 25% من العدد الإجمالي لمساجين العالم، ويتّفق الحزبان الحاكمان على تشديد القَمع بذريعة مكافحة الجرائم والمُخدّرات، ما يُفسِّرُ ارتفاع عدد السجناء بين سنتَيْ 1970 و 2005، أي خلال فترات حُكْم الحِزْبَيْن الجمهوري والدّيمقراطي، بنسبة 700%، نتيجة سياسات مُخطّطة وبرامج مُعَدّة سَلَفًا، لتتمكن الرأسمالية الأمريكية (بما فيها وزارة الحرب الأمريكية)، قبل وبعْد خصخصة السُّجُون، من زيادة حجم العمالة الرّخيصة، واستغلال عمل السُّجناء، وخفض ثمن تصنيع الإنتاج والسّلع، وتحقيق نسبة عالية جدًّا من الربح، عند بيعها في الأسواق، دون أي إشارة إلى ظُرُوف إنتاجها…

ارتفع عدد إضرابات العُمّال السُّجناء بالولايات المتحدة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، فتعددت إضرابات المساجين العاملين بمصانع الشركات الكبرى التي تستغلهم عبر نظام شبيه بنظام السّخرة، سنة 2016، وكذلك سنة 2018، “ضدّ نظام العمل العُبودِي”، حيث تمكّن السّجناء من التنسيق بين نُزلاء سُجُون العديد من الولايات، لبدْء إضراب في الحادي والعشرين من شهر آب/أغسطس 2016، ويمثل هذا التّاريخ ذكرى مقتل “جورج جاكسون” (عضو قيادي بمنظمة “الفهود السود”، ومناضل ناشط بالسجن)، من قِبَل الحراس المُسلَّحين، في سجن “كوينتين”، بولاية كاليفورنيا، أثناء محاولة الهروب يوم 21/08/1971، لينتهي الإضراب يوم التّاسع من أيلول/سبتمبر 2016، يوم ذكرى انتفاضة سجن “أتيكا”، بنيويورك، سنة 1971، التي تم سحقها بقُوّة السّلاح، بقرار من حاكم ولاية نيويورك آنذاك “نيلسون روكفلر”، وريث الأُسْرة التي تحمل نفس الإسم، والتي اشتهرت بثرائها، لهيمنتها على صناعة النفط وامتلاكها مؤسسات مصرفية… أما مطالب العاملين السُّجناء فهي “إنهاء نظام السّخرة في السّجن، ومعاملة العُمال كغيرهم من العاملين بالمصانع، خارج السّجون”، وتراوحت أشكال التعبئة من الإضراب عن العمل إلى الإعتصامات بالزنزانات وبساحات السّجون، والإضراب عن الطعام ومقاطعة متاجر السجون التي تبيع الإنتاج الرديء بأسعار مُضاعفة، مع الإشارة أن الدّستور الأمريكي، الذي يعتبره البعض “رمز الدّيمقراطية”، يسمح بعبودية الأشخاص المدانين بجريمة، أي السجناء، وفق التعديل الثالث عشر، واستهدفت حركة الحقوق المدنية ونضالات السّود الأمريكيين، في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، الإطاحة بمنظومة القوانين التي أقرّت أشكالاً جديدة من العبودية، لكن استمرت العبودية في السجون، ليس في الجنوب لوحده، وإنما في جميع أنحاء البلاد.

اعتبر قادة إضرابات السّجناء (2016 و 2018) أنهم جزء من الطبقة العاملة، يؤدي استغلالهم المُجْحِف إلى خفض رواتب العاملين بالمصانع، خارج السّجون، وإلى تدهْوُرِ ظروف عمل الطبقة العاملة بأكملها، لأن السّجون تتعاقد مع شركات ، وتُجْبِرُ المساجين على العمل برواتب هزيلة جدًّا، أو بدون راتب أحيانًا، ولا يتجاوز راتب العامل المُختص بالسجن، عشرين دولارا شهريا (بين 13 و 16 سنتا بالساعة)، تقتطع منها سُلطات السّجن أكثر من النّصف ( 55% ) مُقابل “الخدمات” التي تقدّمها إدارة السّجن (الطعام والنظافة والملابس…)، ورغم الدّعم الذي لقيه العمال المساجين في 21 مدينة أمريكية، لم يعِ قادة الحركة العُمالية أن هؤلاء السجناء من العُمّال، وهم جزء من الطبقة العاملة، ومن مصلحة جميع العمال الدفاع عنهم، فلم تدعم قيادات النقابات هذه النضالات.

اخْتُزِلت المطالب في “إنهاء العُبُودية” للعمّال المساجين، لكن المعتقلين طرحوا تسعة مطالب أخرى، بخصوص ظروف الاعتقال وحقوق المعتقلين، منها حق التصويت، حيث تَحْرِمُ 48 ولاية (من خمسين) المساجين من التسجيل بالقائمات الإنتخابية، وتحرم بعض الولايات المُدانين (بعد إنهاء محكوميتهم) من حق التصويت، ما يقصي ملايين المواطنين من حق التصويت الذي ناضلت من أجله أجْيال من السُّود الأمريكيين، ومن المطالب أيضًا “إلغاء قانون هيلاري كلينتون” الذي يحد من حق السجناء في التماس الإنصاف في المحكمة بسبب سوء المعاملة التي تعرضوا لها، ليعترفوا أحيانًا كثيرة بجرائم لم يقترفوها، وكانت المُرشّحة الأرستقراطية، عن الحزب الديمقراطي، “هيلاري كلينتون” قد دافعت، في انتخابات سنة 2016، عن عبارة “الحيوانات فائقة الإفتراس” التي وصفت بها الشبّان الذين كانوا يتظاهرون ضد الميز العنصري، ودافع عنها زوجها، الرئيس الأسبق “بيل كلينتون”، الذي عارض احتجاجات المتظاهرين من حملة “حياة السود مهمة”، وبذلك تحالَفَ الحزبان الحاكمان بالولايات المتحدة، من إجل إرساء نظام طبقي، يُشرْعن الاضطهاد القومي للأميركيين السّود الذين تتجاوز نسبة اعتقالهم أربعة أو خمسة أضعاف المواطنين البيض، وعند إنهاء محكوميتهم والإفراج عنهم، يُحْرَمُون من العثور على عمل مناسب، لأنهم من المدانين السابقين…

أشار الباحثون الذين كتبوا عن إضرابات السّجون إلى صعوبة الحُصُول على المعلومات الضّرورية، حيث تنفي السلطات حصولها، رغم الشّهود وبعض الوثائق، وتُهدّد المساجين الذين يتحدّثون عن تلك الإضرابات، خارج السّجن، حتى بعد الإفراج عنهم، وتنفذ الشرطة ضدهم أعمالاً انتقامية تُعيدهم إلى السجن، ليضلّوا فترة في الحبس الإنفرادي والعَزْل، بحسب مجموعة ( Jailhouse Lawyers Speak )، وهي شبكة من السجناء السابقين الذين درسوا القانون داخل السجون ويساعدون المساجين في تنظيم الإضرابات والإحتجاجات، وفي تحقيق مطالبهم، وتمكّنت الشرطة من تدبير مؤامرات ضدّ بعضهم وبعض مُنَظِّمِي الإضرابات، أو من كتبوا مقالات عن ظروف السّجن، بعد خروجهم، وتمت إعادتهم إلى السّجن، وعزلهم وحرمانهم من التواصل مع الخارج وحتى من الإستحمام، بحسب موقع “الديمقراطية الآن”…

جذور إضراب 2021:

تجدر الإشارة إلى إطلاق الإضراب، دون قيادة النّقابات، فمنذ سنة 1980، أدّت السياسات النيوليبرالية (منذ رئاسة رونالد ريغن) إلى تدمير نقابات القطاع الخاص، وإلى انتشار العقود الهشة والعمل بدوام جُزْئي، فضلاً عن انتقال الصناعات المُلَوثة والتي تستخدم عمالة كثيفة وضعيفة التأهيل، إلى بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، لخفض حصّة الرواتب من تكلفة الإنتاج، مع الإستفادة من مزايا اتفاقيات التجارة الحرة والدعم المالي وخفض الضرائب وخفض أو إلغاء رسوم التصدير التي استفادت منها الشركات العابرة للقارات والشركات المُصدّرة للسلع، واستثمرت الشركات في المُعدّات التي تُمكّنها من استبدال العملة بالآلات والروبوتات، وأدّت مجمل هذه العوامل إلى إضعاف النقابات والعمل المُنظّم بالقطاع الصناعي، خلال أربعة عُقُود أو أكثر، بسبب ارتفاع عدد الوظائف المُؤقتة ومنخفضة الأجر وبدوام جُزئي، ووظائف العمل بالقطعة التي طالب العُمّال بإلغائها منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وانتشرت المنصّات الرقمية، والعمل عن بُعد، خصوصًا منذ انتشار وباء “كوفيد 19″، سنة 2020، وتفاقم الانكماش الاقتصادي الذي بدأ قبل انتشار الوباء، وتعَمّقَ خلال سنتَيْ 2020 و 2021، وتدهور وضع الطبقة العاملة، خصوصًا بعد خسارة ذوي الرواتب المنخفضة والوظائف الهشّة دَخْلَهُم المُنْخَفض أصلا… تُشارك هذه الفئات الهشة – ولا تتجاوز نسبة انتساب عُمال القطاع الخاص للنقابات نحو 6% بالولايات المتحدة – بكثافة في إضرابات 2021…

أضرب سنة 2000، ما لا يقل عن مائتَيْ ألف عامل وعاملة بالولايات المتحدة، وفقًا للبيانات الرسمية، ثم استغلّت السُّلُطات الحاكمة تفجيرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، لتفرض قوانين زَجْرِية استثنائية، أخْمَدَتْ الحركة النقابية والإجتماعية لفترة قاربت العِقْد، قبل أن يعود العاملون إلى خوض صراعات كبيرة ضد الإستغلال الفاحش، حيث شهدت سنة 2018 نحو عشرين إضرابا هامًّا، بمشاركة قرابة خمسمائة ألف عامل وعاملة، وفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل، أهمّها إضراب المُدرّسين الذين تعاطف معهم قسم هام من أولياء أمور التلاميذ، ومن المواطنين، وفي النصف الأول من السنة الموالية (2019)، أضرب حوالي أربعمائة ألف عامل وعاملة، في قطاعات مختلفة، أهمها صناعة السّيّارات، وبالأخص حوالي خمسين ألف مُضْرِب ومُضْرِبَة بشركة “جنرال موتورز”، واستمر الإضراب حوالي ستة أسابيع، ، بالإضافة إلى حوالي ثمانين ألف من عُمّال وعاملات الخدمات الصحية (تشرين الأول/اكتوبر 2019)، وفقًا للبيانات الرسمية، وعمومًا تميزت الفترة السابقة لانتشار الوباء بدخول قطاعات مثل التعليم والصحة (حيث نسبة الإنتساب للنقابات مُرتفعة إلى حوالي 35% ) على خط المواجهة، وغذّى القطاع العام صفوف المضربين، خصوصًا في ولايات أريزونا وأوكلاهوما ووِسْت فرجينيا وغيرها، وتطالب النقابات بخلق وظائف وزيادة الرواتب، وانطلقت كذلك إضرابات بشبكة الكهرباء الوطنية وبين موظفي فنادق سلسلة “ماريوت”…

استغلّت النقابات حملة الإنتخابات الرئاسية والنيابية، سنة 2020، لاستعادة وهج العمل النقابي، بعد انخفاض نسبة الموظفين المنتسبين إلى النقابات إلى النصف، خلال خمسة وثلاثين عامًا ، لتصل إلى 10,5% سنة 2019، وحاول مُرشّحو الحزب الديمقراطي إطلاق شعارات تسترضي النقابات، بعد نَشْر الدّراسة السّنوية لمعهد “غالوب”، والتي أظْهرت أن 64% من الأمريكيين الذين تم استطلاع آرائهم، في شهر آب/أغسطس 2020، يحملون صورةً إيجابية عن نقابات الأُجَراء.

في ذروة انتشار وباء “كوفيد 19″، في بداية الرّبع الثاني من سنة 2020، كانت الولايات المتحدة من أكثر الدّول المتضرّرة، نظرًا لخصخصة قطاع الصحة، ولغياب الطّب الوقائي الذي لا يهتم به القطاع الخاص، ويخطط له ويُشرف عليه قطاع الصّحّة العمومية، الغائب بالولايات المتحدة، وتضرّر العاملون الذي أُجْبِرُوا على أو اضطرّوا إلى مواصلة العمل، فتعرّضوا للإصابة بنسبة تفوق بكثير نسبتهم في تركيبة المجتمع، فضلاً عن إلغاء الحقوق الإجتماعية، وتعريض عمال الخطوط الأمامية للخَطَر، لأن الرئيس “دونالد ترامب” أعلن (آذار/مارس 2020): “يجب أن يستمر الإقتصاد والإنتاج والعمل كالمعتاد”، تعليقًا على إضراب عمال سلسلة مطاعم الوجبات السريعة “شبتول”، الذين نفذوا اعتصامًا لمدة أربعة أيام أمام المطعم الذي يشتغلون به، بنيويورك، حيث يُخالف المُشغّل قوانين ولاية نيويورك بشأن الإجازة مدفوعة الأجر وإجازة الأمومة والحضانة، وهي حقوق يضمنها القانون في بعض الولايات، منها نيويورك، حيث لا يضمن القانون الاتحادي بعض الحقوق، مثل الإجازة مدفوعة الأجر أو إجازة الأمومة أو إجازة المرض، ولا يتمتع بهذه الحقوق سوى حوالي ثُلُث العُمّال الأمريكيين، على أن لا تتجاوز أيام المرض سبعة أيام في السّنة…

بالتوازي مع انتشار الوباء، ارتفعت مُعدّلات البطالة بالولايات المتحدة، لتَصِلَ إلى مستويات قياسية، فاقت بكثير معدلات أزمة 2008/2009، وتم تسجيل أكثر من 6,6 ملايين عاطل عن العمل في غضون أسبوع واحد (يتم احتساب العاطلين أُسْبُوعيا في الولايات المتحدة)، ولا يشمل هذا الرقم سوى العاطلين الذين يحصلون على منحة بطالة، لذا فإن هذا الرّقم أقل بكثير من العدد الحقيقي للأشخاص المحرومين من العمل بأجر، وفَقَدَ العديد منهم التّأمين الصحي، للعاملين وأُسَرهم، لأن التّأمين مرتبط بالعمل، وحصل ذلك في ظروف أزمة صحية عالمية.

كان عُمال المطاعم والمواد الغذائية وموظفو الصحة، أكثر عُرضة من غيرهم للعدوى بالفيروس التّاجي “كورونا”، ولذلك أضرب عُمال هذه القطاعات بنيويورك وكذلك عمال سلسلة مطاعم وجبات سريعة في “بورتلاند” (22 آذار/مارس 2020)، من أجل علاوة مخاطر قدرها دولاران، والحق في إجازة لمدة أسبوعين ومكافأة فصل من راتب أسبوعين لمن تم فصلهم منهم، وكذلك بالضّمان الصّحّي، وكان عُمال هذه السلسلة من المطاعم قد شنوا إضرابا، سنة 2019، وأسّسُوا أول نقابة لعُمّال الوجبات السريعة، ما شجّع عمال هذا القطاع، وكذلك عمال تجارة المواد الغذائية على تأسيس نقابات، مما ساعد عُمال المطاعم ( بما فيها “ماكدونالدز”) وتجارة المواد الغذائية (بما فيها “وولمارت”) على تنفيذ إضراب بولاية كارولينا الشمالية في السابع والعشرين من آذار/مارس 2020، احتجاجًا على نقص أو انعدام وسائل الوقاية من العَدْوى، مع زيادة الرواتب وتخفيض ساعات العمل، وكانت شركة “ماكدونالدز” قد منعت العاملين من ارتداء الأقنعة التي اشتروها بمالِهم الخاص، من رواتبهم الهزيلة، للوقاية من العَدْوى، وأدّى تعنّت “ماكدونالدز” إلى اتساع نطاق المواجهة مع العاملين إلى ولايات عديدة أخرى…

أضرب العديد من مستودعات “أمازون”، في الولايات المتحدة وفي أوروبا، يوم الثلاثين من آذار/مارس 2020، بعد ارتفاع عدد طلبات التّوصيل، أثناء فترة الحَجْر الصّحّي والحبس المنزلي، وطالب العاملون بتوفير معدات الحماية الشخصية، وتحسين ظروف العمل، وتمديد عدد أيام الإجازة المرضية المدفوعة للموظفين الذين تظهر عليهم أعراض الإصابة بفيروس “كورونا”، وحاولت الشركة طرد أحد النقابيين النشطين بنيويورك، وشنت حملة تشويه ضدّه، كما انطلق إضراب سائقي الحافلات، يوم 17 آذار/مارس 2020، في ديترويت، بعد وفاة أحد زملائهم بالوباء، وانتشر الإضراب إلى ولايات عديدة أخرى، من أجل توفير وسائل الوقاية، وتحسين ظروف العمل، وكذلك عُمال الصرف الصحي بكليفلاند (20 آذار/مارس 2020) وجامعو القمامة في بترسبورغ، وموظفو الرعاية الإجتماعية بفيلادلفيا، يوم 27 آذار/مارس 2020، وموظفو الصّحة بمستشفيات كاليفورنيا، يوم 30 آذار 2020، ثم في بيتسبرغ (02 نيسان/ابريل 2020) وديترويت (06 نيسان/ابريل 2020)، وكان القاسم المُشترك لهذه الإضرابات والعديد غيرها: تحسين ظروف العمل، والحماية من المخاطر والحصول على الموارد البشرية والمادية لهم وكذلك للمواطنين وللمرضى والمُسنّين…

في قطاع الصناعة، استنكَر العُمال وعارضوا تصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي رفض أي إغلاق للمصانع، كما رَفَضَ اتخاذ التدابير الوقائية، وطالب العُمّال بالتّضحية، دون مُقابل، ما شجّع الحكّام “الجمهوريين” لبعض الولايات، مثل حاكم تكساس (وهو ضابط سابق بالجيش) على التصريح، يوم 23 آذار/مارس 2020، بأن على العُمّال التضحية بحياتهم من أجل ازدهار الإقتصاد، وَرَفَض حاكم “ماساتشوستس” تعليق العمل بقطاع البناء، فانطلقت إضرابات بقطاعات الصناعة والإنشاء (البناء والبنية التحتية)، انطلاقًا من الربع الأخير من شهر آذار/مارس 2020، منهم عُمال مجموعة “جنرال إلكتريك” التي سرّحت 2600 عامل من عمال مصانعها ب”لين” و”بوسطن”، وخلال الإضراب قام عُمّال جنرال إلكتريك بإنتاج أجهزة التنفس الصناعي على خطوط الإنتاج في الفرع الطبي للمجموعة، وانطلقت إضرابات أخرى عديدة في قطاعات صناعة السيارات والطيران والبحرية وقطاعات الموانئ، وهي قطاعات ترتفع فيها نسبة الإنتساب للنقابات، خلافًا لقطاعات أخرى أضرب عُمّالها، رغم ضُعْف أو غياب التقاليد النقابية والنّضالية، مثل مصانع المواد الغذائية ومنها تعبئة اللحوم، التي تكاثر بها عدد المُصابين والمَوْتى، جراء العدوى بمكان العمل، ثم نَقْل الفيروس إلى الأُسَر والجيران، ومُستخدمي خطوط النّقل العمومي، حيث أضرب العمال غير النقابيين، في ولايات جورجيا وكولورادو وفرجينيا وإلينوي يوم الثالث من نيسان/ابريل 2020، وأضرب العمال غير المنتسبين للنقابات (أي غير المَحْمِيِّين) من أجل ظروف عمل أكثر أمانًا ومن أجل الحق في إجازة مرضية مدفوعة الأجر…

أكّدَ “معهد السياسة الاقتصادية” انتعاش الإقتصاد، خلال سنة 2021، وأكّدَت تقارير “حالة التّوظيف” الشّهرية لوزارة العمل، ارتفاع طلبات الشركات وأرباب العمل، للتوظيف، بداية من الرّبع الثاني لسنة 2021، لكن لا يزال أكثر من خمسة ملايين عاطل يبحثون عن عمل، بنهاية الربع الثالث من سنة 2021، فضلا عن ما لا يقل عن ثلاثة ملايين، انقطعوا عن التّردّد على مكتب التوظيف، وبضعة ملايين لا تحتسبهم الوزارة ولا مؤسسات الإحصاء الأخرى، وسبق أن اكتشف الباحثون أن وزارة العمل تعمّدت احتساب عاطلين، كأشخاص عادوا إلى العمل، في آذار/مارس 2020، وادّعت الوزارة أن ذلك كان مُجرّد “خطأ فَنِّي”، ولا تزال إحصائيات الوزارة (أيلول/سبتمبر 2021) تحتسب حوالي مليون شخص عاطل عن العمل، في قائمة من وجدوا عملا، لذلك يُقدّر الباحثون عدد العاطلين عن العمل بشكل كامل، بنهاية أيلول/سبتمبر 2021، بما بين ثمانية وعشرة ملايين عاطل، اعتمادًا على مقارنة عدد العاملين بالعديد من القطاعات، في شباط/فبراير 2020، وأيلول/سبتمبر 2021، بالإضافة إلى حوالي تسعة ملايين (غير مُحْتَسَبِين)، فُرِضت عليهم البطالة الجزئية أو العمل بدوام جزئي أو يعملون بضع ساعات في الأسبوع، برواتب منخفضة، في قطاعات مثل الضيافة والفنادق والمطاعم، أو البيع بالتجزئة، وكذلك في قطاعات أخرى كالصناعة والصّحة والخدمات الأخرى…

أدّى خفض عدد العاملين بالعديد من القطاعات بالصناعة والأغذية والمطاعم والرعاية الصحية والتعليم، وغيرها إلى تدهور ظروف العمل، وإثقال كاهل العاملين، وزيادة عدد ساعات العمل، دون الحصول على مُقابل مُجْزِي، أو مُحفّزات، وبدأ العمال يتذمّرون، منذ منتصف سنة 2021، فالرواتب منخفضة والرعاية الصحية، إن وُجِدَتْ، لا تتجاوز الحد الأدنى، لكن أرباب العمل يرفضون تلبية مطالبهم، بل يرفضون النقاش أصْلاً، بدعم من الحكومات المحلّية (حكومات الولايات) والحكومة الإتحادية، ووسائل الإعلام، التي تدّعي أن الدّولة دَلّلَت العُمّال بالمُساعدات، زمن الأزمات، فأصبحوا يطالبون برواتب مرتفعة وبظروف عمل أحسن ومزايا وغير ذلك، وبذلك تنصّلت الرّأسمالية من نتائج طبيعتها الإستغلالية وألقت بالمسؤولية على ضحاياها من العُمّال، ما ساهم في انتشار الغضب بين العاملين، بمن فيهم غير المنتسبين للنقابات الذي شاركوا بكثافة في إضرابات شهر تشرين الأول/اكتوبر 2021، وخاصة ذوي الرواتب المنخفضة من عمال الخدمات ورعاية المرضى والمُسنّين، وسائقي الشاحنات، وعُمّال توصيل السلع، وعمال الفنادق والمطاعم وتجارة التّجْزئة، والبناء، والمعلمين وسائقي الحافلات المدرسية، والممرضات اللاتي عانَيْنَ من الإنهاك، بفعل العمل الإضافي المُزْمِن والإجباري، وعمال المستودعات وصناعة المواد الغذائية، وغيرهم ممن انتفض بعضهم قبل 18 سنة، دون الحصول علىى نتائج إيجابية…

أحصت جامعة “كورني”، بحسب وكالة رويترز ( 17 تشرين الأول/اكتوبر 2021) ما لا يقل عن 176 إضراب، منذ بداية العام وحتى منتصف تشرين الأول 2021، ويعتبر النقابيون أن جائحة كوفيد 19 تسببت في إبْراز حالات انعدام المساواة، وحالات الإستهتار بحياة العُمّال والفُقراء، ما جعل العمال يرفضون تعريض أنفسهم للخطر.

انطلقت بعض الإضرابات العُمّالية يوم الخميس 14 تشرين الأول/اكتوبر 2021، بدأها نحو عشرة آلاف عامل بمصانع جرارات “جون دير”، وتعززت موجة الإضرابات، يوم الإثنين 18 تشرين الأول/اكتوبر 2021، بدخول موظفي المسرح والسينما (حوالي ستين ألف) في إضراب بسبب عدم التّوصّل إلى اتفاق حول عقد العمل الجماعي، بالإضافة إلى  نحو 31 ألف موظف في مجموعة “قيصر برمانينتي” الصحية في غرب الولايات المتحدة، ويضرب أكثر من أَلْفَيْ موظف في مستشفى “ميرسي” في بوفالو منذ الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2021، وكذلك 1400 عامل بشركة “كيلوغز” لصناعة حبوب رقائق الذرة منذ الخامس من تشرين الأول/اكتوبر 2012 الخ، ويعود السبب الرئيسي لهذه المواجة من الإضرابات إلى ارتفاع عدد ساعات العمل في ظروف متردية خلال جائحة كوفيد – 19 مقابل ارتفاع أرباح أصحاب العمل.

من الصعب معرفة العدد الدقيق للإضرابات، لأن الحكومة الإتحادية لا تحصي سوى تلك التي تضم أكثر من ألف عامل، لكن يمكن التأكيد إن نجاح إضراب المُدرّسين، سنة 2018، شجّع العاملين على النضال، فكلما نجح إضراب، تشجع آخرون على رفع مطالبهم، والنضال من أجل تحقيقها، وتزاد ثقتهم بإمكانية الإنتصار، رغم المخاطر التي تنجر عن الفشل المحتمل، وشجع نجاح إضراب عمال مصنع “فريتو لاي” للكعك (فرع لشركة “بيبسيكو”) عمال شركة “كيلوغز”، وهي من نفس القطاع، على الإضراب، وكذلك عُمال شركة “نابيسكو” للوجبات الخفيفة (فرع لشركة “مونديليز”)، وطالت فترة الإضرابات وبلغت خمسة أو ستة أسابيع أحيانًا، لكن صَمَدَ المُضربون وتضامَنَ معهم المواطنون، وحصلوا على نتائج إيجابية، ولئن لم يكن بعض العمال منتسبين للنقابات، فإن النقابات استفادت من إضراباتهم، ومن ظهور حركات الإحتجاج المختلفة، بزيادة الوعي بضرورة التنظيم والعمل الجماعي.

أطلق العمال 180 إضرابا، خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2021، وسبعة عشر إضرابًا خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر تشرين الأول/اكتوبر 2021، بمشاركة ما لا يقل عن مائة ألف عامل، من المؤسسات التي تضم أكثر من ألف عامل، في إطار موجة “سترايكتوبر”، وهي عبارة أطلقها العُمال المضربون، في عملية إدماج لكلمتي إضراب (سترايك) وأكتوبر (تشرين الأول)، وبرر العُمال هذه الحركة بتنكّر الرأسمالية لجهودهم خلال انتشار جائحة كوفيد 19، ومحاولة أرباب العمل، تشغيل العمال في ظروف أسوأ مما كانت عليه قبل الجائحة، وهو ما يفسر تأكيد المُضربين على مطلب “تحسين ظروف العمل”، إلى جانب زيادة قيمة الرواتب، في ظل عودة نسبة التضخم إلى الإرتفاع، وفي ظل الأرباح غير المسبوقة للشركات وللأثرياء.

تكمن أهمية  الإضرابات في انتشارها بكافة مناطق الولايات المتحدة وبالعديد من القطاعات، ويندد معظم العمال المُضربين بظروف العمل الصعبة ويحتجون على التغييرات في العقود الاجتماعية، وعلى إعلان العديد من الشركات إلغاء التعديل التلقائي للأجور لكي تُواكِبَ تكلفة المعيشة…

 خاتمة:

إن هذه الإضرابات ناتجة عن تراكم القَهْر والإحتقار الذي تُمارسُهُ السّلطات الإتحادية والمَحلّية وأرباب العمل ووسائل الإعلام، وهؤلاء جميعًا ينتمون لنفس الطبقات والإيديولوجيا الرأسمالية النيوليبرالية، وما هذه الموجة من الإضرابات سوى مواصلة لإضراب مدرّسي التعليم العمومي، سنتَيْ 2018 و 2019، من أجل خفض عدد التلاميذ بالفصل الواحد، وتحسين ظروف العمل والرواتب ونظام التقاعد، والإضرابات العديدة لعمال “جنرال موتورز”، خصوصا في أيلول/سبتمبر 2019، لأكثر من أسبوعَيْن،  في حوالي خمسين مصنعًا.

تتجاهل السلطات السياسية وأرباب العمل ووسائل الإعلام، ما حصل من إعادة هيكلة “سوق العمل” الأمريكية، خلال العقود الأربعة الماضية، وما  حركة الإضراب للعام 2021، سوى أحد أعراض هذه التغييرات الهيكلية، حيث تخضع أسواق المنتجات ومسالك التوزيع للسلع والخدمات لتوترات وتغيرات مماثلة، على مستوى عالمي، بالتوازي مع توجيه الرأسماليين لأرباحهم المُتعاظمة، نحو أسواق الأصول المالية، للمضاربة بالأسهم والسندات والعملات  والمُشتقات المالية، بدل توجيهها نحو القطاعات المُنتجة…

كما تتجاهل أوساط أرباب العمل ووسائل الإعلام التغييرات التي حصلت داخل الطبقة العاملة، إذ أصبح العديد من العاملين غير قادرين على تسديد إيجار المسكن، وعاجزين عن علاج أفراد أُسَرِهم، وغير ذلك، فدخلت قطاعات جديدة خِضَمَّ النضالات، مثل عُمّال مطاعم الوجبات السريعة (والرديئة)، في أيار/مايو 2021، من أجل تحديد حدّ أدنى للرواتب ورفع أُجْرة ساعة العمل، من 7,25 دولارا إلى 15 دولارا، على الأقل، وعمال “آمازون”، والأطباء والعاملين بمجال الرعاية الصحية، وسائقي الحافلات، وعمال تجارة التّجزئة، وأضرب عمال مصنع “كعك” تابع لمجموعة “بيبسي كو”، في تموز/يوليو 2021، في “كانساس”، وحصلوا على ضمان يوم عطلة واحد في الأسبوع وزيادة في الرواتب، وحصل مضربو  شركة “نابيسكو” لصناعة ملفات تعريف الارتباط (شركة تابعة لشركة “مونديليز” العملاقة) على امتيازات في أيلول/سبتمبر 2021، بعد خمسة أسابيع من الإضراب، كما أضرب فنانو المكياج ومشغلو الكاميرات في هوليود، وغيرهم، وشكلت مطالب زيادة الأجور وتحسين ظروف العمل، قواسم مُشتركة.

عانى عمال الجيل الذي سبق أزمة العام 2008 من الركود الطويل للرواتب، ومن تراجع حصة العمل (مقارنة بحصة رأس المال) من إجمالي الناتج المحلي، مع انتشار العمل بدوام جزئي وبعقود هشّة، أما الجيل الجديد من العمال فأصبح أكثر نضالية، ويرفض شروط التوظيف السّيئة، في جميع القطاعات، من النقل العام إلى الرعاية الصحية والخدمات اللوجستية وتصنيع الأغذية، ويرفض التضحيات المجانية، والعمل الإضافي القسري الذي يُسبّب الإرهاق والمخاطر المهنية، بينما ساءت شروط التأمين الصحي، وشروط التقاعد، لكن معظم هؤلاء العمال غير منتسب للنقابات، ومع ذلك تمكّنوا من دفع الحركة العمالية لتجاوز الركود الذي تعيشه منذ سنوات، بل منذ عقود، ما قد يُشكّل تحولا في ميزان القوى، إذ أدّى الإضراب إلى انخفاض سعر سهم  شركة محرّكات “جون دير”، بنسبة 25%، إثر الإضراب، وتحْمِلُ الإضرابات غير المُنظّمة أو غير المُؤطّرة نقابيا، في طياتها بعض نقاط القوة، حيث القرار جماعي وقاعدي، بعيدًا عن الأجهزة البيروقراطية، لكنه يحمل نقاط ضعف عديدة، فعندما يكون العمال المنظمون نقابيا في وضع قوة، تكون النضالات أكثر تنسيقًا، ما يُضاعف الضّغوط على أرباب العمل، وما يزيد من احتمال نجاحها، وكُلّما حقّق العُمّال مكاسب ملموسة،  كلما زادت الحماسة بين ملايين العمال وارتفعت معنوياتهم واستعدادهم للنضال…

يُشكّل التعريف بنضالات العمال الأمريكيين، ودعمها، جزءًا من كشف حقيقة “قُوّة” الإمبريالية الأمريكية، ومن النّضال ضدّها، لأن هزيمة الإمبريالية الأمريكية (أو غيرها) لا تتحقق بدون تنسيق النضالات بالدّاخل والخارج، ولا يجب التّعويل على الأنظمة المُنافسة لها (الصين أو الإتحاد الأوروبي أو غيرها) بل على الفئات الكادحة، والتي لها دور رئيسي في بناء وازدهار الإقتصاد، وكذلك في انهياره وانهيار الطبقات المستفيدة من استغلال الطبقة العاملة والفلاحين الفُقراء والكادحين، ومن اضطهاد الشّعوب ونهب ثرواتها… 

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.