ارتفاع أسعار الغذاء وضغوطات صندوق النقد الدّولي، الطاهر المعز

 في بداية الرّبُع الأخير من سنة 2021، أوردت وسائل الإعلام خَبَرْيْن مُتَعارِضَيْن مع مصالح الشُّعوب الفقيرة والكادحين، أوّلهما يتعلّق بضغوطات صندوق النّقد الدّولي، وثانيهما ارتفاع أسعار الغذاء.

عندما انتشر فيروس كورونا، توقفت الحركة الإقتصادية، وأصبحت العديد من دول البلدان الفقيرة عاجزة عن تسديد الدّيون وفوائدها المرتفعة، فدَعَتْ آنذاك (نيسان/ابريل 2020)  مديرة صندوق النقد الدولي (كريستالينا جورجيفا ) أن الصندوق مستعد لدعم الحكومات التي تجعل من مكافحة الوباء، أولوية مطلقة، شرط الاحتفاظ بوثائق الإنفاق، لكي يتمكّن مراقبو الصندوق من التّثبّت في المبالغ، ومؤخّرًا أعلن صندوق النقد الدّولي أنه قيمة القُرُوض العاجلة التي قدمها لحكومات 87 دولة، “لمساعدتها على تخطِّي الأزمة”، بلغت  118 مليار دولارا، وحان وقت مراجعة طريقة إنفاق هذه المبالغ، واستعادتها، قبل القضاء على الجائحة، وقبل تعافي اقتصاد هذه الدّول، خاصة الأكثر فَقْرًا، التي لن تحصل على أي قَرْضٍ جديد، قبل المُحاسبة العسيرة.

علّقت وكالة “بلومبرغ” (الناطقة باسم ملياديرات العام ): “إن العديد من حكومات دول إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ومناطق أخرى، لم تنفق القروض في شراء أجهزة التنفس الاصطناعي وإقامة المستشفيات المتنقلة ومعدات الوقاية الشخصية، بل أنفقت أموال مساعدات الصندوق بطرق غير صحيحة، ما أدى إلى ارتفاع عدد حالات الإصابة والوفاة…”، وللتذكير فإن صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، رفضَا تقديم قُروض لدول مثل فنزويلا (وأمثالها من الأنظمة التي تناصبها الولايات المتحدة العِداء) لمجابهة الجائحة، فيما حصلت الحكومات الأكثر فسادًا على قُروض، يُسدّدها الشعب الكادح، ونقلت “منظمة الشفافية الدولية”، عن تقارير الأمم المتحدة: ” إن ما بين 10% و25% من الأموال التي أنفقتها الحكومات على المشتريات على مستوى العالم تتبدد بسبب الفساد حتى في الظروف الطبيعية….”

إنها هذه الحكومات “الفاسدة” تحظى بدعم الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، وتبيع ممتلكات الشعوب إلى الشركات العابرة للقارات، في إطار “الخصخصة”، وهي إحدى شُرُوط الدّيون التي تحصل عليها هذه الحكومات من صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، وحكومات الدّول الإمبريالية، ولما تفوح الرائحة الكريهة لفساد وسرقات هذه الأنظمة، تُصْدِر منظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة الشفافية الدولية وغيرها، بعض التقارير والبيانات التي تُشير إلى هذا الفساد، وانتهى الأمر!

في أوروبا، لا يظهر الفساد بنفس الشكل الذي يظهربه في دول “الجنوب”، ونشرت محكمة مراجعي الحسابات الأوروبية تقريرًا، يوم 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021، أظْهَر أن 2,7% (أو حوالي 4,6 مليار يورو) من إجمالي ميزانية مؤسسات الإتحاد الأوروبي (وليس من ميزانيات الحكومات) لسنة 2020، والبالغة 147,8 مليار يورو، تم إنفاقها بشكل “غير سليم”، أي صرف أموال “لمطالبات غير مستحقة أو لمشاريع أو أنشطة أو مستفيدين غير مستحقين، وعدم توافر مستندات تثبت الإنفاق، مع رَصْدِ حالات تمثل مخالفة لقواعد مكافحة الاحتيال الأوروبية…”

للتذكير: تتضمّن شروط الإقتراض من صندوق النّقد الدّولي، إلغاء دعم الفلاحة والإنتاج الزراعي، ما يعني توريد السّلع الغذائية، من الحبوب إلى اللّحوم، مرورًا بالزيوت النباتية وبالألبان ومُشتقاتها، وتقويض السيادة الغذائية.

تزامن إعلان “صندوق النّقد الدّولي” استرجاع قُروض “كوفيد-19″، مع ارتفاع أسعار الوقود، في مستهل موسم البرد، وإعلان منظمة الأغذية والزراعة ارتفاع أسعار الغذاء (الحبوب والزيوت واللحوم ومنتجات الألبان…) بشكل مستمر، منذ بداية العام 2021…

 ارتفاع أسعار الغذاء

أطلقت منظمة الأغذية والزراعة – “فاو” (الأمم المتحدة) صفّارة الإنذار منذ بداية سنة 2021، بشأن ارتفاع أسعار الغذاء التي بلغت، في شهر أيار/مايو 2021، نحو 40%، على أساس سنوي، كما أشارت بيانات نفس المنظمة إلى ارتفاع مُعدّل أسعار الغذاء، خلال شهر أيلول/سبتمبر 2021، بنسبة 32,8%، على أساس سنوي، وهو مُجرّد مُعدّل يقيس الأسعار بحسب بيانات الأسواق العالمية (أسواق الجملة) ولا يقيس أسعار البيع بالتّجزئة (أو أسعار المُستهلكين)، كما تُشير ملاحظات المنظمة أن أسعار اللحوم أعلى بكثير ممّا تنشُرُهُ، بسبب تأخُّر وصول اليبيانات ولأسباب أخرى سياسية، يتم تغليفها بأسباب “تقنية”، أو بارتفاع تكاليف الشّحن، ويُشكل هذا الإرتفاع أعلى مستوى خلال عشر سنوات، أي منذ شهر أيلول/سبتمبر 2011، وجدير بالذّكر أن أربع شركات تُهيمن على التجارة العالمية للأغذية منذ أكثر من قَرْن، أي إن هذه الشركات نشأت خلال فترة الإستعمار المُباشر ( ADM – Bunge – Cargil – Louis Dreyfus )، وأدى ارتفاع أسعار السلع الغذائية إلى تضاعف قيمة سعر أسْهم شركتي “آي دي إم” و “بنج”، خلال عام واحد   

تُظهر جميع المُؤشرات (منها توقّعات صندوق النقد الدّولي) أن الإرتفاع سوف يتواصل سنة 2022، وربما ما بعدها، وكذلك ارتفاع نسبة التّضخّم التي بلغت سنة 2021، أعلى مستوى خلال عشر سنوات، ويتوقّع ارتفاع سعر الحبوب بسبب موجة الجفاف بالدّول المنتجة والمُصدّرة للأغذية والحبوب ( الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين وأوكرانيا وروسيا )، كما زادت أسعار المنتجات غير المُدْرَجَة في مؤشر منظمة الأغذية والزراعة، مثل البُن والشاي والكاكاو، وهي منتجات “استوائية”، تُسيطر عليها شركات عابرة للقارات، وسوف تنعكس الزيادة في أسعار المواد الغذائية على أسعار العديد من السّلع الأخرى، ما يزيد من احتمال انتشار الفقر والجوع، خصوصًا في البلدان الفقيرة التي تضررت من انتشار وباء “كوفيد 19″، ولم تتعاف منه بعدُ، ورغم توقعات ارتفاع مُعدّل النمو إلى مستوى 5,6% كمُعدّل عالمي، يتخوف البنك العالمي من “أعمال الشّغب” التي قد يُنفّذها الفُقراء والجائعون الذين لن يتمكنوا من شراء الغذاء، لأن نمو الإقتصاد (إجمالي الناتج المحلي) لا يتم توزيعه بالعدل على السّكّان، بل يستفيد منه الأثرياء والشركات، في ظل انخفاض قيمة عُملة البلدان الفقيرة، التي يفرض عليها صندوق النقد الدّولي فتح أسواقها وخفض قيمة عملاتها، ما يزيد من أسعار المواد المُستورة والمحلية على السواء، وما قد يُؤدِّي إلى انعدام الأمن الغذائي، وإلى حدوث انتفاضات الجوع أو انتفاضات الخُبْز، كما حدث في العديد من البلدان الفقيرة (منها المغرب وتونس ومصر والأردن…)، منذ أكثر من أربعة عقود، لأن الإنفاق على الغذاء في البلدان (أو الأُسَر) الفقيرة يُمثل نسبة هامة من الميزانية، ما يؤدّي إلى عجز في ميزانية الأُسَر، وكذلك في الميزان التّجاري للدّول الفقيرة، فضلا عن تهديد الأمن الغذائي

أوردت وكالة “بلومبرغ” (وهي وكالة أخبار ومجموعة مالية، أسّسها الملياردير “مايكل بلومبرغ”، رئيس بلدية نيويورك الأسبق، وتنشر ترتيبًا يوميًّا لمليارديرات العالم)،  منتصف أيلول/سبتمبر 2021، تحليلاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة، مع التأكيد على المخاطر السياسية لارتفاع تكاليف الغذاء، خصوصًا في البلدان الفقيرة، التي انخفضت بها احتياطيات العملات الأجنبية، ما يُضْعِف قدراتها على التّوريد، واستخلصت الوكالة (وكالة المليارديرات) أن على صندوق النقد الدّولي أن يُجيز تدخُّل الحكومات لدعم “بعض أسعار المستهلكين لفترة محدودة، لإبعاد شبح الإضطرابات”، وذكّرت بأن الحاجة إلى الطّعام قد تؤَدِّي إلى حدوث “عمليات نهب وتخريب”، واستنتجت من بيانات منظمة الأغذية والزراعة، “بعد تعديلها وفقاً للتضخم والمحدد على أساس سنوي”، أن تكاليف الغذاء الحالية أعلى مما كانت عليه خلال العقود السّتة الماضية، بحسب دراسة نشرتها جامعة “وارويكé ( بريطانيا”…

تضرر فقراء البلدان الواقعة تحت الهيمنة، بشكل أساسي، لكن تأثّر كذلك فقراء الدّول الغنية، ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع تم إنجازه في الثلاثين من آب/أغسطس 2021 (أي قبل الزيادات الحالية في الأسعار) أن 8,6% من السّكّان أعلنوا عدم توفّر ما يكفيهم من الطّعام، أحيانًا، ولمدة أسبوع كامل، ومن ضمنهم أُجراء بدوام جزئي وبعقود هشة…

تأثيرات ارتفاع الأسعار على الدول الفقيرة

تُشير البيانات المتوفرة، بنهاية حزيران/يونيو 2021، أن إنتاج الغذاء العالمي يزيد، منذ عُقُود، عن حاجة جميع سُكّان العالم، لكن لا يزال نحو 811 مليون شخص في العالم يُعانون من الجوع بنهاية سنة 2020، وفي ظل تفاقم أزمة ارتفاع أسعار الغذاء، يتوقع أن يرتفع عددهم، بسبب ارتفاع أسعار الغذاء، وبسبب إتلاف ما لا يقل عن 31% من حجم الإنتاج، فضلا عن الإحتكار والمُضاربة، وتُشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، وبيانات البنك العالمي، أن القضاء التّام على الجوع يتطلب إنفاق ما بين أربعين وخمسين مليار دولارا، وهو مبلغ صغير مقارنة بحجم الإنفاق على الحروب أو مقارنة بحجم الفساد والتّهرّب الضّريبي، والأموال المُهَرَّبَة من البلدان الفقيرة (خمسون مليار دولارا سنويا من إفريقيا لوحدها)، بواسطة الشركات العابرة للقارات أو بواسطة حُكّامها وأثريائها، أو مُقارنة بحجم الناتج الإجمالي العالمي، الذي تقدره قاعدة بيانات البنك العالمي بنحو 85 تريليون دولارا.

في البلدان العربية، تُشير بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2020، أن  الفجوة الغذائية (أو العجز الغذائي العربي، أو الفارق بين الحاجة والإنتاج الفعلي) بلغت، على المستوى العربي 33,6 مليار دولارًا، سنة 2020، وتمثل الحبوب نسبة يذكر التقرير أن بنية الفجوة الغذائية لم تتغير على مدار العقدين الماضيين، إذ مثلت الحبوب فيها نسبة 60,1%، والسكر 9,3%، والزيوت والشحوم 3,8% من هذه الفَجْوَة.

تعتمد معظم الدّول العربية على الإستيراد لتلبية الحاجيات الغذائية للسُّكّان، ما يرفع أسعار السلع الغذائية ويزيد من عدد المواطنين الفقراء الذين يُعانون من الجوع أو من سوء التّغذية، بينما لا تزال هذه البلدان تُعاني من تداعيات جائحة “كوفيد – 19″، وخصوصًا البلدان غير المُنْتِجَة للمحروقات، التي تتأثر موازينها التجارية وموازين المدفوعات، مع تعميق الفجوة الغذائية، زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (وخصوصا فقدان السيادة الغذائية)  وارتفاع  معدلات التضخم ومعدلات الفقر، وبشكل عام، يعاني الوطن العربي من عجز في الميزان التجاري الزراعي؛ فبينما بلغت قيمة الصادرات الغذائية لسنة 2018، ما قدره 29,8 مليار دولارا، استوردت الدّول العربية أغذية، خلال نفس السنة، بقيمة 91,9 مليار دولارا، ما يرفع عجز بالميزان التجاري الزراعي إلى 62,3 مليار دولارا.

بلغ معدّل ارتفاع أسعار السلع الغذائية، بالبلدان العربية، نسبة 20%، خلال النصف الأول من سنة 2021، ويتوقع تقرير نشَرَهُ صندوق النقد الدّولي، منذ شهر حزيران/يونيو 2021، أن ترتفع أسعار المواد الغذائية، على مستوى العالم، بنحو 45% خلال العامين الحالي (2021) والمقبل (2022)، منها 25% خلال العام الحالي، و20% خلال العام المقبل، وارتفاع نسبة التضخم بأكثر من 6% سنويا، ولئن اشتركت الدّول العربية في عجزها الغذائي، وفقدانها السيادة الغذائية، فإنها تشهد بعض الإختلافات بين البلدان المصدّرة للمحروقات التي ارتفعت أسعارها، والبلدان غير النّفطية التي تتأثر بارتفاع أسعار المواد الأساسية التي تستوردها بالعملة الأجنبية، ما يرفع سعرها للمستهلكين بشكل مُجحف، لا يتماشى مع مُتوسط دَخْل المواطنين الذين ينفقون نسبة كبيرة من دخلهم على الغذاء، كما حال معظم فُقراء العالم…

تضررت بعض الدول العربية، جراء انخفاض عائدات السياحة وانخفاض تحويلات المهجرين، بسبب انتشار وباء “كوفيد 19″، بالتوازي مع انخفاض قيمة العملة المحلية، كما الحال في تونس التي بلغت بها نسبة التضخم 6,2% بنهاية شهر آب/أغسطس 2021، ويُحاول رئيسها – بعد تجميد البرلمان في الخامس والعشرين من تموز/يوليو 2021، وتعيين حكومة جديدة- حث المنتجين وتجار التجزئة على خفض أسعار بعض السّلع، مثل اللحوم والطّحين ومنتجات الألبان، لكن صندوق النقد الدّولي يشترط موافقته على إقراض الدّولة (للمرة الثالثة، خلال أقل من عشر سنوات) بخفض دعم الطاقة والسلع الأساسية، بذريعة “إصلاح مالية الدّولة”، ولا يختلف وضع تونس كثيرًا عن وضع المغرب ومصر…

 التغييرات الهيكلية للقطاع الفلاحي، والآفاق المُقترحة

كيف يمكن التخفيف من التّبعية الغذائية لشعوب البلدان الواقعة تحت الهيمنة؟ – نموذج تونس

ورد في دراسة نشرتها هيئة البحث ( JCR ) التابعة لمُفَوّضِيّة الإتحاد الأوروبي (تشرين الأول/اكتوبر 2021)، إن الارتفاع الحالي في أسعار السلع الأساسية لا يرجع إلى نقص الإنتاج، إذ يُعَدُّ الإنتاج الزراعي العالمي لسنة 2021، متوسط الحجم والجودة، ولا تتطرّق الدّراسة إلى هيمنة الشركات العابرة للقارات التي تُصَمِّمُ وتُنظِّم الإحتكار، عبر التّحكّم في المخزون وفي عملية التّسويق، ولكنها تُشير إلى دعم الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، والدّول الغنية، لقطاع الفلاحة (الزراعة وتربية المواشي)، وتُشير إلى منظومات الحماية الإجتماعية التي تُخفِّفُ من حِدّة الأزمات (مثل أزمة كوفيد 19)، وتُساعد على مواجهتها…

في الدّول الفقيرة، والمُسمّاة “نامية”، منها الدّول العربية، نفّذت الحكومات المتعاقبة سياسات إلغاء الدعم للقطاع الزراعي، وللإنتاج المحلّي عمومًا، وتمت تصفية القطاع العام والقطاع التعاوني، اللّذَيْن يُشكّلان أهم ركائز الغقتصاد الوطني عمومًا، وأهم دعائم السيادة الغذائية، ويمكن توجيه الدّعم (القانوني والمالي والسياسي) للتعاونيات، على مستوى الإنتاج (شراء واستخدام مستلزمات وأدوات الإنتاج بشكل جماعي)، أو استغلال الأراضي بشكل جماعي، وعلى مستوى التّسويق والإستهلاك بهدف المحافظة على أسعار معقولة لإنتاج غذائي طبيعي وذي جودة عالية…  

في البلدان الفقيرة، وحتى متوسطة النّمو، تُشكل وحدات الإنتاج الصغيرة (على مستوى الأُسْرة) مصدر نحو ثمانين بالمائة من الإنتاج الزراعي على مستوى كل بلد، ويتم استهلاك معظم الإنتاج محلّيًّا، أو بمناطق قريبة. أما المزارع الكبيرة فإن معظمها تُنتج لأسواق خارجية، و تُفيد السوق المحلية ولا تُساهم في تحقيق الأمن الغذائي ولا السيادة الغذائية، بل تستنزف الموارد الطبيعية، وتُلوث المُحيط باستخدام المبيدات والمواد الكيماوية والبُذُور المُعَدّلة وراثيا…

تتطلب عملية تنمية الإنتاج الزراعي وتحقيق السيادة الغذائية، توجيه الدّعم للوحدات الصغيرة التي تُجابه التّشتت وقلة الموارد، بالتجمُّع لتجاوز هذه العراقيل، ما يؤدّي إلى حماية المنتجين المحليين من منافسة المنتجات الخارجية، ومن سيطرة الشركات الإستثمارية التي تُدمِّرُ الموارد (الأرض والمياه والمُحيط…)، وتُسيطر على الأسواق، وتُدمِّرُ النظام الغذائي المحلّي…

قبل سنة 1970، كانت الأرياف التونسية تعتمد اقتصاد الإكتفاء الذّاتي، مع نوع من التّكافل بين من يمتلك حيازات صغيرة ومن لا يمتلك، وكانت الأُسَر تستهلك إنتاج المزارع، وتبيع الفائض عن حاجاتها، في الأسواق الأسبوعية القريبة، بهدف شراء السلع الأخرى التي تحتاجها.

عندما تحول اقتصاد البلاد من الإقتصاد الزراعي إلى اقتصاد “المناولة” (التعاقد من الباطن مع شركات عابرة للقارات) وإلى اقتصاد خدمات، خلال فترة حكومة الهادي نويرة (1971-1980)، انخفضت نسبة مُساهمة الفلاحة في الناتج المحلي الإجمالي، ومساهمتها في تشغيل القوى العاملة، ورافق هذا التّحول هجرة الفلاحين وأبنائهم فانخفض عدد صغار الفلاحين المنتجين للحبوب والزراعات البَعْلية (التي تعتمد على مياه الأمطار) وتربية المواشي والدّواجن، وظهرت، بالمقابل، المزارع الكُبرى التي تستخدم الخيم البلاستيكية لزراعة الخُضار، أو الزّهور، مع الإقتصار على إنتاج نوع واحد، مُخصّص للتصدير، وظهرت شركة جديدة للدّواجن الإصطناعية، هيمنت على قطاع تربية وبيع الدّواجن، وانتشر معها استخدام المبيدات الضّارة بصحة الإنسان والحيوان والمُحيط، وأصبحت البلاد تستورد العديد من السلع الغذائية، بالعملات الأجنبية، في ظل انهيار قيمة الدينار، وهي سلع كانت تنتجها أرياف البلاد… هذا مُجرّد وصف للوضع، وليس حُكْمًا معياريا أو مُقارنة بين “الأمس واليوم”، وما يهمنا هو البحث عن سُبُل التنمية التي تنفع الإنسان والمحيط، ومنها تنفيذ مشاريع زراعية تنموية، تهدف بلوغ الاكتفاء الذاتي في الأرياف، من خلال دعم وحدات إنتاج زراعية عائلية، أو جماعية (تضم عددًا من صغار المزارعين) من خلال توجيه الحيازات الزراعية الصغيرة لإنتاج الخُضار وتربية الدّواجن (التي تستهلك فواضل الإنتاج الزراعي)، والأكبر منها قليلا، لإنتاج الفواكه، ولتريبة الماشية، وإنتاج اللحوم والألبان ومشتقاتها، ومساحات أخرى لزراعة الحبوب، للحد من الحاجة إلى استهلاك السلع المستوردة…

تعتمد مثل هذه الخطة التنموية على دعم الدّولة، خصوصًا في بداياتها، لتثبيت سُكّان الريف، من خلال خلق الوظائف، وضمان الأمن الغذائي، والمُساهمة في تحقيق السيادة الغذائية، لكن إنجاز مثل هذه البرامج التنموية يتطلب قرارًا سياسيا، ودعمًا ماليا، من خلال المِنَح أو القُرُوض المُيسّرة بضمان الدّولة، ودعما “تقنيًّا” من خلال التّوجيه والتّأهيل والإرشاد الزراعي والبَيْطَرِي، ودعم الجمعيات التعاونية، ومساعدتها على تسويق الإنتاج، خصوصًا الإنتاج القابل للتّلف في أوقات الذّروة أو الحرارة الشديدة أو العوامل المناخية غير المُساعدة كالرياح والأمطار، وفضلا عن توفير العَمل، يهدف مثل هذا البرنامج لتحقيق التوازن البيئي وصيانة المحيط…

تتطلب عملية دعم الإنتاج المحلي، توفير الموارد المالية  وضمان القروض وتأمين دورات التّدريب والإرشاد الفلاحي والبَيْطَرِي، لتحقيق السيادة الغذائية، من خلال تنويع الدورات الزراعية واختيار البذور المحلية، وتحقيق التكامل بين المحاصيل الزراعية والإنتاج الحيواني الذي يُوفِّرُ الأسمدة العضْويّة، بدل استخدام المواد الكيميائية التي تضعف التنوع البيولوجي، ولا يُشكل تطبيق هذه السياسة الفلاحية عبئًا ماليا كبيرًا، لأن معظم الإستثمارات تُخصّص في بداية إنجاز المشاريع لتأهيل المُزارعين والعاملين بهذه الوحَدات، ولخلق هياكل تنمية زراعية مفقودة، أو وقع تدميرها منذ عُقُود. كما من الضّروري أن تدعم الدّولة برامج تحسيس المواطنين المُستهلكين لمنافع هذه الخطة الزراعية، وتنظيم تعاونيات الإستهلاك، لتُشكّل حلقة من سلسلة التعاونيات: الإنتاج والتسويق والإستهلاك…   

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.