رشاد أبو شاور – من قصص الطفولة الشقيّة: “الوحل والخيام”

ارتفع صوت عمي حسن بعد هبوطه من سيارة الشحن التي توقفت على طرف الإسفلت بجوار سنسلة الكرم:

-يلا تعالوا…

كنا ننتظره، فقد توجه للخليل لإحضار سيارة لنرحل إلى مكان آخر، غير هذا البيت الذي دلف كثيرا فوق رؤوسنا، وأواعينا، ومن شبابيكه المفتوحة، وبوابته الفسيحة التي ليس لها ما يسدها،اندفعت ريح شديدة البرودة أرجفت أجسادنا فتكومنا لصق بعضنا وأسناننا تصدر أصواتا لا نستطيع أن نوقفها. كانت الأمهات يحتضن أبناءهن وبناتهن، وأنا لا يحتضنني أحد فاحتضن نفسي بنفسي.

مضينا باتجاه العم حسن، وكلنا نحمل أغطية يكاد الماء يسيل منها.

مضينا ونحن ننتزع أقدامنا من الأرض الموحلة بين دوالي العنب المبطوحة على الأرض، والتي لا عنب بين أغصانها وأوراقها الصفراء الذابلة.

الجدات يتساندن على أكتاف بعضهن، ويتوقفن بعد السير عدّة خطوات، ويبتهلن إلى الله أن يعيدنا إلى بيوتنا، ويرفعن رؤوسهن إلى السماء الغائمة وهن يتمتمن بالأدعية.

تركنا خلفنا (العقد) في الكرم، وهو كما أخبرنا أهلنا مكان يصيّف فيه أصحابه في أيام العنب والتين، فلا يكون مطر وبرد ورياح تقشعر من برودتها الأجسام.

استدار العم عبد الرحمن وأسرع وأمسك بيد الجدة ذوابة ، وحملها على ظهره ، وأمسك بيد الجدة فاطمة، وأنا مشيت بجواره، وأنا أنفخ هواء يخرج من فمي مثل البخار.

توقفت عند دالية عندما رأيت حبة زبيب على بقايا عنقود فانحنيت والتقطتها بحرص خشية أن أضغط عليها بقوة، ودسستها في فمي، وبدأت امضغها ببطء وأنا أنحني على الدوالي علّي أجد حبات منسية.

ناداني أبي وهو يحرّك أصابع يده في الهواء فاستجبت رغم صعوبة انتزاع قدمي من الطين.

اندفع العم حسن، وحمل على ظهره أمه صبحة، وأمسك بيد الحاجة آمنة خالته، ومضى بهما وخلفه زوجته العمة نظيرة التي كومت فراشهم فوق رأسها.

تكومنا فوق الأفرشة المبللة في الصندوق.

أبي جلس بجوار الشفير، وعمي حسن، وعمي عبد الرحمن، والجدة ذوابة والجدة فاطمة، والجدتان صبحة وآمنة، والعمة نظيرة، وأحمد ومحمد وحليمة يلتصقون بأمهم العمة مليحة.

رفع العم حسن صوته غاضبا:

-يلاّ امشي متنا من البرد، والسما مغيمة..يلاّ يا زلمه…

اندفع الأوتمبيل، ونحن نتشبث بألواح الصندوق. أخذنا ننظر إلى الفضاء الرمادي الذي لا شمس فيه، خائفين من سقوط المطر فوق رؤوسنا.

نحن لا نعرف إلى أين يتجه بنا أهلنا.

قال العم حسن: قريبا نصل إلى مخيم الدهيشه..وهناك خيام ستحمينا من المطر والبرد.

وأخذ يبكي. لم أعرف لماذا يبكي عمي حسن، ولا لماذا يشاركه عمي عبد الرحمن البكاء، ولا الجدات ذوابة وفاطمة وصبحة وآمنة، والعمتان مليحة ونظيره.

أنا وأبناء عمي عبد الرحمن تشبثنا بألواح صندوق السيارة صامتين.

تهمهم الجدات: يا رب الطف بنا. يا رب رجعنا لبيوتنا في ذكرين. يا رب إحنا شو عملنا حتى نتعذب هالعذاب…

رفع العم حسن صوته:

-وصلنا..نتفة وبنوصل لمخيم الدهيشه.

توقف الأوتمبيل بين الخيام.

نزل والدي من جوار الشفير، ونط الشفير، وارتفع صوت أبي:                                                                                                                   

يلا انزلوا.

فتح الشفير باب الصندوق، وتناول العم حسن العجوزين صبحة وآمنة، وأمسك بيد العمة نظيرة وهي تحاول الهبوط.

العم عبد الرحمن تناول العمة مليحة وابنته حليمة.

جاء رجلان ونظرا في أوراق وهما ينحنيان عليها حتى لا تتبلل إن أمطرت السماء، ثم أشارا إلى خيمتين، واحدة صغيرة مدببة، وواحدة كبيرة بعمود عال في منتصفها، وأشارا لخيمة بعيدة قليلا توجه إليها العم حسن.

قال أبي: أنا ورشاد وأمي فاطمة في هذه الخيمة الصغيرة..وأنت وعائلتك في الخيمة الكبيرة يا عبد الرحمن.

سألت جدتي فاطمة: وين احنا يا محمود؟

-نحن يا أمي قرب بيت لحم..وهذا مخيم..الدهيشة.

سألت بصوت خشن وهي تهز رأسها:

-يعني ذكرين راحت؟

أمسك أبي بيد الجدة فاطمة وأجلسها على الفراش المكوم فوق بعضه داخل الخيمة، وانحنى على رأسها وهو يبكي..يبكي ويمسح دموعه بطرفي حطته.

في الخيام المجاورة ارتفع بكاء. من السيارات التي توافدت على المخيم هبط أشخاص كثيرون وهم يبكون..وأصوات بعضهم ترتفع: يعني..راحت؟ ها؟ يعني..ويذكرون أسماء يبدو أنها أسماء قراهم، فهم ليسوا من ذكرين…

نزل المطر، وتدفقت من تحت أطراف الخيمة مياه موحلة.

-محمود :خذني يا حبيبي عند أختي ذوابة..بدي أروح أبكي أنا وياها يا حبيبي…

حملها بين ذراعيه، وأنا تبعته إلى خيمة العم عبد الرحمن، ومعا تكومنا ونحن نرتجف.

دفع العم حسن باب الخيمة، وخلفه دخلت الجدة صبحة والجدة آمنة والعمة نظيرة.

تحلقنا في دائرة، فارتفع البكاء، بينما المياه الموحلة تتدفق من تحت أطراف الخيمة.

وارتفع صوت جدتي فاطمة نادبا، وهي تلطم صدرها:

-يعني راحت ذكرين؟ راحت دورنا..راح كل شي يا ..يا..يا.

وتعالى نواحنا جميعا..ومن الخيام المجاورة والبعيدة ارتفع نواح أخذ في التصاعد مع قدوم المزيد من الأوتمبيلات التي تحمل عائلات يدخلونها تحت الخيام التي كانت تنتظرهم.

*من قصص الطفولة الشقيّة.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.