كارل شميت من جديد: أنموذجٌ للاختراق الفكري، د. رضا مقني

تعدّدتْ خلالَ العشريّاتِ الماضيّة، وتحديدًا منذُ انهيارِ المعسكرِ الاشتراكيّ ودخولنا في ما أَطلق عليه المفكّرون البرجوازيّون “نهاية الإيديولوجية” مع دانيال بال (Daniel Bell) و”نهاية التاريخ” لفرنسيس فوكوياما (Francis Fukuyama) و”نهاية العمل” لجيريمي ريفكن (Jeremy Rifkin) الهجومات الفكريّة على المفهوم الماركسي للدّولة ولطبيعة السّلطة ولدور الأحزاب والمنظمات الجماهيريّة؛ فشبحُ الشيوعيّة لا يزال يخيفُ هيئاتِ أركان البرجوازيّة العالميّة، ولم تحسم المعركة مثلما كانوا يتصوّرون.

لقد جنّدت البرجوازيّةُ كلَّ ما في جعابها من مفكّرين وفلاسفةٍ مضى على ظهور البعض منهم قرونٌ، وانحدر آخرون من المدرسة الماركسيّة مطيعين ومستجيبين لدعوة الانخراط في هذه الحملة، بل إنّ الرجعيّة لم تتردّد في نفض الغبار عن منظّرين خدموا النّازيةَ  والاستبدادَ الفاشي، مثل فريدريك نيتشه (1844 – 1900) وكارل شميت (1888 – 1985) لتؤسّس لذاتها مرجعيّةً فكريّةً تبرّرُ الاستبدادَ السّياسيَّ وتدافعُ عن “مشروعيّة” الحالات الاستثنائيّة، وتمقتُ دورَ الأحزاب السّياسيّة، وتعلي من دور الفرد  الحاكم والقرارات الصّادرة عنه، وتضربُ مفهومَ دولة القانون مُعوِّضةً ذلك “بدولة القوّة” و”السّيادة” و”الإرادة”.

لم تقتصرْ عودةُ كارل شميت على المقاعد الجامعيّة في البلدان الرّأسماليّة، بل وجد مكانةً لدى الدّول التي لم تشهدْ في تاريخها نظامَ الديمقراطيّة والحريّات العامّة والفرديّة، أو تلك التي تعيشُ على وقع خطواتٍ متعثّرةٍ في هذا المجال. وتوسّعت الظاهرةُ؛ لتجدَ مؤلّفاتُ كارل شميت وأطروحاتُهُ أنصارًا لها في الصّين الشعبيّة، وداخل الحزب “الشيوعيّ” الصّيني؛ إذ أصبح مصدرًا للتنظير للمحافظين الجدد ومنبعًا فكريًّا لمعالجة قضايا، مثل المسألة المتعلقة بمفهوم “الدّولة – الحزب”. وترجمت أعمالُ شميت للغة الصّينيّة، ومنها “لاهوت السّياسة” سنة 2015 وتصدّرت غلافَ الكتابِ الجملةُ القائلةُ “كارل شميت المفكرُ السّياسيُّ الأكثرُ إثارةً للجدل في القرن العشرين”.

عرف كارل شميت (Carl Schmitt) بخدماته الفكريّة والقانونيّة للحركة النازيّة في ألمانيا. و انضمّ لحزب أدولف هتلر “الحزب القوميّ الاشتراكيّ” سنة 1933، مكرّسًا الخطوةَ نفسَها التي أقدم عليها الفيلسوفُ مارتن هايدغر (Martin Heidegger). وأصبح ك.شميت بعد سنتين رئيسًا “لاتّحاد الحقوقيّين الاشتراكيّين القوميّين” ونشر أعمالًا عدّة قبل هذا التّاريخ، نذكرُ منها “عن الدّكتاتورية” (1921) و”اللاهوت السّياسي” (1922) و”أزمة الدّيمقراطيّة البرلمانيّة”(1923) و”الشّرعية والمشروعيّة” (1932) إضافةً لمقالاتٍ عدّة، أحدُها مجّد هتلر تحت عنوان” الزّعيم يحمي القانون”.

رافق ظهورُ كارل شميت الظروفَ نفسَها تقريبًا التي أفرزت الفيلسوفَ الألماني فريدريك نيتشه (1844 – 1900). فلقد كان ظهورُ فلسفة نيتشه ردَّ فعلٍ من قبل الدّوائر البرجوازيّة الألمانيّة الأكثرِ رجعيّةً على كومونة باريس، وعلى انتشار الأفكار الماركسيّة ونجاحاتها في أوساط الحركة العمّاليّة. فهو يزعمُ “أنّ ثمّة عرقين من النّاس، “عرق السّادة”، أو وليّ الأمر والنّهي، والحل والعقد و “عرق العبيد” الذين ينبغي عليهم الخضوعُ للسّادة، ويؤكّد “أنّ المجتمعَ كان وسوف يبقى إلى الأبد موزّعًا بين فئةٍ أرستقراطيّةٍ سائدةٍ وجمهورٍ عبيد”. وهو في هذا الإطار يدعو إلى “قلب القيم كافةً وإعادة تقييمها، و يهيب بالطبقات السّائدة للتّخلي عن أفكارها الليبراليّة وتقاليدها الدّيمقراطيّة وقيمها الأخلاقيّة،  واعتقاداتها الدّينية والتّنكر للقيم السّياسيّة و الرّوحيّة كافة، التي تعترف بحقوق الكادحين…”. إنّه يدعو “لقوّة السّادة” ويتجسّد لدى نيتشه المثال الأعلى لفئة السادة في “السوبرمان” الإنسان الأعلى الذي يمجّده في مؤلفه “هكذا تكلم زرادشت”، ذلك هو المحتالُ الأشقرُ المدعوّ لإنقاذ الرّأسماليّة.

لقد مهّد نيتشه للإنسان الأعلى بالإشادة بالفرديّة، وطبع الحياة كلّها وجميع القيم، وخاصّة الأخلاقيّة منها، بطابع الفرديّة والذاتيّة، وغدت فلسفةُ نيتشه أحدَ أهمّ المصادر النّظريّة للفكر النّازي وللدّولة الكليانيّة وحكم الفرد المطلق. وكان كارل شميت، المفكّر الذي سار على درب فريدريك نيتشه، بكتاباته حول “الحالة الاستثنائيّة” وبعدائه للدّيمقراطيّة البرجوازيّة البرلمانيّة، ودفاعه المستميت عن “الحاكم السّيادي صاحب السّلطة التي تقرّر دون الحاجة إلى استعمال تبريرات قانونيّة”. فكارل شميت يربطُ بين وجود الدّولة والحالة الاستثنائيّة على مستوى ممارسة السّلطة؛ إذ هو يعدّ” أنّ الدّولة تعلّق القانون في الحالات الاستثنائيّة على أساس حقّها في المحافظة على الذات. وتدمّر القاعدةَ في الاستثناء؛ لأنّ القاعدة تتطلّب وسطًا متجانسًا”. ويقرّر حسب شميت حالةَ الاستثناء هذه “صاحب السّيادة” الذي لا يمكنُ أن يخضع للقانون؛ لأنّه فوق القانون، وله الحقّ أن يلغيَ الدّستورَ؛ ليأتي بغيره حسب ما يراه ملائمًا للمرحلة التي يمارس السّيادةَ فيها. ويعدّ شميت أنّ الشرط الضّروري للديمقراطيّة هو أن يكونَ الشعبُ موحّدًا سياسيًّا تحت قيادة صاحب السّيادة طبعًا، ذلك الحاكم المطلق الذي سيضطلع بمهمّة توفير الأمن والحماية لأفراد المجتمع  متأثرًا بهذه الصّورة بأفكار توماس هوبز (1588- 1679) الذي شدّد في مقاربته على الحالة العدائيّة في المجتمع، وبات في تصوّره الفرد عدوًّا للفرد،  والجميع عدوًّا للجميع، وهو ما يتطلّب عقدًا اجتماعيًّا يتنازلُ وَفْقَهُ الأفراد عن بعضٍ من حقوقهم إلى صاحب السّيادة.

ولا يتردّد شميت طبقًا لهذه الرّؤية في مهاجمة الأحزاب السّياسيّة والدّيمقراطيّة والبورجوازيّة والليبراليّة والبرلمانيّة. فالأحزابُ تفضي لتفكيك السّيادة وتتسبّبُ في نشأة معوّقاتٍ أمام الحاكم، وهو لا يتردّد في القول: “إنّ الدّولة الكليانيّة هي أقوى دولة إلى حدٍّ بعيد”. وهو بهذه الصّورة يقسّم الدّول إلى ثلاثة نماذج: الدّول التّشريعيّة والدّول القضائيّة والدّول الحكوميّة أو الإداريّة، التي تهيمنُ فيها المراسيمُ والأوامرُ الإداريّةُ التّنفيذيّة.

إنّه يمقتُ “التَّكرار” و”النّقاشات الاقتصاديّة والسّياسيّة الكبيرة، التي لا تنتج الشّيء الكثير” وهذا هو حالُ البرلمانات حسب وجهة نظره “التي تنتمي نقاشاتُها إلى عالم الليبراليّة ولا علاقة لها بديناميّة ما سمّاه “الدّيمقراطيّة الجماهيريّة” التي لن تعودَ في آخر التحليل إلاّ “لشخصٍ واحدٍ موثوقٍ به ويقرّر باسم الشّعب”.

وجّه شميت نقدًا لاذعًا للفيلسوف كانط الذي قال “إنّ قانون الطّوارئ ليس بقانونٍ أبدًا”. وعارض جون لوك بسبب اعتباره “الاستثناء غير قابل للقياس” فهو- أي شميت – يجزم أنّ القانون لا يعطي أيَّ مقياسٍ للتّمييز بين الحالة الاستثنائيّة والحالة الطّبيعيّة، ومن ثَمَّ يعود القرار لصاحب السّيادة للحسم والبتّ والبحث عن حلّ. وتوسّع الجدل مع هانس كلسن. فهذا الأخيرُ يصرّ على أنّ الشّرعيّة هو الشّرطُ الأساسيُّ لوجود الدّولة، الذي يتوافقُ مع النّظام القانوني على حين يوكلُ شميت هذه المهمّة لرئيس الرّايخ في علاقةٍ بمفهومٍ نظريٍّ يبجّلُ المشروعيّةَ على الشّرعيّة. لقد كانت هذهِ المقاربةُ آخرَ ما طوّر كارل شميت في مفهوم الإراديّة، وصدرت دراسته حول هذا الموضوع سنةَ 1932، التي هي سنةُ المخاطر بالنّسبة لألمانيا، وكان الأمرُ نفسُهُ بالنّسبة للسّنوات التي تلتها. فقد جاء هتلر في الانتخابات الرئاسيّة سنة 1932، في المرتبة الثانية أمام هندنبورغ، ثمّ صعد الحزبُ القوميُّ الاشتراكيُّ في الانتخابات الفيدراليّة بحصوله على 230 مقعدًا، وشَغَلَ هتلر على أثرها منصبَ المستشار الألماني سنة 1933.

خدم كارل شميت النّازيّةَ كمثقفٍ نازيٍّ وبانتهازيّةٍ سياسيّةٍ لا يجب أن يغفلَ عنها مَن يعود لمرجعيّة هذا المفكّر في قراءته لوضعٍ طارئٍ في تونس. فنحن لا نتّفق على هذا العود حتّى إذا عمد هؤلاءِ إلى البحث عن عباراتٍ منمّقةٍ وتقديمِ كلامٍ مبالغٍ في تزيينه، ومصوغٍ صياغةً بأنواعِ البديع متجاهلًا في الوقت نفسه للإطار التّاريخي والسّياسي الذي أنجب هذا المفكّر.

فقد تقدّم كارل شميت في شهر أوت 1932، بخطّةٍ عاجلةٍ متغطيًّا بمقاربة الشّرعيّة والمشروعيّة من أجل “إنقاذ الدّولة” تقضي بحلّ البرلمان وتأجيل الانتخابات؛ بوساطة الأحكام الاستثنائيّة وتجاوز الفصل 25 من الدّستور، الذي يطرح انتخاباتٍ في السّتين يومًا الموالية ومنع الأحزاب. ورغم أنّنا لا نحملُ أوهامًا حولَ قدرة الدّيمقراطيّة البرلمانيّة البرجوازيّة على معالجة الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، إلاّ إنّنا نعدّ أنّ هذهِ الحالةَ في ذلك الظرف التّاريخيّ الذي عاشته البلدانُ الرّأسماليّةُ يصحّ عليه ما عبّرت عنه الحركةُ الشّيوعيّةُ العالميّةُ في “تكتيك الجبهة المعادية للفاشيّة” حين أقامت عملًا مشتركًا ومقاومةً موحّدةً مع الاشتراكيّين والقوى الدّيمقراطيّة لإلحاق الهزيمة بالفاشيّة والنّازيّة، ومن أجل عودة الحياة للحريّات العامّة والفرديّة، وحقّ التّنظم في أحزابٍ سياسيّةٍ ومنظّماتٍ جماهيريّة. وتكمنُ في هذه الحالة أهميّةُ الموقف الذي لا يجب أن يخلط بين طبيعة النّظام وشكل السّلطة. فنظامُ السّلطة، مثلما أشار لذلك ماو تسي تونغ في نصّ “الدّيمقراطيّة الجديدة” (1940 المجلد الثاني)” يتعلّق بالشّكل الذي تبنى عليه السّلطةُ السّياسيّةُ بالشكل الذي تتّخذُهُ طبقةٌ اجتماعيّةٌ معيّنةٌ من أجل تنظيم جهاز السّلطة لمناهضة أعدائها وحماية ذاتها”. أمّا نظامُ الدّولة حسب القائد الشّيوعي نفسه “فهو ليس أكثر من مسألة مراكز الطبقات الاجتماعيّة المختلفة في الدّولة”. ويعني ذلك بصريح العبارة أنّ البرجوازيّة تفرضُ نظامًا رأسماليًّا احتكاريًّا، ولكن تقابلُهُ سلطةٌ ديمقراطيّةٌ تتضمّنُ حدًّا من الحرّيات العامّة والفرديّة والنّشاط الحزبي والجمعيّاتي، كما أنّها قد تتوخّى أسلوب الحكم الاستبداديّ القمعيّ في مواجهة نضالات الجماهير، وقد حصل ذلك فعليّا خاصّةً مع الحكم النّازيّ والفاشيّ في المنتصف الأول من القرن الماضي، وقد تصدّت لذلك القوى الشّيوعيّة والدّيمقراطيّة في العالم الغربيّ.

تتجدّد المعركةُ اليوم ضدَّ هذا النّهج الاستبداديّ، وتتّخذُ بعدًا حضاريًّا بمبرّراتٍ واهيةٍ، مثل تلك التي تؤكّد على “الخصوصيّات المحليّة” ومواجهة “الغرب الفاسد وديمقراطيّته الفاسدة”. وبدلًا من أن تطوّر هذهِ الآراءُ النّظمَ السّياسيّةَ والانتخابيّةَ وعملَ الأحزاب والمنظماتِ الجماهيريّة، لتخلّصها من الشّوائب البرجوازيّة، وتفتح المجال لديمقراطيّةٍ جديدةٍ وشعبيّة؛ نراها تنزع لوضع أسسٍ لمفاهيمَ دكتاتوريّةٍ مُسخِّرةً من أجل ذلك خطابًا سياسيًّا وفكريًّا كان المرجعيّة الفكريّة للنازيّة والفاشيّة العالميّة.

لقد كنا أشرنا في بداية المقال إلى انتشار أعمال كارل شميت في الصّين الشّعبيّة، وإقبال حقوقيّين وفلاسفة صينيّين يحسبون على “الحزب الشيوعي الصّيني” وأنصار قيادته الحاليّة، على النّهل من هذه الأعمال لتبرير واقعٍ سياسيٍّ تعيشه الصّينُ حاليًّا. فقد انطلق هذا الاهتمامُ منذ سنة 2000، حين تولّى الفيلسوفُ الصّيني ليو زياو فنغ ترجمةَ أعمال كارل شميت، وعدّ أستاذ الحقوق في جامعة بيكين جيانغ ديون هونغ “كارل شميت المنظر الأكثر فاعليّة”، وردّا على ماضيه النّازي ذكر “أنّها مسألةٌ شخصيّةٌ تهمّه وحده”.

ويقترن هذا الاهتمامُ بكارل شميت بعودةٍ قويةٍ لاقترانٍ وطيدٍ بين سلطة الحزب والدّولة، ردًّا على انتشار الطرح الليبرالي وتململ الأقليّات في الصين الشعبيّة، خاصةً مع تولّي الرئيس الحالي شي جين بينغ (XI Jinping) منصبَ رئاسة الدّولة منذ شهر مارس 2013، وإقدامه على تنقيح الدّستور سنة 2018، ليسمح له بالتّرشّح للمنصب نفسه لأكثرَ من دورة. وتضمّن الدّستورُ الجديدُ فقرةً تشيدُ بفكر الرّئيس شي جين بينغ إلى جانب فكر ماو تسي تونغ ودنغ سياو بينغ.

دافع أستاذُ الحقوق جيانغ ديونهونغ عن فكر الرّئيس شي جين بينغ، وعزّز دفاعه بالعودة لمقولات كارل شميت “حول صلاحيّات القادة حين تكون الدّولة في خطر في إيقاف العمل بالقوانين الدستوريّة”، خاصّة أثناء النّزاع مع هونغ كونغ. وحَرّر سنة 2009 نصًّا تحت عنوان “الدّساتير المكتوبة وغير المكتوبة” وعدّ “أنّ المقصود بذلك مثال دكتاتوريّة الحزب الشيوعي الصّيني، التي أقيمت بعد الثورة. فهي حدثٌ غيرُ مكتوبٍ، وليس هو الوثيقةُ المكتوبةُ تحت عنوان دستور الدّولة” وهو بهذا الأسلوب والنّهج الفكريّ يسعى ليقنعنا أنّ السّياسة المتّبعة حاليّا في الصّين جاءت تحت عنوان “الدّستور غير المكتوب”.

يعلي جيانغ ديونهونغ من الفلسفة الصّينيّة التّقليديّة التي يجب أن تمتزجَ – حسب وجهة نظره – مع الماركسيّة؛ لأنّ الفلسفة الصّينيّة تتبنّى فكرةَ التّناسق في مقولة “وحدة السّماء والأرض” خلافًا للفكر الغربي الذي أنتج علاقة السّيد / العبد. وهو لهذه الأسباب يرفض تجرِبةَ الدّيمقراطيّة البرجوازيّة، ودعوات حقوق الإنسان، “فالمؤسّساتُ الدّيمقراطيّةُ الغربيّةُ تفسدُ الطبيعةَ الإنسانيّة” ولا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل يذهب بعيدًا في مقاربته ليؤكّد “أنّ التّجرِبة في الصّين الشعبيّة أظهرت توتّرًا في علاقة الحزب بالدّولة، حين فُتح جدالٌ حول دولة القانون، وتعزيز دورها طبقًا للمفاهيم القانونيّة والدّستوريّة، فدعا البعض لما سمّي مؤتمر الشّعب كأعلى سلطة، ودعوا لاستقلال القضاء مشكّكين في قيادة الدّولة من قبل الحزب” مبرزًا النّجاحات التي حقّقها المؤتمران 18 و 19 “للحزب الشيوعي الصّيني” حين طرح “نظامًا قانونيًّا اشتراكيًّا بخصوصيّاتٍ صينيّة” يسمح للحزب بالعودة بقوةٍ ليقودَ الكلّ: الحكومة والجيش والشعب.

تقترن هذه المقاربات، التي تبرّرُ بصفةٍ واضحةٍ سلطةَ الحاكم الفرد القويّ متجسّدةً في شخصيّة الرّئيس شي جين بينغ بتغذية نزعة الصّراع بين الحضارات، الصّراع شرق/غرب بصيغةٍ تحملُ في طيّاتها توجّهاتٍ شوفينيّةً خطيرةً لا تخرج عن دائرة التّناقض والصّراع بين الدّول الإمبرياليّة والقوى العظمى على اقتسام مناطق النّفوذ في العالم، واضطهاد الأمم والشّعوب التي لا تزال تعاني من تأخّرٍ مريعٍ في أنظمتها السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

إنّ العودة لكارل شميت في المشهد السّياسي خلال العقدين الأخيرين من قبل مفكري الطبقات الرجعيّة الحاكمة شرقًا وغربًا؛ هي جزءٌ من هجومٍ فكريٍّ منظّمٍ ضدّ الفكر الماركسي لم نقطع يومًا منذ نشأة الفلسفة الشيوعيّة. غير أنّه لا يجب أن ننسى أنّ هذا الهجوم يتغذّى بدوره من ضعف المواجهة الإيديولوجيّة والفكريّة للقوى الماركسيّة المدعوّة لصياغة ردودٍ عميقةٍ وثريّةٍ مرتبطةٍ بالواقع، وفي متناول أوسع القرّاء حتى لا تبقى مبهمةً ومقتصرةً على نطاقٍ ضيّق.

المراجع:

*كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي /ياسر الصاروط.

*محمد هاشم رحمة البطاط، الفكر السياسي عند المفكر كارل شميت، الجامعة المستنصرية.

*الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي.

* أشرف حسن منصور، نظرية كارل شميت في السيادة الشعبية ودورها في نقده لليبرالية.

* Vincent Garton, L’ordre mondial chinois de Jiang Shigong,  Polladium, 2020.

*Jiang Shigong, Philosophie et histoire.

*Chang Che, Les Nazis qui inspirent les communistes chinois ,2020.

Carl Schmitt, Légalité et légitimité, présenté par Augustin Simard. *

*Nicolo Zanon, La polémique entre Hans Kelsen et C. Schmitt.

:::::

بوابة “الهدف” الإخبارية، السبت 30 أكتوبر 2021

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.