“كنعان” تتابع نشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، لمؤلفه د. عادل سمارة، الحلقة (3)

كميونة باريس

الجزء الثاني

إنجازات وإخفاقات الكميونة

من إيجابيات  الكميونة أنها في 2 نيسان 1871 اتخذت إجراء الاصلاحات السياسية، ومنها فصل الكنيسة عن الدولة  ونزع ملكية الكنيسة  والغاء كل مدفوعات الدولة للكنيسة. ربما لا شيىء من هذا حصل في الوطن العربي حتى الآن، بل نواجه ظاهرة انظمة وقوى الدين السياسي الدموية علانية. واعتمدت التعليم الشعبي المجاني، والغاء الجيش الدائم. وفي   30 آذار قامت بالقضاء على البيروقراطية بحيث يكون جميع الموظفين بالانتخاب ويتم تبديلهم. وفي  1 نيسان أُقر راتب غير عال لا يتعدى 6000 فرنكا. وتم الاكتفاء بربع عدد الموظفين السابقين.

وفي 30 آذار كذلك تم منح حقوقا كاملة للاجانب، وتم تعيين ألماني وزيراً في الكوميونة واصبحت

راية الكميونة هي الراية العالمية. وتم إقرار الادارة الذاتية للمشاعيات

ومن الإصلاحات الاقتصادية: منع العمل الليلي للخبازين في 20 نيسان ومنع الغرامات. 

وبهذه الإصلاحات جذبت الكميونة كثيرا من البرجوازية الصغيرة الذين افلسهم نابليون الثالث وألقى عبء نفقات الحرب على الفقراء، كما قامت بتأجيل الديون، وحاولت التوجه للفلاحين وتحويل باريس الطفيليين والمنغمسين في الملذات الى باريس العمالية. وقامت بإحصاء المصانع  وتسليم المصانع المتروكة للجمعيات العمالية.

إخفاقات الكميونة:

بما هي عفوية وبلا تخطيط حزبي مسبق، فقد عانت الكميونة من سلبيات معينة، لعبت دوراً في تمكين البرجوازية من إحراز النصر عليها.

يرى ماركس أن أحد السلبيات هو  عدم الوعي لأمور وإجراءات هامة كان لا بد من الإحاطة بها وإنجازها.

كان للبرودونيين والبلانكيين دور في السلبيات وخاصة عدم التنظيم. كما أن عدم الوعي السياسي الطبقي أدى بالكميونة إلى  عدم الاستيلاء على المصرف المركزي وعدم الزحف إلى قصر فرساي/القصر الرئاسي رمز السلطة البرجوازية كما اشار ماركس وكذلك لينين. هذا إلى جانب عامل هام آخر هو الولع بالعبارة القومية  الذي بالطبع خدم القومية الحاكمة!

جولة الصراع الأخيرة:

رغم بطولة المدافعين عن الكوميونة، إلا أن البطولة لا تكفي ضمن ميزان قوى راجح لصالح الثورة المضادة بلا منازع، ناهيك عن عدم تهيؤ المرحلة والبنية وهنا تكون البطولة ليس في الانتصاربالمعنى المألوف،  بل إنها انتصار كدرس للتاريخ، كما أن عدم الانتصار لا يعني رفض حدوث الكميونة، فالحدث يفرض نفسه ويكون الفعل الثوري الواعي في التفاعل مع الحدث. لا يختلف الأمر في الكميونة عن انتفاضة 87 التي ايضا تم إجهاضها، لكن حصولها اصبح درسا تاريخيا من جهة، ومن جهة ثانية بما هي شعبية، فلم يكن بوسع قيادة م.ت.ف أن تحول دون تفجرها وبالطبع لم يكن بوسع العدو منعها، ولكن حصل اغتيالها. لذا، كان اسبوع الدم في الكميونة  21-28 ايار، نعم لأن البندقية لا تكفي لمواجهة المترليوز، كما أن الأعداد متفاوتة ايضاً علاوة على الموقع بمعنى أن القتال العلني في المدينة لا يعتمد على البطولة دون توازي الإمكانيات وإنما على السلاح أيضاً. وهنا يتشابه الموقف مع مجزرة أيلول في عمان 1970 بين المقاومة وجيش النظام الأردني. ومن هنا ميزة حرب الغوار في الأرياف حيث “فرص الانسحاب وأضرب وأهرب” مما يعني خسارة اشتباك أوحتى معركة ولكن ليس خسارة الحرب. وقد تكون تجربة حزب الله في لبنان 2006 حالة جديدة في نوعية الصراع بمعنى توفر ميزات للغواريين تجمع بين الجيش النظامي، والتمترس في الموقع ولكن بوجود تقنيات وتسليح يشل وحشية سلاع الأعداء[1].

وهكذا، كانت الضحايا في قمع الكميونة: 20-35 الف قتلى و15 الفاً من  منفيين . كما استمرت المحاكم لعدة سنوات[2].

من ثوار أمميين إلى مستوطنين عُتاة

قد لا ينتهي الجدل حول طبيعة التجمعات الاستيطانية ومآلاتها، بل تحديداً عدم تجاوز لا إنسانيتها، اي وحشتيها وخاصة عجزها عن توليد تيارات ثورية وإشتراكية فعلية رغم تطابق تطورها الصناعي مع أطروحة ماركس بشأن حصول الثورة الاشتراكية في البلدان المتقدمة صناعيا خاصة على يد البروليتاريا. وبالطبع، ليس هنا مجال التفصيل فيما يخص التطورات بل التغيرات التي حصلت على بنية بروليتاريا المركز عامة والمستوطنات البيضاء خاصة فيما يخص تراجع دور وعدد البروليتاريا الصناعية التقليدية ومن ثم تبلور أكثر من طبقة/شريحة عاملة في هذا البلد أو ذاك: عمال الخدمات، عمال الصناعة التقليدية وعمال الاقتصاد الجديد، وما هي آليات تجميعهم وتضامنهم لدخول مشروع ثوري.

يشرح جيفري بايرن في كتابه عن الجزائر[3] كيف لعب الكميونيون المنفيين إلى الجزائر دورا وحشيا ورجعياً ضد أهل البلاد وتحولوا إلى أدوات في خدمة الدولة البرجوازية التي هزمتهم ونفتهم!

 ،”… بأن مدينة قسنطينة بقيت منيعة على الفرنسيين لما يقارب العشرة أعوامٍ بعد هزيمة ثورة الأمير عبد القادر، وشنّ البربر في اقليم القبائل ثورةً ضخمةً بعد ذك بسنوات، ولم تخرج الجزائر من تصنيفها كـ«منطقة عسكرية» حتى سنة 1870، أي بعد أربعين عاماً على الغزو، وبدء توافد المستوطنين الأوروبيين بأعدادٍ كبيرة، ما سمح بإتمام «التشكيل الاستعماري» للبلد عبر مجتمع المستوطنين والادارة المدنية، بدلاً من الجيش والقوة العسكرية.[4]

أي تحول الكميونيون إلى راس حربة لتجمع  استعماري يتشكل على شكل “دولة مستوطنين”  عُتاة! هل كان السبب دفاعاً عن البقاء حيث ووجهوا بمقاومة الشعب الأصلاني وبما هم منفيين فلا فرصة للعودة إلى فرنسا ؟ هل فقدوا وعيهم الأممي والاشتراكي، هذا إن كان اصيلاً على ما يبدو؟ هل قام موقفهم هذا على عنصرية بيضاء من المستوطِن المستعمِر ضد شعب فقير لم يدخل المرحلة الصناعية؟ أم أن ضرورة الحفاظ على البقاء هي السبب في دورهم الإجرامي؟ هذا سؤال مفتوح. لا شك أن إجابته ترتبط بالجغرافيا بمعنى أن لا فرصة للحياة سوى بالصراع الدموي في هذه الحالة، وترتبط بالفكر والاستراتيجيا الاستعمارية الذي كان يعرف أن هؤلاء الكميونيين سوف يتحولون إلى أداة في خدمته حيث لا فرصة أخرى أمامهم في المرحلة الأولى على الأقل. ولا يدري المرء هل كان هؤلاء البرجوازيين الاستعماريين يعرفون أو يتنبؤون بان هؤلاء الكميونيين/المستوطنين سوف يولِّدون مستوطنين عل شاكلتهم وإلى الأبد! وبأن الحل في هزيمتهم وتجريدهم مما نهبوا على أن يكون هذا مقدمة يجب حصولها قبل منحهم نعمة الاشتراكية.

من جهة أخرى، فإن مجرد حصول الهجرة بهدف الاستيطان تكشف عن مسألة جوهرية بأن التجمع الاستيطاني عاجز عن توليد قوة اجتماعية ثورية اشتراكية تتصالح مع أهل البلد الأصلانيين. وهذا ما نراه حتى اليوم في المستوطنات البيضاء ، الولايات المتحدة، كندا، استراليا ،نيوزيلنده والكيان الصهيوني خاصة. وحتى جنوب إفريقيا التي عرض السود تصالحا تاريخيا مع البيض، لكن هؤلاء ، رغم اضطرارهم لما يسمى المصالحة لم يتخلوا عن ثقافة العنصرية والأهم بقاء الاقتصاد بايديهم حتى الأرض المغتصبة. وهذا بالطبع راجع اساساً إلى تشكُّل راسمالية سوداء عميلة/حليفة  للراسمالية البيضاء وللإمبريالية.(مانديلا، زوما… وبيجن).

وإذا كانت تجربة جنوب إفريقيا قد وصلت حد حلول الفساد الأسود محل التمييز العنصري الأبيض، فإن تجربة الجزائر مُعيبة أكثر حيث تحول البلد من مشروع توجه أشتراكي إلى حالة من الفساد والفقر مما أنعش قوى الدين السياسي ليصبح في أوساط شعب الثورة التي هزمت الإمبريالية قوى تقودها إيديولوجيا الدين السياسي مرجعيتها الإخوان المسلمين والوهابية النفطية من جهة، ولينفتح السلطان السياسي على الغرب في مشروع من التبعية سواء للفرنسي أو الأمريكي.  وهنا تحضر المقارنة بين الحزب الشيوعي الكوبي على قلة الإمكانات الكوبية وبين جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي تجلس على أرض ثرية ونفطية!

وإذا كان الكوميونيون قد نًفوا إلى الجزائر، فإن “شيوعين” صهاينة قد تطوعوا وتجندوا وجندوا مستوطنين يهودا إلى فلسطين وهذا ما يجعل فهمنا لطغيان العنصرية والدين السياسي وال “تفوقية” البيضاء والجاهزية لخدمة الإمبريالية لدى هؤلاء امر مفهوم لدينا، وتحديدا أن الأمر المفهوم أكثر هو دورهم في خصي ظهور تيار ثوري حقيقي في المستوطنة الرأسمالية البيضاء في فلسطين.[5]

ومن باب الافتراض، ألم يكن بوسع الكميونيين أن يؤسسول لحزب غير شوفيني، غير اسعماري ، ولا نقول يساري يقف على الأقل على الحياد تأسيساً لعلاقات إنسانسية لاحقاً؟ هل جرت محاولات كهذه، لا ندري، فمعرفة ذلك مهمة. ذلك لأن ما هو معروف هو انخراط الكميونيين في خدمة الاستعمار الأم، وهذا نفسه فيما يخص ما يسمى اليسار الصهيوني في فلسطين.

لست أدري إن كانت هناك علاقة بين ما كتبه ماركس وإنجلز عن الجزائر وبين الدور العدائي للكميونيين كمستعمِرين في الجزائر. هل انطبع ماركس بموقفهم؟

ولكن ماركس نفسه كان يدرك أن معظم الكميونيين ليسوا اشتراكيين وهذا لا شك لعب دوراً في تحولهم من ثوريين بالمعنى الفضفاض الذي وضعهم فجأة في مواجهة السلطة البرجوازية المهزومة والخائنة في فرنسا إلى مستعمرين عُتاة في الجزائر. ولا يغيب عنا طبعاً أنه حتى فلاسفة يساريين وشيوعيين من الأصل الفرنسي الاستيطاني في الجزائر قد وقف ضد تحرير الجزائر! هل كان يعرف هؤلاء أن الثورة الجزائرية سوف تفقد زخمها وتُحول البلد إلى شبه

مستعمرة؟ ولكن حتى لو حصل هذا، فهو لا يبرر التذيُّل للاستعمار لأن الموقف التاريخي هو النضال ضد راس المال في المركز والمحيط  وصولا إلى الاشتراكية.

تقييم الكميونة

ماركس:

في تقييمه الأولي للكميونة، شعر ماركس بأن  المعايير الكميونية يمكن ان تـأخذ هذا الشكل فقط المتلائم مع دولة في مدينة محاصرة. وطبقاً لتكوينها والتحديات التي واجهتها، لم يكن لها ان تتخذ سوى طريق حكومة الشعب على يد الشعب. (أنظر لاحقا الانتفاضة وموديل الحماية الشعبية).

وكما كرر ماركس في رسالة الى دوميلا نيووينهويس  (22 شباط 1881)  تقييمه وتوقعاته بان الكميونة هي مجرد ” انتفاضة مدينة  في ظروف استثنائية  وحيث معظم  اهلها ليسوا في وارد الإشتراكية وقد لا يصبحون، إلا أنه ايدها بوضوح بما هي مبادرة شعبية عمالية عفوية وإن كانت محصورة محاصرة في مدينة.

وحتى لو لم تكن الكميونة ثورة اشتراكية، فقد اكد ماركس  بأن طابعها الاجتماعي العظيم كامن في  مجرد حصولها ووجودها.لم ينظر لها ماركس او لم يعتبرها ولم يطالب بأن تعتبر  موديل دغمائي او اساس يؤسس  لحكومات ثورية، للمستقبل، فالكميونة بنظر ماركس، كانت مثابة تجربة شعبية مفتوحة سياسيا باتساع  بينما كانت كل الأشكال الحكومية السابقة قمعية.

لكن  ماركس امتدح الغائها للدولة  وتحديدا الدولة القومية. ومدح الغاء الجيش  لصالح التجنيد المباشر للشعب وكان ذلك طبيعيا على الأقل لسببين:

الأول: أن الكميونة نفسها كانت ذات تركيب أممي سواء لوجود أكثر من ثلث اعضائها من منتسبي الأممية الأولى مع تعدد أصولهم او جنسياتهم القومية. كانت أممية بالمعنى الموضوعي المادي الميداني وليس بالمعنى السياسي الواعي طبقياً، اي اشتراكياً، ولكن هذا لا يستثني وجود تيار اشتراكي فيها. ومع ذلك فإن ممارستها وتجربتها فتحت آفاقاً وابتكارات ثورية اشتراكية.

والثاني: لأن الدولة القومية الأوروبية تحديداً، كانت بقيادة برجوازيات ذات دور استعماري.وهي القومية التي تحدث وكتب ضدها ماركس بوضوح.

لكنه  كما أشرنا نقد تقصيراتها في المسالة القومية أي توهمها بوطنية البرجوازية.

كما نقد ماركس ضعف مركزيتها العسكرية. وأعتقد أنه ضعف مبرر. فقد كانت مكونة من مجموعات ثورية غير مؤهلة عسكريا بالمعنى النظامي في مواجهة جيشين قويين. كما أن كونها قاتلت في حرب مدن وشوارع وليس في حرب غوارية، فإنها افتقرت إلى المدى الزمني الذي يسمح لها بالمناورة واعتماد تكتيك غواريوا الميدان “اضرب واهرب”  إلى الأدغال كي تتمرس في القتال. فالمدينة منطقة محددة ومحاصرة تماما.

كما لم يوفر ماركس نقده للكميونة مشيراً  إلى عجزها الدولاني. ويبدو انه لم يأخذ بالاعتبار عاملين ربما كانا وراء ذلك العجز مما جعل نقد ماركس متشدداً وهما:

  • أن حصول الكميونة كان عفوياً حيث لم يكن بناء على خطة عمل حزبية منظمة. هذا مع أنها ارست أسس لا تتفق مع الحزبية اللينينية كما كتب  آلان باديو (أنظر لاحقا ثورة ايار 68).
  • هذا إضافة إلى عمرها القصير الذي لم يسمح لها بتدارك إغلاق هذه الفجوة وبالتالي ترتيب دولانيتها.

 كما نقد ماركس عجزها عن تحديد  الأولويات المالية. وربما هنا كان تقصيرها حيث لم تستولي على المصرف المركزي.  ومعروف أن الطغمة المصرفية قد لعبت دوراً في دفع السلطة البرجوازية للإسراع في الإجهاز على الكميونة؟

لعل أشد نقد من ماركس ومن ثم لينين، على الكميونة أنها لم  تتمتع باخذ القرار  بكفاءة وخاصة، كما ورد  آنفاً،  أنها  لم تحتل فرساي ولم تسيطر على البنك المركزي ولم تضع يدها على الذهب.

وهذا ربما كان السبب في استطاعة البرجوازية استعادة المبادرة. فسقوط فرساي كان أمر اساسي في إحباط البرجوازية معنويا وقوميا، والاستيلاء على المصرف المركزي وأخذ الذهب كان سيُبقي البرجوازية، الدولة مكشوفة مالياً ويجعل الفرنك بلا قيمة في نظر المواطنين والدول الأخرى. لعل هذه أهمية موقعي السلطة والمال.

لينين:

ارتكازا على هذا وصف لينين الكميونة ب ديكتاتورية البروليتاريا، إذ تمنح الدولة قيادة للمؤسسات بما فيها القمعية منها بشكل لم يسبق له مثيلاً، حيث قامت الكميونة او حسب ما قدمت للعمال دولة هي الأنسب لتحرر العمال من العمل عبر إنشاء أو إقامة مجتمع اشتراكي. نلاحظ هنا أن لينين كان أقرب من ماركس باتجاه قراءة الطابع الطبقي وكون الانتفاضة نواة اولية عفوية لدولة العمال بل وحتى الاشتراكية. وربما يعود هذا إلى خبرة لينين في مسالة الوصول إلى السلطة بينما تتركز خبرة ماركس في التعميق النظري.

ويرى لينين، كما ماركس، أن تقصير الكميونة في كونها توقفت في منتصف الطريق  اي لم تكمل لتحرير قصر الرئاسة  فرساي من ايدي البرجوازية، ولم تصادر املاك مغتصبي الملكية ولم تضع يدها على البنك المركزي بما فيه من ذهب. –لينين. وهذا صحيح لأن هذه القرارات لو حصلت لكسرت ظهر السلطة وربما تكون قد غيرت مجرى الصراع.

كما يضيف لينين “… بأن الكميونة، لم تحاول ابادة اعدائها بل حاولت التاثير عليهم معنويا. واستخفت بالعمليات الحربية  هذا اعطى حكومة فرساي فرصة تجميع صفوفها”.

لعل محاولة التأثير معنوياً هي تعبير عن رفض الثوريين دفع الصراع إلى المستوى الدموي، وهو لا شك ناجم عن عدم فهم حقيقي لدموية البرجوازية التي دائما تبدأ القتل ولا تقابل السلم بالسلم ولا ترخي من بين فكيها ما سلخته من جهد الطبقة العاملة، أي ان ما أخذته بالاستغلال و “السلم” المخادع، أي الاغتراب العمالي، لا تتركه بلا عنف  أي حتى وهي مضطرة ومهزومة. أما الاستخفاف  بالعمليات الحربية فقد يعود إلى عدم توفر خبرة في الحرب اساساً سواء حرب المدن أو مقاتلة الجيش النظامي.

بالمقابل، فإن البرجوازية الصغيرة كانت أكثر وعياً طبقياً، ولذا، دعمت الكميونة في البداية ثم تخلت عنها خوفا من الاشتراكية كما رأى لينين، ولكن ربما توصلت بحساباتها بأن الأفق مسدود أمام الكميونة، فذهبت باتجاه مصالحها أين أفضل.

وقد يؤكد ما نراه، حصول التحالف بين برجوازيتي فرنسا وألمانيا حيث حاصر بسمارك نصف باريس واطلق سراح 100الف اسير من جيش السلطة[6] من اجل قهر باريس الثائرة، وبالطبع حاصرت الحكومة الفرنسية النصف الآخر[7]“.

كما تمكنت البرجوازية: ” من استعداء الفلاحين الجهلاء… ورغم حصول محاولات انتفاضية في ليون ومرسيليا  وسانت ايتيين  ديجون وغيرها لكن سرعان ما ضُربت”. وهكذا يكون الطوق الطبقي المتحالف قد التف حول عنق الكميونة. (أنظر لاحقا امتداد التظاهرات العمالية في فرنسا من باريس إلى مدن أخرى)

لقد كان القتال دامياً بحق، ففي  70 يوماً فقدت باريس 100 الف من ابنائها.

ورغم القمع اجبر الحزب العمالي الجديد الطبقات السائدة على اخلاء سبيل الكوميونيين الذين كانوا لا يزالون في  يد الحكومة بعد سحق الكميونة، وتم إبعاد آخرين إلى الخارج، ومنهم إلى الجزائر المستعمرة الفرنسية آنذاك.

إلى جانب نقده لعدم الهجوم على فرساي والمصرف المركزي يضيف لينين نقداً لغياب برنامج واضح

يجيز لممثلي البروليتاريا  الاشتراكية الاشتراك مع البرجوازية الصغيرة  في الحكومة الثورية  بل هو ضرورري في بعض الظروف حيث تبين وثيقة الكميونة ان المهمة الحقيقية التي كان على  الكوميونة ان تنجزها  هي اولا تحقيق الديكتاتورية الديمقراطية  لا الاشتراكية . اي الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للبروليتاريا والفلاحين.

في نقده ل بليخانوف يقول لينين:

” في تشرين الثاني نوفمبر1905 قبل شهر من بلوغ الموجة الثورية الروسية الأولى ذروتها ، لم يحذر بليخانوف البروليتاريا  بحزم،  بل انه ، بالعكس ، حدثها بوضوح عن ضرورة تعلم استخدام السلاح والتسلح. ولكن بعد شهر  واحد، حين بدأت المعركة، لم يحاول بليخانوف قط تحليل اهميتها  ودورها  في مجرى الاحداث  العام، وصلتها بأشكال النضال التي سبقتها، انما سارع ليظهر نفسه بمظهر  المثقف النادم  قائلا: “ما كان ينبغي حمل السلاح[8]

كما أن ماركس كان قبل الانتفاضة بستة اشهر قد حذر متوقعاً وقائلا ان الانتفاضة ستكون ضربا من الجنون”

لكن في 12 نيسان 1871  كتب ماركس إلى كوغلمان رسالة زاخرة بالحماسة، ان هذه المحاولة  تهدف الى تحطيم الآلة  الببروقراطية والعسكرية ، لا إلى الاكتفاء بنقل هذه الآلة من يد الى يد اخرى.

“… أية مرونةـ اية مبادرة تاريخية، أية مقدرة على التضحية عندهؤلاء الباريسيين ص 88، “أن التاريخ لم يعرف حتى الان مثالا على بطولة كهذه” . هذا موقفه رغم انه قبل 6 اشهر تنبأ بالفشل.

كان ماركس من منفاه في لندن ينتقد الخطوط المباشرة  التي يقوم بها الباريسيون الجريؤون حتى الجنون ” المستعدون لاقتحام السماء”

“… الهجوم ، ينبغي الهجوم اطلاقا! ” كان ينبغي الزحف فورا على فرساي…”

“مهما كان من امر، فان الانتفاضة الباريسية ، حتى ولو قضى عليها ذئاب المجتمع القديم وخنازيره وكلابه السافلة، هي امجد مأثرة  قام بها حزبنا منذ انتفاضة حزيران  (يونيو). ص 17

“إن الأوباش البرجوازيين الفرساليين وضعوا أمام الباريسيين امرين لا ثالث لهما، : إما قبول التحدي للمعركة، وإما الاستسلام دون معركة، ولو تمت الأخيرة ، لكان تفسُّخ معنويات الطبقة العاملة كارثة اعظم بكثير من خسارة اي عدد من الزعماء”. راجع ماركس انجلز  الرسائل المختارة 1953 ص 261 الطبعة الروسية  ص 18

لا يحتاج العمال الدولة سوى بشكل مؤقت[9]. لذا لا بد من استخدام  مؤقت لأدوات ووسائل واساليب سلطة الدولة ضد المستثمرين كما ان الغاء الطبقات يستلزم ، كأمر مؤقت، ديكتاتورية الطبقة المظلومة.

“انجلز: ولكن خصوم السلطة  يطلبون الغاء الدولة السياسية دفعة واحدة، قبل ان تلغى العلاقات الاجتماعية  التي نشأت عنها الدولة. انهم يطلبون ان يكون الغاء السلطان  اول عمل تقوم به الثورة الاجتماعية” ( ص 68 من لينين  الكميونة)

لعل باديو كان على حق في قوله بأن الكميونة لم تكن مهيأة لذلك كما أشرنا اعلاه. ولو تهيأت سياسيا، فلم تكن لديها الوسائل للقيام بذلك.

واللافت، أن راس المال كان يعي أهمية دوره، لذا فإن سوق الأسهم قال للحكومة بل هددها بأنها  لن تأخذ أية  عمليات مالية ما لم  تتخلص من هؤلاء “الأوباش”.

اشتغل ألان باديو على مقارنة الثورة الثقافية والكميونة فجادل بأن ماو قد اعتمد  على القوى الموجودة  الشباب المتعلم (الذي تحرك على صعيد العالم في الستينات) الاكثر شبابية وتعليما من  العمال  وبعض فرق الجيش الاحمر هذه اغرقت الصين في فوضى لعشر سنوات ولكنها نشرت افكارا  وشعارات  واشكالا تنظيمية  ومناهج تنظيرية  لم تستنفذ قوتها حتى اليوم.(أنظر الثورة الثقافية)، وهذا يؤكد اروحتنا بأن هناك هزائم منتصرة بالمعنى التاريخي.

ويضيف باديو، لا يزال مدهشا ومحيرا فشل هذه الانتفاضة التي  تجلت في مئات المنظمات الجديدة  آلاف الصحف بوسترات عملاقة،  اجتماعات متواصلة  واشتباكات لا تحصى، . لا يكمن السبب في الهدف الذي حاولته،  المشكلة التي حاولت حلها بقدر ما هو في فشل كميونة باريس  حيث ثار العمال  الامر الذي هو طبيعي  وضروري في ظروف  ارغمتهم على ذلك. انه يرتد الى حقيقة ان  الحركة لم تتمكن جدليا من التفاعل  على المستوى القومي مع اشكال تنظيم  التي كان يمكن ان تعدل مخطط حزب-دولة.

في حالة كميونة باريس، ان غياب  قيادة مركزية  (حزب حقيقي) قاد الى انقسامات فوضوية واعاقة. لكن باديو في كثير من كتاباته لم يتوقف عند الحزب بمقدار ما توقف عند الثورة المتواصلة، مما دفعه لتقليل دور الحزب ربما هروبا من النقد بانه مالىء البيروقراطية!

ويقول، وفي الصين فإن عشرات آلاف  المجموعات  قوضت امكانية  فعل شامل جماعي. . كانت كميونة شنغهاي نموذجا ممتازا  في بداية 1967  لكنها فشلت في  التحول الى نموذج على صعيد قومي  فانهارت في  النهاية/  تاركة المجال  مفتوحا لانتقام الحزب. ص 208. وقد يمكننا القول بأن عدم توسع كميونة شنجهاي إلى بقية أرجاء الصين شبيه بفشل كميونة باريس في التوسع في بقية فرنسا وبالتالي ساهم عدم القدرة على التوسع في هزيمة التجربتين.

نحن هنا،امام اشكالية طرحها باديو ولم يحلها  وهي ايجاد صيغة بين الحزب المسيطر والذي تحول إلى حزب/دولة يقود ويعمل نيابة عن الجماهير وبين قيادة ميدانية للجماهير بنفسها اي سياسة بلا احزاب.

النقاش هو في صلب العلاقة بين الحدث والدولة. في كتابه الدولة والثورة اقتفى لينين اثر ماركس. وكان محوره الحدث والدولة. . كان حذرا في ان يقول او من ان يقول بان الدولة  قيد الوضع او القضية او النقاش بعد الثورة  يجب ان تكون مؤسسة ذبول الدولة بما ان الدولة هي منظم  الانتقال  الى اللا-دولة[10]

لذا دعنا نقول ان فكرة الشيوعية  يمكن ان ترسي السياسة الحقيقية،  منزوعة  تماما من سلطة قوة الدولة  الى شكل “دولة اخرى”  توفر امكانية ان الانتزاع  يكمن في عملية ذاتوية ، بمعنى ان “الدولة الأخرى”  منتزعة من سلطة الدولة، لسبب ، ومن هنا  من قوتها سلطتها هي،  طالما انها  دولة فإن جوهرها سوف يذبل.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1]  أنظر، عادل سمارة، حزب الله : تفوق القائد والمقاتل والكيان: ارتباك الإثنين
 قراءة في كتاب: حرب 2006 بين  حزب الله وإسرائيل تأليف مان. م. ماثيو . ورقة صادرة عن مركز الأسلحة المشتركة للجيش الأمريكي.  ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2008
 
في كنعان 
النشرة الإلكترونية Kana’an – The e-Bulletin السنة السابعة عشر –  العدد 4558
3 أيلول (سبتمبر) 2017

[2] حول كميونة باريس، لينين  دار التقدم 1978 ص ص 3-9.

[3]  قِبلة الثورة: الجزائر، نزع الاستعمار، ومنظومة العالم الثالث، منشورات اوكسفورد 2016.

[4] من مفارقات التاريخ، أن هؤلاء الثوريين المنفيين وخاصة إلى الجزائر، أصبحوا لاحقاً من عُتاة المستوطنين هناك والأشد عنصرية ضد الشعب العربي الجزائري.

[5]See, Adel Samara , Terrorist Orientalism in a State Form Using Marxism, Christianity and Islam to Dismantle Arab Homeland Adel Samara Kana’an – The e-Bulletin كنعان النشرة الإلكترونية

Volume XV – Issues 3781- 3782 24 march 2015.

[6] في الحرب التي قامت بها الثورة المضادة ضد سوريا منذ آذار 2011، قامت التوابع العربية وخاصة الخليجية بالإفراج عن اللصوص والقتلة والمجرمين  وأرسلتهم للقتال ضد الشعب والجيش العربي في سوريا!

[7] لينين/ حول كوميونة باريس، دار التقدم فرع طشقند 1978  ص 26

[8] ما أشبه تجارب الشعوب،  فالفلسطينيون والعرب من أهل التطبيع والتفريط أنظمة وتنظيمات ومثقفين/ات هم ايضا يدينون مقاتلة العدو الصهيوني بالسلاح، ويسعون إلى سلام مع كتلة استيطانية حربية عدوانية اجتماعيا وعسكريا! وللمقارنة، كانت انتفاضة 87 سلمية شعبية واسعة رد عليها العدو بالنار. وحينما حاول الفلسطينيون استخدام السلاح في انتفاضة 2000 أدانها اللبراليون جميعاً ودُعاة “المقاومة” السلمية! وواصل هؤلاء طريقهم إلى أن وصلوا إدانة حمل السلاح والاكتفاء بالبكاء على ابواب الأمم المتحدة التي في داخلها ثمَّة بغاء سياسي.

[9]  الدولة لدى ماركس: هي هيئة تنفيذية لراس المال. فهي كما يقول باديو تحاول باية كلفة ان تجعل المواطن العادي مقتنعا بأن من المحال  تغطية عجز الضمان الاجتماعي، بل ان علينا تغطية عجز البنوك  بغض النظر عن كم بليون هي تكلفتها. وحيث كرس أعماله لأجل الشيوعية، فهي بالنسبة له: الشيوعية … انها تتضمن اكثر قطع  جذري مع المؤسسات التقليدية،  وتعطي فرصة لبروز  مؤسسة  التي فيها  التطور الحر لكل واحد هو شرط  التطور الحر للجميع. طبقاً لقول باديو، من سمات أزمة الراسمالية الاحتكارية منذ 2007-08 كان قرار الأنظمة الحاكمة في الغرب وخاصة الولايات المتحدة تغطية عجز المصارف الكبرى تحت حجة “هذه ممنوع إفلاسها”!

[10] The Communist Hypothesis, Alain Badiou, Verso, 2015, P. 186