ضحايا تقلّب المناخ، المنسيون من قمة البيئة (كوب 26)، الطاهر المعز

تعددت مظاهر التأثيرات السّلبية لتدمير البيئة، وللتلوث، من ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التّصَحُّر، وتعدّد الحرائق وارتفاع مستوى مياه البحر، ونفوق الأسماك، وما إلى ذلك من مظاهر يُعاني منها الفُقراء أكثر من غيرهم، ويتجلّى ذلك خلال هبوب الأعاصير وارتفاع مستوى مياه الأمطار (الفيضانات)، كما تعاني منها البلدان الأكثر فقرًا، التي أصبحت شواطئها مَصَبًّا لنفايات البلدان الغنية، وأراضيها مدافن لنفايات ضارة بصحة البشر وبالبيئة، فضلا عن المصانع المُلوّثة، مع الإشارة أن مواطني العالم (الأفراد) يُساهمون بنسبة لا تتعدّى 25% في تلويث المُحيط، فالنشاط الصناعي والنّقل والزراعات الكبرى تُساهم بنحو 75% في تفاقم الكوارث البيئية.

قبل بضعة عُقُود، كان الحديث عن تغييرات المناخ يُعتَبَرُ ترفًا، في البلدان الفقيرة، لأن للناس أولويات أخرى، تتمثل في توفير الغذاء والمسكن والدواء وغير ذلك من الضروريات، لكن بدأت عواقب تغير المناخ تظهر بوضوح، بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وكثرة الحرائق المُدمِّرَة للغابات وللقرى والمُدُن القريبة، وزاد عدد الفيضانات والكوارث التي نسميها “طبيعية”، ولكن للنشاط البشري (المنجمي والصناعي والزراعي)، أي نشاط الشركات الكبرى، دور هام في تعددها وزيادة أضرارها، وبالتالي فإن القوى التقدمية مُطالبة بتقديم البدائل في كافة المجالات، بما فيها دراسة وتقديم برنامج تقدّمي يخدم بيئة ومُحيط الإنسان، ويحمي الطبيعة، من أجل حماية مُستقبل الأجيال اللاحقة، ويمكن أن يتضمن ذلك دراسة الخدمات العامة المتوافقة مع البيئة، في مجالات النقل العام واستخدام الطاقات المتحددة، وإعادة تدوير النفايات، واستخدام الموارد المحلية في مجالات الزراعة والصناعات التحويلية والبناء، وما إلى ذلك…

تُصَدِّرُ الدّول الغنية، منذ عُقُود، التلوث إلى البلدان الفقيرة، بهدف مُزدوج: إبعاد الصناعات المُلوثة (الكيمياء والنسيج والجلد…) والزراعات المستهلكة للمياه والملوثة للمناخ، واستغلال الطبقة العاملة ذات الكفاءة والرواتب المتواضعة، كما صَدّرت نفاياتها والمعدّات التي انتهت صلاحيتها، مع إدراج ذلك في باب “المُساعدة” (حواسيب قديمة)، وأدّى هذا التّصدير إلى حوادث خطيرة كانفجار مصنع مواد كيماوية بالهند، وتعدد ضحايا تنظيف خزانات السّفن ببنغلادش أو انهيار مبنى يضم مصانع نسيج بضواحي “دكا” (عاصمة بنغلادش) سنة 2013، أدّى إلى قتل حوالي 1300 من العاملات والعاملين، وغير ذلك من الحوادث الخطيرة، وأكّدَ تقرير صدر يوم 08 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، حول محادثات المناخ “كوب26” في غلاسكو، تضرر البلدان الأكثر فقرًا، أو حوالي ثُلُث بلدان العالم (65 بلدًا) من تداعيات تغيّر المناخ، وتُعتَبَرُ ثماني دول إفريقية، ودولتان من أمريكا الجنوبية، من الدول العشر الأكثر تضرراً، ما قد يؤدّي إلى انخفاض القدرة على إنجاز برامج التنمية، إن وُجِدتْ، وإلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بها، بنسب تتراوح بين 13% و 33% خلال القرن الواحد والعشرين، وقد تصل لدى الدّول العشر الأكثر تتضرّرًا، إلى نِسَبٍ تتراوح بين 40% و 70%، إذا لم تحصل تغييرات إيجابية تَحدُّ من التلوث ومن ارتفاع درجات الحرارة ومن الحرائق ومن ارتفاع مستوى مياه البحر، وما إلى ذلك، وبالرغم من المساهمة الإفريقية الضعيفة في التغغيرات السّلبية للمناخ، لكنها في مقدّمة المناطق التي تواجه التأثيرات السلبية، ولا تستطيع هذه البلدان تخصيص استثمارات هامة لمقاومة التلوث وتدمير البيئة، ولذلك تحتاج إلى المُساعدة، للحَدّ من الأضرار، وهي مُساعدة تستفيد منها بقية بلدان العالم أيضًا، إذا نظرنا إلى مشاكل المناخ كمسألة عالمية، لا ترتبط بحدود الدّول، لكن حكومات الدّول الغنية (المسؤولة عن التلوث ) لم تتعهّد سوى بمبالغ متواضعة، لمساعدة الدول الفقيرة على التأقلم مع تداعيات تغير المناخ، وغالبًا ما لا تنفّذ هذه الدّول الغنية وعودها و تُسدّد المبالغ الموعودة، على تواضعها…

خدعة “الإستثمار النّظيف” أو “التمويل الأخضر”

منذ اتفاق باريس حول البيئة، قبل خمس سنوات، أعلنت العديد من الصارف تغيير سياسة الإقراض والإستثمار، وتركيزها على “الإستثمار المسؤول”، وسبق للأمم المتحدة أن أطلقت، سنة 2019، “مبادئ الخَدَمات المصرفية المَسْؤُولة”، وكان الإعلان مصحوبا بصخب إعلامي/إشهاري هائل، ويتمثل البرنامج في حث المصارف (وهي مؤسسات مالية رأسمالية لا هم لها سوى تضخيم الأرباح) على تشجيع زبائنها لمراعاة قضايا البيئة عند تنفيذ المشاريع التجارية والصناعية، ولم يكن مُتوقّعًا لمثل هذه الخطط أن تنجح لأن الرأسمالية، بطبيعتها، والرأسمالية المالية بشكل خاص، لا تُعير أي اهتمام لأي نشاط لا تجني منه ربحًا ماليا مُباشرًا، وبأسرع وقت…

أعلنت شركة “بلاك روك” لإدارة الأُصُول، سنة 2020، توجيه استثماراتها نحو الأسهم والأُصُول التي تُراعي التنمية المُستدامة، واعلنت 200 مؤسسة مالية، خلال سنتَيْ 2019 و 2020، “التّركيز على الخدمات المصرفية المسؤولة بيئيا”، لكن لم تَظْهَر أي نتائج، بل واصلت المصارف خفض نوعية خدماتها، بحكم قيام الزبائن بتنفيذ العمليات المصرفية الأساسية عبر الشبكة الإلكترونية، مع زيادة قيمة الرُّسُوم، وبالتالي زيادة الأرباح الصّافية للمصارف. أما وُعُود “الإستثمار المسؤول” و”التّنمية المُستدامة” فهي مبنية على التّطوع والعمل التّلقائي، غير المُلْزم، ولذلك بقيت مجرد شعارات، ومادّة إعلامية، عادت بعد سَنَتَيْن من إعلان الأمم المتحدة “مبادئ الخدمات المصرفية المسؤولة”، مع إعلان مئات المصارف العالمية اهتمامها بتنقية المناخ من الإنبعاثات، بمناسبة مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ بمدينة “غلاسغو” البريطانية (كوب 26) وذلك بالتّوجّه نحو “التّمويل الأخضر”، ضمن “تحالف غلاسغو المالي” الذي تتصدّرُهُ أكبر المصارف الأمريكية (سيتي بنك، و مورغان ستانلي، وبنك أوف أمريكا…) والذي يدّعي “توفير تريليونات الدّولارات” لما تُسمّيه “الإقراض المُستَدام” وللإستثمار في مشاريع “نظيفة”، وخالية من انبعاثات الكرْبُون، بحلول 2050 ، وهذا ليس أول إعلان إشهاري (دِعائي) للمصارف، لكن “لا جديد تحت الشّمس”، حيث يتواصل الإستثمار في مشاريع ذات أثر بيئي سَلْبِي، وفي الوقود الأحفوري والمناجم والصناعات والزراعة المُلوثة، باستثناء فترات الأزمات، أو انخفاض سعر النفط الخام، حيث تنخفض الإستثمارات بشكل عام…     

استخلاصات:

أظهرت العديد من الدّراسات أن تدمير البيئة، والغابات، أدّى إلى القضاء على التوازن البيئي، وإلى اضطرار الحيوانات للخروج من بيئتها لتقترب من مناطق سكن البشر، ما أنْتَجَ انتشار وباء “كوفيد-19″، لتصبح قضايا البيئة واقعًا يوميا مُعاشًا، وليظهر زَيْف شعارات “التعاون” أو “التّضامن” الدّولي، فالدّول الغنية مارست القرْصَنَة لسرقة الكمامات ومواد الوقاية، وعقدت صفقات مع شركات المختبرات والأدوية العابرة للقارات، لتستأثر الولايات المتحدة وأوروبا باللقاح، واستغل أكبر الرأسماليين (مثل بيل غيتس) هذه الأزمة لزيادة ثرواتهم، باستخدام شعارات خادعة…

أما عن تكاليف التغييرات المناخية، فقد قدّرت إحدى شركات التّأمين السويسرية أن تدمير البيئة قد يؤدّي، إذا ما تواصل الوضع الحالي، إلى ارتفاع الخسائر لتبلغ 20% من الناتج الإجمالي العالمي سنة  2050، وهي تقديرات لا تراعي حدوث حروب جديدة، ولا احتمال انتشار أوبئة من فئة “كوفيد 19” أو موجات جفاف طويلة وقاسية…

سبق أن أوْرَدْتُ في مقال سابق، ما أعلنه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، يوم الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2021، من ارتفاع عدد الأشخاص الذين يواجهون خطر المجاعة في العالم بنحو 45 مليوناً، وجميعهم في بلدان دمّرتها أسلحة الدّول الغنية التي تتنافس شركاتها للإستحواذ على ثروات أو مواقع البلدان الفقيرة، وأعلنت الأمم المتحدة أن حصولها على مبلغ سبع مليارات دولارا، يُمكّنها من تجنّب خطر المجاعة على مستوى العالم، بما فيها المناطق التي دمّرتها جيوش وأسلحة الإمبريالية الأمريكية، وحلف شمال الأطلسي، وهذه كوارث من صنع البشر (رأسماليين وحاكمين ووُكلاء عُملاء)، قد تُخلّف عواقب وخيمة على الصحة والإقتصاد وحياة الشعوب، بسبب إهمال الأراضي الزراعية، وصعوبة، بل استحالة العمل بها، ونزوح السكان من مناطق الحرب، لمدة سنوات (نموذج سوريا واليمن وبلدان أمريكا الجنوبية وإفريقيا وأفغانستان…)، وفي فلسطين المحتلة، يلقي الكيان الصهيوني بنفاياته في مناطق التّجمّعات الفلسطينية، ونُذَكِّرُ بالتجارب النووية الفرنسية في جنوب الجزائر وبقصف العراق وسُكّان غزة، من قِبَل الإمبريالية الأمريكية، والكيان الصهيوني، بأسلحة فتّاكة، منها اليورانيوم المُنضّب والفوسفور الأبيض، دون إثارة احتجاجات منظمات الدفاع عن البيئة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وغيرها من الدول الإستعمارية.

انتشر الوعي بكارثة المناخ لأنها أصبحت واقعًا ملموسًا، لكن منظمات وأحزاب البيئة بالدّول الرّأسمالية المتقدّمة تُهمل، أو تتجاهل، العلاقة بين الرأسمالية وتدمير البيئة، وبين الإمبريالية وتدهور وضع المحيط وصحة السّكّان بالبلدان الواقعة تحت الهيمنة، فيما تأخّرت النقابات والقوى التّقدّمية بالبلدان الفقيرة، عن الإهتمام بهذا الجانب من حياة الشعوب، ولا تزال تفتقر إلى منظور بديل، ضمن برنامج مناقض للرأسمالية النيوليبرالية السّائدة، وشركاتها التي تستغل المناجم والمحروقات، دون أي اهتمام بالبيئة وبصحة البشر، وضمن برنامج مناهض للتخريب الإمبريالي، ومناهض لتصدير الصناعات المُلَوِّثَة (لإنتاج سلع تُستَهْلَكُ في الدول الإمبريالية) ولتصدير النّفايات، ولاختبار أسلحة الدّمار الشامل بِبُلْداننا، فاستخدام هذا النوع من الأسلحة يلحق ضررًا بحياة البشر والنبات والحيوان والمحيط بكاملة من المياه إلى أديم الارض والهواء، وفي الواقع فإن الهيمنة بواسطة رأس المال وبواسطة السّلاح جزء لا يتجزّأ من طبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي، الذي يسمح بتنمية الثروات من خلال استغلال الإنسان والطبيعة، داخل حدود الدّولة القومية، وخارجها.  

_________ “كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.