بإيجاز: غذاء – ما علاقة الجوع بالإمبريالية والرّأسمالية؟ الطاهر المعز

اتفقت العديد من منظمات الأمم المتحدة (منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” والصندوق الدولي للتنمية الزراعية “إيفاد” ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية) على تَضَرُّر الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة من سكان العالم، من جائحة “كوفيد – 19″، ونشرت بعض التفاصيل في التقرير المُشترَك عن “حالة الأمن الغذائي والتّغذية في العالم” لسنة 2021.

قَدّرَ الأمين العام للأمم المتحدة، خلال قمة “الأنظمة الغذائية” (نيويورك 23 أيلول/سبتمبر 2021)، عدد العاجزين عن “تحمل تكاليف نظام غذائي صحي” بثلاثة مليارات شخص، فيما يُعاني ملياران من زيادة الوزن أو السمنة، يُقابلهم حوالي 462 مليون شخصًا يُعانون من نقص الوزن، بسبب نقص الغذاء، ويعجز حوالي سبعمائة مليون إنسان عن توفير الغذاء اليومي بشكل منتظم، ويعاني ثُلُثُ سكان العالم من أحد أشكال صسوء التّغذية، سنةة 2019، أي قبل جائحة “كوفيد 19″، بينما يهدر العالم ثُلُ إنتاج الغذاء، بالتوازي مع زيادة هيمنة الشركات العابرة للقارات على الأراضي الصالحة للزراعة وعلى الموارد الطبيعية والمياه والبذور (المُعدّلة وراثيا) والأسمدة، بهدف القضاء على التنوع البيولوجي وعلى الإنتاج الزراعي العائلي الصّغير. 

أدّى انتشار وباء “كوفيد-19” وإغلاق مؤسسات الإنتاج والنّقل والتجارة، وفرض قوانين الطّوارئ (الحَجْر الصّحِّي) إلى انخفاض دخل الكادحين والفُقراء، وإلى إتلاف المحاصيل الزراعية، وكذلك إلى تعميق الفجوة الطّبقية، على مستوى كل بلد، وعلى مستوى عالمي، فارتفعت ثروة أغنى أغنياء العالم، بفعل المُضاربة (وليس بفعل زيادة وتحسين الإنتاج) وأصاب الفَقْر المدْقَع عشرات أو مئات الملايين، ما أدّى إلى زيادة عدد الفُقراء المدقعين والجائعين في العالم. نشرت الأمم المتحدة، في اعقاب هذه القمة، بعض التّقديرات لحجم وقيمة الدّمار الذي خَلَّفَهُ استيلاء رأس المال وشركاته العابرة للقارات، على الأراضي الصالحة للزراعة وعلى المياه والإنتاج الفلاحي، الزراعي والحيواني، وهو ما أطلقت عليه الأمم المتحدة عبارة “التكاليف الخفية” للأنظمة العالمية للأغذية واستخدام الأراضي والموارد، وقدرت قيمتها بقرابة عشرين تريليون دولارا سنويا، وتتضمن الخسائر في الأرواح وفي مجالات البيئة والصحة (المعدلات المرتفعة للأمراض المزمنة المرتبطة بالنظام الغذائي)، وآثار تغير المناخ والدّخل غير العادل، وتتحمل الفئا​​ت الكادحة، من صغار الفلاحين والنساء والشباب، تبعات هذه الخسائر، وتتجسّم مظاهرها في الإستغلال والإضطهاد وتدمير البيئة والموارد وصحة الإنسان.

كانت الأمم المتحدة قد أَقَرّت، سنة 2015، برنامج “أهداف التنمية المستدامة”، ويتضمّن القضاء على الجوع، بل تحسين تغذية البَشَرِية، وإنجاز الأمن الغذائي، وتحسين عيش وصحة سكّان العالم، بحلول 2030، لكن أصبحت هذه الأهداف “في خَبَر كانَ”، بحسب برنامج الغذاء العالمي، الذي اعتبر أن وضع الفُقراء لم يتحسّن، بل تراجَعَ وساء، بشكل أعاد طَرْح مشاكل القضاء على الجوع وسوء التغذية، على جدول الأعمال، ويؤدّي الجوع وسوء التغذية إلى نتائج وخيمة على الصحة وعلى حياة الرّضّع وعلى نمو الأطفال…

نشرت معظم دول العالم بيانات عن “تحسّن الوضع الإقتصادي” منذ بداية العام 2021، وعودة الإقتصاد إلى النّمو، وما إلى ذلك من بيانات تخص “الإقتصاد الشموالي” (ماكْرُو إيكونومي)، في المقابل، أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، يوم الإثنين 08 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، ارتفاع عدد الأشخاص الذين يواجهون خطر المجاعة في العالم بأكثر من 45 مليونا، منذ بداية العام الحالي، عام “عودة النّمو”،  وقد يزيد عدد الفقراء، بنهاية العام بنحو 132 مليون شخصًا، وأعلنت هذه المنظمة التابعة للأمم المتحدة حاجتها إلى سبع مليارات دولار لإبعاد خطر المجاعة على مستوى العالم، ومعظم هؤلاء الواقعين على “شفا المجاعة” من الشعوب التي دمّرت الإمبريالية بلدانها وسُبل عيشها، مثل سوريا واليمن، ومن الضّروري محاسبة المسؤولين عن هذا التّدمير والتّخريب، المُمَنْهَج والمُصَمّم سلفًا، أي ينطبق عليه تعريف “الإجرام”.  

على الصعيد الصّحِّي، نشرت منظمة الصحة العالمية، يوم 12 تموز/يوليو 2021، تقريرًا أظهر تفاقم الوضع الصّحّي للسّكّان الأكثر هشاشة في العالم، أو أكثر من 810 مليون شخصًا، بسبب تداعيات وباء “كوفيد – 19″، التي أدّت إلى  تفاقم الجوع ونقص التغذية، وفقدان الأمن الغذائي، ويُعتبر الأطفال في صدارة المتضررين من الجوع ومن نقص التغذية، وما ينتج عن ذلك من مخاطر صحية، خصوصًا في آسيا وفي إفريقيا، حيث ما انفك حجم الجائعين، أو من يُعانون من سوء التّغذية، يتزايد منذ سنة 2010، وعند مقارنة مختلف التقارير التي تُصدرها منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات “الإنسانية” الكُبرى، يمكن استنتاج سطحية الحُلُول المُقترَحة، فهي في معظمها لا تُشير إلى مسؤولية الدول الإمبريالية والشركات الكبرى (المحروقات والمناجم وشركات الزراعات الصناعية…)، والحكومات العميلة في بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، في الإستحواذ على السواحل وثرواتها السمكية (الصومال) وعلى الأراضي وطرد الفلاحين منها، وفي إطلاق النزاعات المسلحة والحروب العدوانية والإحتلال، كما في سوريا واليمن وليبيا ومالي والكونغو وغيرها، لأن الأمم المتحدة تعكس موازين القوى العالمية، وهي في صالح الدّول الإمبريالية التي استخدمت الأمم المتحدة لتبرير العدوان على العديد من البلدان والشُّعُوب.  

ارتفعت ثروة أغنى 10 أشخاص بالعالم بمقدار 413 مليار دولار، سنة 2020، سنة انتشار الوباء والإغلاق، وحالة الطوارئ الصحية، وهو مبلغ (مبلغ الزيادة وليس مبلغ الثروة الإجمالية) يفوق حاجة الأمم المتحدة لتمويل برامج المساعدات الإنسانية العالمية، للعام بأكملة، بإحدى عشر ضِعْفًا، كما ارتفع الإنفاق العسكري العالمي بمقدار 51 مليار دولار، وساهمت هذه الأسلحة في تهجير قرابة خمسين مليون شخص من مناطق سكنهم، سنة 2020، بسبب استخدام التجويع وحرمان المدنيين من الغذاء والماء وتعطيل وصول الغذاء والدّواء (كما يحصل في سوريا واليمن) كسلاح حرب، فضلا عن تجريف الأراضي وإحراق المحاصيل (كما يحصل بالحسكة، بسوريا) وقتل المواشي، وقصف الأسواق، بحسب تقرير منظمة “أوكسفام” (بداية تموز/يوليو 2021).

إن تحديد خط الفقر المدقع ب1,9 دولارا للفرد يوميا، أمرٌ غير واقعي، إذ لا تقل كلفة النمط الغذائي الصحي والمُتوازن، عن عشرة دولارا في اليوم،  بينما تَحْظر المؤسسات المالية الدّائنة، دعم أسعار الغذاء، فكيف يمكن للفقراء أو حتى متوسطي الدّخل، تناول وجبات يومية تحتوي على النشويات ومُشتقات الألبان، والفاكهة والخضار والبروتينات النباتية والحيوانية؟ من الضروري أن تكون الأغذية التي يتناولها السكّان، وخاصة النساء والأطفال ومن يبذلون جهدًا عضليا، صحية ومغذية، ومنخفضة التكلفة، لتكون في متناول المواطنين، ويتطلب ذلك تدخّل الدّولة، لدعم صغار المنتجين المحليين، وحمايتهم اجتماعيا، وتنظيم الإنتاج الزراعي وعمليات التخزين والنقل والتوزيع (بين مختلف مناطق البلاد) والتسويق…

إن معالجة مسائل الجوع وسوء التغذية وتدهور الوضع الصحي للفقراء والنازحين، لن يتحقق من خلال المنح والمساعدات الظّرْفية، بل بالقضاء على احتكار الأغذية والتّحكّم بأسعارها، وبوضع حدّ لشروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمُقْرِضِين، بشكل عام، التي تُحَرِّمُ دعم أسعار الغذاء ودعم الفلاحين عبر توفير البذور والأسمدة والإرشادات، وإعادة هيكلة مسالك تخزين وتسويق وترويج المحاصيل المَحَلِّيّة البيولوجية، من حبوب ومشتقات الألبان والفواكه والخضروات، ومعالجة قضايا عدم المساواة والفقر من خلال إنشاء وحدات تحويل وتصنيع الفائض من المحاصيل، ومن خلال جعل الفلاحة في الأرياف، محورًا لنشاط اقتصادي وتقني وبحثي وثقافي، محلّي…

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.