بيض مُجفف، قصة قصيرة لرشاد أبوشاور

جلسنا أنا وأبي صامتين في مقعد واحد. صعد السائق وشغّل السيّارة، فاندفعت ببطء في الشارع الذي يمر من ساحة أريحا، وانعطفت يمينا، ثم عبرت على الجسر، ومّرت عن سجن المقاطعة، وبعد قليل صارت بيوت مخيم عقبة جبر على يمينها، واستدارت على الطريق الذي بدأ يصعد بين التلال، فرأينا على يسارنا البحر الميّت كأنه لوح زجاج يلتمع تحت الشمس.

مال أبي وهمس في اذني:

-سترى القدس اليوم. أنت لم تر القدس من قبل ..صح؟

هززت رأسي وأنا أشعر بالفرح لأنني سأرى القدس.

-ساشتري لك كعكة وبيضة…

أنقّل نظري على سفوح التلال المتلاحقة التي تمّر مسرعة إلى الخلف، بينما الباص يندفع مسرعا بين التلال، ويطلق زاموره عندما ينعطف،أو يلتقي بسيا ة قادمة في مواجهته.

السائق يغطي رأسه بطاقية بيضاء، ويبرمها على رأسه وهو ينظر في المرآة المعلقة فوق رأسه.

حكى لي أبي بصوت منخفض وهو يضع فمه في أذني:

-السائق يجب أن يرى أمامه ..ووراءه، لذلك ينظر عبر الزجاج أمامه، وفي المرآة ليرى السيارات التي تلحق به.

ظللت ساكتا، فماذا أقول؟

رأيت خياما بدوية، وجمالاً تبرك قرب تلك الخيام، وأغناما ترعى في الوادي الجاف .

-هؤلاء بدو…

عرفت أنهم بدو، فانا رأيت بدوا يحضرون شرق مخيم النويعمة الذي نقيم فيه، ليرعوا أغنامهم، وهم يبيعون الحليب واللبن في المخيم.

غفوت مع اهتزاز الباص، واستيقظت على تمسيد والدي على رأسي.

-سنصل بعد قليل. أنظر تلك قبة الصخرة ..وهناك المسجد الأقصى…

هبط الباص في طريق ينخفض ثم ارتفع صاعدا بشكل مائل..فخفت، وخفف سرعته، ومضى ببطء، ثم توقف.

-يلاّ…

قال أبي ، فنهضت ومضينا وراء من ينزلون. أمسك أبي بيدي، وأشار برأسه:

-هناك باب العامود.

سألني:

-هل ترى السور؟ إنه لحماية القدس، ولكن ..ولكنه لم يحم القدس دائما..فأحيانا…

أشا ر:

هناك عيادة الدكتور زيادين.

صعدنا درجات، ثم دخل أمامني وهو يشدني من يدي فتبعته.

كان بعض الأشخاص يجلسون فجلس والدي على كرسي وأوقفني بين يديه إلىأان نهض شخص ودخل إلى غرفة الدكتور، فأجلسني أبي مكانه.

خرج الرجل بعد قليل، فأطل شخص ..وارتفع صوته:

-رفيق أبورشاد…

دهشت لأنه ينادي أبي(رفيق).

نهض أبي وجذبني من يدي، ودخلنا فعانق الدكتور أبي وضمني وهو ينحني :

-أهلا يا بطل…

لم أعرف لماذا قال عني يا بطل!

أومأ لأبي فرفعني ومددني على سرير مغطى بقماش أبيض، وقلبني على بطني ، كما طلب الدكتور، فأخذ ينقر على ظهري، ثم قلبني أبي من جديد، فأخذ الطبيب يجبد جفني إلى أسفل.أمسك بيدي وأخذ يتأمل أصابعي وأظافري.

أشار لأبي ان ينزلني.

-يا رفيق ابنك عنده فقر دم…

-يعني؟

-يحتاج لغذاء يا رفيق…

-وبماذا أغذيه يا رفيق؟

– بيض وكبده وفواكه ..كل شئ…

-من أين يا رفيق؟ انا لا دخل عندي كما تعرف! نحن نأكل الخبز الحاف، وأحيانا مع الخبيزة، وأحيانا مع العدس…

دسّ شيئا في يده:

-كلا شيئا في المطعم تحت الذي تحت العيادة..

شكره أبي، وعندما فتح الدكتور باب الغرفة ربت على رأسي ومد يده وهز يد أبي، وغادرنا.

اشترى ابي رغيفين فيهما حلاوة، وشربنا الزبيب، ثم توجهنا إلى الباص الذي تحرّك بعد قليل، وسار في نفس الطريق ولكن بالمقلوب إلى أريحا.

من أريحا إلى مخيم النويعمة، وقبالى مخفر الشرطة نزلنا، ومشينا إلى البيت في آخر المخيم.

كان الجو حارا فدفع أبي حطته وعقاله قليلاً عن رأسه من فوق جبينه، ومسح بمحرمته جبينه وعنقه.

لما وصلنا رأينا عمي عبد الرحمن يقف في مدخل حوش البيت.

-إن شاء الله حكّمت الولد…

-آ…

-شو قال الحكيم؟

-قال بدّو تغذيه فهو يدوخ لفقر الدم …

العمة مليحة كانت تسمع وهي واقفة خلف العم عبد الرحمن:

-يلاّ ..شوية وبأعمل لكم الغداء…

بدأت في فرم البصل في الصينية المعدنية وفركته مع المرغرين، وذوّبت بودرة عجيبة في ماء دافئ:

-بيض مجفف وزعوه مع الإعاشة من الوكالة…

وضعت الصينية على طبق القش، وبحرص خرجت من البوابة وتوجهت إلى الفرن.

رجعت بعد ساعة زمن، وإذا بها تضع أمامنا الصينية وقد يبست وعلى وجهها قشرة صفراء غامقة وبنية كأنها محروقة.

 وضعت لي كمية في صحن وهي تضغط على ركبتي:

-كل يا حبيبي. هذا بيض..بيض مجفف..هذا غذاء املأ بطنك حتى ما تدوخ. ووضعت رغيفا على ركبتي..رغيفا كاملاً.

أكلت، وأحضر عمي عبد الرحمن إبريق الشاي، وملأه بالماء، ووضعه على البريموس الذي أخذ في الهدير بناره الزرقاء والحمراء، ثم لقّم الإبريق بالسكّر الأبيض.

-سكر أبيض منشان خاطرك..فلازم تتغذى. السكّر الأحمر يجعل لون الشاي عكرا وطعمه مثل الخرّوب..

صب لي في كاسة زجاج…

-إشرب الشاي مع الخبز..و..البيض المجفف..منشان ما تدوخ.

أسند أبي ظهره على الجدار، وعندما استيقظت الجدة فاطمة والجدة ذوابة سألتا أبي عن صحتي.

-الحمد لله ..عنده فقر دم…

سالت جدتي فاطمة:

-فقر شو؟

-يعني دمه مش قوي…

قالت العمة مليحة:

-عملت له بيض مجفف…

أخذت الجدة فاطمة تتمايل بعدما أراحن جسدها بجوار أبي، بينما ارتكزت الجدة ذوابة بجوار العم عبد الرحمن.:

-بيض مجفف! يا حسرتي علينا..بيض مجفف ..صرنا في آخر وقت نوكل بيض مجفف.. وفقر دم…

حاولت أن أقوم، ولكنني شعرت بأنني أدوخ، فاغمضت عيني..واستندت إلى الجدار، فاحتضن أبي رأسي، وأراحه على صدره.. وشعرت بدموعه ساخنة على جبيني…

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.