تنصير الهزائم وتهزيم الانتصارات … الاستقلال عن الوحدة إنفصالاً، عادل سماره

أولاً: تنصير الهزائم وتهزيم الانتصارات

شائك أن تكتب عن الحال العربي، وربما خطير عليك فيزيائيا ايضاً.

فأغرب ما يصدم العقل والعين والقلب أن الأنظمة العربية تُخرج الهزائم كانتصارات وتُخرج الإنتصارات كهزائم معتقدة أن الشعب لا يرى ولا يدرك! والأنظمة، في اغلبها كحكام بالكاد تقرأ وتكتب، لكن لديها بطاريات من مثقفي الطابور السادس والمثقفين المنشبكين.

وحدها نكبة 1948 التي أجمع عليها الحكام العرب كهزيمة، ومع ذلك كذبوا كذبة كبيرة وحتى اليوم حيث لم يُعلنوا أمرين:

1-: أنهم لم يُحاربوا بقصد النصر بل دفعوا الجيوش المظلومة إلى حرب غير متكافئة كي يغرسوا في الأمة روح الهزيمة.

و2-: لم يقولوا حتى اليوم أن كل حروب العرب مع الكيان هي دفاعات ضد عدوان متواصل من المركز الغربي الراسمالي وحتى من غيره، اي ان الأمة العربية تتعرض لحرب عالمية متواصلة وصلت اليوم مشاركة الأنظمة العربية فيها ضد الأمة. والخطورة الخبيثة هنا أن هذه الأنظمة/التابعة طبعاً  بما هي تابعة للعدو الغربي لا بد لها أن تخفي عدوانه ضد الأمة كي تحافظ على تبعيتها له زاعمة انها “تحالف، صداقة…الخ”.

بعد نكبة 1948 تغير إخراج الحروب.

فقد أُعتبر عدوان 1956 انتصاراً، هذا رغم ان العدوان كان من دولتين عُظميين  في حينه ومن الكيان النووي الصهيوني. جانب النصر كان في المقاومة المصرية من الشعب والنظام.

هناك من يقلل من المقاومة حينها وذلك فقط بقصد إبراز دوره كأنه المنتصر الوحيد.

في حرب تشرين 1973، اختلف المشهد حيث كانت نية القتال حقيقية لدى الجيوش العربية المصرية والسورية بمشاركة جزائرية وعراقية. وقد قيل في هذه الحرب الكثير وتناقضت المواقف والتحليلات. اعتبرها البعض انتصارا، والبعض حربا تحريكية والبعض يفتخر بانها هزيمة…الخ. ولكلٍ هواه.

وقد يُجيز المرء لنفسه اعتماد إعترافات العدو ليصل إلى حقيقة الأمر بدل تفاخر بعض متخصصي الهُتاف للمقاومة وتبخيس الجيوش العربية.نقتطف أدناه من مراجعة سعيد عريقات لكتاب مارتن إنديك عن كيسنجر وتحديدا عن حرب تشرين/اكتوبر 1973 وإنديك الصهيوني المتعصب بالمطلق والعلانية هو يهودي وصهيوني ومن جنوب إفريقيا أي به كافة خصائص العداء للعرب ما يلي:

يقول عريقات: “…إنديك يضع أقوى حجة (لبطولة) كيسنجر، في إنجازاته الدبلوماسية في الشرق الأوسط ، والتي تم تأريخها بتفاصيل رائعة يومًا بيوم عبر كتاب إنديك “سيد اللعبة” ، كونه “وكيل السياسة الخارجية للرئيس ريتشارد نيكسون” وفق إنديك، الذي حول سلسلة من المآسي والمشاكل، إلى فرص لإعادة تشكيل المنطقة، بعد أن كاد الهجوم المصري السوري على إسرائيل أن يدمرها في حرب رمضان عام 1973، (وفق إنديك) “تمكن كيسنجر من إعادة الإمداد الطارئ للقوات العسكرية الإسرائيلية من قبل الولايات المتحدة، وعندما قلب الجيش الإسرائيلي التيار ودخل الأراضي المصرية والسورية ، غاص كيسنجر في دوامة من أجل التفاوض على إنهاء الصراع”.

عنوان الكتاب “سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط”لمؤلفه مارتن إنديكمراجعة سعيد عريقات

الإمداد الطارىء كان جسرا جويا من أمريكا إلى الكيان مباشرة. أي ان الحرب كانت مع امريكا بل مع كل الغرب. ولذا قيل وكُتب  حينها أن جولدا مائير قررت استخدام السلاح النووي. كما أن تلك الحرب كلفت الكيان كامل ميزانيته لعام كامل، فكيف عاش بعدها؟ لولا الغرب.

ملاحظتنا على ما ورد في مراجعة سعيد عريقات للكتاب من شقين:

  • إن إنديك ركز على “تميُّز” كيسنجر دبلوماسيا
  • وأن عريقات لم يلتقط هذه الأكذوبة.

فليست مهارة ولا “عبقرية وصهيونية”كيسنجر هي التي أخرجت مصر من الصراع بل جاهزية حاكم مصر وفريقه وطبقته التي حولت الحرب إلى حرب تحريكية وسمحت بثغرة الدفرسوار لتبرير التفاوض ووقف الحرب والهزيمة وخنق سوريا.  

جرى إخراج م.ت.ف من لبنان إلى الشتات عام 1982 إرضاء للبرجوازية اللبنانية كطبقة تحتوي في داخلها على طوائف مبناها طبقي داخل الطائفة، أي حالة طبقية مركبة بشكل مدهش. ومع ذلك لو قرأت قصيدة محمود درويش “مديح الظل العالي” تشعر أن الفلسطينيين هناك انتصروا بالخروج من لبنان! وهذا بالطبع طمس صمود قرابة 80 يوماً في مواجهة الغرب الإمبريالي على شكل الكيان الصهيوني

مقابل التشكيك في انتصار الجيوش في حرب 1973 هناك تشكيك من أطراف من المقاومة في انتصارات 2000 من قبل المقاومة اللبنانية وخاصة ح.ز.ب ال.ل.ه وتشكيك في انتصار 2006 وانتصار أو على الأقل صمود المقاومة في غزة 2008-9 و 2014.

لسنا بصدد التفصيل في هزيمة فرنسا في الجزائر وهزيمة بريطانيا في جنوب اليمن، والعدوان الثلاثيني على العراق واحتلال العراق وصولاً إلى العدوان المعولم ضد سوريا واليمن…الخ

توصلنا هذه التناقضات والطعون المتبادلة إلى أن مختلف من ينكرون الحقائق حلوة أو مرة لا فرق هم إنما يُدخلون في روْع الجيل الجديد يأساً لا صلابة وتصليباً لأن طعن طرف في طرف يجري رده عليه من الطرف الآخر وتكون النتيجة ضياع وضبابية الرؤية في الجيل الجديد، اي ابناء الطرفين، وهذا خدمة لاستدخال الهزيمة شاءوا أم أبوا.

ثانياً: الاستقلال عن الوحدة إنفصالاً:

تحتفل السلطة الفلسطينية اليوم ب “الاستقلال منذ 1988” حيث جرى في احتفال كبير في الجزائر وجمَّع محمود درويش اعصابه ليكتب خطاب الاستقلال ولكن على أرض الجزائر. وبالطبع يحتفل بعضنا بهذا الاستقلال الافتراضي والذي يضع أبنائنا في إشكالية مفادها:

  • الاحتفال والصراخ واليافطات والأعلام بالاستقلال
  • وفي نفس الوقت تدخل قوات الاحتلال كل مكان حتى موقع الاحتفال!

فكيف يكن هذا وذاك معاً.

هذا في الشأن الفلسطيني، ولكن ماذا عن الأنظمة العربية؟

في الوطن العربي لا توجد استقلالات حقيقية ايضاً، بل هناك إنفصالات حقيقية قام بها الاستعمار وجرت تسميتها “إستقلالات”. إنها “استقلال” كل قطر عن الآخر واستقلالها جميعا عن دولة الوحدة. فالأردن ولبنان مستقلين عن سوريا، وسوريا عن الهلال الخصيب، والسودان مستقل عن وادي النيل ووادي النيل عن المشرق والجزيرة عن المشرق وكل كيان في الجزيرة مستقل عن الآخر، والمغرب عن الجزائر  وليبيا عن المغرب…الخ.

وحرصاً من كل قبيلة أو طبقة تحكم في هذا الجزء أو ذاك على ما بيدها فإنها تكرِّس القطرية والطائفية والعشائرية  وحتى تشن هذه الدولة حربا على تلك وتنفِّذ مهاماً لصالح الإمبريالية ، كما ذكرنا في غير مقال. وهذه جميعها سياسات وحروب ضد الاستقلال الحقيقي الاستقلال الوحدوي.

وعليه، فإن احتفال كل قطر باستقلاله هو في الحقيقة إدعاء لسببين:

1-     لأن كل قطر فُصل عن دولة الوحدة  كي لا تتكون

2-     لأن الاستقلال السياسي الشكلي ليس حقيقياً،حتى في حالات البلدان والأمم الأخرى، إلا من رحم ربي، التي لم تتم تجزئتها من الداخل، حيث بقي الاستعمار باشكال متعددة  وخاصةالاقتصادي والثقافي، وهذا يفتح بالطبع على أكذوبة نظريات ما بعد الاستعمار بينما الاستعمار ليست له ما بعدية حتى حينه على الأقل.

نختم بالقول بأن حرب التشكيك بين محبي الجيوش العربية ومحبي المقاومة هي حرب في خدمة العدو، وهي تكاذب متبادل بينما المفترض أن يكون هناك تفاعل متبادل وهذا لا يتاتى إلا لدى من لديه بعد إنتماء عروبي وبعد فكري ثقافي تقدمي واشتراكي. وهذا التشكيك يخدم الأنظمة العربية ويُظهر التجزئة كما لو كانت الوضع الطبيعي وحين يكون الحال كما هو فهو يعني تخليد التخلف والابتعاد اكثر عن مواجهة التحدي الذي لا بد من مواجهته وهو تحدي الوحدة في عالم يتكتل  بينما يتفاخر كثير منا بالتفكُك وهذا أمر إن لم يتم التصدي له، سنجد بعد وقت ربما ليس طويلاً، أن تعلن كل قرية أنها دولة وأمة!

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.