تونس ما بعد 25 تموز/يوليو 2021، الطاهر المعز

نظّمت حركة “النهضة” (الإخوان المسلمون) وحلفاؤها مظاهرة، يوم الأحد 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أمام مبنى مجلس النّوّاب، بهدف الإعتصام أمام المبنى، واقتحامه وإعادة تنصيب نواب البرلمان الذي تم تعليق عمله بمرسوم أصدره رئيس الجمهورية “قيس سعيد”، يوم 25 تموز/يوليو 2021، لكن قوات الأمن أغلقت المنافذ المؤدّية إلى المَبْنَى، وبقيت الحافلات، القادمة من مناطق خارج العاصمة، عالقة، بركّابها، في مداخل المدينة، وقدّرت وِكَالَتَا “رويترز” والصحافة الفرنسية (أ.ف.ب.) عدد المتظاهرين بنحو ثلاثة آلاف، تجمّعوا تحت عنوان “مواطنون ضدّ الإنقلاب”، فيما قدّرت وزارة الدّاخلية عددهم بنحو الأَلْف، اشتبك بعضهم مع قزات الشرطة، بالقرب من مجلس النواب، وأعلنت وزارة الدّاخلية اعتقال بعض المتظاهرين، لأسباب منها “توزيع أموال، أو حمل أسلحة بيضاء أو حيازة واستهلاك مادّة مُخدّرة”…

اشتكى زعماء الإخوان المسلمين من “انتهاك حرية التّعبير” ومن إغلاق المنافذ المُؤدّية إلى مبنى مجلس النواب، ونسوا القمع الرّهيب الذي تعرّض له سُكّان سليانة وقرقنة وتطاوين وغيرها، وكذلك الصحافيون والنقابيون والمُعَطَّلُون عن العمل وذوو الشهداء، واغتيال المُناضلين المُعارضين، وأشهرهم شكري بلعيد ومحمد البراهمي، لما كانت أجهزة الدّولة تحت سيطرة الإخوان المسلمين…

شكّلت هذه المظاهرة مَظْهَرًا من مظاهر الإنقسام بين المُساندين والمُعارضين للرئيس قيس سعيد (مع أو ضد)، دون ارتكاز الخلافات على اختلاف البرامج أو وجهات النّظَر المُختلفة بخصوص نمط التنمية والدّيون الخارجية، أو خلافات بشأن كيْفِيّة القضاء على البطالة والفقر، وطُرُق بناء وتمويل اقتصاد مُنْتِج، وحل مشاكل السّكن والرعاية الصحية، وما إلى ذلك.  

قبل بضعة أيام، أوردت وسائل الإعلام المحلية خبر احتجاجات أهالي منطقة “عڨارب” من ولاية (محافظة) صفاقس، ضد إعادة فتح مصب للنفايات القادمة من مناطق أخرى، وأصدر القضاء حُكْمًا، سنة 2018، يقضي بإغلاقه، وواجهت السّلطة هذه الإحتجاجات التي تواصلت لعدّة أيام، بالقمع السّافر، ما أدّى إلى وفاة الشاب “عبد الرّزّاق لَشْهَب”، اختناقًا بالغازات السامة المُسيلة للدموع، مع تعدد حالات الإصة والاختناق، واعتقلت قوات القَمْع (ضمنهم عناصر مدنيون مُسلّحون) عددا كبيرا من الشّباب والمواطنين، وأقرت نقابة الأُجراء ( الإتحاد العام التونسي للشُّغل) إضرابا مَحلّيًّا شاملا، يوم الأربعاء 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، ويوم حداد على الشاب المتوفي اختناقًا، وصَعّدت السلطات (سلطات ما بعد “تصحيح” 25/07/2021) الموقف فحاصرت وقمعت مسيرة سلمية نظّمها الأهالي، بوحشية كبيرة، بحسب الوثائق السمعية- البصرية التي نقلها المواطنون وبعض الصحافيين الحاضرين، الذين اشتكوا من الإختناق بالغازات السامة التي أطلقتها الشرطة، في ظل عجز المُستشفى المحلي عن إسعاف المُصابين، وعن توفير الأوكسيجين، وحاولت قوى الرّدّة (الإخوان المجرمون والدّساترة) استغلال الموقف والإستثمار السياسي بالحادث للمتاجرة به، فيما شنت وزارة الدّاخلية ( كان الوزير مُحاميًا ورئيسًا للهيئة العليا لحقوق الإنسان والحثرّيّات الأساسية !!!) حملات تشهير وتخوين للمواطنين الذين زادت السلطات من تسعير غضبهم، خصوصًا بعد محاصرة الجيش للبلدة، ما ذَكَّر المواطنين بالطريقة التي تعاملت بها السلطات السابقة مع أي حركة احتجاج ينظمها المواطنون لإسماع صوتهم، ولنَيْل حقوقهم…

بعد خمسة أيام متواصلة من الإحتجاجات والقمع بالغازات وبالأسلحة النّارية، والإعتقالات والإصابات (فضلا عن قَتْل مواطن)، أعلن الرئيس “قيس سعَيّد” لقاء وفد من مدينة “عڨارب”، ووَعَدَ بإيجاد حلّ سريع، وأمَر بإطلاق سراح الموقوفين، وسَحْب الوحدات الأمنيّة من المدينة…   

يقع مَصَبّ النّفايات، موضوع الإحتجاجات، داخل محميّة طبيعيّة تُدْعى “الڨنة”، وتم افتتاحه “بصورة مؤقتة”، سنة 2008، لفترة لا تتجاوز خمس سنوات كحدّ أقصى، وقاوم السّكّان إقامة المَصَبّ وتمديد فترة استغلاله، وحصلت مواجهات بين المواطنين وقوّات الأمن، منذ افتتاحه، إلى غاية اليوم، رغم القرار البلدي والقرار القضائي (سنة 2019) بإغلاق مَكَبّ النفايات…

تُؤَشِّر هذه الحادثة إلى بقاء “دار لقمان على حالها”، بخصوص العلاقة بين السّلطة والمواطنين، فهي علاقة فَوْقِية (عمودية) وقمعية، وبخصوص الإعلام الرّسمي البائس، البارع في تخوين المواطنين البُسطاء والفُقراء، وكذلك بخصوص غياب مُؤسسات ديمقراطية تُنظّم العلاقة بين المواطن والسّلطة، ليبقى القائد الفَذّ والمُنقِذ، سيّد القرار، يأمُرُ وينهى، ويتدخّل عند فشل الحلول القمعية، وعند تعفُّن الوضْع… 

ألهذا انتفض الشعب بنهاية سنة 2010 و بداية 2011؟

انطلقت انتفاضة 2010/2011 كحركة عفوية (مثل انتفاضة 1983/1984)، وكانت بالتّالي تفتقد إلى برنامج وإلى قيادة تقوم بدور المُنَسِّق والمُنظّم والدّاعي والمُحَرّض، ولذلك جنت ثمارَها المجموعة الأحسن تنظيمًا، والتي حازت ثقة القوى الإمبريالية، أي الإخوان المسلمون، التنظيم السياسي الوحيد بتونس الذي طَرَحَ مسألة الإستيلاء على السّلطة، كهدف، منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، قبل أن يتغير الإسم من “حركة الإتجاه الإسلامي” إلى حركة “النّهضة”، وتحالف الإخوان المسلمون مع العديد من القوى المتناقضة ظاهريا، منذ 2005 (ائتلاف 18 اكتوبر ) إلى غاية اليوم، وتراوحت هذه القوى من “حزب العُمّال” (2005)، إلى الدّساترة ورجال الأعمال الفاسدين (الباجي قائد السبسي والقروي)، من أجل الإستيلاء على السّلطة والإحتفاظ بها، وتمتلك حركة الإخوان المسلمين المال والعلاقات مع القوى الإمبريالية (الولايات المتحدة ) ومع أذنابها (قَطَر)، منذ سنة 2006، على الأقل، بحسب وثائق “ويكيليكس”، لتمويل الحملات الإنتخابية وإرشاء النّاخبين، والتحالف مع الشيطان للحصول على أغلبية داخل مجلس النّوّاب، وتطبيق شروط صندوق النقد الدّولي، والخضوع لشروط الدّائنين، وما إلى ذلك من السياسات التي دفعت الشعب للإنتفاض…

رغم انخفاض شعبيتهم وعدد مُمثِّليهم بمجلس النّوّاب، سنة 2019، بقيَ الإخوان المسلمون أقوى تَيّار سياسي مُنظّم بتونس، ومحور التّحالفات السياسية بالمجلس النيابي والحكومة، وأظهرت هذه الإنتخابات (وهي واحدة من جملة مُؤشرات) انخفاض شعبية “النهضة” لدى الفئات الشعبية، وبالمناطق الفقيرة وهي الفئات والمناطق التي يُفْتَرَضُ أن تكون مُساندة للقوى التقدمية، ولم تستغل أحزاب اليسار هذا التّقهقر لتقوم بدورها في تنظيم وتحريض فُقراء هذه المناطق، بهدف تغيير موازين القوى، وربما تغيير طبيعة النذظام، على مدى متوسّط، لكن، وفي غياب اليسار (بل غيْبُوبَتِهِ)، دعمت هذه الفئات الشعبية المُرشّح للإنتخابات الرئاسية “قَيْس سعَيِّد”، ومجموعته (قوى تونس الحرة)، أملاً في إنجاز وُعُودِهِ بوضع حد لحالة التّهميش، وللتخفيف من حِدّة البطالة والفَقْر المتفاقم بهذه المناطق، وفي أوساط هذه الفئات من الفُقراء…

لم يتم انتخاب قيس سعيّد على أساس برنامج اقتصادي واجتماعي، بل كان مُحاولَةً لخلق توازن مع “النّهضة” التي هيمنت على جميع مؤسسات الدّولة، ووَظّفت مناضليها في مختلف المناصب العُليا لأجهزة الدّولة، للتحكّم في مفاصلها، لتُصبح أسْوأ بكثير من حزب الدّستور، وأظهر قادة النهضة لهفة على المال العام، فظهرت عليهم آثار الثّراء، مقابل مزيد من البؤس والفقر لباقي الفئات من الفُقراء والكادحين والفئات الوسطى أو البرجوازية الصغيرة، منذ عشر سنوات…

احتدّ الصراع بين رئيس الجمهورية “قَيْس سعَيِّد” والأغلبية النيابية التي انبثقت عن انتخابات 2019، والتي يمكنها عدم المُصادقة على الحكومة، بل وإقالتها، إلى أن أعلن رئيس الجمهورية، يوم 25 تموز/يوليو 2021، في يوم عيد الجمهورية، وفي ذكرى اغتيال الشهيد محمد البراهمي (25 تموز/يوليو 2013) تعطيل الدّستور وتجميد عمل البرلمان والحكومة، وبَعْدَ شَهْرَيْن عيّن رئيسة الحكومة “نجلاء بودن”، يوم الإربعاء 29 أيلول/سبتمبر 2021، في ظل تراجع أداء معظم القطاعات الإقتصادية، ما يُؤشّر إلى تراجع نمو اقتصاد البلاد، وفي ظل وَضْعٍ اقتصادي ومَالِي سيّء جدًّا، وفي غياب أي برنامج أو مخطط للخروج من هذا الوضع الذي ينعكس سلْبًا على حياة المواطنين، الأُجَراء والفُقراء والمُعَطّلِين عن العمل، وتُبيّن جميع المُؤشرات أن الوضع سوف يزداد سوءًا، حيث لن تتجاوز موارد الدّولة ثمانية مليارات دينارًا، خلال الربع الأخير من سنة 2021، فيما تُقدّر نفقاتها بنحو 15 مليار دينارًا، خلال نفس الفترة، وتبحث الحكومة عن قُرُوضٍ بقيمة لا تقل عن سبعة مليارات دينارًا لمجابهة نفقات ما تبقّى من سنة 2021، مع تعثُّر المفاوضات مع صندوق النقد الدّولي للحصول على قَرْضٍ بِشُرُوط مُجْحِفَة، وبلغت قيمة الدّيْن العام مائة مليار دينارًا، بنهاية 2020، وارتفعت إلى 112 مليار دينارًا بنهاية شهر تموز/يوليو 2021، بزيادة 11,2%، خلال عام واحد، نصفها بالعملات الأجنبية في ظل الإنهيار المُتواصل لقيمة الدّينار التونسي، وفق وثيقة صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، بعنوان تنفيذ ميزانية الدولة، (يوم السبت 25 أيلول/سبتمبر 2021)، ليرتفع نصيب كل مواطن تونسي من الدّيُون، من الرضيع إلى الشيخ، إلى 9,3 آلاف دينار، بحسب موقع صحيفة “الصباح”، بتاريخ 21 أيلول/سبتمبر 2021، وتُقدّر قيمة فوائد هذه الدّيُون للنصف الأول من سنة 2021، بنحو 2,4 مليار دينار، أو ما يعادل 11,5% من الإنفاق العمومي، في حين لا يُمثّل دعم المواد والخدمات الأساسية سوى 1,6 مليار دينار، خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2021… أما الدُّيُون الدّاخلية فقد ارتفعت قيمتها بنسبة 30% بين تموز يوليو 2020 وتموز/يوليو 2021، وتُمثل نسبة 39 % من إجمالي الدين العمومي فيما تمثل الدّيون الخارجية بالعملات الأجنبية (ثُلثاها باليوروالبقية بالدولار والين الياباني وغيرهما) نحو 61% من مجموع الدّيون العمومية التي ارتفعت قيمة فائدتها من 7,3 مليارات دينار إلى 8,4 مليارات دينار، خلال نفس الفترة، بحسب نفس الوثيقة الحكومية.

ملاحظة بشأن الدُّيُون:

تُفَضِّلُ بعض الدول اللجوء إلى الاقتراض الدّاخلي، بدلاً من زيادة الضرائب، عندما تحتاج إلى موارد استثنائية، لأن المديونية الداخلية أداة اقتصادية للتعويض عن انخفاض إيرادات الدولة، أو لتمويل الزيادة في الإنفاق.

لا يُشكّل الدين المحلي خطورة تُضاهي الديون الخارجية، غير أنه لا بُدّ من التّحكّم في معدل الفائدة، فهو الذي يحدد “استدامة” الدين، فكلما ارتفعت هذه المعدلات، زادت “خدمة” الدين (أي تكلفته على الدولة)

في تونس، كانت المؤسسات المالية الكُبْرى (المصارف ومؤسسات التأمين…) مُؤمّمَة، كلِّيًّا أو جُزْئِيًّا، حتى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين (حتى “خطة التعديل الهيكلي” 1985/1986)، وقدمت السُّيولة للدولة، كلُمَّا دعت الحاجة، فكانت جزءًا من “دائرة الخزينة”، وتستطيع الحكومة إجبارَها على شراء أذون الخزانة، وهي سندات الدّين المطروحة في السوق من قبل الدولة والتي تستحق السداد في أجل مُحَدَّد.

تَغيّر الأمر عندما بدأت الدّولة تلجأ بشكل دَوْرِي إلى القُروض الخارجية، إذ يشترط الدّائنون، وفي مقدّمتهم صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، على الدول المُقْتَرِضَة خصخصة القطاع العام والقطاع المالي (المصارف وشركات التأمين وما إلى ذلك) والقطاعات الصناعية والزراعية والتجارية أو حتى الخدمات الأساسية مثل النقل والإسكان والصحة والتعليم، وعندما تحتاج الدولة إلى السيولة، فإنها تقترض من المصارف الخاصة، بمعدل فائدة مرتفع (يُشكل تواطؤ المصرف المركزي اللبناني، مع المصارف الخاصة، نموذجًا لدَفْع الدّولة نحو الإفلاس، وإثراء المصارف الخاصة)، ومن الأسواق المالية الدولية بالعملة الأجنبية، ويتمثل خَطَرُ هذه القروض في عدم تخصيصها للإستثمار، وإنّما لتغطية العجز أو لسداد ديون خارجية أخرى “مستحقة الدفع”، أي حان أجل تسديدها.

في بلدان مثل تونس، يكمن الخطر في الدَّيْن الخارجي وشروطه التي تَحْرِم الدولة من جزء من ثرواتها (المسماة “الأصول”)، إذ تؤدي الخصخصة إلى خسارة الدولة حصصها في المؤسسات العامة والأراضي والمباني …

لا يكمن الحل في خفض الإنفاق العام، ولا في تقليص عدد الموظفين، وبيع حصص الدولة فيما تَبَقَّى من مؤسسات عمومية، بل في التّحكّم بالثروة وفي الاستثمار الذي يخلق الوظائف والثروة …

قد نختلف في توصيف ما حَدَثَ بتونس يوم الخامس والعشرين من تموز/يوليو 2021، أو في أبعادِهِ، لكن من الضروري توجيه النقاش نحو القضايا الأساسية ذات العلاقة المباشرة بحياة المواطن العادي الذي يُكافح من أجل البقاء على قيد الحياة، وذات العلاقة بحياة أغلبية المواطنين من كادحين وفُقراء وأُجَراء ومُعطّلين عن العمل، وشباب ونسوة وما إلى ذلك من الفئات الشعبية التي تمثل أغلبية الشعب التونسي…

من الضّروري كذلك محاولة قراء ما حدَثَ بتونس يوم 25 تموز/يوليو 2021، من منظور طبقي، أي انطلاقًا من وضع الفُقراء الذين أشعلوا انتفاضة 2010/2011، أو انطلاقا من طرح أسئلة عن آفاق الوضع الإقتصادي والإجتماعي، وعن مدى استفادة الأُجَراء والفُقراء والمُنْتِجين من عملية “التّصحيح الثوري”، كما سمّاها صاحبها، مع التّذكير بأن من يتحكم بعملية “التغيير” هو الذي يقودها حيث يُريد، إلا إذا كانت الحركة الثورية قوية ومتماسكة، بشكل يجعلها قادرة على الوقوف في وجه من يُحاول الإلتفاف على نضالات ومطالب الكادحين والفُقراء، ورَدْعِه عن استغلالها لمصلحة القوى المُعادية للثورة…

هل قدّم قيس سعيد برنامجًا لمقاومة التفاوت الطبقي وارتفاع حجم البطالة والفقر، ولمعالجة الأزمة الصحية، من خلال تعزيز مؤسسات الصّحّة العمومية والبحث العلمي، أو برامج تنمية المناطق الفقيرة، وهل اقترح مصادر تمويل البرامج، وغير ذلك، فلا يمكن للفقير وللمُعطّل عن العمل وللمريض المُهَدّد بالموت أن يصبر أكثر مِمّا صبر، وتُظْهِرُ كافة المُؤشرات المتوفرة أن قيس سعيد لا يمتلك برنامجًا، غير تغيير شكل الخطاب، مع مواصلة تطبيق الليبرالية الإقتصادية والتّداين من الخارج وخصخصة القطاع العام، وإلغاء دعم السّلع والخدمات الأساسية…

لم يتعرّض “قَيس سعَيِّد” إلى مسألة استرجاع الأموال المسروقة من قِبَل أُسرة بن علي، ثم من المجموعات المحلية والأجنبية التي نهبت ميزانية الدّولة، وهرّبت الثّرَوات والأموال المنهوبة إلى الخارج، فيما تحاول المصارف والدّول التي استفادت من هذا المال الفاسد عرقلة عملية الإسترداد، ما يُحَتِّمُ المُثابرة والتّمسُّك باستردادها، لأنها أموال وممتلكات وثروات الشعب التونسي، ووجب إعادتها إلى خزينة الدّولة، لإنفاقها في برامج التّنمية التي وجب أن تتجه نحو القطاعات المنتجة، وأن تشمل كافة مناطق البلاد… 

لا شيء يُشير إلى وُجُود مُخطّطات أو إجراءات أو قرارات قد تَضع حَدًّا لتدهور الوضع المالي، إذ يتوقع ممثل مؤسسة التمويل الدولية بتونس (وهي إحدى المُؤّسّسات المالية التابعة لمجموعة “البنك العالمي”)، يوم الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2021، ارتفاع عجز الميزانية إلى حوالي تسعة مليارات دينار، بنهاية سنة 2021، بينما استغل صندوق النقد الدّولي الفُرصة لفرض “إصلاحات” إضافية، أي خصخصة وإلغاء تام للدّعم، وتوجيه المال العام للقطاع الخاص، عبر الإعفاء من الضرائب والرسوم وخفض عدد موظّفي الحكومة والقطاع العام، وخفض قيمة الرواتب والمعاشات، وغير ذلك، كما يشترط صندوق النقد الدولي، اليوم، موافقة نقابات الأُجَراء وأرباب العمل على هذه الإجراءات، لتوريط نقابات العُمال في تدهور وضع الأُجَراء…

نظرًا للوضع الإقتصادي السيء جدا، وللوضع السياسي غير المُستقر، ارتفعت قيمة تأمين السندات التي تُصدرها الدولة (رَهْن الملك العام، أي ممتلكات الشعب)، يوم الثلاثاء 28 أيلول/سبتمبر 2021، وبلغت تكلفة التأمين على مخاطر التخلف عن سداد سندات 2024، التي يُصدرها المصرف المركزي، مستوى قياسيا، وتجاوزت الزيادة 100%، خلال سبعة أشهر، وفي نفس السّياق، نشر موقع صحيفة “نيويورك تايمز”، يوم الإثنين 27 أيلول/سبتمبر 2021، تقرايرًا يتوقّع انهيار اقتصاد البلاد، ما قد يؤدّي إلى أزمة خطيرة، في غياب قُوى تقدّمية قادرة علىى تمثيل مصالح الفئات الشعبية، وقادرة على تقديم بديل يخدم مصالح العاملين والكادحين، من الأُجَراء وصغار المُزارعين والحِرَفِيِّين، والفُقراء والمُعطّلين عن العمل، وهي الفئات التي أدّت تضحياتها إلى إنهاء حقبة بن علي، لكن القوى الرجعية التي حَكَمت، منذ 2011، تركتهم على الهامش، بسبب افتقار فئات العاملين والفقراء إلى تعبيرة سياسية قوية تُدافع عن مصالحهم، ولا يبدو أن الأمر سوف يتغير في المَدَى المَنْظُور، لأن “قيس سعَيِّد” ليس فردًا فقط، وإنما يُعْتَبَرُ ممثلا لمصالح شرائح وطبقات، والحكم له أو عليه ينطلق من مواقفه وأفعاله وبرامجه وخططه، التي بانت بعض ملامحها، خلال أزْيد من مائة وخمسة عشر يومًا، منذ 25 تموز/يوليو 2021، فهو ليس مسؤولاً (ولا حُكومته) عن ما اقترفه الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من نشْر الفساد ونهب المال العام، ومن ارتفاع الدّيون الخارجية، ومن قمع واضطهاد الفئات التي تُمثّل أغلبية المواطنين، ومن احتضان اللصوص والفاسدين، ولذلك حَظِي قيس سعيد بتأييد جماهيري واسع، لكنه لم يكن ليَحْكُمَ لولا دَعْم الأجهزة النّافذة في الدّولة (الجيش والأمن )، ومنظمات أرباب العمل وقيادة نقابة الأُجَراء، والإعلام السّائد، ومن مجموعة هامّة من الموظفين والفئات الوسطى، وكل المُستعدّين لنصرة القَوِي والماسك بزمام الحكم، كما حظي الرئيس قيس سعيد بدعم الجيران (الجزائر) والإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وبذلك بقي الفُقراءُ والكادحون معزولين، لأن أولوياتهم لا تتمثل في التّركيز على احترام حرية الرأي والتعبير، وهو أمر ضروري، بل في البحث عن حلول للمشاغل الإقتصادية، وظروف الحياة اليومية، والدّخل المنخفض مُقابل الإنفاق المُرتفع للأُسَر، والبطالة والفَقْر، وانهيار منظومة الرعاية الصّحّيّة، وهي نفس المشاكل التي أدّت انتفاضهم، قبل أكثر من عشر سنوات، بينما رَكّزَ قيس سعيد وأنصاره على مكافحة الفساد، وهو شعار تُؤيّدُهُ الأغلبية السّاحقة من المواطنين، لكنه لا يكفي لتشغيل المُعطّلين عن العمل، وإطعام الجائعين وتسديد نفقات الأُسر.

يُشكّل استيلاء القوى الرجعية، وكيلة مصالح الإمبريالية، على الحُكْم، بتونس، والتفافها على الإنتفاضة، كما بالمغرب أو مصر، دليلاً قاطعًا على ضُعْف وهشاشة القوى التقدمية، وغياب التحالفات الإستراتيجية، وليست الظرفية/الإنتخابية (غياب التحالف بين الشق التقدّمي للتيارات القومية، والتيارات الإشتراكية، أو حتى بين تيارات من نفس الخلفية العقائدية)، وغياب برنامج تقدّمي، يُعالج مشاغل المواطنين، ويُصَمِّمُ بوادِرَ حلول لها، والبحث عن طُرُق تمويل هذا البرنامج، وفك التّبعية مع الإمبريالية، وتبْرُز هذه التبعية من خلال الدّيُون الخارجية التي تضاعفت خلال عشر سنوات، ما يُبيِّن أن زين العابدين بن علي غادر البلاد كفرد، أو كرمْز لرأس النظام، وبقيت قاعدة حزبه، والمنظومة التي دعمته قائمة، وركّزت القوى التقدّمية على الإنتخابات ولم تُرَكِّز على اجتثاث هيمنة برجوازية طُفيْلِيّة رَثَّة، تُمثل مصالح الشركات الأجنبية، ولا تستثمر في القطاعات المنتجة، بل في قطاعات التجارة (التوريد والتصدير) والمُضاربة بالغذاء وبمختلف السّلع، وبالعقارات وما إلى ذلك، أو تُنتج سِلَعًا مُعَدّة لاستهلاك السوق الأوروبية، تحت الطّلب، بالشراكة مع شركات أوروبية.

بعد عشر سنوات من الأنتفاضة، لا يزال الإقتصاد قائمًا على تصدير المواد الخام (الفوسفات والطاقة) والإنتاج الفلاحي الخام والمُعَد للسّوق الأوروبية (الزيت والتّمُور وبعض الفواكه والخُضار…)، وبقيت ميزانية الدّولة تعتمد على الإقتراض المُحَدّد بشروط مجحفة، وتستخدم الحكومة الدّيون الجديدة، لتسديد دُون قديمة (مع فوائدها المرتفعة) ولسدّ عجز الميزانية، فتضاعفت الدّيُون الخارجية لتبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي، وأصبحت البلاد، خلال عشر سنوات، في حالة إفلاس (في الواقع لا يصح استخدام عبارة “إفلاس” الدولة، وإنما وجب استخدام عبارة “عجز” )، وتستورد حتى الغذاء والدّواء، ما أفْقَد البلاد مُقومات السّيادة، وحرية اتخاذ القرار، لأن من يتحكم بالقرار الإقتصادي يُقَرِّرُ البرامج السياسية، ومن الضروري الإسراع بمعالجة مسألة الدّيُون الخارجية التي اقترضتها الدّولة التونسية، باسم الشّعب الذي لم يستفد منها.

من الخطأ طرح سؤال “من مع” أو “من ضد” الرئيس قيس سعيد، بل من الضروري  البحث عن بدائل تقدُّمِيّة للسياسات القائمة، والتي لم تَظْهر بوادر تغييرها، ولا يمكن لهذا البديل أن يُمثِّلَ تيَّارًا سياسيا واحدًا بعيْنِهِ، بل لن يكون سوى نتاجًا لمحادثات ونقاشات تُفضِي (بعد بضعة أشهر وليس بعد سنوات) لبناء جبهة، تُقيّم تجربة الجبهة الشعبية وأسباب فشلها، ليس بهدف تصفية الحسابات، وإنما بهدف تلافي الأخطاء، واستخلاص الدّرُوس من التجارب المحلية والخارجية، ومن أجْلِ وضْع حدٍّ للإستنزاف الذي يتعرّضُ له مناضلو اليسار، عبر العمل النقابي والسياسي، الآني، قصير الأجل، والمتمثل في رُدُود الفعل، بدل التخطيط متوسّط وبعيد المَدَى، بينما تجني القوى الرجعية (ممثلة مصالح الرأسمالية المحلية والعالمية) نتائج نضالاتهم وتضحياتهم، باستثناء بعض الأفراد من قيادات اليسار التي استغلت العمل النقابي للإرتقاءً في السّلّم الطّبقي، ووجب التّذكير أن مهمة المناضلين الثوريين تتمثل في نشر الأفكار الإشتراكية الثورية في صُفُوف العُمّال وصغار الموظّفين والأُجَراء والكادحين عُمومًا، من أجل تأهيل مناضلين قادرين على تحويل العمل الديمقراطي والنقابي، الإصلاحي بطبيعته، إلى عمل ثوري، ومن أجل تغيير طبيعة النّظام ونمط الإنتاج… 

بدل حل المشاكل القائمة التي ذكرنا بعضَها، وتطبيق شعار “مكافحة الفساد”، عبر البحث عن الأموال المنهوبة، ومُصادرتها، واستخلاص أكثر من 12 مليار دينارًا من ديون الدّولة لدى الشركات ورجال الأعمال أو فرض ضريبة على أصحاب الثروات المرتفعة (ما يعني أن قيس سعيد يمثل، بالنّهاية، مصالحهم وليس مصالح الفُقراء)، وإلغاء الإمتيازات التي تتمتع بها بعض الشركات، كالإمتيازات الضريبية، والإعفاء من رُسُوم التّصدير أو التّوريد، دعا الرئيس قيس سعيد التونسيين إلى التقشف، وكأن العاملين والفُقراء يكسبون ملاً كثيرًا يُبذِّرُونه في الإنفاق على الكماليات، وكرر هذه الدّعوة مرات عديدة، ثم أردفها، يوم الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2021، بدعوة المواطنين إلى إقراض الدولة، مُساهمةً منهم في سدّ عَجْزِ الميزانية، وكأن المواطنين (باستثناء المصارف وشركات المُضاربة) قادرون على إقراض الدّولة، التي اقترضت 22 مليار دينارا من المصارف والشركات المَحلّية، بالتوازي مع توسُّل رئيسة الحكومة صندوق النقد الدّولي، طالبة التفاوض من أجل الحصول على قرض جديد، بحسب بيان مقتضب للمصرف المركزي التونسي، بتاريخ 06 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أي مواصلة إغراق البلاد بالدّيون الخارجية، بالعملات الأجنبية، وبفائدة لا تقل عن 6%، ولن تُستخدَم القروض الجديدة (إن تمكنت الحكومة من الحصول عليها) من أجل حل مشاكل البطالة التي بلغت رسميًّا 18% من قوة العمل، والفقر 21% من سُكّان البلاد، بحسب البنك العالمي، بل لسد العجز ولتسديد قُروض سابقة، وهي نفس السياسات التي انتهجتها حكومات الإخوان المجرمين وائتلافاتهم، طيلة أكثر من عشر سنوات.  

من دَوْر، بل من واجب القوى الثورية، إعادة توجيه الغضب الشعبي وردّ الفعل الجماهيري، نحو العمل الجماعي المنظَّم، من أجل إنجاز مطالب آنية مثل محاسبة اللصوص والفاسدين الذين يستهترون بصحّة المواطنين، واسترجاع المال العام لإنفاقه في ما ينفع أغلبية النّاس، ومطالب أخرى كتغيير منظومة الحكم، من أجل العدالة الإجتماعية والقضاء على الفقر والبطالة، عبر تنمية المناطق المحرومة، وتشغيل المُعَطّلين عن العمل، ومن أجل إلغاء الدّيون الخارجية التي لم يقع إنفاقها في مشاريع منتجة، ومُصادرة المبالغ التي سُرِقَت من قوت وصحّة الشعب، ووقع تهريبها إلى الخارج، بأشكل مُتعَدِّدَة، منها حرمان البلاد من موارد بعض الصادرات او إيرادات السياحة التي تبقى بالخارج…

خلاصة:

من الضّروري تحديد المطالب والأهداف (ماذا نُريد) ووسائل تحقيق أو إنجاز هذه الأهداف.

لو انطلقنا من شعارات الإنتفاضة الوطنية (2010/2011) ومن التحركات التي لحقتها، خلال العِقْد الماضي، من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن غربها إلى شرقها، لوجدنا قواسم مُشتركة، وفي مقدّمتها مطالب العمل والحريات، أي مطلب اقتصادي ومطلب ديمقراطي/سياسي، وتتفرّع عنهما قضايا أخرى عديدة، كتعميق الفجوة الطّبقية، والفساد ونهب موارد البلاد وتبعية اقتصاد البلاد للشركات والدّول الأجنبية، والزبونية وارتفاع حجم الدّيُون وعجز الميزان التجاري، وما إلى ذلك.    

لم تقترح أي قوة سياسية حلولاً لهذه المشاغل الشعبية، ولم يَدّعِ الرئيس قيس سعيّد (ليس كفرد وإنما كمُمثّل لطبقة أو ائتلاف طبقي) امتلاك حلول لقضايا البطالة التشغيل والفلاحة والهيمنة الإمبريالية وارتفاع الدّيون، ومع ذلك دعمته قُوى تقدّمية، لسبب واحد، يتمثل في التّخلّص (بأي ثمن؟) من الإخوان المسلمين الذين تفوّقُوا على الدّساترة في النّهب والفساد، وبذلك أهملت دُرُوس التّاريخ الذي أثبت أن النضالات قد تُفْرِزُ قادة، عُظماء، ومع ذلك فإنهم يُدِرَجُون في باب الإستثناء، أما القاعدة فتُثْبِتُ أن أي تغيير ثوري لا يُمْكِنُ أن ينجح سوى بالعمل الجماعي المُنَظّم، والمُسَلّح ببرنامج واضح وبقيادة تعمل على تنفيذه، بدعم من أصحاب المصلحة في الثورة أو في التّغيِير.   

إن سياسات “قيس سعيد” ومن حوله عاجزة عن إنتاج سياسات بديلة لهيمنة رأس المال الأجنبي (والمحلي المتعاون معه) وهذه الهيمنة تمنع تطوير حلول “وطنية” بمفهوم “محلّيّة”، خارج إرادة ومصالح رأس المال الأجنبي ووُكلائه، وبالتّالي لن يتمكّن الرئيس، والقوى التي يمثّلها، من حل مشاكل البطالة، على افتراض تَوَفُّر العزم “وحسن النّيّة”، أو مشاكل انخفاض دخل الأُجراء والمُتقاعدين وصغار المزارعين، ومشاكل السّكن والرعاية الصّحّية والنّقل العمومي…

إن المسألة ليست “عاطفية”، بمعنى دعم أي قوة تُطيح بالإخوان المسلمين (المُجْرِمين) الذين عاثوا في البلاد فسادًا، لعشر سنوات، بسبب ضُعْف البديل، وبسبب الأُفق الضّيّق للقوى التّقدّمية (لا يمكن وصفها بالثورية أو بالإشتراكية، بحسب شعاراتها ومُداخلات زُعمائها ومطالبها) التي توقّفت عند لجنة بن عاشور وانتخابات المجلس التّأسيسي، وضحّت بمناضليها الذين شاركوا في الإنتفاضة وفي اعتصامات القصبة وفي الحواجز وفي اللجان القاعدية، وغيرها من الأُطُر التي أفرزتها الإنتفاضة.

إن الحد الأدنى السياسي لأي تحالف تقدّمي، لا يمكن أن يتجاهل المشاكل العاجلة كالبطالة وانخفاض دخل الأجراء في أسفل السّلّم الإجتماعي وحتى في أوساط البرجوازية الصّغيرة (الفئات الوُسْطى)، ولا يمكن تطبيق أي برنامج اقتصادي يعطي الأولوية للإستثمار في القطاعات المنتجة، والخدمات الضرورية، دون إثارة مسألة إلغاء الدّيون، أو تعليق تسديدها، كحد أدنى، ودون السيطرة على الثروات المحلّيّة، أو إعادة التّفاوض بشأن شروط استغلالها…

إن الإئتلاف الطّبقي للفئات السائدة لن يتنازل عن مصالحه بسهولة، ولن تقبل الشركات الأجنبية خفض هامش أرباحها، ولكن تعبئة الفئات ذات المصلحة في الثورة، وميزان القوى، يجعلها تقبل شروط أصحاب الثروة الشّرعيين (المواطنين التونسيين) أو تُفاوض لتغادر بأقل الخسائر… 

بعد أكثر من عشر سنوات على انتفاضة 2010/2011، بقي الإقتصاد التونسي “تابعًا”، ذي بُنْيَة هَشَّة، غير أن للبلاد موقع استراتيجي تتهافت عليه القوى الإمبريالية، لكن اقتصاد البلاد بقي ضعيفًا وهامشيا في إطار التقسيم العالمي للعمل، وبقي خاضعًا للدّائنين الذين يُحرّضُون على استكمال عمليات الخصخصة، ووضع حدٍّ لوجود القطاع العام، وللإستثمار العمومي (الحكومي) في بعض القطاعات، بذريعة الإنفتاح على الإستثمارات والشركات الأجنبية، وخفض دعم المحروقات والسلع الغذائية والمُزارعين، وإلغاء الرسوم الجمركية على الواردات (من المواد الغذائية) بذريعة “إفساح المجال للمنافسة” غير المتكافئة بين اقتصادات رأسمالية متقدّمة، بلغت مرحلة الإحتكار، واقتصادات لا تزال تُصدّر المواد الخام، وعاجزة عن تحويلها إلى مواد مُصَنّعة

المطلوب: داخليا، إقرار برامج وخطط تخفف من حدّة البطالة، وتنهيها، عبر توجيه الإقتصاد نحو القطاعات المنتجة، في إطار خطة دعم المُنتجين المحلِّيِّين من مُزارعين ومربي الحيوانات، لتحقيق السيادة الغذائية، ومن أصحاب الحِرَف والصناعات النّاشئة، بهدف تلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين (الغذاء والدّواء والملْبس…)، وإضافة قيمة للإنتاج الخام، من خلال تصنيع ما زاد عن حاجة المواطنين من الإنتاج المحًلِّي، بالتّوازي مع خفْض الواردات من المواد غير الضّرورية، ومن السّلع التي يُمْكِنُ إنتاجُها محلِّيًّا، ويجب على الدّولة دَعْم هذه الأصناف من الإنتاج المحلِّي، بمختلف الأشكال، مع مُحاولة خفض عدد الوُكلاء والوُسطاء إلى الصّفر، لأن المنافسة المفتوحة وهْمٌ، ولأن كافة الدّول الرأسمالية المُتقدّمة تدعم قطاعات الفلاحة والصناعات الخفيفة والثقيلة، المدنية والعسكرية، بل يلعب رؤساء الولايات المتحدة وفرنسا ورئيس حكومة اليابان وبريطانيا وغيرها، دور المُمثّل التجاري للشركات الإحتكارية، ثم يلقون خطابات عن النزاهة والشفافية والحَوْكَمَة وفَتْح الأسواق والمُنافَسَة النزيهة، وما إلى ذلك.

خارجيا: لا يمكن حل مشاكل الإقتصاد التونسي، أو اقتصاد أي بلد، بمعزل عن محيطه الإقليمي والعالمي، إذ تُهيْمِن الإمبريالية وشركاتها الإحتكارية على معظم قطاعات الإقتصاد العالمي، ولا يمكن التّحرُّر من قبضتها بسهولة، لأنها تمتلك أدوات فَعَّالة، منها البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي، وهي (إلى جانب منظمات الأمم المتحدة ) أجهزة تتحكم بها الدّول الإمبريالية، ولذا وجب استغلال الصّراع بين الإحتكارات وبين الدّول، لاختيار الأقل شراسة، بالتّحالف مع الجيران (الجزائر، بشكل أساسي) ومع بعض الدّول الأخرى، في إطار عملية تبادل السّلع (مُقايضة) أو عملية تبادل مُتكافئة، والقطع مع سياسات التّداين والإقتراض من المؤسسات المالية الإمبريالية، كالبنك العالمي وصندوق النّقد الدّولي أو نادي باريس، حيث كلفت الدّيون حوالي 16% من ميزانية البلاد، طيلة حوالي ثلاثين سنة، ووجب تعيين لجنة لمراجعة الدّيون وإلغاء ما أطلقت عليه الأمم المتحدة “الدّيون الكريهة”، أي التي لا يستفيد منها الشعب.

يفترض هذا المنطق أن لا تُمثّل الدّولة مصالح أصحاب شركات التّوريد (بالعملات الأجنبية) وأن لا تُمثِّل مصالح الوُكلاء المحلّيّين للشركات الأجنبية، ولا أصحاب المزارع الكُبْرى التي تُلَوث المحيط وتستنزف الموارد، من أجل إنتاج سلع مُعدّة لأسواق الدّول الإمبريالية، بل تُمثّل نقيضها، أي مصالح العاملين بأجْر، والكادحين الذين يخلقون الثّروة، في كافة قطاعات الإنتاج (الفلاحة والصناعة والمِهَن الأخرى) والخدمات، كالتعليم والصحة والنّقل وغيرها، كمرحلة انتقالية، نحو مجتمع عادل، يطلُب من كل منّا بذل ما يستطيعه من جُهْد، لينال ما يحتاجه لتلبية متطلباته المادية والفكرية والترفيهية، وبالتّالي من الضّروري نبذ وهم إصلاح الرأسمالية، أو التّعويل على فئة برجوازية “مُتَنَوِّرَة”، لتحقيق العدالة الإجتماعية، وفي المقابل وجب استخلاص العبرة من الإنتفاضات العديدة لفُقراء وكادحي تونس والمغرب ومصر وغيرها من بلدان العرب والعَجَم، خلال العُقُود الماضية، والتي قطفت ثمارها قوى رجعية، برجوازية كُمْبْرادُورِية (وكيلة مصالح رأس المال الأجنبي)، ولذا وجَبَ عقد العزم على تحويل الإنتفاضة القادمة إلى ثورة، لها برنامج سياسي واقتصادي، يقطع مع واقع التّبعية، ولها خطط عملية، وقيادات قادرة على تحمّل مسؤولية القطع مع الإحتكارات، وتشريك الكادحين في تنفيذ هذه البرامج وخطط التّنمية (وليس النّمو) التي تمكّن من تشغيل قوى العمل بأقل قدر من الإستثمارات، ومن إنتاج السّلع وتوفير الخدمات الأساسية، مع خفض حصة الخدمات من الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز حصة القطاعات الأخرى المنتجة، كالفلاحة والصناعة، وتشديد مراقبة حركة رأس المال، وحركة التّوريد والتّصْدِير، وتهريب الأموال…

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.