“كنعان” تتابع نشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، لمؤلفه د. عادل سماره، الحلقة (5)

الثورة الثقافية

جزء (2)

اختلاف الآراء في الثورة الثقافية

كما اشرنا أعلاه، فإنه بقدر وجود توافق عالٍ في تقييم الكميونة، ظل التفارق شديداً تجاه الثورة الثقافية، يتراوح بين اعتبارها حالة ثورية مميزة وبين وصفها بحالة إرهابية. وبغض النظر عن تشابه وتقاطع تناقض الحالات التالية، فإنها تشترك مع الثورة الثقافية في الاختلاف عليها، وهي ستالين، ماو، ناصر، صدام ،بشار،  القذافي، حسن نصر الله…الخ.

لكن هذا يفتح على مسألة هامة أخرى، وهي ان الخطاب الغربي الراسمالي والإعلام كذلك ضالعين في شيطنة الثورات والشخصيات الثورية والوطنية بل اي شخصية أو نظام يرفض أن يكون عميلا لها بينما تغطي على عملائها بعبارة حليف[1]. وبالمقابل، قلما نجد نقدا جذريا، ولا حتى سطحياً لقيادات الثورة المضادة الغربية وهم مجرمون قتلوا عشرات بل مئات الملايين، مثلا، ايزنهاور،  ديغول، تشرشل، بوش الأب والإبن، بلير، أوباما، تاتشر، ترامب، كيسنجر، بيجن، رابين نتنياهو ومعظم الحكام العرب وخاصة بن سلمان ولي العهد السعودي واليوم ترامب/و…الخ. وهذا يعود إلى ضعف ودونية في خطاب القوى الثورية التي لم ترتفع بعد لصياغة مواقف نقدية حقيقية من عدوها والقيام بالتثقيف المتواصل ضد الثورة المضادة.

في مسألة الثورة الثقافية، كان هناك تقارب في وجهات النظر حول وجود خلل ما في الحزب، ولكن كانت المعالجة مختلفة:

كانت رؤية ماو:

 “…رغم ان العمال والمثقفين الشباب  ثاروا ضد  الحزب،  فقد فشلت ثورتهم  في تغيير الحزب نفسه،  وحتى حين سُئلوا اين، في اي موقع  كانت البرجوازية موجودة في بلد اشتراكي،  اجاب ماو: ” نعم صحيح هي موجودة في الحزب الشيوعي  نفسه حيث وجدت مكانا مريحا للاختباء  داخل الحزب والوسائل المناسبة لتغطية سلطتها الجديدة”

لا شك أن هذا الوضوح كان تحدياً شديداً لطرائقيي الراسمالية. ويبدو أنهم عملوا كثيراً على تقوية مواقعهم كي ينقضوا على الثورة والبلد، وهذا ما حصل. وتلك حقيقة  نراها اليوم في الصين، فالبرجوازية “اليسارية” تمعن باتجاه التراكم الأولي لراس المال كما بدأت أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر ومع ذلك تزيد بالتوازي مع التوجه الراسمالي رفع عقيرتها بالحديث عن الشيوعية.

في ما استخلصه ماو قوله: “ان الشعب ، والشعب وحده، هو القوة  الفاعلة  في صياغة تاريخ العالم،  بينما كنا نحن انفسنا  غالبا  صبية او جهلة[2]“. ولذا كانت مقولته الشهيرة: “أثبتت الحرب الفيتنامية مع أو ضد الإمبريالية حتى وهي تملك السلاح النووي بأنها نمر من ورق”.

إثر فشل القفزة الكبرى للأمام، اصبح ماو في الأقلية في الحزب امام البراجماتيين حيث اصبح ليو تشاو شي رئيسا، ودينغ امين عام الحزب و بينج زهين رئيس بلدية بكين . حاول ماو عام 1963  قيادة هجوم مضاد  لكنه فشل امام سلطات الحزب النظامية. حينها حاول تحريك قوى غريبة عن الحزب  سواء خارجية (طلاب الحرس الأحمر)  او خارجية داخلية  وخاصة  الجيش  الذي استعاد قيادته بعد عزل بمغ دهواي  واستبداله ب لين بياو.  ولكن القوى الإصلاحية كانت قد تجذرت في مواقع السلطة الرئيسية. ومما أفقد ماو السيطرة هي محاولات الطرف الآخر وضع البلاد في حالة من الفوضى لإعاقة تموضع ماو وذلك على النحو التالي:

  1. لا استقرار،  فلم يعد ممكنا في ظل حزب-دولة تطبيق الأفكار الحرة الخلاقة للطلبة  والجماهير العاملة بين 1966-68.  ولا السيطرة الإيديولوجية  مقابل تحكم الجيش بالسلطة  بين 1968-71. ولا  الحلول  بالمواجهة بين الاتجاهات المتناقضة  1972-76. لم تسمح هذه التطورات للافكار الثورية ان تغرس جذورها.  وعليه فإن حالة سياسية جديدة  منفصلة تماما عن الموديل السوفييتي  لا يمكن ان ترى النور  على صعيد المجتمع ككل.
  2. 2-     فيما يخص قوى خارج الحزب كان لا بد من تحطيم  الشكلانية البيروقراطية على الأقل لاستمرار الحراك الشعبي.
  3. الصراع على السلطة: انه من المقرف رفض الصراع على السلطة  والثورة طالما  بالثورة فقط يمكننا  فهم  التمفصل بين  القوى السياسية  المتناقضة  على مسالة السلطة.
  4. القفزة الكبرى للأمام: كانت فشلا مرا.  لكنها كانت امتحانا للعقيدة الاقتصادية لستالين، لمفهوم ستالين للتجميع وإهمال للفلاحين. ولكن هذا قابلٌ للنقاش بمعنى أن الحالة السوفييتية ربما كانت تقتضي التجميع القسري لأن البلد كانت امام تحديات الوجود.

كان موقف ماو لا للتجميع بالقوة  والعنف  من اجل تراكم  بأية كلفة في المدن.  بل تصنيع الريف محليا لاعطائه استقلالا اقتصاديا ذاتيا   لتلافي البرتلة المتوحشة  وتلافي تجربة السوفييت للتركيز على المدينة  التي اتخذت شكلا كارثيا في الاتحاد السوفييتي.  اتخذ ماو الحل الفعال  في العلاقة بين الريف والمدينة وليس  التدمير العنيف  للريف لصالح المدينة.

أدنى وأخبث مستوى

سيجد القارىء في التالي مفاجأة تبين إلى أي حد من الكذب واستهبال القراء يصل الإعلام والأكاديميا الغربية الرأسمالية في عدائها وحقدها على الفكر والنضال الشيوعيين، وخاصة في حالة الصين الشعبية في فترة ماو.

في برنامج قصير بمناسبة مئوية ماوتسي تونغ، بثت قناة بي.بي.سي البريطانية، صاحبة السمعة المهولة، برنامجاً وضيعاً صورت ماو على انه وحش رهيب، وليس فقط بل وحش عربيد يمارس العربدة الجنسية مع فتيات صغيرات. إلى هذا المستوى من الحقد والكراهية هبطت هذه القناة[3].

يقول كاتب آخر ضد الصين:

“…ارسى اليابانيون في عدوانهم على الصين  الإرهاب  والحرب  ضد الفلاحين خاصة واستمر التأثير حتى منتصف السبعينات … لدى كثير من الصينيين  فإن الحرب والماوية كانتا مثابة عاصفة تامة… لقد مات  اكثر من اثنين وعشرين مليونا وهناك عدد لا يحصى ممن دمرت حياتهم[4]. “

لك أن تلاحظ الخبث الهائل في هذه الفقرة التي تساوي بين الماوية التي هزمت الاحتلال الياباني واقامت أضخم دولة اشتراكية وبين العدو الياباني الاستعماري، وهذا هبوط أخلاقي رهيب يضع به الكاتب نفسه في موضع رجل المخابرات وليس الأكاديمي!

طبعا يتسابق اللبراليون الغربيون وغير الغربيين على المبالغة في عدد ضحايا الصراع الطبقي [5]في الصين وذلك بنَسْب سقوط الضحايا إلى معسكر الثورة، أنظر تقديرات عدد الضحايا المبالغ بها لاحقاً .

ويتبين من المقتطف التالي مدى المبالغة التي تستخف بعقول البشر:

“… مثلا عام 1958 أُرسلت فتاة ابنة سبع عشرة عاما الى مخيمات العمل  لأنها قالت لصديق بأن ” دهان الأحذية الأمريكي جيد فعلا”.  وكانت التهمىة ضدها انها مبهورة ولديها إيمان اعمى في اشياء الإمبريالية[6]” .

وبالمناسبة، هذا منقول عن اطروحة دكتوراة لطالب صيني في جامعة كولومبيا البريطانية[7]!!!!

يستدعي هذا أطروحة طالب بريطاني ايضا الذي زعم أن لدى العراق في عهد صدام حسين سلاح نووي وتم اعتماد تلك الأطروحة لغزو العراق وتدميره! ليتضح ان ذلك كان كذباً. أو ما لفقه سفير الكويت في الأمم المتحدة بأن الجنود العراقيين حينما حرروا الكويت كانوا ينزعون انابيب الأكسجين عن الأطفال الخُدَّج في الحاضنات. أما العبرة فهي أنه حتى الأكاديميا الغربية موظفة لصالح راس المال والشركات وأجهزة المخابرات. فمتى يتعظ مروجوا “ديمقراطية” الجنة الغربية وخاصة ما تسمى “الموضوعية”؟

يضيف الكاتب إياه: “… بعض المستشارين السوفييت لاحظوا انها مخيفة “أي الثورة الثقافية- ع.س” فحينما كانت موسكو  تغادر نمط الإرهاب الستاليني كانت تبدو الصين متجهة اليه” ص 323 … ظهرت اكواماً من الجثث،  بنفس الطريقة التي قام بها ستالين وهتلر في الماضي وما سيقوم به  بول بوت  في المستقبل”[8]

لا يسعك سوى الاستنتاج بأن هذا الكاتب يشتغل بشكل منهجي لتشويه الشيوعية، حيث يمتدح التحريف الذي بدأه خروتشوف نحو ردة يمينية ويتورط في الهجمة الغربية الراسمالية ضد ستالين ويوازيه ب هتلر:

وفي شبق للكاتب ضد فك الارتباط بالنظام الراسمالي اللصوصي العالمي كتب:

“… في آب 1963 وقعت الصين اتفاقية عدم اجراء تجارب نووية في خطوة لتخفيف حرارة الحرب الباردة.  لكن ماو لم يفعل. بل في اكتوبر 1964 اخذ بلاده بعيدا عن التفاعل مع معظم العالم  مع انجازها صناعة قنبلة نووية. وحيث صارت لديها حيازة النووي الى جانب الأمن كما يعتقد ماو، بدأ ماو  يتحدث في نهاية العام بشكل مبهم عن اعداء الثورة “طرائقيوا رأس المال” داخل الحزب الشيوعي الصيني[9].

بعد ان يزعم الكاتب ان الثورة الثقافية قتلت اقل من الوثبة الكبرى للأمام  واثرت على الاقتصاد  اقل،  ولكن فيما يخص حياة الناس اليومية ” فيزعم الكاتب-ع.س”  أن الثورة الثقافية حولت حياتهم الى دمار وبلا معنى فقد كانت أسوأ… انها ، اي الثورة الثقافية، هي المحاولة الأخيرة من ماو كي يعزل الصين ويؤبِّد ثورته”.[10]

لا غرابة في تركيز الكاتب هجوما مطلقا ضد الثورة الثقافية، ولا غرابة أنه لا يعتبر مآت ملايين الضحايا نتيجة حروب الاستعمار الراسمالي الأوروبي  والحروب البينية بين الأوروبيين وخاصة الغربيين، بل هو كغيره ربما يعتبر تلك الحروب رافعات لتطوير الشعوب “الهمجية”. أما قوله بأن ماو عزل الصين، فذلك استخفاف منه آخر بعقل القراء. فالكاتب يُغفل الاستراتيجية التنموية الضرورية والناجعة لبلدان المحيط وهي فك الارتباط De-linking عن السوق العالمية كي لا يستمر نزيف الفائض للخارج فتعجز التنمية الذاتية. هذا الموقف من الكاتب، إما ناجم عن جهل منه بهذه الاستراتجية الثورية، أو أن موقفه هو نفس موقف إيديولوجيي السوق الحرة وتحرير التجارة الدولية لهتك أية حماية من بلد لاقتصاده، وهذا موقف أكثر رداءة وتوحشاً.

ولكي يكتمل الخبث، لا بد للكاتب من “دحش” اليهود في الصورة في تقديم لفريضة الولاء للصهيونية:

“… يُذكر عن شخص يهودي بولندي اسمه اسرائيل ايبستين ورئيسه سيدني ريتنبرغ أنهما اسسا فرقة حرس احمر ومع ذلك تم  تخفيض وضعهما ولاحقا حوكم ايبستين بالسجن خمس سنوات وريتنبرغ عشر سنوات. ثم يقول الكاتب:”لقد اظهر روتنبرغ مختلف الكفاءات  التي تعودنا عليها في يهودي[11]“.

في هذا المقتطف، يدهشك أن أي كاتب ملتزم بإيديولوجيا اللبرالية واللبرالية الجديدة وإعلام راس المال يجب أن يُبرز يهوداً بشكل مقصود وبطريقة تعسفية أي ب “الدحش”. فلا بد أن يبين ان اليهودي افضل ثوري وأكثر من يتم ظلمه. لا يسعك هنا ان لا تتوقع علاقة ما، رشوة ما، للكاتب من الصهيونية، فأموالها هائلة.

هذا إلى أن يُطال ماوتسي تونغ التشويه على حساب زوجته: “… قوضت الصين العلاقة بموسكو لأسباب وطنية فقط  وكانت الثورة الثقافية  نتيجة لسوء فهم  الى جانب الطموح الأرعن لإمرأة، زوجة ماو جيانغ كينج”[12].

وقاحة مضحكة!. فالخلاف الصيني السوفييتي هو مسألة فكرية نظرية نضالية بين الاتجاهين الصيني والسوفييتي بغض النظر عن أيهما الأدق والأصح. لكن الكاتب يحاول غمط الخلاف النظري بتمويهه على انه مسألة قومية.

والمفارقة في اصطفاف اليسار إلى جانب الراسمالية في تشويه الثورة الثقافية وتصنيفها كخطر وخلل تورط فيها ماو تسي تونغ:

“… تمت مختلف حركات التصحيح أحياناً بشكل شامل وأحياناً أخرى بشكل جزئي كما هو حال الثورة الثقافية التي حصلت كنمط سلطوي وذلك بإشراك أو عدم إشراك جماهيري. إن كل حملة تصحيح هي مثابة تطهير كلي وحملة تعليم إجبارية.وفي الحقيقة تبدو الثورة الثقافية من زاوية واحدة كأمر مزعج مثير وكحركة تنوع جماهيري، ولكن من؟ إن لم يكن الرئيس قد تبنى خدمة هذه الجماهير، وهو الذي أرسلهم إلى بيوتهم”[13].

عمر أقصر مما نُسب لها:

يرى جاو : “…أن الثورة الثقافية الحقيقية هي فقط في الفترة ما بين  1965-68. بل حتى  من ايار 1967 الى ايلول 1967 حيث النشاط السياسي  للجماهير،  شعاراتها  ، منظماتها الجديدة،  ومواقعها.  كانت هناك ثورة  حيث كان هناك حرس احمر،  الثوار، العمال الثوريون  منظمات متعددة  قيادة عامة  ظروف غير متوقعة   تصريحات سياسية جديدة  نصوص لا سابق لها”[14].

هذه النشاطات الميدانية تشبه بعد مئة عام النشاط العفوي البرِّي للكميونة حيث النشاط الحر الذي يؤسس للديمقراطية الشعبية الحقة.

من هنا، كان توجه ماو بأن : “اختلاف المواقف لا يحل  بالعنف ولا بالشكلانية الرسمية البيروقراطية ولكن بالحراك  السياسي  الشعبي الجماعي . وانه لحل الخلاف ولضبط سيطرة المراتب العليا في الدولة والحزب ،  لا بد من تحرك  غير مقود/مُقيَّد من الثورة  والتنظيم”.

وبعد تردد طويل هو ومن معه قرروا ممارسة ذلك بدءا بالطلبة الجامعيين والعمال .

ولكن في خطوة مناقضة حاولوا ان يجمعوا معا مختلف الابداعات  التنظيمية  للثورة في فضاء عام للحزب-الدولة إلى أن توصل هو ومؤيدوه  الى ان البرجوازية  اعادت تشكيل نفسها وتنظمت  داخل الحزب الشيوعي نفسه، وهو ما افقد ماو القدرة على تحريك الحزب. وربما كان هذا ما اوصل آلان باديو إلى قناعة تجاوز الحزب ولكن دون أن يقدم رؤية عملية تتجاوز الحزب نحو الثورة المتواصلة التي لم يحدد أداتها بل أدائها في التحول المتواصل. وكما يبدو رأى أنها إن هدأت … ماتت!

تدرُّج الانخراط والتصعيد في الثورة:

 ارتكازا على التحول الشعبي السلمي، كان هدف ماو في البدء الاكتفاء بطلبة الجامعات والمؤسسات التعليمية.   لكن في آب 1966 انتشر الحراس الحمر في  المدن  ثم كانت محاولة  احتواء  الثورة في الشباب  في المدارس والجامعات.  ولكن مع نهاية 1967 وما بعدها اصبح العمال قوة  اساسية  في الحراك. نلاحظ التشابه قي تدرج الانخراط في ثورة الطلاب في فرنسا 68 خاصة بعد بضع سنوات ، دخول العمال جاء بعد الطلاب وغيَّر المشهد.  في الحالتين قيادات النقابات خانت العمال بسبب رشوة وفساد قيادات نقابية وكذلك الاتجاه الاقتصادوي. كما ان كثيرا من المثقفين في الحالتين وقفوا ضد الثورة!!

أما الحزب، سواء الحاكم في الصين، أو المعارض في فرنسا،فإما تخلى عن أو خذل، أو لم يرتق للدور المطلوب، أو وقف ضد الثورة.!

 حينها بدأ ماو البحث في  إمكانية ابقاء الجيش والدولة بعيدين عن الحراك،  لكنهما اصبحا فيها عام 1967،  ثم صار الهدف بقاء الجيش  كملاذ اخير،  لكن انتشار العنف في وهان وكانتون 1967  في آب 1967 حال دون ذلك. أما العامل الذي اسس لعدم دخول الجيش في الحراك  الثوري فلأن قيادته لم تكن بيد فريق ماو.

كان هدف ماو استبدال الحزب بحزب الدماء الجديدة، لذا ركز على أن تلك المنظمات الشعبية ليست مؤقتة  بل دائمة، أي استبدال أو ربما موازاة الحزب الذي تبقرط بحزب بلا بيروقراطية أي الوصول إلى الانتخاب الشعبي الحر بدل الحزب الذي اصبح مفروض بيروقراطيا على الشعب.  ذلك لأن النص الحزبي يمنع حرية  النقد فلا بد من تجاوز هذا التقييد.

فبموجب النص الحزبي: ” ان نقد اي شخص بالاسم في الصحافة يجب ان  يقرر بعد نقاش من لجنة الحزب  على نفس المستوى وفي بعض الحالات  يقدم للجنة الحزب  في المستوى الأعلى كي يُوافق عليه”[15].

مضمون هذا النص واضح بأنه يضع النقد في عمليات تنقية وتدقيق وتشغيل جهاز رقابي هائل في بلد كالصين مما يعني انه حنى نشر النقد المصرَّح به سوف يبهت او يموت بسبب طول المدة إلى أن يتسنى له النشر!  وفي النهاية ربما يحصل تدجين بيروقرطي. وإذا كان هذا النص قد دفع ماو لتجاوزه، فليس من الواضح إن كان هذا النص  قد وُضع أساساً/سابقاً  بقبول ماو نفسه.

بدايات الثورة وصراع القوى:

بدعم من كوادر يؤيدون ماو منذ وقت طويل وجزء من الجيش  تم تطهير البلدية في شنغهاي واللجنة الحزبية للحزب.  وهو ما يسمى القبض على السلطة  تحت اسم كميونة شنغهاي  والتي تمثل نقطة تحول في الثورة الثقافية،  واعلنوا مواصلة نفس النهج وطبعا تمت إهانة  القيادات البيروقراطية بالركل  واسوأ من ذلك كما كنب جاو.

تجدر الإشارة إلى أن كل طرف كان يعمل لتمتين معسكره، فقد نجح الطرائقيونCapitalist Roaders   بقيادة شو ان لاي في إعادة دينغ للقيادة وهو ايضا  من اتخذ الطريق الراسمالي وأصبح الأمين العام بعد ماو.

ومقابل احداث شنجهاي، قامت الكوادر المحافظة بتحرك بدأته في الأرياف  بتحريك ميليشيا من مناطق ريفية  للمشاركة في  قمع الحراس الحمر  والثوار مما يعتبر نقطة تحول  عام 1968.  وبموجب إعادة هيكلة الحزب على يد اللجنة المركزية باكراً   منذ 1961 أن اصبح ليو تشاو تشي رئيسا للدولة بدل ماو. وليس واضحا بالطبع إن كان ماو قد اختار قيادة الحزب، ومن ثم إن كان قد تمكن من محاصرة الطرائقيين داخل الحزب وهو الأمر الذي اقر بفشله فيه لاحقاً. ويبدو، أن قوة الحزب وتاثيره لها معنى وفاعلية خلال الثورة اقوى من فاعليتها في ظل الدولة ولاسيما إذا كانت السلطة في الدولة موضوع تنافس بين خطين.

هنا نلاحظ التقاطع بين قيام البرجوازية في فرنسا بتحريض الفلاحين ضد الكميونة فقد قام الفلاحون في ليون بمشاركة ثورية في فترة الكميونة، وبدء الطرائقيون بتحريك الريف ضد شنجهاي. هذا مع العلم أن الفلاحين كانوا عماد الثورة ومن ثم الانتصار والاستقلال!

في 20 آب 1968 قامت ما تسمى  قوات الصدمة  والمكونة من “مليون من الأبطال”  مدعومة من وحدات من الجيش  باحتلال النقاط الاستراتيجية في ووهان   وشن هجمة  “صيد الساحرة” الثوار في المدينة.

قبضت مجموعة من الجيش  على وانج لي ومع عدد  قليل من الحرس الأحمر وضربتهم بقسوة.

تم اعتقال اللجنة الثورية ولكن  بعض الجنود مكنوا وانج لي من الهرب عبر الأشجار.

تبين هذه التطورات أن الكفة رجحت لصالح الطرائقيين باكراً بغض النظر عن تأخر هزيمة الثوار.

مع بداية 1969 كانت سلطة  لين بياو  والجيش قد تمكنت.

توصل ماو الى قناعة انه منذ الاستيلاء على شنجهاي فإن  ايديولوجيا البرجوازية والبرجوازية الصغيرة المنحرفة  قد  تفشت بين  المثقفين والطلبة  وخربت الوضع.

كان لعبارة ماو “ان البرجوازية  موجودة داخل الحزب الشيوعي” مدلولها النقدي  والتحريضي ضد الطرائقيين،  وهو ما حفز شجع الثوار الذين وزعوا شعار  “من حقك ان تثور”.

مقولة ماو هذه : “إن البرجوازية داخل الحزب الشيوعي” هي التي لم يتوقف تاثر باديو بها حتى الآن

بقوله: “…  نعلم ان مختلف  السياسات التحررية  يجب ان تضع حدا  لموديل الحزب  او العدة احزاب،  من اجل تاكيد  سياسات “بدون حزب” ولكن في نفس الوقت دون التورط في الفوضوية[16]“.

هي مقولة جميلة ثورياً، ملهمة وشاحنة، ولكن كيف يمكن للتحرر أن يتمكن من تصميم معادلة تتجاوز الحزبية ، الدارجة على الأقل، من جهة، وتتوقف على حافة أو عند عتبة الفوضوية؟  فاتخاذ موقف متماسك بين حدَّيْ البيروقراطية والفوضوية يراه لينين في الحزب الشيوعي الذي يؤكد المركزية الديمقراطية والنقد والنقد الذاتي ويراه ماركس في “إن سلاح النقد لا يغني عن نقد السلاح”. لكن باديو يؤكد وجوب مغادرة الحزبية على الطريقة اللينينية.

هذا ما عبر عنه ماو على النحو التالي:  لا يمكن ترك  الحركة الشيوعية   لجهاز الدولة فمن الضروري   للمنظمات الجماهيرية المستقلة  وحتى المنظمات الشعبية  ان تنفصل عن الحزب ان تخلق ضمن دينامية التاريخ، حتى لو اقتضى الأمر، الانتفاضة”.

وهذا ما عمل ماو في النهاية على تنفيذه. وعليه يترتب السؤال:

هل اخفق في إبداع طريقة تتجاوز الدولة/السلطة والحزب؟ أم أن الظرف الموضوعي ثورياً لم يكن ناضجاً لحمل التجربة الجديدة؟ هل لم تكن مكتملة؟

ومن جهة ثانية، هل قدم باديو تطويراً نظريا لأطروحة ماو وثورته الثانية اي الثورة الثقافية؟

هل كان ماو، مأخوذا بمقولة إنجلز ”  العنف قابلة التاريخ”. وهل تمكن من ضبط العنف الثوري في الثورة الثقافية؟ أم أن عنف الطرائقيين قد قطع الطريق عليه؟

كان ماو مترددا اثناء الثورة الثقافية، حيث فكر بان الكوادر ربما يغيرون موقفهم على ضوء تحريك الجماهير.

لقد تم الصفح والتسامح مع   أعداء الحزب الشيوعي أمثال ملاك الأرض والرأسماليين والرسميين القوميين والضباط ، ولكن الثوار بقوا يُعاملون كأعداء للإنسانية وهذا يطرح السؤال عن مدى كون الديمقراطية ضمانة حقيقية للحرية. لذا يجادل باديو بأن الديمقراطية هي تنظيم سلطة  الهيمنة المسيطرة. هي عملية تشريع او تاسيس السيطرة. لذا يرى باديو، أن مأساة المسيحية حصلت حينما اصبحت دين دولة.

ليست الديمقراطية ضمانة للحرية وهي بطبيعتها لا ترقى إلى هذه الدرجة من الضمان. هي آلية ضبط علاقة بين السلطة والرعية وبين الذكر والأنثى وداخل الأسرة. ومن هنا، فإن من بيده السلطة هو اكثر من ينتهك الديمقراطية وأكثر من يزعم التعلق بها.

الغرب وشيطنة الثورة الثقافية:

إضافة لما طرحناه أعلاه، لم يغب الغرب الراسمالي عن تطورات الصين كعدو لها، بل كانت المهمة الأساسية للإمبريالية منذ الثورة البلشفية هي تهديم الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية، ولا ينفي هذه القاعدة الأساس، بل يؤكدها، ذلك العدوان الغربي الراسمالي على العديد من بلدان العالم التي لم تنخُّ تحت عباءة هذا الغرب. ولو كانت الحرب على هذين النظامين أقل كلفة لما ترددت الإمبريالية لا حينها ولا حتى اليوم بعد الاشتراكية. اما الثورة الثقافية فكان دور الغرب مركزيا/قيادياً  في شيطنتها. تضمن ذلك اتهام الثورة الثقافية بالدعوة لتدمير الأربعة القديمة:

الأفكار القديمة، والعادات القديمة، والثقافة القديمة والمسلكيات والعادات القديمة. وهي مزاعم تنفيها مسيرة الثورة الصينية التي قادها ماو والرفاق والحزب ارتكازا على الفلاحين وقومية الطبقات الشعبية وهما ركيزتان تنطلقان من الأربعة القديمة نفسهاولكن لا تتبنى الجوانب الغيبية والرجعية فيها.

لكن ما يخفيه الغرب ان الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو رفع متوسط العمر في الصين من 35 عاما سنة الاستقلال 1949 إلى 63 عاما 1975 وحقق مساواة المرأة بالرجل ونقل المرأة إلى فضاء التحرر بأبعد من المساواة وجعل الصين دولة عظمى، وحقق الإصلاح الزراعي ونقل التعليم من كونه فاسدا لصالح الطبقات العدوة :ملاك الأرض، الفلاحون الأغنياء والمضادين للثورة. كل هذا رغم الانخراط في حربي مقاومة معاً:

  • العدوان الغربي كثورة مضادة .
  • ومواجهة الثورة المضادة داخل البلد.

يرى باديو ان الثورة الثقافية كانت محاولة، حتى لو فشلت في خلق ذاتوية جديدة. لماذا تم النظر إلى الثورة الثقافية على انها  فقط عنيفة وتدميرية؟ إن منطق دفن الثورة يتطلب رواية تركز على المستوى العنيف  والتدميري للثورات الشعبية. وكما اشار وانغ شاوجوانج[17] فإن الأدبيات الحالية تركز على الجزء التدميري للثورة الثقافية بينما تعير انتباها قليلا لجزئها البنائي. فقد حصل التدمير غالبا  في بداية الثورة الثقافية في سنوات 1966-1967  وإلى حد ما عام 1968، بينما فترة البناء امتدت من 1967 وحتى 1976. يشترط منطق وأد الثورة رواية تنكر السمات البنائية للثورات الشعبوية[18].

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

______


[1] كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأول (من نوعه) الذي رفع الغطاء الشكلي عن الأنظمة العميلة بقوله عن أنظمة الخليج العربي بأن هذه الأنظمة لا تعيش اسبوعا دون حمايتنا .

[2] Gao, 2008, p. 54

[3] By William Hinton September 1, 2004, On the Role of Mao Zedong

monthlyreview.org/2004/09/01/on-the-role-of-mao-zedong

[4] Westad Odd, Restless Empire  China and the World Since 1750, the Bodley Head London, 2012 , p.15

[5] Westad Odd, Restless Empire  China and the World Since 1750, the Bodley Head London, 2012 , p.15

[6]نفس المصدر ص 15

[7] نفس المصدر ص 15

[8] نفس المصدر ص 334.

[9] نفس المصدر ص 345

[10] نفس المصدر ص 245

[11]  ص ص  355-  356 من الكتاب، نقلا عن:

  Anne-Mariie Brady, “Red and Expert : China’s  ‘Foreign Friends’ in the Great Proletarian Cultural Revolution, 1966-1969, “ in China’s Great Proletarian Cultural Revolution : Master Narratives and Post-Mao Counternarratives, ed. Woei Lien Chong (Lanham.MD: Rowman & Littlefield, 2002),p. 121.

[12] Westad Odd مصدر سبق ذكره ، ص  416

[13] Gilbert Pauol, China 1974 Problems and Models, New Left review, no 89  January-February 1975, p.80

[14] Gao 2008 ibid, p. 85

[15] Badiou Alain, The Communist Hypothesis, Verso, 2015, p. 95

[16] Badiou Alain, The Communist Hypothesis, Verso, 2015, p.117

[17] Wang Shaoguang (2006), ‘Comments’ at the ‘Is a History of the Cultural Revolution

Possible?’ workshop with Professor Allan Badiou, Washington

University, Seattle, 22–26 January, in Gao, p. 208

[18] The Communist Hypothesis 2015 ibid, p. 96