صمود مُثْمِر لمُزارِعِي الهند، الطاهر المعز

أحاول من خلال هذه الفقرات التّذكير بأحد أهم النضالات، على مستوى عالمي، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، وهو نضال صغار المزارعين بالهند، الذين صمدوا طيلة أكثر من سنة، ونجحوا في كسر شوكة حكومة قمعية ويمينية متطرفة، ولنا في هذا النضال الطويل والشّاق عِبَرٌ يمكننا الإستفادةُ منها.

نشرت مجلة “فورين أفيرز”، المُقَرّبَة من وزارة الخارجية الأمريكية، في الأسبوع الأخير من آذار/مارس 2021، مقالاً بعنوان “تراجع الديمقراطية بالهند”، وأعاد المقال إلى الأذهان ظُرُوف حصول حزب “بهارتيا جاناتا” (طائفي هندوسي، يميني متطرف) على أغلبية مقاعد البرلمان الإتحادي، بزعامة “نانيندرا مودي” رئيس الحكومة، منذ 2014، الذي وعدَ بجعل الهند دولة قوية منافسة للصين، وبعد صُدُور تقريرَيْن أمريكِيّيْن عن تراجع مستوى الحريات الديمقراطية، أصبحت بعض المؤسسات الأمريكية، المُقرّبة من دوائر الحُكم الأمريكي، توجّه انتقادات إلى “حكومة الهند الحليفة”، ووصفتها منظمة “فريدوم هاوس” ب”نظام سُلْطَوِي انتخابي” (بدَل “نظام ديمقراطي انتخابي”)، بسبب تركيز السلطة بين أيدي رئيس الحكومة وبعض الوزراء، وهيمنة السّلطة التنفيذية على السّلطة التّشريعية، ودعم عنصرية الهندوس الرّفضين للتنوع الأثني والدّيني واللغوي بالبلاد، وتضييق الخناق على قُوى المُعارضة، وعلى وسائل الإعلام، واستخدام العُنف والقوة المُسلّحة لقمع الإحتجاجات السّلمية، إلى درجة الإغتيال والقتل الجماعي وعمليات الإبادة…

اعتمدت الدّعاية الإنتخابية لحزب “بهارتيا جاناتا”، سنة 2014، على مكافحة الفساد، ولما حاز أغلبية عريضة زاد تَفَشِّي الفساد، وألغى نواب الحزب (الذين يُشكّلون أغلبية نواب البرلمان الإتحادي) عددًا من اللجان المُكلّفة بمراقبة الإعلام الحكومي وإنفاق المال العام واحترام القوانين الدّستورية، وغيرها، وأصبح كل مُعارض لسياسات الحكومة مُتّهَمً بزرع الفتنة وبتقويض الوحدة القومية، ونظرًا للعلاقات القوية التي تعزّزت مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني (فالهند أكبر مُوَرّد عالمي للسلاح الصهيوني)، والأنظمة الأكثَرَ رجعية في العالم، أصبحت الهند محورًا لتحالفات الإمبريالية الأمريكية، وأشرفت الولايات المتحدة، في بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2021، على قمة، جمعتها مع  مع الهند واليابان وأستراليا، لمواجهة الصّين…

داخليا، بدأت موازين القوى تتغير، وانخفضت شعبية حزب “بهارتيا جاناتا” وزعيمه “نانيندرا مودي”، دون تهديد هيمنته على السّلطة، لكن تَعدُّدَ المواجهات مع قوى المعارضة ومع نقابات العُمّال والمزارعين، وتصلّب مواقف الحكومة التي تُريد فَرْضَ قواعد الإقتصاد النيوليبرالي، في مجتمع لا تزال الزراعة والملكية العائلية للأرض تحتل حيزا هامًّا من اقتصاد البلاد، ولما احتج صغار المُزارعين على ثلاثة قوانين مُضِرة بهم، لأنها تُلغي دعم المزارعين والإنتاج الفلاحي، وتُعزّز مصالح الإحتكاريين، جابهتهم السّلطة بتكثيف القمع واستخدام السّلاح، وأصبحت مواجهة الدّولة مع منظمات المزارعين حَدَثًا عالميا، والتَفَّتْ فئات عديدة من السّكّان حول المُزارعين وأيدت نقابات العُمال مطالبهم، ونفذت معهم إضرابا عاما، دعمته شرائح عديدة من السّكّان، كالطّلاب والشباب والنساء وصغار التّجار والفنانين، وتعزّز تحالف العُمّال والفلاحين…

بدأت حركة صغار المُزارعين في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، ورفضت الحكومة، حتى بداية سنة 2021، أي حوار مع المزارعين الذي تمسّكوا بممارسة حقهم في الاحتجاجات السلمية والمنضبطة، طيلة شهر ونصف الشّهر، ثم قَرّروا مُحاصرة العاصمة الإتحادية “نيو دلهي”، فقبلت الحكومة التحادث مع ممثليهم، يوم الثامن من كانون الثاني/يناير 2021، وأدرك المزارعون أنها مُجرّد مناورة، عززوا حصار العاصمة، رغم البرد الشديد، ورغم القمع، اللّذيْن أدّيا إلى وفاة خمسين مزارع، خلال سنة واحدة، وصمد الفلاحون بدعم من فئات عديدة من السّكّان، ومن نقابات العُمّال والمثقفين والفنانين وأحزاب المعارضة، وحتى بعض المجموعات السياسية الصّغيرة من حلفاء حزب “بهاراتيا جاناتا”…

تجاهلت الحكومة هذا الإلتفاف الشعبي، ورفضت الإستجابة لمطالب حركة الفلاحين بإلغاء القوانين الثلاثة، وبقيت الحكومة مُتعنّتَة حتى نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2021، بل تعمّد نائب برلماني من الحزب الحاكم، ضَرْبَ المزارعين يوم 07 تشرين الأول/اكتوبر 2021، وواصلت الحكومة المواجهة المفتوحة مع المزارعين الذين أفشلوا زيارات عدد من الوزراء واحتلوا محلات الحزب الحاكم ونوابه بالبرلمان، وانتشرت راياتهم ولافتاتهم وملصقاتهم، وشعارات إلغاء القوانين الثلاثة، بجميع مناطق البلاد، وتمكّنوا من إلغاء مؤتمر صحفي للحزب الحاكم، يوم 28 تشرين الأول/اكتوبر 2021، بينما يتهيأ الحزب الحاكم لخوض انتخابات بست ولايات، وانهزم في أُولاها ( انتخابات مجلس ولاية البنغال الغربية )، وهدّد المزارعون بتعطيل الحملة الإنتخابية لحزب “بهارتيا جاناتا” في الولايات الخمس الأخرى، خلال الأشهر المقبلة…

انتشرت كذلك أخبار الفساد والرشوة والفضائح وأصبح قادة الحزب الحاكم يواجهون معارضة ما فَتِئَتْ تتسع، ومنع المتظاهرون قادة الحزب من دخول القاعات التي كانت مُعَدّة لاستضافة اجتماعات انتخابية، وندوات صحفية، طيلة شَهْرَيْ تشرين الأول والثاني 2021، وأصبحت بعض القنوات الإعلانمية تنشر أخبار نضالات المُزارعين، بعد مرور أكثر من سنة على بداياتها، وبذلك سَدّدت حكومة حزب “بهارتيا جاناتا” ثمن هذا التّشدّد إزاء مطالب الفلاحين، ففي بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2021، نشرت بعض مؤسسات سَبْر الآراء نتائج دراسات تُشير إلى استياء عدد متزايد من المواطنين بسبب تراجع مؤشرات “الحوكمة والقانون والنظام والصحة والتوظيف وارتفاع الأسعار وما إلى ذلك”، وأدّات مجمل هذه العوامل إلى تراجع الحكومة التي اضطرّت، في خطوة أولى، إلى إزالة الحواجز من مداخل مدينة نيودلهي، ليتمكّن المزارعون من الذهاب إلى البرلمان، لدّفاع عن مطالبهم، ومن بيع محاصيلهم، وأصبح بعض النّواب يُعبرون عن أهمية الزراعة التي تُشكل نحو 80% من مقومات اقتصاد البلاد، قبل أن يُعلن رئيس الوزراء “ناريندرا مودي”، يوم الجمعة 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، “إلغاء القونين الزراعية الثلاثة، التي صدرت في أيلول/سبتمبر 2020، وسيتم تشكيل لجنة لبحث مختلف القضايا المتعلقة بالإصلاحات الزراعية…”

استخلاصات:

خاض مزارعو الهند نضالاً طويلاً وقاسيا، راح ضحيته خمسون شهيدًا، وأدّى صُمُودُهُم طيلة أكثر من سنة، إلى التفاف فئات عديدة من السكّان حولهم، ما خلق جبهة بين العُمال والفلاحين والشباب والطلبة والنساء والمُثقفين والفنانين والعديد من الفئات التي دعمت مطالب المزارعين، الذين يحتجّون على قوانين الزراعة التي تم الإعلان عنها في أيلول/سبتمبر 2020، والتي تُلغي الدّعم وتلغي حمايتهم من جشع الشركات الكبرى التي تدعمها الحكومة، باسم “حرية التجارة والأسواق”، وتتعلق حماية الفلاحين التي حصلوا عليها منذ عقود عديدة بتحديد سعر أدْنى للمحاصيل وتخزين وتسويق وببيع المنتجات الزراعية…

انطلقت الإحتجاجات منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بتجَمُّعِ عشرات الآلاف من المزارعين من عدة ولايات شمالية، منها “البنجاب” و”هاريانا” و”أوتار براديش” و”راجستان” بمخيمات في مداخل العاصمة الإتحادية نيودلهي، من أجل إلغاء هذه القوانين التي تُلغي الأسعار المضمونة، وتضعف قدرتهم على الصمود في وجه الشركات الخاصة التي تحاول سرقة جهودهم، واشتبك المُحتجُّون مع قوات الشرطة التي قتلت أول ضحية خلال هذه الإشتباكات الأولى، وقُتل خلال يوم واحد ثمانية أشخاص في ولاية أوتار براديش (تشرين الأول/اكتوبر 2021)، في اشتباكات خلال زيارة وزير الداخلية…

يعيش ما بين 70% و 80% من سُكان البلاد، البالغ عددهم قرابة 1,3 مليار نسمة، من الفلاحة (الزراعة وتربية الحيوانات) وتبلغ حصة الفلاحة نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ حجمه 2,7 تريليون دولارا، وتتمثل القوانين التي تحميهم في بيع محاصيلهم بالأسواق التي تسيطر عليها الدولة، مما يضمن لهم حدًا أدنى من سعر الدعم لمجموعة من المُنتجات، منها القمح والأرز…

تمكّن الفلاحون، بفضل صمودهم، وبفضل شبكات التّضامن التي نشأت وانتشرت بكافة مناطق البلاد، وأصبحت هذه الحركة التي قادها المزارعون إحدى أكْبَر التحديات التي واجهتها حكومة حزب “باهارتيا جاناتا”، وزعيمه ناريندرا مودي، منذ وصوله إلى السلطة سنة 2014.

يخوض صغار الفلاحين، بمناطق عديدة من تونس والمغرب ومصر وغيرها نضالات بقيت معزولة، ونجحت الأنظمة في حَصْرِها بفئة وبمنطقة محدودة، بسبب غياب حركة سياسية تدعم هذه النضالات وتدفعها نحو التنسيق فيما بينها لتوسيع جبهة الكادحين، وبلورة مطالبهم وتنويع أساليب نضالهم، وخلق شبكات تضامن وطنية ودولية، ولنا في تجربة نضالات مُزارعي الهند درس ونموذج يمكن دراسته والإستفادة منه، وتكييفه مع الوضع الخاص لكل بلد ومنطقة…   

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.