معادلة … الحمدوك، حمدي فراج

عبد الله آدم حمدوك ، من رئيس وزراء الحكومة الانتقالية السودانية الى السجن في الانقلاب العسكري الذي أطاح به قبل شهر ، ثم إعادته الى منصبه تحت ضغط الجماهير الشعبي ، ثم ضغط شعبي آخر لمنعه من قبول اي نوع من الاتفاق مع الرئيس العسكري عبد الفتاح البرهان .

حمدوك الذي خرجت الجماهير على مدار شهر كامل تطالب باطلاق سراحه، وكادت ان تطير رقبته، كما في معظم الانقلابات العسكرية، عاد الى التنسيق مع من أطاح به رغم الاتفاقات المبرمة ما بينهما، بين المستوى السياسي والمستوى العسكري ، دون أخذ العبرة او حتى الحيطة إزاء ما يمكن تدبيره في المستقبل المنظور .

الحمدوك ، شخصية سياسية شائعة في الوطن العربي، يأتي في الغالب من براثن الفقر والاضهاد ، يحصل على بعض التعليم الجامعي وربما بعض الحظوة النقابية او الطلابية ، في غمرة ما ، يصعد الى منصات الحكم والقيادة ، ولكنه سرعان ما يتنصل من شعاراته والتزاماته القديمة ، يتنكر للجماهير التي غالبا ما تكون قد دفعت به الى الامام ، وشيئا فشيئا يصبح معاديا لها ولتطلعاتها ، ولا يتوانى طويلا في معاملتها بقسوة النظام البائد ، يبسط يده الاولى على الاعلام والثانية على الدين ، ويقصي اقرب المقربين منه بعيدا بعيدا ، احيانا بالسجن او الابعاد ، واحيانا بشراء سكوتهم بالمال او بمناصب فارغة ذات ضجيج فاضي ، لكن الاهم من كل ذلك انه لا يحقق اي من المطالب التي كان ينادي بها قبل تسلمه المنصب .

الحمدوك ، نموذج شائع في الوطن العربي ، تجلى بصورة واضحة خلال حقبة الربيع العربي. سعد الدين العثماني الذي كان حزبه الاخواني يشارك في المظاهرات ضد النظام ، اصبح رئيسا للوزراء ، وهو نفسه الذي حمل القلم ومهر اتفاقية “ابراهام” مع الاحتلال الاسرائيلي، وبهذا أدخل حزبه تاريخ العار من حيث يدري او لا يدري كي يحافظ على موقعه المتقدم في المملكة، وفي آخر انتخابات برلمانية ، لم يحصل وحزبه الا على بعض الفتات ، حتى انه هو شخصيا لم يفز بمقعده السابق .

الحمدوك السوداني ، كأنني شخصيا أراه في تونس الغنوشي ، وما بعد الغنوشي ايضا ، الجماهير تطالب بلقمة عيش غير مغمسة بالذل ، ولكن على مدار عشرة اعوام ، لم تتقدم البلاد على هذا الصعيد ، أنملة واحدة.

الحمدوك المصري، هو بمثابة اعادة انتاج النظام القديم ، حمدوك مبارك دون تحقيق اي من مطالب الناس في الحرية والكرامة والخبز ، في ليبيا يتصارع عدة حمدوكات منذ عشر سنوات صراعات مسلحة .

ميزة حمدوك العربي الاخيرة انه اذا كان سلفه قد ادار للديمقراطية ظهره ، فهو هنا يدوسها بقدميه ، وبدوره يحكم حتى الموت .

:::::

جريدة القدس، 26-11-2021

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.