“كنعان” تتابع نشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، لمؤلفه د. عادل سماره، الحلقة (9)

الثورة الطلابية 1968

الجزء الثالث

الاتحسار الثوري:

بعض من كانوا اساسيين في ايار 1968  اصبحوا اليوم ساسة عاديين. كوهين بنديت مثلا يقول: “…نحن في عالم مختلف ، لقد تغيرت الأوضاع كلية، وبناء على ذلك  يمكننا  إحياء ذكرى  السنوات الأفضل في حياتنا  مع شعور داخلي  نقي لم يحدث اي شيء بعده  ذي اهمية بالنسبة لنا. نوستالجيا وفولكلور“. ص 33.

ربما يفيد هذا الحديث في استرجاع موقف الحزب الشيوعي الفرنسي بأن ثورة 1968 كانت صبيانية يسارية. صحيح ان رومانسية طلابية كانت حينها، ولكن هذا لا يعفي الحزب العريق من تطويرها إلى ثورة مكتملة طبقيا ومشروعاتياً. أما حديث كوهين بنديت، فيؤكد مقولة الحزب الشيوعي، لكن بعد عقود! أمر مضحك حقاً، حين يتحول الثوري إلى جزء من ماكينةالإمبريالية.أنظر لاحقاُ كيف يصف حركة السترات الصفراء.

” … أما الحديث الأكثر تشاؤما بل وانحطاطاً فهو إننا نُحيي ذكرى 68  بعد ان اصبح الإنتاج الحقيقي  والبطل الحقيقي لها هو النيو-لبرالية الراسمالية المنفلتة من اية قيود. الأفكار التحررية ل 68، التحول في الحياة التي نعيشها، الفردية وطعم  ال jouissance تحول الى واقع  بفضل  رأسمالية ما بعد الحداثة وعالمها البراق  بمختلف انواع الاستهلاكية. وأبعد من هذا، فإن ساركوزي نفسه هو نتاج 68،  بأن تحتفل ب ايار 68،  كما يدعونا اندريه جلوكسمان ان نفعل، هو ان نحتفل بالغرب النيولبرالي  حيث ان الجيش الأمريكي يدافع بشجاعة ضد البربرية[1].

لنتذكر ما كتبه مثقفون صينيون مشابه لهذا (كما ورد في فصل  الثورة الثقافية)، مما يدل على أن السقوط الثقافي  ظاهرة معولمة.

للتغطية على دورهما العميل للرأسمالية وبحجة تحليل اسباب فشل الثورة الطلابية، فإن اندريه جلوكسمان وبرنار هنري ليفي قد وجدا ضالتهما لدى سولجنستين الذي قال  “ان الاشتراكية مستحيلة” فوجدا هذا سُلَّما ينزلان عليه  من الماوية ومغامرة حرب فلاحين فاشلة وقصيرة المدى في فرنسا إلى الصهينة!  كما ذهبا إلى نيتشة،  ايضا  وهما اللذين كانا الثوسريين اصبحا متفقين مع فوكو  و لاكان. . بدوره كتب فوكو مراجعة   مادحة لعمل جلوكسمان  ونشره في  Le Nouvel Observateur 9 May 1977 w 206

لو كان لنا وصف هذا الطرح من أحد فلاسفة ثورة 68،  فربما نقول بأن هذا الرجل هو في الحقيقة كان لغما مخابراتياً في الثورة. يمكنك القول بأن بنديت التحق بالطبقة البرجوازية، أما ان يصل فيلسوفاً للتفاخر بالجيش الأمريكي الذي لا بقعة في العالم لم ينزف فيها الدم على يدي هذا الجيش! هذا طرح اسوأ من فاشي فربما الكثير من الجيش الأمريكي لا يقولون ذلك ولا حتى كثير من جنرالاته!.

لعل قمة مأساة تخاذل مثقفي 68، هو تمكُّن متيران  من احتواء المثقفين بعد السني الحمراء للثورة الثقافية، حتى أن جاك دولوز قَبِل العشاء مع متيران. يقول آلان باديو إن تسمية :”السياسة الثقافوية” مناسبة لنظام  الأوهام هذا.  انه هزيمة بلا مجد، وفشل غير ملحوظ/ مكشوف في السلطة. انها نهاية اكثر من عشرين سنة (ربما حتى الأزمة الحالية ) والتي اسمها الحزب الاشتراكي. أهٍ، صار يجب  مرة أخرى قول  ما قاله اراغون، بتشجيع من ستالين، ، الذي قال ذات مرة: “أطلق النار على لحى  الديمقراطية الاجتماعية الراقصة” . ولكن، ما من أحد حتى فكر في القيام بذلك[2]“.

هنا تفيد المقارنة مع القول التالي ل ماو تسي تونغ: ” إن منطق الإمبرياليين وجميع الرجعيين في العالم هو ” إخلق إضطرابات، إفشل،إخلق اضطرابات مجددا،  لكن منطق الشعب أن  يقاتل، يفشل، ثم يفشل مرة أخرى، فيقاتل مرة أخرى… حتى انتصاره“.

The logic of imperialists and all reactionaries the world over is ‘make trouble, fail, make trouble again’, but the logic of people is fight, fail, fail again, fight again,…till their victory”[3]

The Communist Hypothesis, Alain Badiou, Verso, 2015

احد الشعارات الماوية العظيمة  في “السنوات الحمر” كان ” تجرأ على النضال  وتجرأ على النصر” . طبعا نعلم انه ليس سهلا اتباع هذا الشعار  حينما تكون الذاتوية متخوفة  ليس من القتال بل  من النصر[4].

لقد تجرَّأ ماو على النضال وعلى النصر إلى أن تحررت الصين ، وتجرّأ على النضال مجدداُ بالثورة الثقافية صحيح أن الثورة هزمت، لكن الضرورة لم تُهزم وتراثه  لم يُهزم.

إنجازات

ضمن منجزات 68  ليس فقط توسع تيار التسيير الذاتي بل كذلك نهوض نسوي مجددا.  حركة التحرر النسوي في فرنسا.  فقد بدات النساء  الناشطات ببلورة مجموعات صغيرة غير رسمية  بداية ردا على  ذكورية شوفينية الرجل في ايار  ولكن اساسا  كاستمرار  وتعميق  للثورة ضد المراتبية  والسيطرة التي شنتها ثورة ايار. كانت اول منظمة نسوية علنية  هي ” سياسة التحليل النفسي”  Politique et psychanalyse”  التي تكونت أيضاَ عام 1968. واسستها انطوانيت فوكييه وهي من مدرسة لاكان في التحليل النفسي.  وهي حركة سريعا ما اسست نفسها  كمركز ثقافي للحركة الجديدة.  كان هدفها وضع طباق نسوي للمادية التاريخية  وللتحليل النفسي ماركس وفرويد.

في آب 1970 قامت مجموعة صغيرة من النساء ( وضمنهن الكاتبة كريستين روشيفورت  ومونيكا ويتج) بوضع اكليل على قبر الجندي المجهول  تقول: ” إلى الزوجة المجهولة للجندي”  شن الاعلام حملة ضد هذه الاهانة لتضحيات جيش فرنسا . العجيب هو: اين هي تضحيات جيش فرنسا؟ هل هي غير مقتل الجنود الفقراء في الخارج لتهب الأمم الأخرى لصالح البرجوازية؟

مما طرحته ثورة 68 ان الفارق بين الجنسين ليس طبيعياً بل نتاج السيطرة ويجب الغاء الوضع القانوني لمؤسسة الزواج  والأسرة او تحويلها جذريا . طبعا بداية هذه التوجهات حديثا في الغرب كان كتاب سيمون دي بوفوار الجنس الآخر [5]1949.

وهنا أيضاً، لا بد أن ننظر  إلى مآل الحركة النسوية في فرنسا والغرب عموما بمعنى أن هذه الحركة على تنوع مدارسها وخاصة  الراديكالية وحتى المتعلقة بالنساء السود ، أي الأشد فلتانا، إنتهت إلى خمود هائل!!فهل المشكلة في ضعف الأصالة أم في تناول المعضلات الإجتماعية بترف فكري بحت؟ يبدو أن مختلف المدارس النسوية الداعية لمختلف اشكال التغيير والرفض قد خبت جذوتها لتبقى على السطح النسوية اللبرالية المرتكزة على ثقافة السوق وراس المال[6].

ويمكن التساؤل في هذا الصدد، أليس عجيباً أن كل ما حصل للنساء في ليبيا والعراق وسوريا واليمن، ناهيك عن فلسطين، على يد الولايات المتحدة بادواتها قوى الإرهاب التكفيري لم تُثر الحركات النسوية العالمية بشكل يُذكر! هل السبب عنصرية بيضاء؟ عنصرية جندرية؟ أم احتواء راس المال وحتى الوهابية لهاتيك النسوة. (راجع مقالتك عن الماركسية الثقافوية والوهابية)

صحيح أن ثورة 68 اسست لنقد تغييب النساء السود الاثنيات المهمشين…الخ. ولكن كما اتضح تم توظيف كل هذا لنقد الماركسية وليس لصالح الثورة .

النتائج

كان الاحتجاج بثلاثة اضلاع كما ورد اعلاه:  احتجاج الطلاب واضراب العمال وازمة الثقة  في الحكومة التي تقودها الانتخابات البرلمانية.

وقد تم  حلها  لصالح الوضع القائم: فللطلبة  فتحت الجامعات  مع تعديل  واصلاح في البنية،  وعاد العمال للعمل  مع تعديل في الاجور  حيث أكلها التضخم، وعانى اليسار من هزيمة انتخابية كبيرة مؤلمة بفقدان مليون صوت. وتم قمع المناضلين في الجامعات واماكن العمل  ومنعت المنظمات اليسارية  واعتقل قادتها. أما الحزب الشيوعي فهاجمها وطالب بالعودة للوضع السابق باسرع ما يمكن، ربما تخلصاً من الحرج الذي اصابه نظراً لموقفه السلبي من الثورة.

ولكن بالمقابل، تلى الثورة  طرح قضايا لم تكن قيد التركيز من الحركة الشيوعية التقليدية سابقا  مثل الإثنيات والنسويات وعمال الخدمات الأخرى والعناية الصحية واوضاع السجون والعمال الاجراء في غير قطاعات الإنتاج المستأجرين، البيئة…الخ.

لقد فتحت الثورة  الباب على الصراع في كافة مناحي الحياة. وهذا السؤال من المفترض أن يمنحها قدرة استقطاب أوسع الأمرالذي  لم يحدث لاحقاً على الأقل في الانتخابات النيابية. ربما لأنها بلا تنظيم لأن التنظيم هو أداة تثمير الجهد الثوري.  ولنا ان نسأل: هل كان مفكروها في تنظيمات، وإن حصل هل كانت فاعلة؟ الواضح أنه لا.  ام كان الذين ضدها في تنظيمات حزبية؟ والجواب نعم. كانوا في احزاب؟. قد تكون المعضلة أن المفكر حتى لو مع الثورة فلا يكفي، لا بد من الحزب ولا بد للطبقة العاملة التي تفرز الحزب على أن يأخذ مصالحها وتوجهاتها العامة لا أن يأمرها من الأعلى.

لقد وفرت هزيمة الثورة دعما للبنيوية التي رأت ان الأفراد لا يمكنهم تغيير البنى الاجتماعية.

كان ثوريوا 68 يعتقدون بالإمكانية الثورية والتغيير ضد الرأسمالية في البلدان الصناعية. كأن هذا تكرار لأطروحة ماركس نفسها أن الثورة الاشتراكية ستحدث في الدول الصناعية على يد البروليتاريا. ولكن كما ارتكزت أطروحة ماركس على البروليتاريا فإن ثورة 68 أيضا انضم لها العمال الشباب، ولكنها افتقرت إلى الحزب القيادي. لكن الفارق بين أطروحة ماركس وأطروحة 68، هو اختلاف المرحلة، بمعنى أن موقع الثورة المفترض في القرن العشرين هو العالم الثالث وليس البلدان الصناعية. هذه البلدان لم تكن مرشحة كموقع للثورة في فترة حياة ماركس كما لم تكن مهيأة حين ثورة 1968،  فرغم وجود احتمالات ثورية بلدان العالم الثالث  في فترة الثورة الطلابية إلا أن باندونغ كان يعاني تراجعه الذي لا نهوض بعده. فقد انتصرت الثورة المضادة في إندونيسيا بمذبحة عام 1966، هُزمت مصر عام 1967، وتغير نظام بن بيلا بانقلاب هواري بومدين 1965، وكان الاتحاد السوفييتي قد حقن كثيرا من البلدان الحليفة له ب “طريق التطور اللارأسمالي”…الخ.

أما في الغرب، فكان أندريه جورز ممن كتبو في ثورة 68، وأخذ درسا ً أكده وهو الحاجة للحزب، ولكنه وقد أكد على الحزب، قدم تفسيراً مميعاً للطبقة[7]. هذا يؤكد أن  الثورة كانت بحاجة إلى بنية حزبية طبقية لمواجهة بنية السلطة البرجوازية. 

يمكن التعبير عن مأساة ثورة 68 في ما كتبه ميشال فوكو بعد الهزيمة:

“…ما يحاول الطلبة القيام به… وما أحاول أنا نفسي إنجازه … هو من حيث الأساس الشيء نفسه… ما أحاول القيام به هو التقاط النظم المحتواة ضمنياً، الكامنة والتي تحدد معظم سلوكنا المألوف دون أن ندركه. إنني أحاول الكشف عن أساسه، تبيان تشكيلتها، والمحددات التي تفرضها علينا، وبناء على ذلك أحاول تجليس نفسي بمسافة ما عنهم وتبيان كيف يمكن للشخص أن ينجو بنفسه”[8].

جميل يا فيلسوف موت السياسة، حمداً لله على سلامتك! طبعا فوكو في نهاية حياته أيد اللبرالية الجديدة، وهذا أمر مفرط في الطرافة. فإذا كان قد ركز على السلطة والسجن والقمع البيولوجي فإن اللبرالية الجديدة هي سجن معولم.

وهكذا، ليس غريبا على ميشيل فوكو الذي وصل إلى موت السياسة أن ينتهي مبتهجا بالنيولبرالية[9]. طريف حقاً، أن ينتهي جلوكسمان مفتخرا بالجيش الأمريكي وأن ينتهي فوكو مُطرياً النيولبرالية. أما برنارد هنري ليفي فأصبح مقاول خدمات الإمبريالية والصهيونية ضد الثورة.  لعل من المجدي التساؤل عن مدى جدية مفكرين كهؤلاء! هل هم فلاسفة أم عابثين بالثقافة! وقد يؤكد هذا قبول دولوز أن يحتويه جورج بومبيدو!! أم أن هؤلاء من الطابور الثقافي السادس المعولم؟

خاتمة:

ثورة طلابية نعم، لكن في البدء، وهو امر طبيعي لأن الشباب هو الأقرب والأكثر استجابة للنبض الشعبي ومفجر للحراك والأقل تحفظا معيشيا وحياتياً والأقل ممالئة للحكم، اياً كانت طبيعته ودوره. بدأت طلابية وانتقلت عمالية وفلاحية كما هي اية ثورة شعبية من حيث البدء والامتداد. كانت ثورة ضد السلطة، وضد الطبقة بلا مواربة، ضد طبيعة النظام ونسق الحياة الذي بسطته البرجوازية بكل ما فيه من توازن لئيم بين  الاستغلال  والحرية الشكلانية للطبقات الشعبية، وهو الأمر الذي يبادر الشباب للتمرد ضده.

توفر المناخ فكان الحدث، وتوفر مفجر الثورة  فكانت الثورة، توفرت شعاراتها وشحنتها الثورية لما يُطاول السماء، لكن غاب حزبها المفترض، ولم تُمهلها البرجوازية، وهي العدو والنقيض الطبقي الواعي جيدا لمصالحه، كي تبلور حزبها، ولم تساعدها خلافاتها الداخلية حتى في حسم ضرورة الحزب. كيف لا والفلتان وإن كان جميلاً ورومانسيا في آن، لكنه لا يُثمر الإمساك بمواقع السلطة، وإن كان يترك ورائه بذورا جميلة تُبشِّر لزمن مختلف قادم هو ما قصدناه بالهزائم الوقتية المنتصرة تاريخياً.

كانت المشكلة هي: كيف يمكن للثورة الانتظام في حركة سياسية طالما بنيتها الإيديولوجية متفارقة.  صحيح أن هدفها الاستراتيجي متقارب إلى حد التوحُّد، ولكن العمل الميداني والمرحلي والتكتيكي لم يحمل ما يُمَكِّنه/يؤهله  توليد حزب لا خلال الثورة ولا بعدها! كانت عاصفة ثورية قوية لكن تنقصها المنظمة الشيوعية.

لا شك بأن لتطور قوى الإنتاج الدور الحاسم في التحليل الأخير في ديالكتيك قوى وعلاقات الإنتاج. لكن، هل ستستند الاشتراكية الى تطور قوى الانتاج  أو ديالكتيك القوى والعلاقات هكذا بشكل ميكانيكي؟ وهل يمكن لهذا تجاوز القوة الشعبيةالمتحزبة كي تُخرج قوى الثورة من إسار هيمنة الثورة المضادة فترتقي مهمتها من مطلبية إلى تغييرية لكل شيء.

ربما اتضح من هذه التجربة أن تعدد مراكز القوى في الثورة وتفارقها يُعادل في مسألة الهزيمة غياب الحزب الثوري نفسه.

في خضم الاشتعال الثوري، لا بد من “أنا جمعية ” موحدة لضمان النصر.

حاشية

في الخامس عشر من ايار 2018 طافت باريس عشرات الآلاف من المحتجين على سياسات الرئيس الفرنسي ماكرون الموجهة ضد العمال حيث تقلصت حمايات العمال. وحمل العمال يافطات تقول: ” توقف يا ماكرون” ” يسقط رئيس الأغنياء” “فرنسا تحت ديكتاتورية ناعمة”. وقد قدرت الشرطة عدد المحتجين ب 40 ألفا بينما قدرتهم القوى اليسارية ب 160 ألفاً. كما جرت مظاهرات في مدن اخرى منها تولوز وبوردو. كانت التظاهرة سلمية وانحصر القمع في قنابل الغاز كما تزعم الشرطة[10].بعد اشهر قليلة شهدت فرنسا وحتى اليوم حراكا جديدا قام به من اسمو انفسهم ب “السترات الصفراء” الذين يحتجون ضد سياسات الرئيس الفرنسي، ولكن هذه المرة بأعداد أكبر وبشكل متواصل كل يوم سبت(هذا حتى آذار 2019).

ليست هذه الحاشية رصداً ليوميات هذا الحراك، ولا لمقارنتها بثورة 68 ولكن فقط للتذكير المقارن بمثقفي الطابور السادس سواء الذين عايشوا ثورة 68 أو غيرهم. لذا، نقتطف من مقالة  عثمان تزغارت  ما يلي:

“حراك «السترات الصفر» يعرّي بؤس النخب!

عثمان تزغارت


زعيم تيار «الفلاسفة الجدد»، برنار هنري ليفي، قارن «السترات الصفر» بـ«السترات السود» النازية، مبشّراً بأن هذا الحراك الذي «يعج بالفاشيين، من اليمين واليسار على السواء، سينتهي حتماً في مزبلة التاريخ»، وأطلق «هاشتاغ» على تويتر لتأييد الرئيس ماكرون في مواجهة من سماهم «أعداء الجمهورية! من جهته، وصف قطب آخر من أدعياء «الفلاسفة الجدد»، وهو باسكال بروكنر، أصحاب «السترات الصفر» بأنهم «برابرة وليسوا مستضعفين»، محرّضاً السلطات على التعامل معهم بمزيد من الحزم الأمني، مستشهداً بمقولة باسكال الشهيرة «العدالة من دون قوة هي العجز بعينه». في المنحى ذاته، لم يتردد الفيلسوف والوزير السابق لوك فيري في مطالبة قوات الأمن علناً بإطلاق النار على المتظاهرين الذين يقترفون أعمال عنف أو تخريب!
الموقف التحريضي ذاته تبناه زعيم الطلبة خلال انتفاضة مايو 1968، دانييل كوهين بنديت، شاجباً «أعمال التخريب التي طاولت جادة الشانزليزيه التي هي الواجهة السياحية لفرنسا عبر العالم». حين تم الرد عليه بأن انتفاضة مايو 1968 بدورها تخللتها أعمال عنف ألهبت على مدى أسابيع «الحي اللاتيني» الذي يعد الواجهة الثقافية لفرنسا عبر العالم، أجاب بنديت بأنه «خلال مايو 1968 كانت هناك أعمال عنف بالفعل، لكننا لم نشهد أعمال نهب كما رأيناها مع السترات الصفر». أعمال النهب الهامشية التي تخللت بعض التظاهرات، وبالأخص في باريس، اعتبرها بنديت سبباً كافياً للوقوف ضد «السترات الصفر» وتجديد تأييده لـ«صديقي ماكرون، الذي لا أعيب عليه سوى كونه يعاني مما يمكن وصفه بمتلازمة التلميذ الأول في الصف، إذ إن ثقته الشديدة بنفسه تجعله يبدو متعالياً، لكن إصلاحاته تسير في الاتجاه الصحيح»! 
الوحيد الذي شذّ عن القاعدة من بين أقطاب النخب الجديدة هو الفيلسوف وعضو الأكاديمية الفرنسية ألان فنكلكروت. لكن دوافع تأييده لـ«السترات الصفر» تندرج في خانة العذر الأقبح من الذنب. فقد أشاد بكون الحراك يحمل ألوان «Bleu Blanc Rouge» (رمز العلم الفرنسي)، بدلاً من الـ«Bleu Black beur» (شعار التعدد العرقي الذي ترفعه الجمعيات المناهضة للعنصرية في فرنسا). ورأى أن غياب أبناء المهاجرين من شباب أحياء الضواحي عن هذا الحراك يعد «ظاهرة صحية تدفع إلى التفاؤل[11]!

نجحت «السترات الصفراء» في ازدراء ونزع القناع عن الأسطورة المهيمنة حول ما يسمّى «بالديمقراطية» التمثيلية المملوكة «للطبقة السياسية» التي لا تمثّل إلّا نفسها، إنّه هذا الطَّيف من العاملين بالسياسة من كلا يمين ويسار الوسط.

وكما التحق العمال بثورة الطلاب 68، فقد انضمّ التلاميذ الفرنسيون إلى انتفاضة الستر الصفراء ليتظاهروا على طرائق القبول الجامعي غير الديمقراطية التي قدمها ماكرون، حيث عطّلت 170 مدرسة ثانوية كاستجابة لنداء «الثلاثاء الأسود» الذي أطلقته نقابتهم. كما بات هنالك إحياء للإضرابات والاحتجاجات بين موظفي الخدمة العامة والممرضات والمدرسين، وجميعهم حصلوا على إلهامهم من نجاح «السترات الصفراء» .
انتقلت شرارة احتجاج «السترات الصفراء» إلى بلجيكا وبريطانيا والبرتغال وهولندا وهنغاريا والعراق ولبنان ومصر وغيرها. حتّى في ألمانيا، ولكن بأعداد أقل، رأينا عمّال شركة «أمازون» الألمانية وهم يرتدون السترات الصفراء في عيد الميلاد في محاولة للإضراب، لتهديد أرباح الشركة في أكثر وقت مزدحم في العام، وتبعه جهدٌ لضمّ عمّال شركة «أمازون» البولنديّة. هذا رغم أن مركز انبثاق حرارتها بقي في فرنسا.

ولكن الغدر إياه ومن القوى إياها، ويبدو بأنّ أحزاب اليسار الراديكالية (مثل جماعة ميلانشون)، ومعها أحزاب اليمين المتطرفة (مثل جماعة ماريان لوبان) لم تدخل الاشتباك! مما يعيد إلى الوعي مشهد ثورة 68. حيث لعبت قيادة الاتحاد العام للعمّال «CGT» وغيرها من النقابات  الدور السلبي ذاته في 1968 . لقد تجنبوا المواجهة والتقوا مع الحكومة في الكواليس ليخرجوا باقتراحات للقيام بإضرابات تتمّ على أشهر يُنهك فيها العمّال.

لافت أن تحضر الصهيونية كرأس حربة للثورة المضادة عارية في كل حدث ثوري حقيقي. ففي تظاهرة للسترات الصفراء مر يهودي بالصدفة فشتمه أحد المتظاهرين بقوله :” أيها الصهيوني القذر”.

الأمر الذي حرّفه الإعلام والسياسة البرجوازية الممولنة الفرنسية باعتباره ضد السامية مما أغرى رؤساء فرنسا اولاند وسركوزي وماكرون للتظاهر ضد السترات الصفراء بزعم أن المتظاهرين ضد اليهود! هكذا تقوم البرجوازية بالكذب، لكن هذه المرة على الفضاء[12].

ملاحظة:

فُرض في فرنسا نظام التقشف ل 1982-83 ، وحينما ذهب العمال الى الإضراب ضد تالبوت تم وصفهم  كإرهابيين شيعة، ص 46. ضعها بجانب حذف مادة الكميونة وكذلك لوصف فرنسا الحالية.( باديو الفرضية الشيوعية 2015 ص 46. ) واليوم اي شباط 2018 وفي تحريضها ضد نظام الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا، فإن امريكا تتهم حزب الله وإيران  بأن لهما نفوذا في فنزويلا وأمريكا الجنوبية. ألا يؤكد هذا مقولة ماو تسي تونغ بأن الإمبريالية نمر من ورق، ما اسرع ان ترتعد وتكذب!

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] . ص 33-34.

The Communist Hypothesis, Alain Badiou, Verso, 2015

[2] The Allusion is Louis Aragon’s poem (Front Rouge).

[3] last away illusions, Prepare for Struggle’ Selected Works of Mao Tse-Tung, Vol. !V, Foreign Languages Press, 1969, p, 248.

[4] The Communist Hypothesis, Alain Badiou, Verso, 2015

[5] كان كلاَ من  الجاحظ ومن ثم إبن رشد قد حسما هذا الأمر باكراً، أنظر كتاب عادل سمارة، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء” 

[6] على الرغم من فضيحة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع عشيقته مولينسكي، ورغم قيام الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب باستخدام ابنته في الحصول على الأموال من حكام السعودية، وقيام رئيس وزراء بولندا مؤخرا بنفس السلوك، اي تسليع المرأة إلا أن هذا لم يحرك الحركات النسوية للدفاع عن إنسانية المرأة.

[7] Andre’ Gorz, “ What are Lessons of the May Events? In Charles Posner (ed), Reflections on the Revolution in France: 1968 (Baltimore, 1970), p. 264.

[8] “ What the students are trying to  do … and what I myself am trying  to accomplish …is basically the same thing. .. What I am trying to do is grasp the implicit systems which determine our most familiar behavior without our knowing it. I am trying to find their origin, to show their formation, the constraints they impose upon us; I am therefore trying to place myself at a distance from them and to show one could escape.

[9] هل يمكننا انتقاد ميشيل فوكو Foucault and Neoliberalism Daniel Zamora Polity (2016)

[10] https://www.rt.com/news/425927-france-protest-paris-live/ RT.COM

[11] https://www.al-akhbar.com/Opinion/264835

[12] https://www.al-akhbar.com/Opinion/267274