رسالة إلى مطران القدس، وليد هلس

كثيرون قصُرت دونهم حبال الأجل فلن يعبروا والسنة توشك أن تغلق بابها الضيق على نفسها.

لم أشأ هنا أن أعدد أسماء الراحلين في هذه الفسحة الضيقة من الوقت. سوى أن كبير أساقفة جنوب افريقيا الذي قل نظيره ديزموند توتو بضحكته المميزة، التي أتت دائما، وكأنها راية انتصار صوتي جذل على أعدائه: توتو المناضل الكبير ضد العنصرية والمنافح عن حقوق الأقليات والراعي المسيحي الكبير لشعبه، توتو صديق فلسطين وشعبها ونصير حريتها فارقنا ولن يجوز من الباب الموارب لسنة بالية واضحة إلى سنة جديدة غامضة.

ليس هذا ما عنيت، ولكن توتو، هو من يقودنا حتما إلى ما أردت، إلى المطران الأب هيلاريون كبوجي السوري الحلبي المولد، مطران القدس لكنيسة الروم الكاثوليك، الذي أخذ اسمه من أول راهب فلسطيني هو هيلاريون المولود في غزة، عام 291، وأول من أسس جمعية للرهبان ومات منفياً في قبرص.

ديزموند توتو وهيلاريون كبوجي كلاهما علم كبير من أعلام لاهوت التحرير.

رحل كبير الأساقفة في جنوب افريقيا قبل أيام قليلة.

مطران القدس رحل بعد يومين وقبل ست سنوات.

هيلاريون كبوجي الذي لا نظير له قال مرة واصفاً نفسه: “أنا أب الفلسطينيين وهم أولادي” مبررا إصراره على المشاركة مع كثيرين من أحرار العالم، في سفينة الحرية التي انطلقت من طرابلس لبنان، في محاولة لكسر الحصار عن غزة، ثم أكمل: “أنا سعيد أن أذهب إلى غزة لأرى أولادي وأضمهم إلى قلبي، ومن خلالهم كل فلسطيني”.

المطران لم يوفر فرصة لمقارعة البهيمة وتقبيل الأرض المقدسة

أي أب رائع هذا!

الآن والسنة تكاد تغلق بابها، لن أعبر إلا وأنا ممسك بيد أبي الكبير، السيد الراعي هيلاريون كبوجي، أب الفلسطينيين ومطران القدس الذي وارى الثرى اربعمئة شهيد من أبنائها، سقطوا في حرب حزيران، وشاركه في هذا شيخ مسلم من أبناء القدس البواسل. وأنت عندما تودع التراب انسانا فإن قطعة من نفسك تحيط به وتكفنه وتدفن معه.

لا أعبر إلى السنة الجديدة دون أن أحتفل مع أبي ومعكم بها:

أولا: لأنه يعرف الله معرفة أحبها أنا أيضاً، وأنتمي إليها: اليسوع هو الفدائي الفلسطيني الأول

ثانيا: الشعب عنده أولاً دائماً، ولو خالفته روما وكنيستها

ثالثاً: قتال العدو بالسلاح أمر يتفق مع رؤيته لقانون الرب، وفي هذا المجال فإنه يطالب الرب بمباركة النضال، أليس هو القائل:

علينا أن نعمل وأن نجاهد وأن نناضل ونسعى

ولكن على الرب أن يكلل هذه المساعي بالنجاح

الأب الراحل بالمجد

الباقي بيننا بالخلود:

نحن نحتاجك اليوم لا لتحضر لنا السلاح في عربتك الخاصة مخاطرا بكل شيء، بل لتعلمنا بحكمتك وتقوينا بقدرتك، وتشفي أرواحنا المريضة بحبك الأبوي، فقد بتنا أيتاماً وكل من حولنا لئام.

وحتى رعاتنا العاجزون أمام الذئاب استذأبوا، وصاروا ذئاباً علينا.

شعبك جائع ومستضعف ومنهك ومستعبد.

أبناؤك في القيود يضربون عن الطعام لأجل كسرة من العدالة.

والجوع الكاسر يلتهم أجسادهم على مدى الشهور، وأعداؤنا يتسلون بإهانتنا ويتلذذون بآلامنا.

تعال ولو لدقائق معدودة يا أبي، رد علينا معنى العزة التي جردنا منها هؤلاء الولاة.

أرنا كيف هويت بعصاك المقدسة على الجندي المحتل الجبان عندما حاول أن يهينك حتي طرحته على الإسفلت.

هذه يا سيدي هذه وحدها.

لعلك تستفز بها عصباً ميتاً في نفوس ميتة.

نفوس لم تعد تشعر بالمهانة لأنها لم تعد تعرف طعم الكرامة.

هيلاريون كبوجي

لك المجد أيها الأب الراعي

ولأمتك الخلود

:::::

من صفحة الكاتب على الفيس بوك

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.