ذكرى العدوان على العراق 17/01/1991 – 17/01/2022، الطاهر المعز

تمت مُحاصرة العِراق وفرض “عُقُوبات” أمريكية، تحولت إلى “دولية” بواسطة الأمم المتحدة، منذ شهر آذار/مارس 1990، مباشرة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وذلك بذريعة واهية، أي قبل الذّريعة الرسمية (غزو الكويت) التي شكّلت إشارة انطلاق العدوان والإحتلال الذي لا يزال مُستمرًّا، بعد أكثر من ثلاثة عُقُود، بل تم توسيع القواعد العسكرية الأمريكية بمنطقة الأنبار العراقية ( قاعدة عين الأسد وقاعدة الحبانية) واستخدامها كقاعدة خلفية لاحتلال جزء من سوريا، ونهب نفطها وغازها، وإغلاق حدودها مع العراق…

دعمت الدّول الإمبريالية ( وحُكّام مَشْيَخات الخليج) العراق في الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1990) التي أرهَقَت البَلَدَيْن النّفْطِيَّيْن، في فترة احتضار الإتحاد السوفييتي، قبل انهيارِهِ، وفي الأثناء اغتنم الكيان الصّهيوني الفُرصةَ لتدمير موقع “تموز” النووي العراقي في السابع من حزيران/يونيو 1981، أما عن الإتحاد السوفييتي، الذي كان أهم مُزَوّد للجيش العراقي، فقد كانت الموافقة على العدوان من آخر القرارات المُهِمّة التي اتخذها، قبل الإنهيار، وقد تكون السلطات العراقية أساءت تقدير طبيعة المَرحلة وخطورَتها، في ظل تَفَرُّد الإمبريالية الأمريكية بالهيمنة على العالم، وانقلاب موقف “عرب أمريكا” بالخليج، من دعم العراق إلى مهاجمته.

بعد تسعة أشهر من حصار العراق، حصلت الإمبريالية الأمريكية على دعم أكثر من ثلاثين دولة جنّدت أكثر من نصف مليون جُندي، خاضع للقيادة العسكرية الأمريكية، ليبدأ العدوان في السابع عشر من كانون الثاني/يناير 1991.

نقلت مواقع الصّحف الصهيونية، يوم السادس من كانون الثاني/يناير 2021، نقلاً عن الأرشيف العسكري الصهيوني، الذي تم الإفراج عنه، بعد مرور ثلاثة عُقُود، أن الجيش العراقي أطلق خلال عدوان 1991، تسعة وثلاثين صاروخًا من نوع “سكود” السوفييتية، التي طَوَّرَها مُهندسو الجيش العراقي، وخلافًا لما أُعْلِنَ آنذاك عن سقوطها في أماكن خالية (مع منع الصحافيين الفلسطينيين من الوصول إلى مناطق سُقُوطها)، أو اعترضتها منظومة “باتريوت” الأمريكية، ودمّرتها في الفضاء، تُشير وثائق الأرشيف الصهيوني أن مُعظَم الصواريخ أصابت مناطق بئر السبع (جنوب فلسطين) ويافا (تل أبيب) في الوسط، وحيفا، شمال فلسطين، وتقع يافا وحيفا على ساحل البحر الأبيض المتوسّط، وهي أول صواريخ يُطْلِقُها جيش عربي على المناطق الفلسطينية التي تم احتلالها سنة 1948، ونشرت المواقع الصهيونية صُورًا وأشرطة قصيرة، تُشير إلى قَتْل 79 وإصابة 230 مستوطنا صهيونيا، وتدمير العديد من المباني، ولجوء مليون مُستعمِر إلى الملاجئ، التي توجد معظمها في مناطق سكن الصهاينة ولا يتوفّرُ سوى القليل منها في مناطق سكن الفلسطينيين…

كان هذا العدوان مُقدّمةً لحصار طويل، ولاحتلالٍ مُدَمِّر، منذ 2003 إلى الآن (2022)، ومُقدّمة لهيمنة أمريكية مُطْلَقَة على العالم.

عربيًّا، شكّلَ احتلال العراق مُقدّمةً لتطبيق ما سُمِّيَ “مشروع الشرق الأوسط الكبير” الذي طَرَحَهُ شمعون بيريز، سنة احتلال لبنان ( 1982) وانخرطت قيادات منظمة التحرير الفلسطينية في تطبيقه من خلال الحوار المجاني المُباشر مع قادة الإحتلال، والتّفْرِيط في الحُقُوق الوطنية للشّعب الفلسطيني، إلى جانب معظم الأنظمة العربية، وفي مقدّمتها النّظام المصري الذي كان سبّاقًا للإستسلام…

في المقابل تعزّز نفوذ الكيان الصّهيوني، وتوسّعت رُقعة التّطبيع العَلَني من قِبَلِ الأنظمة العربية، خلافًا للشعوب التي بقيت تُقاوم التطبيع وتدعم الشعب الفلسطيني، وإن تَقَلَّصَت مظاهر الدّعم، وأصبحت الولايات المتحدة وأوروبا تعتبر مناهضة الصهيونية كعقيدة استعمارية استيطانية، جريمةً تُسَمِّيها قوانينها “مُعاداة السّامِية”، ولئن كانت فرنسا قد دعمت سِرًّا البرنامج النّوَوِي الصهيوني، منتصف عقد الخمسينيات من القرن العشرين، فإن ألمانيا تُقَدّم علنًا غواصات قادرة على حَمْل رؤوس نووية، وصل عددها إلى تسع (موقع صحيفة “هآرتس” الصهيونية 16 كانون الثاني/يناير 2022) بأسعار مُدَعّمة من ميزانية ألمانيا، بنسبة حوالي 34%، مع الإشارة أن ألمانيا تُقدّم “تعويضات” مالية إلى الكيان الصهيوني، منذ سنة 1953، بذريعة التعويض عن نهب أملاك المواطنين الألمانيين اليهود، من قِبَل دولة ألمانيا النّازية (أي إنها قضية ألمانية داخلية) بما يُعادل حجم الإنفاق الصهيوني علىى كافة الحُرُوب العدوانية التي شنّها ضد البلدان والشّعوب العربية…  

تتهم الولايات المتحدة وأوروبا ودول حلف شمال الأطلسي، إيران وكوريا الشمالية، بتطوير برنامج نووي، دون الإعتداء على أي دولة أخرى لحدّ اليوم، خلافًا للولايات المتحدة التي اعتدت على اليابان بالسلاح النووي، بعد النهاية الرسمية للحرب العالمية الثانية، وقتل وتشويه مئات الآلاف من اليابانيين الذين لا يزال بعضهم يُولَدُ بتشويهات جراء السلاح النووي الأمريكي، ولكن الصحيفة الصهيونية “هآرتس” نشرت (يوم 16/01/2022)، نقلاً عن موقع صهيوني مختص ( The Cyber Shafarat – Treadstone 71 )، قائمةً تضم سبع مواقع نووية صهيونية، وقد يكون ذلك من باب التّمويه، لكنه اعتراف بوجود العديد من المُنشآت النّوَوِيّة العسكرية، بدعم من الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، التي تدعم اغتيال العُلماء العراقيين والإيرانيين والسّوريِّين، لضمان تفوق الكيان الصهيوني، وكيل، ودَرْكِي الإمبريالية في الوطن العربي…     

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.