ثلاث أحداث وقعت في الثامن عشر من كانون الثاني/يناير، الطاهر المعز

الإتحاد السوفييتي- 1943 – أَطْبَقَ جيش الإحتلال النّازي الألماني حِصارًا مُحْكَمًا على مدينة ستالينغراد السوفييتية، خلال شهر آب/أغسطس 1942، وترافق الحصار مع تكثيف القصف المدفعي والجَوِّي، وصمد سُكّانها في ظروف سيئة جدّا، إذ كان ينقصهم الغذاء والطاقة والتدفئة في فصل الشتاء البارد جدًّا، وفي الثامن عشر من كانون الثاني/يناير 1943، في ذروة برد الشتاء، أحْدَثَ المُقاومون ثغرةً، ليبدأ كسر حصار ستالينغراد، قبل أن يُطلق جيش الإتحاد السوفييتي عملية دَحْر الجيش الألماني والمليشيات المُتحالفة معه (من أوكرانيا وبولندا واليونان وكرواتيا…)، انطلاقًا من ستالينغراد وحتى برلين، وحرّرَ الجيش السّوفييتي عشرات الآلاف من المواطنين الأوروبيين الذين كانوا مُعتقلين في مُحتشدات الموت، وتوقف الجيش السوفييتي، عند إعلان استسلام الجيش الألماني في الثامن من أيار/مايو 1945…  

 *****

لبنان – 1976 – قبل 46 سنة، في الثامن عشر من كانون الثاني/يناير 1976، اجتاحت مليشيات حزب الكتائب اليميني المتطرف، حي الكرنتينا (منطقة المَسْلَخ) ببيروت وارتكبت، مع حُلَفائها، “النّمور” (حزب الأحرار ) و”حرّاس الإرز”، واحدة من مجازرها العديدة، وخلفت مجزرة الكرنتينا ما لا يقل عن ألف قتيل فلسطيني ولبناني…

يقع حي الكرنتينا، بجوار المرفأ، شمال بيروت الذي دَمَّرَهُ انفجار السنة الماضية، ويستمد إسمه “الكرنتينا” من مكان الحَجْر الصّحّي الذي وُجِدَ بالمكان، منذ أوائل القرن التّاسع عشر، لِعَزْل المُسافرين العابرين، لمدّة أربعين يومًا، عند تَفَشِّي الأمراض المُعْدِيَة والأوْبِئَة، وكَكُل موانئ العالم، تعدّدت أُصُول السّكّان ودياناتهم بهذا الحي الشّعْبي المُجاور للميناء، فسكَنَه (سنة المَجْزَرَة) نحو ثلاثين ألف من الأرمن النّاجين من المجازر التي ارتبكتها تركيا العثمانية أو الأتاتوركية ضدهم، كما استقر به الفلسطينيون، والنازحون الدّاخليون من مناطق الرّيف اللبناني، ويتميز الحي بسوء حال البنية التحتية وغياب المرافق…

استهدفت مليشيات حزب “الكتائب” (حزب أُسْرَة آل جمَيِّل) الحي لأن سُكّانه فُقراء، ومعظمهم من اللاجئين الفلسطينيين، ونفّذت محاولة فاشلة لاجتياحه سنة 1975، ونجحت سنة 1976، بعد المجزرة أجبرت المليشيات اليمينية المتطرفة معظم السّكّان على مغادرة الحي، ثم هدمت مساكِنَهُم، لتبْنِي مكانها ثكنات ومناطق تدريب عسكري، ولا يزال معظمها قائمًا، وتُستخدَم لأغراض عسكرية، وبعد المجزرة، أصبح الميناء بوابة للتهريب، وموردًا اقتصاديا للمليشيات اليمينية المسيحية…

لما انفجر مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020، مات العديد من سُكّان الحي، وانهارت العديد من المباني، ولم يتم إسعافهم، فاضطر السكان لإزالة الرّكام والبحث عن موتاهم وإسعاف الجَرْحَى، ولا تزال العديد من الأُسَر بدون مأوى، ببداية سنة 2022، ما يُؤَكِّدُ السياسات الطّبقية التي انتهجتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة، وخصوصًا حكومات رجل الأعمال الحريري وابنه، وما يؤكّد المَيْز، والتّهميش الرّسمي الذي تُمارسه الدّولة اللبنانية ضد الفلسطينيين…     

*****

تونس 2011- يوم فرار بن علي، في الرابع عشر من كانون الثاني 2011، كان “جيفري فلتمان”، المُتخرّج من مدرسة “بول بريمر” عند احتلال العراق، وهو السفير الأمريكي الأسبق ببيروت، والوزير المُساعد، المكلف بالشرق الأوسط، بوزارة الخارجية الأمريكية (وأصبح فيما بعدُ نائبًا للأمين العام للأمم المتحدة) موجودًا بتونس، لعدّة ساعات، لكنه مدّد إقامتَه لثلاثة أيام، ما مَكّن النّظام، وحزب الدّستور (التجمع الدستوري الديمقراطي) من إعادة ترتيب شؤونه، والمُحافَظَة على سيطرته على أجهزة الدّولة، فبقي محمد الغنوشي حاكمًا فِعْلِيًّا للبلاد، ومعه عبد الله القلاّل الذي شغل منصب وزير الدّاخلية لسنوات عديدة، ثم جِيءَ بفؤاد المبَزّع والباجي قائد السبسي، ومجموعة من قيادات نظام وحزب بورقيبة وبن علي، من أجل إحكام السّيْطرة على أجهزة الدّولة، وإقصاء المُعارضة التي لم تكُن مُنظّمة باستثناء الإخوان المسلمين الذين لجأُوا إلى الأحزاب الأخرى فضلا عن المساجد التي كانت تحتضنهم، رغم الصّعوبات…

لما ارتفعت الأصوات مُطالبةً بحل حزب بن علي (وهو كذلك حزب بورقيبة) اجتمعت قيادات هذا الحزب، في الثامن عشر من كانون الثاني/يناير 2011، أي بعد أربعة أيام من رحيل زعيمهم، وأقَرّت طَرْدَ الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وستة من مُقَرَّبِيه، وأعلن رئيس الجمهورية المُؤقّت فؤاد المبزع ورئيس حكومته محمد الغنوشي، استقالتهما من هذا الحزب، في مُحاولةٍ لإيجاد مَخْرَج أمام مطلب إسقاط حكومة الدّستوريين (التي نَصَّبَها “جيفري فلتمان”) بإدماج بعض الإنتهازيين ممن كانوا يَدَّعُون المُعارضة، التي كان الشارع يهتف بها، وتلا ذلك اعتصام ساحة القصبة (حيث توجد مقرات رئاسة الحكومة والعديد من الوزارات) الأول (23/01/2011) الذي أفْضَى إلى استقالة حكومة محمد الغنوشي يوم السابع والعشرين من شباط/فبراير 2011، وإقالته فعليا يوم الثالث من آذار/مارس 2011، لكن ليأتيَ الباجي قائد السبسي مكانه (راح دُستوري ليحل محله دستوري آخر، أكثر حنكة وتجربة سياسية)، وتلا ذلك اعتصام القصبة 2 الذي أفضى إلى انتخاب المجلس الوطني التّأسيسي يوم 23 تشرين الأول/اكتوبر 2011…  

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.