مصر: في ذكرى “انتفاضة الخُبز” 18 و 19 يناير 1977 ، الطاهر المعز

مدخل:

بعد وفاة جمال عبد الناصر فجأة (سكتة قلبية) في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر 1970، تولّى أنور السّادات (نائب الرّئيس) منصب الرّئاسة، بصورة آلِيّة، وانقَلَبَ بسرعة على المجموعة التي رافقت عبد الناصر، منذ 1952، كما انقلب على برنامج الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية، باسم “الإنفتاح الإقتصادي” الذي أشرف على تنفيذه رأسماليون مِمّن قَرّبهم من السّلطة، ويمثل “عثمان أحمد عثمان” أهمّ رُمُوز هذه الطّبقة الرأسمالية الحاكمة، التي حَوّلت مصر من مركز صناعي وزراعي إلى مركز سياحة وخدمات وسياحة لأثرياء العرب والعجم (نموذج شرم الشيخ)، بعد تفكيك القطاع العام، وسيادة الإقتصاد الطّفيلي الخاص، الذي يُهيمن على قطاع التّجارة والتوريد ويؤدّي دور الوساطة لتوريد السّلع الأجنبية، أو لتمثيل مصالحها بمصر، كخطوة لسيطرة رأس المال الأجنبي على السّوق الدّاخلية المصرية، وبذلك استجابت الدّولة لشروط المُقْرِضِين، ولشروط “المانحين” الأوروبيين والأمريكان، ومن بينها إلغاء دعم الطاقة والغذاء والخدمات الأساسية، وخفض ميزانية الدّفاع والإستثمار الصناعي، وإلغاء الإصلاح الزراعي، وأدّت هذه السياسات إلى نسْف السيادة والإستقلال، كما أدّت سياسة “الإنفتاح الإقتصادي” إلى تدهور وضع العاملين والفُقراء، وأنْتَجَتْ كذلك احتجاجات عمالية، خصوصًا خلال سنَة  1975 (عمال المصانع الحربية في حلوان، في مظاهرات واسعة، وإضراب عُمّال المحلة الكبرى، وعمال النسيج في الإسكندرية وعمال شركة الكابلات في شبرا الخيمة… ) وخلال سنة 1976 ( عمال النقل البري وإضراب مدينة كفر الدوار، واحتجاجات سُكّان مدينَتَيْ المنزلة وبيلا…) وتدخّلت قوات الأمن بعنف شديد ضد العُمال والمواطنين، خلال الإضرابات والإجتجاجات…

في هذا المناخ السياسي والإقتصادي، حدثت “انتفاضة يناير 1977″، ففي بداية العام 1977،  وعدت الحكومة، كما فَعَل السادات منذ 1971، بالرّخاء، بعد التّخلِّي عن كل ما له صلة بما اصطُلِحَ على تسميته ب”الإشتراكية”، وبعد استبدال العلاقات الوطيدة مع الإتحاد السوفييتي بالتّقرّب من الإمبريالية الأمريكية، لكن أظهر خطاب نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية الدكتور عبدالمنعم القيسونى أمام مجلس الشعب، يوم السابع عشر من كانون الثاني/يناير 1977، بخصوص مشروع الميزانية للعام 1977 (تبدأ السنة المالية في شهر آذار/مارس من كل عام)، إقرار الحكومة خَفْض عجز الميزانية، من خلال تطبيق إجراءات تقشفية، اشترطها صندوق النّقد الدّولي، قبل الموافقة على قرض طلبته الحكومة المصرية، وتتمثل الإجراءات في رفع الدعم عن العديد من السلع الأساسية، لترتفع بذلك أسعار أكثر من 25 سلعة أساسية، منها الطاقة والزّيت والأرز والخبز والسكر والشاى…

أظْهَرَ هذا البيان الرّسْمِي الحُكُومي زَيْفَ الوُعُود بتحسين ظروف عيش المواطن، بمجرّد التّقَرُّب من الإمبريالية الأمريكية، ما أدّى إلى تَفَجُّرالغضب المتراكم من خلال ما سُمِّيَ “انتفاضة الخُبْز” (وهو الإسم الذي اتخذته مثل هذه الإنتفاضات في العديد من البلدان) التي حَمَّلَ النظام المصري مسؤولية إطلاقها لليسار، عند تبرير عُنْف السّلطة وقَتْل العشرات واعتقال المئات، خلال يَوْمَيْ الإنتفاضة، ولحقت هذا القمع حملة اعتقالات واسعة…

 الوقائع والدّلالات:

إن ما أطلق عليها المصريون “انتفاضة الخُبز” أو “انتفاضة يناير” (قبل 25 كانون الثاني/يناير 2011)، هي مظاهرات جرت يومي 18 و 19 كانون الثاني/يناير 1977، في عدة مدن مصرية احتجاجا على رفع أسعار العديد من السلع الغذائية، وقتل خلالها الجيش 170 متظاهرًا، فيما أُصيب المئات، وتم الزج بالآلاف في سجون طُرّة وباب الخلق وأبو زعبل، وغيرها، بتهم المشاركة بأحداث الشغب أو الانتماء لأربع تنظيمات شيوعية، أهمها “حزب العُمّال الشيوعي المصري”.

اجتمعت الدّوائر الحاكمة (الحكومة وأرباب العمل وقيادات الجيش والأمن…) يوم 18 كانون الثاني/يناير، ومن الغد، كانت عناوين الصحف الثلاثة الكبري تُدين “المُؤامرة والمخطط الشيوعي، الرّامي إلى قلب نظام الحكم وإحداث حالة من الفوضى…”، ما بَرّرَ (بشكل مُسبق، أو وِقائي) إلقاء الشُّرْطة القبض علي عدد كبير من المناضلين، وشملت الإعتقالات عددا كبيرا من المُحامين والقُضاة والأدباء والفنانين والمُدرّسين والنّقابيين، الذين شاركوا أو لم يُشاركوا في المظاهرات والتجمُّعات والإعتصامات التي انطلقت إثر إعلان رفع الدعم وزيادة أسعار الغاز بنسبة 45% والخبز بنسبة 50% والسجائر بنسبة 8% والسكر والأرز بنسبة 25% ، وعموما ارتفعت أسعار ارتفعت أسعار العديد من السلع الأساسية مثل الزيت والشاي والبنزين وغاز الطّهي والدقيق الفاخر والذرة والسمسم والحلاوة الطحينية والفاصوليا واللحوم المذبوحة والمنسوجات والملبوسات بنسب تتراوح ما بين 30% إلى 50%…

في صبيحة يوم الثامن عشر من كانون الثاني/يناير 1977، نَظَّم العمال تجمعات ضخمة في المناطق الصناعية، منها مُجّمّع منطقة حلوان (القاهرة ) للغزل والنسيج والمصانع الحربية، وفى مصانع الغزل والنسيج في “شبرا الخيمة” وفي الترسانة البحرية بمنطقة “المكس” بالأسكندرية، وغيرها، قبل أن تجتاح جموع العُمّال شوارع المُدُن الكبرى، وتعكس الشعارات رفض القرارات الحكومية التي لن تُنْتِجَ سوى مزيد من الجوع والفقر، كما تعكس الطابع الطّبقي، وتعارض المصالح بين “ساكني القُصُور” و “العائشين في القُبُور”، ثم تضخّمت المظاهرات بسرعة لتجمَعَ عشرات الآلاف من المواطنين في معظم مناطق البلاد، وتكثّف وَجُود مناضلي اليسار وطلبة الجامعات والثانويات، واستمرت المظاهرات يومي 18 و 19 كانون الثاني/يناير 1977، حتى ساعة متأخرة من الليل…

بينما كان المتظاهرون ينددون بارتفاع أسعار السلع الاساسية، استخدمت السلطات الحاكمة مجموعة من المُجْرِمين الذين نفّذوا أعمال تخريب (في منطقة “الهرم”، على سبيل المثال) وأنكَر المتظاهرون معرفتهم لهم، ولم يعلم أحد (سوى الشرطة) من اين جاؤوا أو أين اتجهوا بعد التخريب.

انطلقت انتفاضة 18 و19 كانون الثاني/يناير والمعروفة اعلامياً بانتفاضة “الخبز” او “الحرامية “، بشكل عفوي، غير مُنَسَّق، لتصبح انتفاضة شعبية واسعة، ويعود انتشارها إلى مُشاركة عُمّال التجمعات العمالية الكبرى في التظاهر، رفضًا لقرارات الحكومة، ولم يظهر “المخربون” و”اللُّصُوص”، سوى يوم 19، أي في اليوم الثاني، فكسروا أبواب وواجهات المحلات، بمنطقة “الهرم”، وسرقوا كل ما خَفَّ حمله وغلا ثمنه، وأشارت عناوين الصّحف إلى مؤامرة شيوعية لقلب نظام الحكم، لكن المظاهرات استمرت إلى أن أعلنت الحكومة عن إلغاء القرارات الصادرة ايوم 17/01/1977، بالتوازي مع الإعلان عن إعلان حالة الطوارئ، واحتلال الجيش للساحات والشوارع، وفرض حظر التجوال من السادسة مساءا إلى السادسة صباحاً، ومنذ ذلك الحين انتشرت لدى دوائر النظام الحاكم مقولة “الديمقراطية لها أَنْياب”، وأصبح ما سُمِّيَ “الأمن الوقائي” يُوازي الرّعب والإعتقال والإغتيالات…

رغم الإتهامات الموجّهة للشيوعيين والإدّعاء بوجود مُؤامرة، اضطرت الحكومة إلى الإعتراف باتّساع دائرة الغضب، من خلال الإعلان عن إلغاء قرارات زيادة الأسعار (وهو تراجع تكتيكي، مثلما حصل بالمغرب أو بتونس أو الأردن)، وترافق إعلان التّراجع مع إعلان حالة الطوارئ ومنع الجولان من السادسة مساء إلى السادسة صباحًا، واحتل الجيش الفضاء العام، وأشرف على قمع المظاهرات وإطلاق الرّصاص على المتظاهرين، وقتل وإصابة واعتقال المئات، وربما الآلاف، ومنهم عشرات المناضلين بصفوف اليسار، بكافة أطْيافِهِ والنّاصريين، وأغلقت السّلُطات بعض الصحف والمجلات، ثم صَدَرَ قانون (الثالث من شباط/فبراير 1977) لمحاصرة العمل السياسي من خارج السّلطة.

أطْلَقَ الشعب على هذه الإحتجاجات عنوان “انتفاضة الخبز”، وكانت الإنتفاضة تعبيرًا عن الإحساس بالظّلم واتساع الفجوة الطبقية، فيما أصَرّ أنور السادات على تسميتها “انتفاضة الحرامية”، رغم الرّضُوخ لمطلب إلغاء الزيادات في الأسعار التي أعلنتها الحكومة تحت عنوان “ترشيد الأسعار”، كجزء من برنامج “الانفتاح الاقتصادى” الذي انطلق تنفيذه منذ سنة 1974، ويتمثل في إغراء الإستثمارات الأجنبية، واعتماد قواعد الاقتصاد “الحر”، وتخريب القطاع العام، وفتح باب المقاولات والتوريد والتّصدير أمام القطاع الخاص الذي تعاظَمَ دورُهُ السياسي والإقتصادي بالبلاد، ليزداد الأثرياءُ ثراءً وليرتفع حجم ونسبة الفُقراء.

طلبت السلطة الحاكمة من القضاء تسليط أقسى العُقُوبات على المعتقَلِين، لكن المُستشار الراحل “حكيم مُنير صليب” خالف الأوامر، واستجاب لمطلب هيئة الدفاع فى قضية 18 و 19 كانون الثاني/يناير 1977 (عصمت سيف الدولة، ومحمد ممتاز نصار، ونبيل الهلالى، وعبدالرؤوف على، وصلاح عبدالمجيد صالح )، وحكم ببراءة المُتّهَمِين…  

 دروس وعِبَر:

فتح النّظام المصري، منذ سنة 1974، الباب للإستثمارات الأجنبية، وأقر عشرات القوانين لتسهيل استحواذ رأس المال الأجنبي على قطاعات عديدة، منها المصارف وشركات التّأمين، والصناعة (القُطن والحديد والصّلب) والمعادن، وكان أنور السادات يدّعي أن هذا “الإندماج في الإقتصاد العالمي” سوف يجلب الرخاء للشعب المصري، لكن تدهور وضع أغلبية المواطنين، فكانت نسبة 44% من الشعب المصري تعيش تحت خط الفَقْر، بنهاية سنة 1976، بحسب البيانات الرّسمية، وهي دُونَ الواقع بكثير، وارتفعت أسعار السلع الأساسية خلال الفترة من 1973 إلى 1976 لترتفع تكلفة المعيشة بنسبة 42%، بحسب منظمة العمل الدّولية، وكان الرئيس أنور السّادات يعمل على مُغالطة الفُقراء، مُردّدًا أن “مصر ضَحّت من أجل العرب الذين أخذوا دَم أبنائنا ولم يتقاسموا معنا عائدات النّفط”، وبذلك يخلط عَمْدًا بين المواطن العربي (اللاجئ الفلسطيني، مثلا) وعرب أمريكا، الأثرياء بفضل نفط الخليج، بهدف نسف الفكر القومي والتضامن العربي، من أساسه، ولِيُبَرِّرَ الإستجابة لضغوط البنك العالمي وصندوق النّقد الدّولي، لخفض عجز الميزانية، وخفض دعم السلع الأساسية، وتحميل الفقراء أعباء مالية إضافية بقيمة خمسمائة مليون جنيه سنويا، وأدّى ردّ الفعل الجماهيري السّريع إلى التّراجع التكتيكي للحكومة، بالتوازي مع تكثيف حملات القمع والإعتقالات والمُحاكمات الصّورية، ما أَضْعَفَ الحركة الثورية والمُعارَضَة بشكل عام، لكن كشفت هذه الإنتفاضةُ الغطاء عن الطاقة الثورية الكامنة داخل الطبقة العاملة التي أعطت دَفْعًا قويًّا للحركة، كما أعطت دفعًا قويا لانتفاضة 25 كانون الثاني/يناير 2011، لكن للعفوية حدودُها لأن الصّف المُقابل، الذي تُمثّلُه أجهزة الدّولة، يعمل بشكل مُخطّط، مُنَسَّق ومنظَّم، ويمتلك المال، ويُدِير جهاز القمع المُتضَخِّم، كما تعمد السّلطة إلى التحالف مع المُجرمين وتنظيم عمليات التخريب (وهو غير العُنف الثّوري الواعي والمُنظّم)، بهدف التشكيك في مشروعية النضالات، وانتفاضة العُمّال والفُقراء التي لم تتمكّن القوى الثورية من تحويلها إلى ثورة مُنظّمة ضدّ النظام ككل، وليس ضد إجراء يتراجع عنه، انتظارًا للظرف المُواتي لإعادة فَرْضِهِ…

أظهرت جماهير المغرب وتونس ومصر والأردن والسّودان وغيرها استعدادها، في مناسبات عديدة، للنضال من أجل حقوقها، ومواجهة السّلطة وأجهزتها الإعلامية والقمعية، وآخر هذه الانتفاضات الكبيرة جرت (ولا تزال) منذ سنة 2011 (تونس ومصر) ومنذ 2019 (لبنان والعراق والجزائر والسودان والأردن…)، لكن أقصى ما بلغته هذه الإنتفاضات هو تغيير رأس السّلطة (تونس ومصر)، وبقاء النّظام الإقتصادي والسياسي على حاله، فارتفعت الدّيون الخارجية وارتفعت الأسعار وزادت نسبة البطالة والفقر، وما إلى ذلك، بسبب غياب قُوى ثورية قادرة على تحويل الإحتجاجات أو الإنتفاضات إلى ثورة مُظَفَّرَة، تُغَيِّرُ نظام الحكم، ليكون في خدمة الأغلبية، وليس في خدمة أقلية من الأثرياء…       

لخّص الشاعر نجيب سرور، من خلال صَوْت وعُود الشيخ إمام، فِكْرَ وممارسات أنور السّادات في التسجيل المُرْفق

عبارة “كل عام وانتم بخير” في القصيدة، لا تُفيد التّهنئة بالعام الجديد، بل تُفيد التّهديد بالإعتقال والإغتيال

الرابط:

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.