“كنعان” تتابع نشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، لمؤلفه د. عادل سماره، الحلقة (12)

الانتفاضة الفلسطينية 1987

الجزء الثالث

الانتفاضة وخسائر العدو

كان طبيعيا أن تُلحِق الانتفاضة خسائرا باقتصاد العدو. ولكن، لم يكن هدف الانتفاضة فقط حربا اقتصادية بل استخدام وتعميم مقولة المقاطعة كجزء من موديل التنمية بالحماية الشعبية لإعادة بناء الاقتصاد المحلي تنمويا وصولا إلى أعلى درجة من فك الارتباط باعتماد الحماية الشعبية خاصة وتحديداً. أي بكلام آخر، الانتفاضة ثوة تحرير وطني شعبي وليست مشروع مساومة واستدوال على جزء من أرض الشعب.  هذا الموديل من حرب الشعب هو جزء أيضاً من شعار “الحياة مقاومة”. وعليه، ليس الأمر تنافسا أو حربا إقتصادية ضد اقتصاد العدو بل مقاومة ودفاع ذاتي وهو يتضمن بالضرورة إلحاق أعلى ضرر ممكن باقتصاد العدو وتوقع مقاومة شعبية مديدة.

هناك في الحقيقة مسألتين لا بد من ذكرهما هنا:

الأولى: أن الصراع مع الكيان الصهيوني الإشكنازي ليس مجرد  صراع اقتصادي بمعنى تنافس أنظمة، وهذا لا ينفي أن أساس إيلاج الكيان في فلسطين هو من أجل مصالح الراسمالية الغربية في الوطن العربي. إلا أن نضالنا الاقتصادي هو جزء من مشروع تحرير الوطن وليس المنافسة الاقتصادية مع اقتصاد العدو. وهنا تجدر الإشارة بأن الصراع الاقتصادي مع اقتصاد العدو هو صراع مع اقتصاد الراسمالية الغربية بعمومها التي خلقت الكيان وتدعمه وصولا إلى حمايته. وقد اصبح هذا النضال ايضا ضد كامل اقتصاد وسياسات الثورة المضادة وخاصة جانبها الصهيوني العربي الذي يهرول للتطبيع سياسيا واقتصاديا وفي كل مستوى مع العدو.

والثانية:وهي وجوب الانتباه إلى التضليل المقصود أو الساذج بأن هناك فرصة “للتنمية ” التقليدية في المحتل 1967 في ظل اتفاقات اوسلو كما تردد ادبيات اللبراليين/ات في سلطة الحكم الذاتي وبعض “اليساريين” الذين يرون ذلك وخاصة من يرون حتى في السياسات الاقتصادية لسلطة الحكم الذاتي على أنها قادرة على تحقيق “التنمية” إذا ما طُبِّقت “كما يجب”[1]! وهذا يطرح السؤال التناقضي المركزي وهو: هل التنمية وحتى النمو تحت الاحتلال الاقتلاعي ممكنة حتى بمعزل عن الاستشهاد بتجربة ربع قرن!

جرى تصميم السياسة الاقتصادية للعدو بحيث يتم التقويض المستمر لاقتصاد المناطق المحتلة. ودون الدخول في التفاصيل، فقد كان أحد مفاصل هذه السياسة امتصاص قوة العمل المحلية للعمل في اقتصاد العدو من أجل:

  1. تفريغ مواقع التشغيل المحلية كجزء من سياسة تقويض مواقع الإنتاج وذلك بإغراء العمال بأجور تفوق كثيرا متوسط الأجور المحلية، ولكنها تقل كثيرا عن أجور العمال حاملي جنسية الكيان!
  2. وامتصاص الشباب بعيداً عن المشاركة في النضال الوطني كخطوة احترازية من سلطة الكيان لمواجهة المقاومة.

بموجب هذه السياسة، جرى تركيز العمال الفلسطينيين في العمل الأسود، البناء، تنظيف الشوارع والبيوت ،قطاف المحاصيل…الخ. وهذا “رفع” القطاعات الدنيا من العمالة الصهيونية إلى مشرفين على العمالة الفلسطينية، مما يعني على الأقل مراتبية طبقية[2] تقوم على اساس فوقية اليهودي أو حامل جنسية الكيان وحقق لاقتصاد العدو فائض قيمة عالٍ جدا نظراً لفارق الأجور والخدمات بين العامل الفلسطيني والعامل من داخل الكيان الصهيوني. وعليه، فإن مبادرة العمال لمقاطعة العمل داخل اقتصاد العدو، وهو ما اسميته “الإنسحاب إلى الداخل عماليا” والذي ترتب عليه انسحاب العمال إلى الداخل،إلى السوق المحلية،  استهلاكياً، وتبعته بالطبع مقاطعة/الانسحاب إلى الداخل استهلاكيا من سوق العدو من قبل معظم شرائح أو “طبقات” المجتمع وهو ما ألحق اضرارا اقتصادية باقتصاد العدو طالت مختلف المشاريع هناك التي تنتج للتسويق داخل الأرض المحتلة 1967 وهي بالطبع غالبا من البرجوازية ذات الأصول اليهودية  الشرقية ومن الدرجة الدنيا صناعيا، اي إنتاج المواد الغذائية، والأثاث…الخ. كما الحقت أضراراً بالعمالة اليهودية في المصانع ومواقع العمل الصهيونية التي تُنتج للتسويق في المحتل 1967 ويُقدر عدد من كانت تشغلهم في حينه ب 75,000 عامل.

لعل البُعد الأهم طالما نناقش الانتفاضة هو أن الانسحاب إلى الداخل استهلاكيا[3]، وشُغلاً[4]، يفترض أو يعني بالضرورة الذهاب إلى نشاطات محلية “تنموية” لإنتاج ما يمكن إنتاجه كبدائل للواردت من سوق العدو أو من الأسواق الصديقة للعدو والتي يُحظر على الفلسطينيين التواصل معها مباشرة إلا من خلال وسيط صهيوني.

وفي هذه المسألة بالتحديد يكمن فخَّ آخر ضد اقتصاد المناطق المحتلة وهو الدور الذي لعبته شريحة الفئة الثانية من الكمبرادور المحلي[5] وهي الشريحة التي توسطت بين الاقتصادين والسوق الدولي تحت إشراف السياسات الصهيونية حيث تركز دور هذه الشريحة في تهريب/واستمرار تسويق منتجات العدو إلى السوق المحلية مما لعب دورا في إعاقة التنمية بالحماية الشعبية، اي ضرب الانتفاضة من الداخل المجتمعي.

في المستوى العسكري والأمني، فقد جنَّد الاحتلال منذ عدوان 1967 عشرات آلاف الجنود والضباط والمخابرات والعملاء المحليين لضبط الوضع ومواجهة المقاومة في الأرض المحتلة. وهذه طبعا فرص عمل لهؤلاء وكلفة على اقتصاد العدو. ولكن الانتفاضة غيرت المعادلة بحيث زادت عدد الجنود والمخابرات وحرس الحدود والشرطة الذين تم تجنيدهم لإخماد الانتفاضة مما كلف العدو الكثير.

وإذا كان كل هذا التجنيد قبل الانتفاضة قليل أو معدوم الكلفة طالما يتم استغلال بل احتلال سوق المناطق المحتلة بتبادل غير متكافىء تحت السلاح، فإن الانتفاضة قد كلفت العدو الكثير حيث:

  • من جهة حصلت مقاطعة العمل والاستهلاك من اسواق العدو
  • ومن جهة ثانية تم تجنيد وتحريك أعدادا ضخمة من قواته لقمع الانتفاضة.

لا تتوفر ولم تتوفر معطيات لأرقام خسائر العدو الاقتصادية جراء الانتفاضة، ولكن مما تم تقديره حينها نقتطف ما يلي:

  • هبطت صادرات العدو إلى السوق المحلية من 900 مليون دولار إلى ثلث هذا المبلغ. وتجدر الإشارة أن سد العجز الناجم عن هذه الواردات إلى الاقتصاد المحلي كان يتم من أجور العمال المحليين الذين يعملون في قطاعات اقتصاد العدو.
  • في عام 1988 وحده كانت كلفة تحريك جيش العدو ضد الانتفاضة هي 800مليون شيكل.
  • وصلت خسائر قطاع السياحة الصهيوني عام 1990 إلى  530 مليون دولار.
  • وخسر قطاع الزراعة وقطاف الزهور للتصدير من جراء توقف عمال قطف الزهور للتصدير الذين وصل عددهم إلى 15 الف عامل من المحتل 1967 يعملون في الالتقاط والتصنيف[6]

كما تضررت قطاعات أخرى كقطاع النسيج والبناء…الخ وهو الأمر الذي دفع العدو إلى استجلاب عمالة أجنبية[7] للحلول محل العمالة الفلسطينية. كان الأمر صعبا على العدو حيث أن المقاطعة العمالية الفلسطينية لاقتصاده كانت فجأة، ولم يكن من السهولة بمكان ملىء هذه الشواغر لا من حيث سرعة الاستجلاب ولا من حيث كفاءة وتكيف العمالة الأجنبية مع طبيعة العمل ولا من حيث دفع أجورهم الأعلى من أجور العمال الفلسطينيين، ومن حيث توفيرإقامة هؤلاء العمال حيث بدأ الحديث عن قلق صهيوني بأن هؤلاء العمال الأجانب قد يتحولون إلى جاليات أجنبية! واين؟ في نظام عنصري حتى العظم يمارس عنصريته سواء بالقانون او بالثقافة من اليهود الإشكناز ضد اليهود الشرقيين ومن اليهود البيض ضد اليهود السود…الخ. بينما كان العمال الفلسطينيين يعملون داخل الكيان ويعودون إلى منازلم في المناطق المحتلة 1967.

لعل أهم منجزات الانتفاضة قبيل توقيفها في توقف الاستيطان واضطرار قوات العدو لحماية تنقل المستوطنين من المستوطنات المقامة في المحتل 1967 إلى المحتل عام 1948. وهذا التوقف هو الضربة الحقيقية للمشروع الصهيوني الذي يقوم أولا وأخيرا على اغتصاب الأرض ومن ثم طرد/إخلاء، إزاحة اهلها.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] أنظر المصدر السابق

[2] حينما أنهيت اطروحتي للماجستير في بريطانيا عرضتها على Zed Books للنشر، فأجابوني بانها قابلة للنشر بشرط تحويل الفصل الخامص إلى تعاون بين  العمال الفلسطينيين واليهود بدل كون العلاقة مراتبية أي العمال الفلسطينيين خاضعون لاستغلال طبقي وقومي. اي كان المطلب هو هدم جوهر الأطروحة القائم على عدم وجود تعاون ولا تحالف بين العمال من الطرفين. وطبعاً رفضت الاقتراح. أضطررت للهرب من بريطانيا بعد اغتيال ناجي العلي ووضعت أوراقي لدى الرفيق الإيرلندي توبي شلي حيث ارسلها إلى رام الله مع المحامية التروتسكية ليئا تسيمل، لكنني وجدت ان هذه  الرسالة وأمور هامة أخرى قد فُقدت!

[3] حسب جيروزالم بوست 1-3-1988 هبطت مبيعات المنتجات الصناعية في قطاعات معينة من اقتصاد الكيان في الشهر الثالث للانتفاضة بنسبة 30 بالمئة.

[4] حتى اواخر الشهر الثالث للانتفاضة وصلت نسبة العمال الفلسطينيين المقاطعين للعمل داخل الكيان إلى 43 بالمئة (موشية كتساف، في جروزالم بوست 1-3-1988) عن الحماية الشعبية ص 90

[5] مرت على الضفة الغربية المحتلة ثلاثة شرائح متتابعة من الكمبرادور، الأولى مرتبطة بالنظام الأردني قبل 1967، والثانية مرتبطة بالحكم العسكري الصهيوني المباشر ما بين 1967-1993 والثالثة متربطة بسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية،وبالطبع تداخلت نفس الشرائح ببعضها.

[6] الأرقام والمعلومات هذه مستقاة من كتاب الانتفاضة مبادرة شعبية:دراسة لأدوار القوى الاجتماعية، إعداد مجموعة من الباحثين، 1990 دون دار نشر.

[7] بدأ الاستجلاب بجلب 450 عاملا من جنوب لبنان (جيروزالم بوست 1-3-1988)