فلسطين، بعض أشعّة الضّوء، رغم قَتامَة الوَضْع، الطاهر المعز

رغم العراقيل وسيطرة الشركات الرأسمالية الإحتكارية على وسائل الإعلام، يَتَمَكّنُ بعض مواطني، وحتّى بعض مشاهير الدّول الإمبريالية من إدْراك واقع الإحتلال الصهيوني لفلسطين (بدعم امبريالي ورجعي عربي)، وعندما يُعبّرُ هؤلاء عن شَجْبِهم أو تنديدهم ببعض ممارسات الإحتلال، أو عن دعمهم للشعب الفلسطيني، يتجنّدُ صف أعدائنا ضدّهم، واستخدام تهمة “معاداة السامية” لِحَظْرِ كافة أشكال التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني…

سبق أن عبّرت الممثلة البريطانية الشّابّة “إيما واتسون”، التي اشتهرت بأداء دَوْرٍ “بُطُولي” في سلسلة “هاري بوتر” ( كاتبة السلسلة من داعمي الكيان الصهيوني)، عن دعمها للمُحتجِّين الأمريكين على اغتيال “جورج فلويد” والسود الأمريكيين من قِبَل الشّرطة الأمريكية، وقامت، بنهاية سنة 2021، بإعادة نَشْر صورة لتَجَمُّع مؤيد للفلسطينيين، تعود لشهر أيار/مايو 2021، تحمل شعار “التضامن فعل… التضامن يعني الالتزام والعمل، بالإضافة إلى الاعتراف بأنه حتى لو لم يكن لدينا نفس المشاعر أو نفس الحياة أو نفس الجسد، فإننا نعيش على قاعدة مشتركة”.

كان ردّ فعل ممثّلِي الكيان الصّهيوني وداعميهم عنيفًا، واتهموها (كالعادة؟) ب”معاداة السّامِيّة”، وهو نفس الرّدّ الذي يستخدمه أعداء الشعب الفلسطيني وأعداء تحرُّر الشعوب ضد أي ناقد لممارسات الإحتلال (وليس بالضرورة للعقيدة الصهيونية، أو للنظام الذي أنْتَجَتْهُ)، كما شنّوا حملات سابقة ضد الممثلة الأميركية “سوزان ساراندون” التي تدعم الشعب الفلسطيني، من خلال الشبكة الإلكترونية.

في المُقابل، وقّع العديد من المُمثّلين والمُخْرِجين وبعض نُجُوم “هوليود” – ومعظمهم معروفون بإدانتهم جميع أشكال العنصرية، بما في ذلك معاداة السامية وكراهية الإسلام – لائحةَ دَعْمٍ لإيما واتسون، كتبَها “فنّانون من أجل فلسطين” (بريطانيا)، منهم مُشاركان في سلسلة “هاري بوتر”، واتسون ميريام مارغوليس وجولي كريستي، والمُخرج التّقدّمي كين لوتش وكاتب السيناريو والمنتج جيمس شاموس، وسوزان ساراندون، ومارك روفالو، وفيغو مورتنسن، وبيتر كابالدي وتشارلز دانس والمخرجون المرشحون لجائزة الأوسكار آصف كاباديا وميرا ناير، ووردَ في اللائحة: “إننا نَنْضَمُّ إلى إيما واتسون لدعم العبارة البسيطة بأن التضامن هو فعل، بما في ذلك التضامن الهادف مع الفلسطينيين الذين يكافحون من أجل حقوقهم الإنسانية بموجب القانون الدولي… إن إسرائيل ترتكب جرائم الفصل العنصري والاضطهاد… نحن ندرك عدم توازن القوة بين القوة المحتلة والشعب الفلسطيني…” عن موقع صحيفة “غارديان” (06 كانون الثاني/يناير 2022)، وأشارتْ لائحتهم إلى ما ورَدَ بتقرير “هيومن رايتس ووتش” (تمويل وزارة الخارجية الأمريكية، بواسطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية) للعام 2021: “يخضع الفلسطينيون لنظام احتلال عسكري وفصل عنصري”، ويضطرّ هؤلاء الفنانون لإبعاد تهمة “معادة السّامية” والدفاع عن أنفسهم، من خلال التأكيد على “إن معارضة نظام سياسي أو سياسة ما تختلف عن الطائفية والكراهية والتمييز الذي يستهدف أي جماعة بشرية بسبب هويتها”، كما وَرَدَ في اللائحة…

تم تعيين المُمَثّلة “إيما واتسون”، سنة 2014، سفيرة النوايا الحسنة للأمم المتحدة للمرأة، ثم أدْرَجَتْها مجلّة “تايم” البريطانية، سنة 2015، في قائمة أكثر مائة شخص تأثيرًا في العالم، لدعمها العديد من القضايا ولدفاعها عن حقوق النّساء وعن المُساواة…

كثيرًا ما يَعمد العديد من الصحافيين والسياسيين والفنانين إلى المُساواة بين القُوّة المحتلة ( الكيان الصهيوني ومستوطنوه القادمون من أكثر من مائة بلد) والشعب الواقع تحت الإحتلال، فيما اتخذ بعضهم موقفًا، إذ سبق أن أدان العديد من الفانين والرياضيين، في أيار/ مايو 2021، العدوان الصهيوني على فلسطينِيِّي غزة، ومنهم لويس هاميلتون ، لينا هيدي ، إريك كانتونا ، بيلا حديد ، طاهر رحيم ، باريس هيلتون ، وكان نجم كرة القدم السابق، فرنسي الجنسية، “إريك كانتونا” قد أسَّسَ “مؤسسة الأمل” لدعم الفلسطينيين في غزة، وصرّح “إن قِلَّة من الفنانين الفرنسيين عبروا عن تضامنهم مع الفلسطينيين، رغم تدفُّق الكثير من الدماء أمام أعيننا العاجزة والمتشائمة، في عالم غير مقبول وغير معقول وعنيف… يجب ألا يصبح الأمر عاديًا وطبيعيًا لأطفالنا”، ومن هؤلاء القلّة، لاعب كرة القدم (من أصول إفريقية) “بول بوغبا” و”أحمد ديالو” (من ساحل العاج”، وهما ينتميان حاليا إلى نوادي بريطانية، ورفعا معًا العلم الفلسطيني في المَيْدان…

أدّت الضُّغُوطات والتّهديدات الصّريحة إلى تغيير أو حتى حَذْف بعض التعليقات أو المواقف الدّاعمة للفلسطينيين، ولو كان الدّعم “إنسانيًّا” وليس سياسيًّا، مثلما حصل ل”باريس هيلتون” التي اضطرّت إلى حذف صورة وتعليق عن هدم منازل الفلسطينيين وتشريد الأطفال، كما اضطرّ “لويس هاميلتون”، بطل سباق السيارات (فورمولا 1 ) إلى إلغاء رسم يُوضّح الفارق الشاسع بين عدد قتلى الشعب الواقع تحت الإحتلال وعدد القتلى من المُسْتَعْمِرِين المُستوطنين وجيشهم، منذ سنة 2008، تاريخ واحد من الإعتداءات على قطاع غزة، كما نَشَرَ ثم حَذَفَ رسمًا بيانيا آخر، يوضح خسارة الأراضي الفلسطينية، خلال قَرْن، منذ سنة 1917 (وعد بلفور) مع تعليق: “بلفور – نكبة – احتلال…”، في حين رفضت الفنانة الكوميدية والمنتجة “فيولا ديفيس”، أول ممثلة أمريكية من أصل أفريقي تفوز بجائزة الأوسكار، والممثلة “لينا هيدلي” الرّضوخ لمثل هذه الضّغوطات من مُمَوِّلِي البرامج والأشرطة والفعاليات الثقافية والفَنِّيّة، فضلا عن سفارة الكيان الصهيوني…

عندما انتفض الأمريكيون السّود، تنديدًا باغتيال “جورج فلويد” (أيار/مايو 2020)، عادت ببعضهم الذّاكرة إلى عقدَيْ الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، لما رَبَطَتْ الحركات الثورية للأمريكيين السّود بين قضيتهم وقضايا الشُّعُوب المُسْتَعْمَرَة والمُضْطَهَدَة، فبينما أعلن وزير الحرب الأمريكي لويد أُوستن “الدّعم الثابت لإسرائيل وحقّها في الدّفاع عن نفسها”، خرجت بعض الأصوات، حتى داخل الحزب الديمقراطي، حيث أعلنت النائبة “كُوري بوش” في الرابع عشر من أيار/مايو 2020:  إن الكفاح من أجل حياة السود والكفاح من أجل تحرير الفلسطينيين مرتبطان. نحن نعارض استخدام أموالنا في تمويل الشرطة العسكرية والاحتلال وأنظمة القمع والصدمات العنيفة. نحن ضد الحرب. نحن ضد الاحتلال. ونحن ضد الفصل العنصري…”، وهي تصريحات جريئة، تربط القضية الفلسطينية بمكافحة العنصرية والظّلم وعدم المساواة، وبالنضال ضد الإضطهاد، رغم عدم تركيزها على الحقوق الوطنية للفلسطينيين كشعب، بل على حقوق الفرد، من منطلقات “إنسانية” أو “أخلاقية”…

تاريخيًا، تعود العلاقة بين نضال الأمريكيين السود والنضال الوطني الفلسطيني إلى عقود السّتّينيات والسبعينيات من القرن العشرين، في ذروة النضال من أجل الحقوق المدنية للمواطنين الأمريكيين السُّود، حيث تعدّدت الإتصالات واللِّقاءات، منها لقاء ياسر عرفات مع “هيوي بيرس نيوتن”، أحد مُؤسِّسي حزب “الفُهُود السُّود” (26 آب/أغسطس 1970)، وكانت حركة “الفُهُود السُّود”  (حركة تحرير الإفريقيين الأمريكيين) قد تَبَنّتْ قضية الشعب الفلسطيني، ولم يندثِرلا هذا التُّراث النّضالي، إذ رفع المتظاهرون المُحتجّون على قتل الشرطة للمواطن الأسود “مايكل براون” (2014) وكذلك المواطن “جورج فلويد” (2020) يافطات التضامن مع الفلسطينيين، مع حركة “حياة السّود مُهِمّة”، كما رسم الفلسطينيون على الجدار الصهيوني صورة “جورج فلويد” مع عبارة “لا أستطيع التّنفّس منذ 1948″، في إشارة إلى آخر جملة لَفَظَها جورج فلويد “أنا أختنق… لا أستطيع التنفس”، وأنشأ بعض المواطنين الأمريكيين، مع الفنان “فيك منسا”، مجموعة “فيسبوكِيّة” عنوانها ( Black for Palestine  )، ويروي هذا الفنّان مشاهد من رحلته إلى فلسطين، منها مشهد جنود الإحتلال الصهيوني يعتقلون مُراهقًا فلسطينيا، ثم يَرْوِي الفنان الأمريكي الأسود كيف أنقَذَهُ جواز سفره الأمريكي من الإعتقال، قائلاً: للمرة الأولى في حياتي، منحني جواز السفر الأمريكي مكانة أعلى من الفلسطيني، في القُدْس، بينما أنا في أسْفَل التسلسل الهرمي الاجتماعي بمدينتي “شيكاغو” بالولايات المتحدة…

كتب الفيلسوف الأمريكي الأسود “كورنيل ويست” ( Cornel West )، في حزيران/يونيو 2020: “إن نضال السّود الأمريكيين ضد الإستغلال والإضطهاد لا ينفصل عن النضال ضد الإمبريالية”، وهو ما كانت تؤكده حركة “الفُهُود السّود”، قبل خمسة عُقُود، فقد كان قادتها على وعْيٍ بارتباط كفاح الشُّعُوب المُضْطَهَدَة، بكفاح الفُقراء والعاملين والمُستَغَلِّين داخل الدّول الإمبريالية، فهي نفس المعركة التي تجري في مناطق عديدة من العالم، بمظاهر مُخْتَلِفة، وما عُنْف الشّرطة الأمريكية في الدّاخل سوى صورة مُصغَّرَة عن العنف العسكري الإمبريالي في الخارج، وهو يعكس العجرفة الأمريكية التي اغتالت وتغتال الأبرياء في أفغانستان وباكستان والصّومال واليمن وليبيا وسوريا والعراق وكذلك في فلسطين، من خلال دعم جيش الإحتلال الصهيوني، وتنفيذ تدريبات مُشتركة بين الشرطة الأمريكية والجيش الصهيوني، ليتعلم رجال الشرطة الأمريكيون إطلاق النار في الرأس وفي القلب، بنية القتل وتجنب الإصابات الخفيفة والإعتقال، ويعكس العجرفة والعربدة العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء العالم، من خلال القصف والإغتيالات بواسطة الطائرات الآلية، بذريعة “الحرب على الإرهاب”، ما يُحَوِّلُ الأنْظار عن التّفاوت الطّبقي داخل الولايات المتحدة…  

على العُمُوم، لا تزال الأغلبية السّاحقة من الأمريكيين يدعمون الكيان الصّهيوني، ويعتقدون أن الفلسطينيين احتلُّوا “وطن الصهاينة”، لأن وسائل الإعلام وأجهزة الدّولة والإيديولوجيا السّائدة تدعم الكيان الصهيوني دعمًا مُطْلَقًا، بدون أي هامش للنّقد، مهما كان خفيفًا وناعمًا، لكن بدأ جيل من الشباب (مع عدد قليل من الكهول) يُعارض السياسات الصهيونية، ولو اقتصر التّنديد على الأراضي المحتلّة سنة 1967، ويُعارض الأموال التي تمنحها السّلطات الإتحادية الأمريكية للكيان الصهيوني (3,8 مليارات دولارا سنويا، وحوالي 145 مليار دولارا حتى سنة 2018) لمساعدته على هدم بيوت الفلسطينيين وبناء سجون ومستوطنات جديدة، فضلا عن المساعدات العسكرية والدّعم السياسي والإيديولوجي والدّبلوماسي، ما من شأنه خَلْقَ شرخ يمكن أن يتّسِع لتَنْفَذَ منه القضية الفلسطينية إلى عُقُول الشعب الأمريكي، رغم التّطبيع العربي الرّسْمي، وعَمالة سلطة أوسْلُو… 

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.