تونس في ذكرى الإضراب العام  26 يناير 1978: تونس 1978 – 2022، الطاهر المعز

تونس في ذكرى الإضراب العام 26 كانون الثاني/يناير 1978

تونس 26 كانون الثاني/يناير 1978 – 2022

 كان أعضاءُ المكتب التنفيذي لاتحاد نقابات الأُجَراء “الإتحاد العام التونسي للشُّغْل”، أعضاءَ بالهيئات العُليا للحزب الحاكم والوحيد بالبلاد، وكان الأمين العام للإتحاد عضوا بالمكتب السياسي (الديوان السياسي)، وساهمت قيادات الإتحاد في قَمْع وإقصاء النقابيين (حَلّ نقابة مُدَرِّسي التعليم الثانوي، يوم 20 كانون الثاني/يناير سنة 1975، وطرد قياداتها من العمل، قبل تنفيذ الإضراب) ومع ذلك حصلت مناوشات وتطور بعضها إلى صدامات بين السلطة (أي الحزب الحاكم وحكومته) والقيادات النّقابية، فوقع إقصاء “أحمد بن صالح” ( 1926 – 2020 )، سنة 1956، بسبب خلافات سياسية حول مرحلة الإستقلال، وتم اعتقال وسجن الأمين العام “أحمد التليلي” (1916 – 1967)، بعد معارضته خفض قيمة الدّينار، سنة 1965، لأن ذلك يُخفّض القيمة الحقيقية لرواتب الأُجَراء. أما في السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير 1978، فقد اعتقلت الشرطة أعضاء المكتب التنفيذي، بعد استقالة الأمين العام “الحبيب عاشور” ( 1913 – 1999) ) من المكتب السياسي للحزب الحاكم (ولم يتخَلّ عن عضويته) بضغط من القاعدة النقابية، وبعد مطالبة أعضاء المجلس الوطني (ثاني سلطة قرار بعد المؤتمر) أيام 8 و 9 و 10 كانون الثاني/يناير 1978، وانعقاد الهيئة الإدارية (أعضاء المكتب التنفيذي والقيادات الجهوية والقطاعية) يوم 22/01/1978، وبعد قرار تنفيذ الإضراب العام…

كان الحبيب بورقيبة ( 1903 – 2000) رئيسًا للدّولة وللحزب الأَوْحَد، منذ 1957، وأصبح الهادي نويرة (1911- 1993) وزيرًا أول، وأمينًا عامًّا للحزب (1970 – 1980) بعد وضع حدّ لسياسة “التّعاضد” والإصلاح الزراعي البيروقراطي الذي لم يستفد مكنه صغار الفلاحين، وانتهج الهدي نويرة (وهو أحد أثرياء البلاد، وعدو لدود للعمل النقابي) سياسة اقتصادية ليبرالية، مع انغلاق سياسي ومُحاكمات عديدة لمئات المُعارضين، خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين، وكانت تونس آنذاك مُصدّرًا صغيرًا للنفط الذي ارتفعت أسعاره بعد حرب 1973، وبلدًا مُصَدِّرًا للفوسفات اذي ارتفع سعره في الأسواق العالمية، وأدّت السياسة الليبرالية إلى فتح الباب لرأس المال الأجنبي، بدون ضوابط، وإلى تشجيع الدّولة للرأسماليين المحلِّيِّين ليكونوا وُكلاء لرأس المال الأجنبي، بذريعة “الشّراكة” التي اقتصرت على مجالات طُفيْلِية، وقطاعات ذات قيمة زائدة منخفضة جدا، ولا تُحقّق أي تطور تقني، وكانت الرواتب (ولا تزال) ضعيفة في هذه القطاعات التي غاب عنها العمل النقابي (النسيج وصناعات التركيب وبعض النشاطات المُلَوِّثَة)، بالتوازي مع تغيير نوعي للنشاط النقابي بقطاعات “البرجوازية الصّغيرة”، كالتعليم والبريد والصحة والمؤسسات المالية (المصارف والتّلأمينات) وخدمات القطاع العام، كالكهرباء والنّقل العمومي، وتكيّفَتْ قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل مع تطورات العمل النقابي، فضلاً عن اختلاف تيار الأمين العام للإتحاد النقابي (الحبيب عاشور) مع الوزير الأول (رئيس الحكومة)، وكان هذا الخلاف واضحًا في صفحات الصحيفة النقابية “الشّعب” التي أصبحت أسبوعية، في بداية سنة 1976، وأصبحت لهجتها حادّة تجاه الحكومة، ما زاد من رواجها لتصبح أكثر الصّحف شعبيةً بتونس، ومن خلالها تمكّن النّقابيون من ترويج إعلام مُضاد للحكومة، خلال موجة الإضرابات التي انطلقت منتصف سنة 1976، وتصاعد نسق الإضرابات القطاعية، منذ شهر أيار/مايو سنة 1977، عندما بدا فشلُ السياسات الإقتصادية الليبرالية للحكومة ظاهِرًا للعيان، خصوصًا بعد الزيادات الكبيرة للأسعار المواد الأساسية، طيلة الربع الثاني والثالث من سنة 1977، وظهرت الشعارات السياسية، خلال إضراب مدينة “قصر هلال” (تشرين الأول/اكتوبر 1977)، حيث رفع المتظاهرون شعر “الحزب ولد هنا وسوف يموت هنا” (تأسس الحزب الدستوري الحاكم بمدينة قصر هلال سنة 1934)، وأرسلت الدولة قوات الجيش لقمع سكان قصر هلال والمضربين والمتظاهرين…

ارتفع عدد المنخرطين (المنتسبين) للإتحاد العام التونسي للشغل، خلال النصف الثاني من عقد السبعينيات من القرن العشرين، ليتجاوز نصف مليون، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه آنذاك ستة ملايين نسمة، وتتالت الإضرابات الدّورية والقطاعية والجهوية، إلى أن قرر المجلس الوطني (أعلى سلطة بين مؤتمرَيْن) الإضراب العام، واضطر الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل (الحبيب عاشور) وأعضاء المكتب التنفيذي، إلى الإستقالة من المكتب السياسي (أعلى سلطة) لحزب الدستور الحاكم، لأن معظم أعضاء المكتب التنفيذي كانوا يُدافعون عن سياسات الدولة، وسبق أن قام المكتب التنفيذي بحل نقابة أساتذة التعليم الثانوي، لأنها أقرت الإضراب، رغم اعتراض أعضاء المكتب التنفيذي للإتحاد العام (كانون الثاني/يناير 1975)، وعمومًا كان أعضاء المكتب التنفيذي دستوريين وجزءًا من النظام، وبدأت الخلافات تدب بين حكومة الهادي نويرة وأعضاء المكتب التنفيذي للإتحاد بشأن “قانون أبريل 1972” و”قانون أبريل 1974″، اللذان يُمثّلان هيمنة رأس المال الأجنبي على موارد البلاد، وتحويل البلاد إلى ورشة لرأس المال الأوروبي، لصناعة النسيج والإلكترونيك وبعض مصانع تركيب قطع الغيار، برواتب منخفضة، وظروف عمل سيئة جدا…

اتسعت الفجوة أحيانًا، وضاقت أحيانًا أخرى، بين القيادة (المكتب التنفيذي) وقيادات الهياكل الوُسْطى والقاعدية، وعموم النقابيين، لكن الإتحاد بقي أداةً لنضال العاملين الأُجَراء، من أجل إصلاحات تتمثل في تحسين ظروف العمل، وظروف عيش العاملين…

شهدت البلاد احتجاجات تصاعدية مدّة ثلاثة أيام متتالية، عرفت تونس العاصمة ذروتها يوم الخميس 26 كانون الثاني/يناير 1978، وبدأت الشرطة باعتقال بعض النقابيين منذ يوم 24/01/1978، أما يوم الإضراب العام (الخميس 26/01/1978) فاعتقلت الشرطة، بشكل وِقائي، حوالي 120 بين أعضاء المكتب التنفيذي، وأعضاء الهيئة الإدارية، والمجلس الوطني، بالإضافة إلى مئات المعتقلين من النقابيين والمُعارضين لنظام حُكم بورقيبة.

تميزت هذه الحملة القمعية للنقابيين بمشاركة الجيش، لأول مرة، الذي ساهم بعمليات القمع، إلى جانب قوات الشرطة (كما حصل أثناء “انتفاضة الخبز” من 27/12 1983 إلى 03/01/1984، حيث أشرف زين العابدين بن علي مباشرة على عمليات القمع)، وقُدِّرَ عدد القتلى (يوم الإضراب العام) بالمئات (حوالي أربعمائة)، كما ساهمت المليشيات المُسلّحة للحزب الحاكم (بإشراف محمد الصّيّاح) في قمع النقابيين والمواطنين واعتقالهم، وأعلنت الحكومة حالة الطوارئ وعددًا من الإجراءات القمعية، وبعد أسابيع، نصبت الدولة قيادة نقابية صفراء بزعامة “التيجاني عبيد”، لم تتمكن من شق صفوف النقابيين، واضطرت الحكومة إلى البحث عن حل، لم يكن في مصلحة النقابيين والعمال والأُجراء بنسبة 100%، ولكن الحكومة أعلنت فشلها وعجزها عن القضاء على الحركة النقابية في تونس، أقدم وأهم حركة نقابية عربية وإفريقية…

ساهم انتشار الجيش، منذ فجر يوم الإضراب العام، وإعلان حالة الطوارئ ومنع الجولان في ارتفاع عدد القتلى إلى أربعمائة قتيل وإصابة أكثر من أَلْفٍ، وفق بيانات مُستقلة لمنظمات حقوق الإنسان الأجنبية، فيما أعلنت الحكومة وفاة 52 مواطن وإصابة 365 بجروح، بحسب بلاغ الحكومة الذي أذاعته الصحف ونشرات الأخبار الإذاعية والتلفزية، وتحول الإضراب العام إلى رفض شعبي لسياسات السّلْطَة التي أغلقت باب التفاوض مع اتحاد نقابات الأُجَراء (الإتحاد العام التونسي للشغل)، ما أدّى بأعضاء الهيئة الإدارية للاتحاد (22 كانون الثاني/يناير 1978) إلى نقد سياسات الحكومة بشكل عَلَنِي، وإلى إعلان الإضراب العام الإنذاري في كامل البلاد وأوكلت للمكتب التنفيذي أمر تحديد تاريخه ومدّته وتراتيبه، ليُعلِن هذا الأخير بعدها بيومين أن الخميس 26 /01/1978 سيكون تاريخ الإضراب العام، وبدأت الإعتقالات خلال نفس الليلة، وأغلقت الشرطة المنافذ المؤدّية لمقرّ الاتّحاد العام التونسي للشغل، منذ يوم الإربعاء 25 كانون الثاني/يناير 1978، وأطلقت وسائل الإعلام، وجميعها حكومية، حملة تخوين وكيْل الشتائم للنقابيين، الذين وصفَتْهُم ب”الفئة القليلة المأجورة التي تهدف إلى تخريب البلاد وتدمير اقتصادها…”، لكن نتائج هذه الحملة الدِّعائية كانت مُعاكسة، حيث تحوّل الإضراب العام إلى حركة شعبية مُناهضة لسياسات السُّلْطَة التي انتقمت من القيادات النقابية، بإحالة ثلاثين من القيادات النقابية على محكمة أمن الدولة التي أصْدَرَتْ أحكامًا ( أمْلَتْها السلطة السياسية) بلغت عشر سنوات أشغال شاقة، وإحالة أكثر من ثلاثة آلاف نقابي ومُعارض على القضاء العادي، بتهمة “المشاركة في أحداث 26 كانون الثاني/يناير 1978″، ولم تتوقّف الحملة السياسية والإعلامية ضد النقابيين والحركة النقابية، بل تواصلت لسنوات عديدة، وبلغت طذروتها سنة 1985، عندما تحالف جزء من القيادات النقابية مع السلطات السياسية ضد النقابيين من مناضلي اليسار ، واعتقالهم وتلفيق التهم الزائفة، دون أي سَنَدٍ قانوني…  

بين الأمس واليوم:

في الذّكرى الرابعة والأربعين لهذا الحدث، نُذَكِّرُ بالمناخ السياسي الذي كان سائدًا آنذاك، والذي كان يتّسم باحتداد الصّراع داخل الحزب الحاكم (والأوْحَد) بين أجنحته التي تحاول كل منها وراثة بورقيبة المريض والذي بدأت تظهر عليه علامات الجُنُون، كما كان الوضع يتّسم بزيادة الغضب الشعبي، ضد سياسات حكومة “الهادي نويرة”، ممثل البرجوازية الكمبرادورية (وكيلة القُوى الأجنبية) وأدّت هذه السياسات، بسرعة إلى ظهور بوادر الثراء الالكبير على فئة قليلة من الفاسدين واللُّصُوص، الذين دعمتهم الحكومة ومكّنتهم من استغلال موارد الدولة وشركات القطاع العام (موارد الشّعب) وباعت لهم الدولة الأراضي المُسْتَرْجَعَة من المُستعمِرِين الفرنسيين بأسعار رمزية، واستفادوا من القُروض السّخِيّة بنسبة فائدة ضعيفة، والإعفاءات الجبائية، وتعميم الرّشوة وتزييف قواعد المنافسة من أجل الفوز بعروض الأشغال التي يُنفّذها المقاولون الفاسدون لصالح الدّولة… من جهة أخرى تعمّقت الهُوّة بين الفئات الإجتماعية وأقاليم البلاد، حيث ارتفع حجم الفئات المحرومة والمُهَمّشَة…

استغلّت السّلطة السياسية أحداث 26/01/1978، فصادرت وزارة الدّاخلية وثائق وأرشيف اتحاد نقابات الأُجَراء (الإتحاد العام التونسي للشّغل)، كما رفضت السلطة نَشْرَ قائمة كاملة بأسماء شهداء القمع، وتحديد أماكن دفنهم ونشر كشف عن حالات التعذيب، ورغم الإنتفاضة، وتداول السلطة بين حكومات عديدة، لم يتم إلغاء المرسوم الرئاسي عدد 50، الصادر في 26 /01/ 1978 المنظّم لحالة الطوارئ، وهو لا يزال يُعتَبَرُ مَرْجَعًا لتطبيق حالة الطوارئ وحظر التجوال…

في الذّكرى الرابعة والأربعين للإضراب العام (26/01/1978 – 2022)، انتقد تقرير للبنك العالمي  بشأن “الإصلاحات الاقتصادية الضرورية للخروج من الأزمة” ( 25 كانون الثاني/يناير 2022) بُطْءَ الاقتصاد التونسي الذي تأثّرَ (كما عديد دول العالم) بجائحة كوفيد-19، وقدّرت نسبة النمو بثلاثة بالمائة، سنة 2021، وهي نسبة ضعيفة جدّا في اقتصاد لا يمتلك قطاعا صناعيا يعتمد على الإبتكار ولا يمتلك مجمّعات تكنولوجية، ذات قيمة زائدة مرتفعة، ووجب تحقيق نسبة عشرة بالمائة، لعدة سنوات متتالية لاستيعاب المُلْتَحِقِين الجدد بقُوّة العمل، وقدّر تقرير البنك العالمي نسبة البطالة ب18,4%  بنهاية شهر أيلول/سبتمبر 2022، في بلد مُثْقَلٍ بالدّيون، لا يستطيع تخصيص مبالغ هامة للإستثمار في مشاريع مُنْتِجَة، وخالقة للوظائف، ووجب على الدّولة تخصيص جزء هام من ميزانيتها لسداد الدين العمومي المتزايد، ويشترط البنك وتوأمُهُ صندوق النّقد الدّولي “تنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية كبيرة” اي خصخصة ما تبَقّى من القطاع العام وإلغاء دعم المواد والخدمات الأساسية، و”تحسين مناخ الأعمال وتعزيز القُدْرَة التّنافُسِيّة”، أي تمويل الدّولة للقطاع الخاص من المال العام الذي تجنيه من إلغاء الدّعم ومن زيادة الضرائب على الرواتب ومعاشات التّقاعد، ومن زيادة قيمة الضّرائب غير المُباشرة…

أما بخصوص الإتحاد العام التونسي للشغل فإن القيادات المُتتالية نسفت ما تبقّى من مكاسب ديمقراطية، عبر إلغاء التّداول على المسؤولية (وما يُرافقها من مكاسب مادّية هامّة)، بالتزامن مع العبث بمصالح الأُجَراء، عبر الزّج بنقابتهم (خصوصًا منذ 2013) في لعب دَوْر “الحَكَم” بين مختلف فئات الأثرياء والعُملاء المُتصارعة على السّلطة…

كيف يمكننا أن نُحَوّل التّراكم الكِمِّي للتجارب النّضالية إلى تحَوُّل نَوْعي؟  

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.