زحمة مبادرات لانتخاب مجلس وطني فلسطيني: المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، الراية الفلسطينية

مرة أخرى نضطر لمعالجة ومراجعة بعض المبادرات الصادقة التي تصدر عن شخصيات اعتبارية فلسطينية، مناضلين متقاعدين، كتاب، سياسيين، أناس يفتشون عن دور في اتخاذ القرار الفلسطيني، تمثيل في المؤسسات الفلسطينية ( م ت ف ، السلطة)، يملكون نوايا حسنة، او مشروع “لاصلاح” منظمة التحرير وما ينبثق عنها .. وغيرها الكثير .. معظمهم  -اكثر من 90%- لا يعيشون على أي جزء من ارض فلسطين .

ومن الذاكرة والتفاعل مع بعض هذه المبادرات نجد قديماً وحديثاً مبادرات مثل : ” فلسطين ديمقراطية _ حل الدولة الواحدة على غرار حل دولة جنوب افريقيا ” بكل الوانها مبنية على أسلوب نضال “اقناع” اليهود بالتنازل عما حققوه وبمساعدة الرأي العام العالمي ليقبلوا العيش مع الفلسطينيين بدولة واحدة ديمقراطية… ومبادرات عديدة لانتخاب مجلس وطني فلسطيني من كل الشعب الفلسطيني، الكترونياً،  كمشروع خلاص لازمة القيادة في الشعب الفلسطيني وليس “لتحرير فلسطين” ..  التي آخرها ” الهيئة التأسيسية لانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني ( 4.1.22 )، مروراً  بمبادرة ” المسار الثوري ” – مؤتمر مدريد الذي تمخض عنه حركة سياسية في الخارج  وليس تشكيل بديل لمنظمة التحرير .. وجبهة “الخلاص الوطني” في الخارج التي لم تتطور رغم شمولية وصدق برنامجها، مبادرة حركة أبناء البلد وحركة كفاح لتشكيل جبهة وطنية فلسطينية موحدة  وإعادة  م ت ف الى مربعها الأول  وسحب الاعتراف من المنظمة التي يقودها محمود عباس، وقد توقفت عند بيانها الأول  .. وانتهاءً بما سنتوقف عنده اليوم للاهمية ، الا وهو ” المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الشتات ” الذي عقد مؤتمره التأسيسي  باسطنبول  والمزمع عقد دورته الثانية في نهاية شباط القادم في إسطنبول ايضاً .

بعد قراءة عميقة لكل هذه المبادرات، بغض النظر عن الأشخاص الذين طرحوها وخلفياتهم ونواياهم، الا اننا وجدنا قاسماً مشتركاً بين الجميع اسمه “الثوابت الفلسطينية”، تشخيص الحالة الفلسطينية بشكل مبدع منذ بداية الاستيطان الصهيوني في فلسطين وحتى اليوم، والقاء التبعات وكوارث الشعب الفلسطيني في ارقاب جماعة أوسلو الذين تحمي بقائهم جاثمين على صدر الشعب الفلسطيني ، دولة الاحتلال وامريكا والرجعية العميلة والمطبعة ..

ووجدنا انهم يشتمون جماعة أوسلو ، أبو مازن وزمرته، في التشخيص، ثم يتوجهون اليه، بمعنى لمنظمة التحرير التي تتجسد بشخص محمود عباس بفصائلها الموالية باسم “الوحدة الوطنية “، للمساهمة في إعادة بناء منظمة التحرير ، كما كتبوا في الهيئة التاسيسية الأخيرة أعلاه :” فان الهيئة تأمل من قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والفصائل ان يكونوا عوامل بناء ودعم لهذه الفكرة وهذه الجهود “، أي فكرة “انتخاب مجلس وطني يشمل كل أطياف الشعب الفلسطيني “، الكترونياً ..

هؤلاء الطوبويون عندهم مشروع انقاذ للشعب الفلسطيني عنوانه انتخاب مجلس وطني جديد، سوية وشراكة مع القيادة الفاسدة إياها التي يريدون تغييرها !! ويتوجهون اليها لمساعدتهم في تنفيذ مشروعهم !

لا يوجد أجوبة لكثير من الأسئلة : من هو الشعب الفلسطيني المعني للمشروع ؟ يقولون لك كل الشعب الفلسطيني بما في ذلك الـ48  .. لكن أبو مازن الملتزم باوسلو اخرج هؤلاء من دائرة الشعب الفلسطيني الذي يشمله الحل المبني على إقامة دولتين وحدد دورهم على “ان يحافظون على فلسطينيتهم في دولتهم إسرائيل” ويناضلون في “الكنيست” من اجل “المساواة” مع المستوطنين اليهود  في “دولة اليهود “!

المسمى تلفزيون فلسطين يثقف يومياً ان ارض الوطن هي الضفة  والقطاع ، ارض الدولة الفلسطينية الموهومة ، التي تلتزم بها كشعار ناظم كل فصائل منظمة التحرير مضافاً اليهم حركة “حماس” التي اقرت دولة في الضفة والقطاع في مؤتمرها الأخير والهدنة طويلة المدى ” ..

الحقيقة ان معظم المبادرات تحوم حول “حل الدولتين” الاوسلوي الذي داسته دبابات الاحتلال والمستوطنات الصهيونية وجعلته غير ممكن ، والكل يعرف ذلك ويدفنون رؤوسهم في الرمال  لان مصالحهم وامكانياتهم لا تتعدى هذا السقف ، حتى لو وجدت ان ثوابتهم جذرية وتشخيصاتهم ثاقبة، لكن أهدافهم تتجمد عند “حل الدولتين” ولا تقترب من حيث مشاريع الأهداف اكثر من دولة في الضفة والقطاع  عاصمتها القدس الشرقية

تجدهم يستعملون في الأهداف  مصطلح “الأرض المحتلة والقدس ” أي احتلال 67  ، وان كل ما يسعون اليه هو عدم التناقض مع فصائل منظمة التحرير وحماس، بل يتوسلونهم للموافقة على “اصلاح المنظمة ” التي أصبحت بدون ميثاق لا وطني ولا قومي، ولا مشروع تحرير ، بل اعتراف رسمي بحق “إسرائيل” بالوجود على 78% من ارض فلسطين، وان كل مطالبهم تتلخص بتمثيلهم داخل المنظمة الموجودة التي يريدون إصلاحها منذ عام 1974 وحتى اليوم ، او الشراكة المتساوية بالسلطة والمنظمة كما تطلب “حماس ”  من فتح  في مفاوضات ” انهاء الانقسام ”  الجارية بينهم منذ عشرات السنين .

لو كانوا حقاً ضد أوسلو ومخرجاته ، لكان عليهم التنصل والتبرئة من هذه المنظمة والتمسك فقط بميثاقها القومي والعودة للمربع الأول !

فجميعهم يعتبرون “الإسرائيليين وإسرائيل اليهودية”  امر واقع يجب التعامل معه والتوصل الى حل معه ، لا فلسطينيي الـ 48 ولا اللاجئين ولا الشتات ولا الميثاقين القومي او الوطني .. هذه كلها للأسف  “كلاشيهات ” من اجل بلوغ “الكوتة” المنشودة و”الشراكة المتساوية”  في المنظمة الفاسدة والميتة  المطلوب إصلاحها كما هي ولا يريدون بديلاً لهذه المؤسسة الفاسدة التي تنازلت عن اربع اخماس فلسطين طواعيةً .

فمن يسعى لانتخاب مجلس وطني حتى الكترونياً  بالتنسيق مع هؤلاء ، سيضطر للتخلي عن الـ 48 وعن معظم فلسطينيي الشتات، سيتخلى عن وحدة الشعب والارض الفلسطينيين بسبب مراهناته على اقطاب المنظمة القائمة، التي لا يخفي قادتها اشتراطهم على الجميع بقبول كل اتفاقياتها مع ” إسرائيل ”  ..

لقد لخص “المؤتمر الشعبي” هذه الرغبات  والارادات لهذه المبادرات التي تتوجه وتراهن على منظمة محمود عباس والفصائل الموالية لمنظمته باسم ” الوحدة الوطنية “، على النحو التالي :

الرؤية :” يعمل ( المؤتمر )  على تفعيل دورهم ( الشتات ) في المشاركة المستقلة في صناعة القرار الوطني ، ويمثل مطالبهم في استعادة كامل الحقوق الفلسطينية بكل مكوناتها ، إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية والمشاركة فيها ” .

الأهداف :

1-  ” التأكيد على  حق التحرير ( وليس التحرير) وتقرير المصير لشعبنا ( أين ! )  … حق العودة … الخ

2 –  ” … تعزيز المشاركة السياسية الفاعلة ( مع محمود عباس وزمرته والقبيضة  ! ) في صنع القرار الوطني الفلسطيني في ضوء اصلاح هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية ” .. حتى ليس لهم هدفاً لانتخابها  كما المبادرات الأخرى . هذه الأهداف بالبنط العريض ، وليس التشخيص والثوابت التاريخية التي لا يختلف عليها فلسطينيان !

5- ” التواصل مع الفصائل والمؤسسات ( السلطة ) الفلسطينية والشخصيات الوطنية المستقلة بهدف تنسيق الجهود معها والعمل على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتعود الى دورها السياسي والنضالي ( وليس التحرير ) الرائد ، ولتكون ممثلة لكل الشعب الفلسطيني ” .. كيف وهي ملتزمة باوسلو  وبالتفريط ب78% من ارض فلسطين !!!

انتهت الأهداف ، حيث يكتبون في مكان آخر بالتلخيصات مصطلح ” الأرض المحتلة والقدس ” .. الامر الذي يؤكد انه لا جديد في كل هذه المبادرات الا بالتفتيش عن تمثيل في منظمة موجودة عنوانها أبو مازن واوسلو بكل الكوارث التي احلها علينا ، ولا يوجد أي مشروع بديل ، سوى داخل ال48 ، ومن يستعمل ويستند الى ميثاق الـ 68 ، فهو متأكد ان هذا الميثاق كان المقدمة الأولى لحل الدولتين والتنازل عن 78% من فلسطين ، بدون تذاكي او التفاف او مزيد من الضحك على فلسطينيي الـ48 وتضليلهم سوية مع اللاجئين، بيت القصيد في أي مشروع وطني شامل ، قادم ..

ولا ينسى المؤتمر الشعبي في هذا المقام ، الذي لا يضم في صفوفه أي فلسطيني من الـ48 ، كما الآخرين ، ان : ” يحيي المؤتمر الهبّات المتتالية لأهلنا في فلسطين المحتلة عام 1948 ، وصمودهم في وجه الاحتلال وسياساته، ودورهم المتميز في التمسك بارضهم والدفاع عن المقدسات .” !

هل اقتنعتم ان الموقف لابو مازن صاحب التنسيق الأمني المقدس ، والصوت لمن يفتش عن صيغة شراكة متساوية للعمل معه ..

الدليل الآخر، حيث اتحفنا بند في ” المشروع الوطني ” للمؤتمر يقول :” قرر المؤتمر النأي بنفسه عن التدخل في المحاور العربية والدولية او التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وللدول عامة ( قصر ذيل ) ويعلن ان بوصلته قضية فلسطين وشعبها في الداخل والخارج ” ! نحن نضيف باستثناء تأييد رئيس المنظمة والسلطة أبو مازن  السعودية والامارات بحربها على اليمن ، وتدخل حماس مباشرة في الحرب الكونية على سوريا …

ان أي مشروع لا تعكس أهدافه،  ثوابته  وتشخيصاته المعظمة، ولا يترجم وحدة الشعب الفلسطيني ووطنه كاملاً في أهدافه وتنفيذها ، وان كل من لا تكون بوصلة مشروعاته واهدافه المحتل من عام 48 كما حددها “الميثاق القومي” من عام 1964  .. فليتوقف عن المتاجرة والاستخدام والتدخل  بفلسطينيي الـ48 وليكف عن التواصل معهم خدمةً لمصالحه، حتى لو كانت نواياه وطنية ومخلصة ، فلداخل الداخل قياداته الوطنية الصاعدة التي لا تلتزم بكل هذه التيارات المهزومة والعاجزة  … مع محبتنا واحترامنا وشوقنا لكم …

الاوطان والشعوب لا تتحرر بالنوايا الحسنة .. فالاخيرة هي التي اوصلتنا الى نكبة أوسلو  وقيام “إسرائيل” الكبرى فعلياً على الأرض  ومن المحيط الى الخليج وما أوسع أوسع من المحيط الأطلسي والخليج العربي.. وهذا حديث آخر ..

:::::

موقع “الراية الفلسطينية”، 28 يناير، 2022

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.