صلاة للإله الأميركي، نبيه البرجي

أنبشوا قبر نيكولا كوبرنيك، وعلّقوا عظامه، ثانيةعلى الخشبة. خذوا بالأسطورة الأوروبية (والحقيقة الأميركية). الكرة الأرضية على قرن ثور. ثور واحد، لا ثوران، ولا ثلاثة ثيران.

هنا هوليوود، وهنا «وول ستريت»، وهنا وادي «السيليكون»، وهنا «الفايزر»، وهنا الليدي غاغا. اجلس في أي مقهى رصيف نيويوركي لترى كل الأنواع، وكل الأجناس، وكل الألوان، وكل الثقافات، وكل اللغات.

ثم اجلس في أي مقهى في موزامبيق، أو غواتيمالا، أو بنغلادش لسوف تجد زبائن بسراويل الجينز، يحتسون «البيبسي كولا»، ويدخنون «المارلبورو»، وهم يلهون بالشبكة العنكبوتية، وقد باتت ضيفة شرف على يومياتنا، وعلى تفاصيل حياتنا.

هنا كل العالم. لا أمبراطورية تشبه أميركا، ولا أمبراطورية قبل وبعد أميركا. كيف للدببة القطبية التي ترعرعت بين الثلوج أن تعيش على خط الاستواء؟ فقاعة صفراء، وتتعثر حتى بالحصاة. في لحظة ما يمكن أن تقطع عنها النفط والغاز، وهما دم الثورة الصناعية، ليتوقف الزمن هناك. أي خيال لأكلة الخفافيش أمام من ابتدعوا «الهمبرغر» و»الهوت دوغ»؟

اذاً، يحق للناطق باسم الخارجية الأميركية نيد برايس (والمسألة لا تستدعي كلام الوزير) أن يدعو القيصر الى سحب قواته، سريعاً، من كازاخستان المتاخمة لبلاده ـ وهذا ما حصل ـ وأن يتم استنفار حلف الأطلسي، الذي رأى ايمانويل ماكرون أنه قضى بالسكتة الدماغية، دفاعاً عن أوكرانيا.

لا يحق لروسيا أن تمنع نصب صواريخ «الكروز» على حدودها، ولكن يحق للولايات المتحدة تقويض نظام سلفادور اللندي في تشيلي لأنه، في خطابه الأول، استعاد بعضاً من قصيدة بابلو نيرودا «آن الأوان لزهرة البنفسج كي تضاجع القمر»،..وخنق نظام هوغو شافيز في فنزويلا لأنه قال «نفطنا لنا لا لأباطرة الشمال».

هكذا، لا يحق لروسيا مساعدة الحليف السوري لوقف زحف البرابرة، الآتين من ليل تورا بورا، ولكن يحق لأميركا أن تغزو أفغانستان، وتبقى هناك لنحو عقدين من الزمان قبل أن تلوذ بالفرار، لتعود السلطة الى أصحاب الأقدام (والوجوه) الهمجية.

ويحق لأميركا أن تغزو العراق، بذريعة أن براميل الكلس هي براميل اليورانيوم، ثم تفككه مذهبياً واتنياً، ليبقى دائماً على حافة الانفجار أو… الانشطار!

كما يحق لها أن تقيم قواعدها الهائلة في سائر أرجاء المعمورة، وأن تختال أساطيلها عند كل الشواطئ. دائماً تحت شعار «أنا العالم»…

يحق «لاسرائيل»، وهي أميركا الصغرى، حيازة مئات الرؤوس النووية، دون أن يكون مسموحاً لأي دولة عربية تصنيع بواريد الصيد. مجرد بواريد الصيد…

ولكن يحق للعرب أن يدخلوا الى الحداثة من بوابة «الروك اند رول» و»الهيب هوب»، لا من بوابة وادي «السيليكون» (الفردوس التكنولوجي)، وأن يقتنوا الأميركيات الفارهات (هكذا كانت تدعى السيارات الأميركية)، وأن يشترِوا آلاف الطائرات الحربية الحديثة، لتبدو على شاكلة النوق الطائرة أو لتستخدم في قتل العرب، وفي تدمير مدن، وثقافات، العرب.

يحق للجنود «الاسرائيليين» أن يقتلوا ما يشاؤون من الفتيان الفلسطينيين. وأن يدمّروا منازل ذويهم، وأن يعتقلوا الآلاف، ولا يحق للفلسطينيين أن يرشقوا دبابات «الميركافا» حتى بالحجارة. كن أميركياً، أو دمية أميركية، ليكون لك موطئ قدم على هذه الأرض.

لا روسيا هي البديل، حتى ولو امتلكت آلاف الصواريخ العابرة للقارات، ولا الصين التي تتسلل، دون اي ضجيج، الى أسواق، وحقول، الشرق الأوسط، حتى أن جاك آتالي يعتقد أن قيام نظام مالي، ومصرفي بديل، قد يحتاج الى مائة عام على الأقل. هذا ليمضي ساخراً «اي نظام بديل اذا كانت تريليونات الدولارات تستلقي،باسترخاء، في الصناديق الصينية»؟

النصوص المقدسة، وهي الحمّالة الأوجه، تعدنا بيوم القيامة، ولسوف ننهض من قبورنا ونرى كيف يكون الثواب والعقاب. لهذا تغصّ مساجدنا بالمصلين. من يضمن، لدى قيام الساعة، ألا نرى الاله الأميركي على يمين… الله؟!

لا تنسوا الصلاة للاله الأميركي… 

:::::

“الديار”، 27 يناير 2022

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.