انتعاش قوّة الدِّين في الزمن المعاصر، محمد سيد رصاص

من مكر التاريخ، وفق فكرة هيغل، أن يكون بابا الفاتيكان البولندي الأصل هو المُلهم لحركة التضامن العمّالية التي وقفت في عام 1980 ضد الحكم الشيوعي في بولندا، وهو ما كان إرهاصاً مبكراً بانهيار الكتلة السوفياتية وتفكّك الاتحاد السوفياتي. وذلك إذا تذكّرنا ملاحظة ستالين الساخرة عام 1945 في مؤتمر يالطا لمّا أخبره تشرشل بأن دولة الفاتيكان قد أعلنت الحرب على ألمانيا النازية: «كم دبابة يملك البابا؟».

يمكن لما جرى عام 1980 أن يعطي صورة عن قوّة الشعور الديني في بلد مثل بولندا كانت الكاثوليكية لقرون طويلة رفيقة القومية البولندية في بلد له ذكرياته المُرّة مع روسيا القيصرية الأرثوذكسية المذهب، التي قامت مع البروسيين والنمسَويين بتقسيم بولندا. وقد ازدادت تلك الذكريات المرة مع عملية تقسيم 1939 بين هتلر وستالين، لتأتي الكاثوليكية الممزوجة مع القومية وتشكّلا إيديولوجية سياسية لحركة عمّالية ضمّت ملايين وكان لها امتدادات قوية لدى فئات اجتماعية واسعة لتكون واجهة لمقاومة السوفيات والشيوعيين المحليين.
هنا، يمكن الحديث عن موجة عالمية من انتعاش قوّة الدين وتحوّله إلى قوّة سياسية إذا أضفنا الحدث البولندي إلى ما جرى في عام 1979 في إيران من ثورة أطاحت بالسلطة القائمة قادها رجل دين هو آية الله الخميني، وإذا أضفنا إلى هذا وذاك ظاهرة انتعاش حركات الإسلام السياسي منذ السبعينيات في المنطقة الممتدّة بين باكستان شرقاً والمغرب ومن تركيا شمالاً إلى اليمن جنوباً. لم يكن ما جرى في إيران، وفي غيرها من بلدان العالم الإسلامي المذكورة، مقتصراً على انتعاش في ظاهرة الإسلام السياسي، بشكلَيه السني والشيعي، بل كان هناك بالترافق انتعاش في التديّن من حيث ازدياد روّاد المساجد والالتزام أكثر من الخمسينيات والستينيات بطقوس صوم رمضان وبارتداء الحجاب، ويمكن لصُور طالبات جامعات دمشق والقاهرة في عامَي 1960و1980 أن تعطي صورة واضحة عن ذلك.
يمكن أيضاً لمقارنة مكانة حزب «توده» الشيوعي الإيراني في أيام حركة رئيس الوزراء محمد مصدق ضد الشاه في عام 1953 لمّا كان متصدّراً الشارع الإيراني مع مكانته في ثورة 1978-1979 أن تعطي صورة ليس فقط عن التحوّلات السياسية في المجتمع الإيراني وإنما كذلك عن التحوّلات الاجتماعية والثقافية. وهو ما ينطبق على بلدان أخرى في العالم الإسلامي لمّا كان اليسار بفرعَيه الماركسي والقومي في الخمسينيات والستينيات أقوى من الإسلاميين في بلدان مثل العراق وسوريا واليمن. كما أن العلمانيين الأتاتوركيين واليساريين الماركسيين كانوا أقوى من الإسلاميين في تركيا في الستينيات والسبعينيات ولم يبدأ الإسلاميون باحتلال المرتبة الأولى بالانتخابات سوى منذ عام 1995 مع حزب «الرفاه» بزعامة نجم الدين أربكان.

أيضاً، في الهند حصل، مع اضمحلال قوّة حزب «المؤتمر» منذ أواخر الثمانينيات انتعاش للأصولية الهندوسية السياسية ممثّلة في حزب «بهاراتيا جاناتا»، الذي يمزج الديانة الهندوسية في قالب واحد مع القومية الهندية، وهو يحكم الهند الآن منذ عام 2014 بأغلبية برلمانية كبرى بعد أن فاز في دورتين انتخابيتين عامَي 2014 و2019.
بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي عام 1991، ظهرت قوّة الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا وأوكرانيا، وظهرت مظاهر التدين الاجتماعي الطقوسية القوية في جمهوريات سوفياتية سابقة ذات غالبية من المسلمين، كما ظهرت حركات من الإسلام السياسي قوية في أوزبكستان وطاجيكستان وفي التمرّد الشيشاني في التسعينيات داخل نطاق الاتحاد الروسي كان الإسلاميون هم الأبرز.
هنا، لم يكن الغرب الأوروبي – الأميركي بمعزل عن ظاهرة انتعاش الدين وإن كان هذا بشكل أخفّ عند شاطئَي الأطلسي، ولكن يمكن ملاحظة بداية تراجع قوّة اليسار الأوروبي الشيوعي منذ أوائل الثمانينيات وهو الذي شهد مدّاً في قوّته منذ عقد العشرينيات إثر انتصار ثورة أكتوبر 1917 الروسية البلشفية، وذلك بالترافق الزمني مع بداية تسيّد ظواهر فلسفية جديدة مثل «ما بعد الحداثة» أو فلسفة اليمين الجديد مع ليوشتراوس (توفي عام 1973) فيلسوف اتجاه المحافظين الجدد، وكلاهما يقطعان فلسفياً مع تيار عقلاني تطوري يمتد من ديكارت (توفي عام 1650) إلى هيغل وماركس وفيلسوف الليبرالية السياسية جون ستيوارت ميل (توفي عام 1873).
كان مؤسس الفلسفة الوضعية أوغست كونت (توفي عام 1857) قد وضع ثلاث مراحل بالتعاقب لتطور الفكر البشري، هي: الديني والميتافيزيقي والعلمي. واعتبر أن التطور التقني – الصناعي الحديث سيقود إلى تجاوز البشرية للمرحلتين المذكورتين لمصلحة العلم. لم يعترض كارل ماركس على ذلك ولا جون ستيوارت ميل، بل شاركا أوغست كونت في ذلك.
ما قدّمته الخمسون سنة الماضية يعطي صورة مختلفة عن الشيء الذي قدّمه أوغست كونت.
يجب البحث عن أسباب ذلك.
* كاتب سوري

:::::

“الأخبار”

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.