تونس ، ما ينتظر الأُجراء والفُقراء، سنة 2022، الطاهر المعز

في مجال الزراعة كانت روما، التي احتلّت قرطاج، تعتبر البلاد مخزنًا لغذاء الرّومان، في القرن الثاني قبل الميلاد، لكن تغيّر الوضع، وأصبحت البلاد تستورد الحُبُوب وعددا من المواد الغذائية من الخارج، بالعملات الأجنبية التي تقترضها الدّولة، وارتفعت أسعار القمح ومشتقاته من منتصف سنة 2020 إلى نهاية سنة 2021، بنسبة 47% تقريبًا، وقد ترتفع أسعار الحبوب ومشتقاتها بنسبة كبيرة، سنة 2022، وفق شُرُوط صندوق النّقد الدّولي التي تتضمّن إلغاء دعم المواد الغذائية، ما يزيد من الصعوبات التي يتحمّلُها فُقراء وعُمّال وكادحو البلاد، وتتأكّد المخاوف عند قراءة مشروع ميزانية تونس الذي قدّمته وزارة المالية، حيث تُقدّر ميزانية 2022 بنحو 57,2 مليار دينارا أو ما يُعادل 19,7 مليار دولارا، بينما بلغت قيمة الدُّيُون حتى نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2021، نحو 102,1 مليار دينارًا أو ما يعادل 35 مليار دولارا، أي نحو 81,47% من الناتج المحلي الإجمالي (قبل شهرَيْن من نهاية سنة 2021)، ويمثل الدّيْن الخارجي 61,9 مليار دينارًا، أو ما نسبته 49,3% من القيمة الإجمالية لدُيُون الدّولة، وبلغت قيمة خدمة الدّيْن 11,3 مليار دينارًا، وبلغ عجز الموازنة 8,2% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية سنة 2021، وتعتزم الحكومة خفضَه إلى 7,7% سنة 2022، فيما تسعى إلى التّوصّل إلى اتفاق مالي مع صندوق النقد الدّولي، واقتراض ما لا يقل عن أربعة مليارات دولار، لتمويل ميزانية 2022، إذْ   تحاول الحكومة سَدّ العجز بواسطة قُرُوض جديدة، وبدأت المُفاوضات التي قد تستمر عدّة أشْهُرٍ مع صندوق النقد الدّولي، وتُقدّر الحكومة حجم الإقتراض، بنحو 23 مليار دينارا، لسنة 2022، نصفها تقريبًا (12,6 مليار دينارً)  من الخارج بالعملات الأجنبية، أو ما يُعادل 4,2 مليار دولارا، ليزيد بذلك حجم الدّين عن نسبة 100% من إجمالي الناتج المحلي، ويشترط الدّائنون خَفْضَ الإنفاق العام، وهو ما قررت الحكومة تنفيذه سنة 2022 من خلال زيادة الضرائب ورَفْع أسعار الطاقة والغذاء والسلع والخدمات التي لا تزال مَدعومة، وخفض أو تجميد “كُتلة الرواتب” (أي عدم تعويض من يتقاعدون) مع الإشارة أن وزارة المالية نشرت هذه البيانات على موقعها، ولا تشمل كامل سنة 2021، بل الأشهر العشرة الأولى…

أصْدَر المنتدى الإقتصادي العالمي تقريره السنوي، في بداية سنة 2022، وتضمّن فقرة عن اقتصاد تونس الذي شبّهَهُ باقتصاد بيرو ولبنان وفنزويلا وهندوراس ونيكاراغوا، حيث يتوقّع مُعِدُّو التقرير أن تواجه تونس خلال سنَتَيْ 2022 و 2023، مخاطر استمرار الرّكود الإقتصادي وارتفاع قيمة الدّيون، وارتفاع البطالة وحجم الإقتصاد الموازي من الناتج المحلي الإجمالي…

أشارت بعض وسائل الإعلام التونسية (منها صحيفة “لابريس” الحكومية) إلى مُعاناة المواطنين من ارتفاع أسعار السّلع الغذائية بالتوازي مع تراجع القيمة الحقيقية للدّخل (بسبب انهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار) وفُقدت بعض المواد الغذائية الأساسية من الأسواق المحلية بنهاية سنة 2021، كالبيض والزيوت النباتية المدعمة، ويؤدّي تنفيذ مشروع ميزانية 2022 الذي نَشَرته وزارة المالية (باسم الحكومة) إلى زيادة مُعاناة الفُقراء والكادحين والأُجَراء، حيث لم تختلف السياسات الإقتصادية، منذ ثمانينيات القرن العشرين، بفعل اللجوء إلى الإقتراض من بعض الدّول الإمبريالية، ومن البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، بفوائد تُرهِق ميزانية البلاد، وبشروط تُرهق ميزانية العاملين والفُقراء، وبعد 11 سنة من انتفاضة 2010/2011، لا يزال الإستقلال منقوصًا، ولا يزال المُمثّل الدّائم لصندوق النّقد الدّولي (“جيروم فيشر”، حاليا) يُمْلِي على الحكومة التونسية شروطًا (يُسمِّيها “إصلاحات واسعة وعميقة” ) تضر بالفُقراء وبالعاملين، ومنذ 1985، وربما قبل تلك السّنة، يدرُسُ صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والإتحاد الأوروبي وغيرهم من الدّائنين كافة الوثائق الحكومية، ويُصْدِرُ هؤلاء الدّائنون العديد من التّقارير والتوصيات (وهي في الحقيقة أوامر) تُؤَثِّرُ سلبًا، وبشكل مُباشر في حياة المواطنين وأبنائهم، لعدة عُقُود قادمة، إذ يشترط الدّائنون القضاء على القطاع العام، وتمويل القطاع الخاص في قطاعات حيوية كالتعليم والرعاية الصحية والنقل والسّكن والطاقة والإتصالات وغيرها باسم “الشراكة بين القطاعيْن العام والخاص”، فكانت النتيجة ارتفاع قيمة الدّيْن العام، من حوالي ست مليارات دولارا، سنة 1990، إلى 25,6 مليار دولارا، بنهاية سنة 2010، وإلى 35,6 مليار دولارا، سنة 2021 ، وتُحاول حكومة قَيْس سعيّد الحصول على قرض جديد، سنة 2022، بقيمة أربعة مليارات دولارا، بشروط منها خفض الإنفاق الحكومي، وتسريح موظفي القطاع العام (عشرة آلاف سنويا) وتجميد الرواتب، وزيادة حجم الضرائب، رغم ارتفاع الأسعار، خصوصًا بعد إلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية، وتضمّن مشروع موازنة 2022، الزيادة في الرسوم السنوية على معلوم جولان السيارات، بنسبة 10%، وزيادة الرسوم  الجمركية على المواد الموردة التي لها مثيل مصنوع محليا، وتسريح موظفي القطاع الحكومي الذين تجاوزت سنّهم 57 عامًا…

دولار أمريكي واحد يُساوي 2,9 دينارًا في المتوسّط

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.