“كنعان” تتابع نشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، حلقة 13، لمؤلفه د. عادل سماره

القسم الثاني: انتصارات مهزومة

محطات في صراع المرحلة الانتقالية

الجزء الأول

كما بيننا سابقاً، هي مرحلة انتقالية أسميتها باكرا  مقرونة بالسياسات النيولبرالية كدرجة أعلى من الإمبريالية،  وهو أمر يختلف فيه كثيرون حيث يرون العولمة طوراً من الإمبريالية[1]، سِمَتُها الرئيسية على الصعيد الدولي بداية تفرُّد القطب الواحد الرأسمالي أي الولايات المتحدة، وإن كان ثلاثي التركيب (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان)  بالعالم بعد أن تمكن من هزيمة القطب الاشتراكي، ولكن هذه القطبية المتفردة وُلدت مصابة بسلسلة أزمات اقتصادية كان لا بد لها أن تخلقها بيدها، أن تخلق نقيضها، حيث سمح التفرُّد لهذه القطبية بالهجوم الوحشي ليس على الصعيد العالمي بل الداخلي ايضاً، اي الجشع في تعظيم معدل الربح على حساب المكاسب التاريخية للطبقة العاملة وهو الربح الذي كدس لنخبتها المتضائلة عددياً، والمنتفخة ثراء تريليونات الدولارات التي تراكمت كأموال كسولة من جهة أو تم تشغيلها في المضاربات المعولمة من جهة ثانية في شكل المولنة اي التفاقم الهائل لرأس المال المالي وتوليد المال من المال مضارباتيا دون الاستثمار في قطاعات الإنتاج، ومراكمة تريليونات أثبح تشغيلها مأزقاً. وتخصيص جزر للأموال الهائلة الهاربة من الضرائب، فأي ملاذات!

وخلال تعمق هذه الأزمة الاقتصادية كان الزمن  يصنع أحداثه ولعل أهمها:

  • تنامي أقطاب اخرى بالمفهوم الرأسمالي طبعاً، مما أدى إلى تنافس/تعدد قطبي دون اساس إقتصادي وإيديولوجي للتناقض على الأقل كما يبدو حتى اليوم. فالأقطاب البازغة وخاصة الصين وروسيا  تقوم على نُظُمٍ اقتصادية رأسمالية بعلاقات إنتاج رأسمالية، وإن تفاوت دور وتدخل وحصة الدولة بين بعضها البعض، وهذا ينطبق إلى درجة أقل على بقية دول البريكس.
  • تواصل ضعف دور ومن ثم حصة العمل مقابل راس المال.
  • تنامي حركات تحرر اجتماعي في المحيط ولكن دون وصولها هنا او هناك إلى مرحلة تهديد بتغيير النظُم الراسمالية المحيطية، التابعة.
  • تهالك كثير من أنظمة حكم  بلدان المحيط على التبعية للقطب المسيطر متبنية التصحيح الهيكلي أو الهجوم على الطبقات الشعبية مما زاد تحويل الثروة للمركز كفائض نقدي، ومع ذلك لم يتم توظيف هذا الهجوم في تدعيم دور الطبقة العاملة وقوى اليسار لتغيير تلك الأنظمة.
  • توفر فائض قوة عمل رخيصة إضافية من بلدان القطب الاشتراكي المفكك مترافقاً مع انفتاح اسواقها بالطبع وإن كانت تلك الأسواق أقل قدرة استهلاكية، لندرة السيولة، مقارنة بسيولة بلدان الريع النفطي في الوطن العربي.
  • باختصار انتقال معظم بلدان الاشتراكية المحققة من محاولات فك الارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي إلى الانخراط التابع الطوعي بلا شروط في حالة من السقوط المتهالك تحت أقدام ضواري راس المال.

اوروبا الشرقية

نصف ثورة نصف مضادة

كيف كان لأنظمة تتبنى قدرا من الاشتراكية أن تتفكك هكذا حتى دون عنف طبقي مقاوِم؟ ألم تكن هناك طبقة، شريحة اجتماعية، حزباً، بعض الحزب،  تقاوم هذا التفكك/التفكيك الذي اتخذ شكلآ أقرب إلى التفكك الذاتي؟ كان لا بد من مقاومة لتجرُّع الهزيمة بشرف. هل كانت هذه الأنظمة متحللة من داخلها إلى هذا الحد؟ هل تم الشغل على تفكيكها على مدار عقود؟ وكيف يمكن لنظام أقيم من أجل الطبقة العاملة أن تنهض ضده هي نفسها ؟ هل كان كل هذا جهلا وانحطاط وعي طبقي؟ هل كان بوسع إعلام الثورة المضادة اختراق الوعي الجمعي للطبقة العاملة؟ هل كان هناك جهل بجوهر الرأسمالية؟ وهل الجهل بذلك ناجم عن عدم مرور كل أو بعض تلكم البلدان بالمرحلة الرأسمالية؟ وهل كانت الجماهير منقطعة عن عسف راس المال منذ المرحلة التجارية وحتى حين سقوط  أو إسقاط هذه الجماهير للأنظمة العمالية في بلدانها؟ وكيف يمكن العودة إلى الكنيسة ولا سيما في اوروبا وتاريخ الكنيسة معروف من حيث دورها الرجعي وتحالفها مع الطبقة الإقطاعية ولاحقاً مع الراسمالية في فترة التحول الذي لم يكتمل بسبب الثورة الاشتراكية ناهيك عن مذابح الطوائف بإشراف الكنيسة وهي المذابح التي شكَّلت المرجعية الرئيسية لمذابح القاعدة وداعش بل ومختلف أنظمة وقوى الدين السياسي في الوطن العربي[2]. فهل كان لا بد أن يكتمل؟ ألم يُلحظ دور الكنيسة بداية من دعمها لنقابة “تضامن” في بولندا؟ أم أن رسملة الدين في أوروبا الغربية والولايات المتحدة وتحول رجال الدين إلى الجزء الديني من المثقفين العضويين لراس المال تمظهر بشكل أشد رجعية في أوروبا الشرقية وعلى شكل “دين سياسي”؟

ولكن/ هل كانت تلك الأنظمة اشتراكية أو ذات توجه حقيقي للاشتراكية؟ بالطبع لا، ولو كانت كذلك لما كان من يثور ضدها هم العمال. وحتى لو كان وعي العمال مشوها بينما النظام اشتراكي فهذه معضلة ما كانت لتنتج لو كان النظام اشتراكيا بالمعنى التطبيقي وليس بمجرد الرطانة.  قد يجد المرء بعض الإجابة في ما آلت إليه أوروبا الشرقية خاصة بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية.  وليست هذه سوى بعض الأسئلة.

أورد لاحقاً بعض وقائع المشهد وضمنها مراجعتي لكتاب “الغدر أو خيانة الاشتراكية” عن آليات تفكك الاتحاد السوفييتي بما هو المعْلَم الرئيسي لهذا السقوط المأساوي. وهذه المراجعة تتضمن فيما تتضمن، الصدمة من عدم حصول مقاومة للثورة المضادة مع ان الشيوعيين كانوا في السلطة وعلماً بأن تخريب النظام بدأ من داخله من جهة، ولم تتولد من داخله أيضاً مقاومة ذات قيمة ودور.

التحولات في شرق اوروبا

نُظر إلى التحولات في أوروبا الشرقية من ثلاث زوايا مختلفة:

  • انحراف عن الاشتراكية (انظر أدناه)
  • ثورة مضادة
  • خليط  بين الراسمالية والاشتراكية (طريق ثالث) تقليد متأخر ومحتجز  للاشتراكية الديمقراطية في أوروبا الغربية؟ ربما روسيا الاتحادية.

ولكن، بغض النظر عن ايها الصحيح، او أن الصحيح هو تداخلها معاً، فإن مآل تلك المنطقة، باستثناء روسيا الاتحادية يبين بأن ما حصل من تغير كان عملياً، في المستويات السيادية والاقتصادية والإجتماعية والمعيشية، مثابة تراجع إلى الخلف وخاصة من حيث التبعية السياسية ودخول معظمها حلف الناتو العدواني وخاصة بولندا وتشيكيا والمجر وسلوفينيا بلغاريا ورومانيا مما أوصله حواف الاتحاد الروسي ناهيك عن الانهيار الاقتصادي والتخلخل الاجتماعي[3] والتحول إلى سوق يستهلك منتجات الغرب ويصدر قوى عاملة رخيصة ونخاسة النساء[4]. لقد اصبحت تلك المنطقة ساحة خلفية لتمارس فيها الإمبريالية كافة اشكال الاستغلال والتخريب والتآمر على العالم  بدرجة هائلة من حرية الفلتان وما تسمى الثورات البرتقالية، وفي كل هذا يكون للكيان الصهيوني دور[5].

حتى اليوم، ورغم إلحاق أوروبا الشرقية بالغربية، فإن مختلف الكتابات التي تحمل تسمية أوروبا، مقصود بها تطور أو التأريخ لتطور أوروبا الغربية والشمالية طبعاً وهذا أساس المراكزانية الأوروبية، ولا يُقصد بذلك أوروبا الشرقية التي بقيت متخلفة حتى حينه عن الغربية.

يمكننا التأريخ لتأخر أوروبا الشرقية عن الغربية بالعودة إلى القرون الثلاثة للراسمالية الميركنتيلية (1500 ــ 1800). كان الحدث المفصلي في تبلور الرأسمالية كمرحلة تاريخية قطعت مع الإقطاع بعنف هو فى نهاية القرن الثامن عشر مع حدوث الثورة الصناعية الإنجليزية التى اخترعت الصناعة الآلية، وكذلك قيام الثورة الفرنسية التى اخترعت السياسة الحديثة. لقد كان لافتاً ذلك التطور المتكافىء/ المتوازي نسبيا من حيث الزمن والمستوى  Even Development  بين بلدان أوروبا الغربية بعيدا عن أوروبا الشرقية وحتى الجنوبية. المهم أن القرن التاسع عشر حمل النقلة النوعية للتطور الراسمالي هناك حيث  فرض تراكم رأس المال شكله النهائى ليكون القانون الأساسى الذى يتحكم فى التطور الاجتماعي. ومنذ البداية كان هذا الشكل من التراكم فى الوقت ذاته، بناءً وهداما. وقد توصل ماركس لهذه الملاحظة المبكرة التى تقول: التراكم يدمر الأساسين اللذين تقوم عليهما الثروة وهما الكائن الإنسانى والطبيعة. ولعل هذا كان حافز ماركس الذي أنفق حياته في البحث والتنظير والنضال لتقويض هذا النظام.

وفي هذا السياق يجدربنا استعادة مسألة الاستعمار الذي بنهب المستعمرات دفع التراكم الرأسمالي دفعات هائلة كانت نتيجتها الاستقطاب على الصعيد العالمي أي انفصام العالم إلى مركز متطور وإلى محيط متخلف وتابع. والاستعادة هنا تشتمل على نهب ثروات المحيط والذي اسماه الراحل أنور عبد الملك “فائض القيمة التاريخي”، اي حساب تاريخ طويل من نهب وتحويل الثروات من المحيط إلى المركز. وهو ما لم ينتبه إليه احد وكأن فائض القيمة لم يتحصل سوى على صعيد الدولة القومية الواحدة لصالح الطبقة الراسمالية على حساب عمال البلد نفسه أو كأن النهب هو في هذه الفترة فقط.

وهنا يمكننا القول بأن النهب الأوروبي الغربي كان بعيدا إلى حد ما عن أوروبا الشرقية التي كانت تخضع لإمبراطوريات أعاقت تطورها إلى أن فككتها الحرب الإمبريالية/الغربية الأولى.  لقد دخلت الإمبراطورية النمساوية المجرية بعد الحرب العالمية الأولى مرحلة ترنح وضعف أستمر حتى عام 1918  حيث قسمت بالكامل بين عدة دول : النمسا والمجر ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وأجزاء صغيرة إلى إيطاليا وبولندا ورومانيا .. فتمزقت الأمبراطورية بالمعنى الحرفى للكلمة. وكانت الإمبراطورية العثمانية قد بدأت تفقد سيطرتها على الأجزاء التي استعمرتها من أوروبا الشرقية قبل الحرب الأولى بزمن ممتد.

ظل إذن تطوراوروبا الشرقية متأخراً ولاحقاً لتطور أوروبا الغربية سواء في مرحلتي الإقطاع والرأسمالية وبقيت العلاقة في ما يشبه مركز /محيط. وكانت فترة النظام الاشتراكي هي التحرير النسبي لأوروبا الشرقية من التبعية للغرب الراسمالي،  ولكن سرعان ما عادت للتبعية بعد تفكك الكتلة الاشتراكية.

كتب كراوسز وناراي:
"...كشف مسار الأحداث بأنها "كثورة تصحيحية" - وهذا ما وصفه يورغن هابرماس
بأنه ينقل الناس من تجربة فاشلة إلى عالم برجوزاي ديمقراطي. إن الموديل  –الانتقالي-  Transitology -  حيث سادت الأدبيات التنموية في  التسعينات والداعية لِ "اللُحاق"  بالركب" التنموي لجماهير وسياسيي شرقي اوروبا وأن ذلك يوصل إلى اللحاق بمستويات الاستهلاك والازدهار  الأوروبي الغربي حالما يتبنى جماعة اللحاق  للمنطقة   نماذج المؤسسات السياسية والرأسمالية الأوروبية الغربية . كان هذا ، بالطبع ، وهمًا[6]".
 
ويجادل ثوماس كراوسز و روبرت ناراي:
" فشلت تجربة البرجوازية الديمقراطية لأنها لم تُبنى على برجوازية ديمقراطية... ففي المجر وبلدان أخرى من شرقي أوروبا، فإن أولئك الذين في السلطة قد تفهموا الحاجة لتبني انظمة سلطوية التي بوسعها تجويف الشكل البرلماني ونظام الأحزاب السياسية"[7]
لكن السؤال الذي لم يتوقف التاريخ عن المجادلة ضده هو: هل البرجوازية ديمقراطية دائماً؟ أم أن ديمقراطيتها مرتبطة ومنوطة بعدم وجود معارضة قوية لها تهدد سيطرتها وليس فقط هيمنتها؟

“يمكن وصف شرق أوربا  الآن ن بأنه في وضعية شبه محيط للنظام العالمي”، حالة وسطية ربما كما كانت دائما!

وهذا يطرح السؤال، ما المقصود بالمحيط؟ قد يُفهم هذا التوصيف فقط في حال اعتبرنا المحيط درجات، أي ان تلك المنطقة شبه محيط مقارنة مع افريقيا الصحرءا كمحيط.

الآن أصبح من المسلم به أن تغيير نظام أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي كان كذلك
لا ينفصل عن إعادة هيكلة النيوليبرالية للنظام الرأسمالي العالمي ومن الجديد
أشكال وتحديات القوة الرأسمالية المتعددة الجنسيات. 

لعل من اللافت أن تطور أوروبا الغربية كان إلى حد ما متوازيا متوازناً. فرغم الحروب الطاحنة بينها إلا أنها بقيت مفتوحة تجاه بعضها البعض من حيث تبادل تقنية التطور الصناعي وانتقالها/عبورها  بشكل متساوي/متكافىء نسبيا إلى الثورة الصناعية، وإن كان هناك استثناء نسبي لجنوب اوروبا اي اليونان والبرتغال وإسبانيا حيث كان لحاقها بأوروبا الغربية أسرع من لحاق أوروبا الشرقية وإن لم تصل اللحاق المطلوب حتى في ظل عضويتها في  الاتحاد الأوروبي[8]. أما شمال اوروبا فكان أسرع في اللُحاق بل وحافظ على تفرد معين عبر قيادة الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية لكن صمودها في هذا الاتجاه يتضائل على ضوء الأزمة العامة للرأسمالية.  وعليه، فإن المقولة التطورية التي تقول: “لا يابان بعد اليابان” هي جوهريا “لا أوروبا  ولا اي مكان بعد أوروبا الغربية”. لذا كان البديل هو التطور الإشتراكي ونصف البديل هو طريق أوروبا الشمالية.

لقد قاد التطور المتأخر لأوروبا الشرقية سواء قبل الحقبة الاشتراكية او بعدها إلى ديمومة لعنة التأخر على هذا الجزء من اوروبا.

قد نصل إلى بعضٍ من حل لغز تهافت هذا الجزء من أوروبا ودورانه في ذيول التبعية إذا لاحظنا ان هذا الجزء حمل موروث خضوعه لإمبراطوريات لم تنجز ، أو تأخرت، العبور إلى الثورة الصناعية، اي العثمانية كاستعمار مباشر لجزء من هذه المنطقة وإمبراطورية هوهنزولرن وإمبراطورية آل رومانوف.

لذا كان يمكن القول بان خضوع أوروبا الشرقية لهذه الإمبراطوريات لعب دورا اساسياً في تخلفها الذي بقي كموروث حتى بعد أن انتهت وتفككت  تلكم الإمبراطوريات إثر الحرب العالمية/الإمبريالية الأولى.

كما أشرنا أعلاه، على الرغم من صغر القارة الأوروبية إلا أن التفاوت في تطور جهاتها واضح، وخاصة الفارق بين الجهة الغربية والشرقية ناهيك عن أن شمالها وجنوبها ايضا أفضل وأسبق تطورا من شرقها.

لم يكن التطور محتجزاً بين أجزاء أوروبا الغربية رغم الحروب الطاحنة فيما بيها. وليست لدينا الإجابة إن كان سبب انغلاق أوروبا الشرقية عن التطور الغربي الملاصق لها هو غير تقاسمها بين الإمبراطوريات الثلاثة التي لم تتحطم إلا بعد الحرب الإمبريالية العالمية الأولى. ولكن يمكن القول ايضاً، بان هذه المنطقة ليست كتلة متجانسة قوميا بالطبع، بل هي متشظية كبقايا الأمم وأكثر علماً بأن التشظي يعيق التطور أكثر من حالة التشكيلات الكبيرة.

وقد تضيء على هذا الأمر المقولة الدارجة :”لا يابان بعد اليابان” بمعنى أن أوروبا ومستعمراتها الرأسمالية البيضاء لم يُفلت من دورها/استراتيجيتها في احتجازها تطور العالم سوى اليابان. بهذا المعنى، تكون الإمبراطوريات الثلاثة قد خدمت المركزانية الأوروبية الغربية في تخلف الشرق الأوروبي.

دخول اليابان تحت حكم آل ميجي إلى الرأسمالية بعيدا أو بأقل إعاقة من الغرب الراسمالي ربما كان المحاولة الأولى/المبكرة في “الاعتماد على الذات” التي طورتها مدرسة التبعية  Dependency School و “فك الارتباط” De-linking التي طرحها المرتحل سمير امين[9].

قد يتفهم المرء وجود عوامل، اي قوى داخلية في أوروبا الشرقية لعبت دوراً في تأصُّل تخلفها إذا ما نظرنا إلى الفترة ما بين الحربين الإمبرياليتين العالميتين والتي يُطلق عليها فترة تراخي القبضة الإمبريالية والتي انتهزتها بلدان مثل المكسيك والأرجنتين والبرازيل وتشيلي وأسست لنهضة صناعية متقدمة نسبياً. وذلك كي نلاحظ أن هذا لم يحصل في أوروبا الشرقية الملاصقة لأوروبا الغربية  باستثناء تشيكوسلوفاكيا (لاحقا انقسمت إلى تشيك/وسلوفاك!) ، كما لم يحصل تطورفي الوطن العربي مع فارق أن الاستعمار العثماني سلَّم الوطن العربي للاستعمار الإنجلو-فرنسي تسليما بالمفتاح[10]. كانت الحالة الفريدة لمحاولة التطور من خارج الحالة الأوروبية هي مصر محمد علي ولكن تحالف الاستعمار الرأسمالي الغربي( بريطانيا وفرنسا) مع الاستعمار العثماني حينها أدى إلى تدمير تلك التجربة.

لذا، توقع البلاشفة، أو شبه تأكدوا، بناء على تحليل ماركس، بان الثورة سوف تأخذ مجراها في المانيا المتطورة صناعيا، والقريبة من روسيا حيث الوجود الموضوعي والذاتي للبروليتاريا وحزبها الشيوعي ولم يراهنوا على أوروبا الشرقية اللصيقة ايضا بالاتحاد السوفييتي. وحيث تأخرت الثورة في ألمانيا واتضح أنها لم تحصل في حينه، دخل السوفييت في جدل حاد ومفصلي فيما يخص الثورة في بلد واحد أم تواصل الثورة وديمومتها طبقاً لمركزية الديمومة في أطروحات ماركس والتي التقطها تروتسكي إلى درجة وصفها، من قبل أنصاره على الأقل، بأنها من عنديات تروتسكي نفسه.

وهنا، نجد عبثاً في المسألة، فالثورة بالنسبة لماركس، بل ونظراً لطبيعة الثورات هي دائمة أساساً إرتكازاًعلى قوانين الديالكتيك. وغير الدائم هم جماعات أو أحزاب أو قادة من الثوريين. اي ان الثورة مسألة حدث موضوعي متفاعل يخبو ويتأجج لكن قانونه العام هو الديمومة، وما يعيق ذلك هو العامل الذاتي إما عجزاً منه وإما انحرافاً بمعنى أن انحصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد ليس اختياراً.

وبقي الجدل تجاه الاشتراكية في بلد واحد حتى اليوم.  لا بل هناك ومنذ عدة عقود، اي قبيل تفكك الاتحاد السوفييتي، إستعادة للخطاب الإصلاحي في الماركسية بل في الشيوعية عموما، بدءاً بالحنين إلى كارل كاوتسكي وما فوق /بعد الإمبريالية وصولا إلى الثورة الدائمة بطبعتها التروتسكية …الخ. وكأن هذا التيار يأسف على حصول الثورة البلشفية ويرى في انتصارها وبناء الاتحاد السوفييتي خطيئة كان يجب ان لا تحصل وكان يجب الذهاب في الاتجاه اللبرالي الاندماجي في الغرب الراسمالي. أو الذهاب بالثورة إلى مغامرات دفع الثورة إلى أوروبا الغربية بالقوة التي لم يكن بوسع الاتحاد السوفييتي تنفيذها، هذا إذا كان تصدير الثروة هو أمر مشروع. لقد كتب لينين بوضوح بأن المشكلة في تأخر أو عجز الشيوعيين وخاصة في ألمانيا، وهو ما عايشه ستالين بوضوح ولعقود وبقي الأمر معلَّقاً حتى الحرب العالمية/الإمبريالية الثانية والتي تولدت عنها “إشتراكية” أوروبا الشرقية. وهي تجربة تؤكد أن عدم نضوج القوى الشيوعية يولد “إجهاضاً يعيش مؤقتاً” لا ثورة حقيقية. واصل رافضوا الاشتراكية في بلد واحد نقد الاتحاد السوفييتي بأنه  “خان” الثورة الاشتراكية، ومع ذلك لم ينظروا إلى دوره في تحرير أوروبا الشرقية ودعمه قيام انظمة الاشتراكية هناك على تجاوز للاشتراكية في بلد واحد حيث نُظر إلى دوره كدور مهيمن!

ربما كان تحرير شرق اوروبا تحريرا سوفييتيا أكثر مما هو تحرر ذاتي، وهو منسجم مع كونها حالة محيطية، على الأقل من حيث متسوى ووتيرة تطورها الصناعي خاصة والاقتصادي عامة،  في مختلف المراحل وقد يكون ذلك اساسي في بقاء عدم تجذر تطورها. وربما لهذا كان ضرب المركز السوفييتي من خلال محيطه الأقرب أي اوروبا الشرقية. وهذا التفسير إن صح، هو أقرب إلى تفسير سمير أمين لنمط الإنتاج المختلف عن الإقطاع الأوروبي الذي تفكك من مركزه. طبعاً قصد سمير امين نمط الإنتاج الخراجي، وما نقصده هنا هو تشابه موقع التفكك وليس سحب النمط الخراجي على شرق أوروبا.

يمكن وصف أوروبا الشرقية بأنها “المحيط” أللصيق بالاتحاد السوفييتي، فقد شكلت المرحلة الثانية من تفكيك الكتلة الاشتراكية بعد انفكاك محيط الاتحاد السوفييتي الأبعد في آسيا وإفريقيا ومنها بلدان من الوطن العربي طبعاً حيث حافظت تلكم البلدان على علاقات سياسية وربما تسليحية مع الاتحاد السوفييتي لكنها انخرطت في السوق الراسمالية وكانت متاجرتها وخاصة وارداتها هي بشكل اساسي مع أوروبا الغربية[11].  ما نقصده هنا أن تفكك المركز الاشتراكي بدأ من أطرافه البعيدة فالمباشرة وصولا إلى القلب.

لم تتمكن أوروبا الشرقية من استثمار تطورين هامين في العالم في فترة ما بين الحربين:

  • انتصار الثورة البلشفية، حتى وإن انحصرت في الاتحاد السوفييتي
  • وتراخي القبضة الإمبريالية بين حربيها العالميتين.

وبقيت صدمة أو دفعة التطور محتجزة مؤجلة إلى حين انتصار الاتحاد السوفييتي على النازية، الانتصار الذي حققته دولة متهمة بأنها دولة “الاشتراكية في بلد واحد”.

إثر انتهاء الحرب الثانية كانت أوروباالشرقية قد اصبحت ضمن المعسكر السوفييتي أي اصبحت محيطه اللصيق لقرابة خمسة عقود من الزمن. وهذا يطرح السؤال بمعنى: هل كانت علاقة الاتحاد السوفييتي باوروبا الشرقية قائمة على تجاوز الاشتراكية في بلد واحد، حيث هكذا يُفترض، أم أن أوربا الشرقية كانت مجرد محيط للاتحاد السوفييتي؟ لدى التروتسكيين فإن تلكم البلدان كانت مجرد محيط.

هل كان لأوروبا الشرقية دورها في انحطاط الثورة أعلى من دورها في الثورة نفسها؟ هذا ما يفيد به تدهور الثورة على صعيد عالمي.  وهو تدهور يختلف عليه الثوريين في العالم حيث ينسبه البعض إلى فترة قيادة ستالين في الاتحاد السوفييتي، وينسبه البعض إلى ما بعد ستالين بدءا من نيكيتا خروتشوف. ولكن رغم الجدل الحاد فيما يخص ستالين، إلا أن فترته كانت فترة الصعود المشوب بالقمع الذي كما يبدو كان مبرراً، ولم يكن هائلا كما يكذب الغرب البرجوازي والمتساقطين من الحركة الشيوعية كمعظم التروتسكيين. وربما لخَّص ونستون تشرشل فترة ستالين ب: “ستالين هو الذي نقل الاتحاد السوفييتي من المحراث الخشبي إلى العصر النووي”.

ولكن، من بوسعه الزعم أن القمع كان في الشرق فقط؟ يكفي ان الولايات المتحدة “رمز” الحريات لا يقل عدد السجناء فيها عن مليوني شخص ليسوا جميعاً من المجرمين واللصوص فهي السلطة التي خلقت تنويعا هائلا من القمع السياسي المغطى ناهيك عن تخصيص السود باضطهاد متعدد. هذا إن لم نذكر حروبها على صعيد معولم ضد تطور مختلف الأمم!

لعل تدهور الثورة العالمية الذي في جزء منه سببه بل عنوانه الاتحاد السوفييتي بغض النظر عن الخلاف على ستالين أم ما بعده، ولكن الجزء أو السبب الآخر هو تدهور محيط الاتحاد السوفييتي بمستوييه البعيد واللصيق.

أرغب هنا بإثارة نقطة ليست لدي المراجع لحسمها وهي: ايهما كان صراع طبقي في أوروبا الشرقية؟ التحاق هذه المنطقة بالاتحاد السوفييتي لتكون جزءا من الكتلة الشرقية الاشتراكية، أم الردة والسقوط مع نهاية ثمانينات القرن العشرين؟ أم هل كانت هذه المنطقة في حالة المجرور وليس الجارُّ على الدوام، اي وراء السوفييت بعد الحرب الثانية ووراء الغرب الراسمالي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي؟

لا تحمل هذه التساؤلات غمطا أو استهانة بنضالات الشعوب والقوى الثورية هناك، ولكن يبقى السؤال المعلق هو: مدى اصالة دخول هذه المنطقة في المسار الاشتراكي، ومدى كون التحاقها بالغرب وخاصة الأطلسي هو خيار شعبي، وإن حصل فهل هو بوعي سياسي طبقي!

قد تساعد على الإجابة أو التفهُّم على الأقل قراءة ما آلت إليه تلكم المنطقة. فهل تم نقل التكنولوجيا الغربية الرأسمالية إلى اوروبا الشرقية كما حصل في الصين مثلا؟ وهل تم إتباع “الديمقراطية”الغربية في تلكم البلدان؟ وهل كان العدوان الأطلسي على يوغسلافيا بهدف “دمقرطتها” أم تصفية نظام كان يحاول صد الغرق والبقاء خارج عباءة الغرب الراسمالي؟

وقد يساعد على الإجابة ايضاً، تحول الجمهوريات ذات الأكثرية او الأقلية المسلمة (البوسنة والهرسك)المنفصلة/المفصولة عن يوغسلافيا وغيرها إلى ميادين للاختراق الغربي المخابراتي والفكر الوهابي والتدريب على بل والتحول إلى ميادين “للثورات” البرتقالية؟ وتسهيل نشاطات الإرهاب الصهيوني وخاصة الموساد[12]. هذا إلى جانب تحول جمهوريات البلطيق إلى مجرد محميات أمريكية وعودة بولندا لتكون العدو التاريخي/القاعدة ضد روسيا سواء القيصرية او الشيوعية أو الراسمالية الحالية حيث تشكل تهديداً مباشراً للاتحاد الروسي بسلاح امريكي. أشرنا إلى بعض هذا أعلاه، وسنكمل لاحقا في هذا الباب.

حسب تقرير الصحفي ماكس بلومنثال بأن امريكا اقامت في معسكر كانفاس في بلغراد معهد أينشتاين بإشراف جين شارب لتدريب غوايدو وأمثاله ضد فنزويلا.

وهذه الدول وخاصة بلغاريا اصبحت بائعة السلاح للإرهاب سواء في سوريا او العراق او فنزويلا

يمكن القول بأن هذه المنطقة انتقلت/تحولت أيضاً إلى أسواق للشركات الغربية سواء بتفكيك بنيتها الصناعية، كما اشرنا آنفاً، أو كأسواق التهام السلع أو اسواق توفير مخزون عمالة رخيصة تُطلب عند اللزوم؟

هذا ناهيك عن تحويل كثير من العمالة النسائية الشابة إلى قوافل فراشات الليل[13] .

أما التغطية على كل هذا الخراب فكان باستخدام ملاية راسمالية خبيثة أُطلق عليها “نهاية الإيديولوجيا”. لكن حقيقة الأمر هي سيطرة إيديولوجيا السوق والاسترقاق.

وكان أكثر من روج لهذا الشعار هم اللبراليون بما هم الخدم المهذبين لراس المال في المركز والأدوات التابعة في المحيط. كانت معزوفتهم الرئيسية هي سقوط “التوتاليتارية” كما يسمونها حيث خلطوا بين الفاشية والأنظمة القومية الاشتراكية وبين ما اسموها هم والتروتسك “الستالينية” ولم تنجُ منهم الماوية ايضاً. ربما ينتظر العالم منهم اليوم استنباط تسمية لائقة بالنظام الإرهابي الأمريكي الذي يكرر سُعار النازية ضد كافة الأمم حتى الصديقة لأمريكا أي اوروبا فما بالك بتوابعها من الأنظمة العربية وخاصة النفطية.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] Beyond De-Linking: Development by Popular Protection vs Development by State, 2005. Palestine Research and Publishing Foundation, P.O.Box 5025, Glendale, CA 91221, USA.ومركز المشرق/العامل رام الله 2005

[2] الطوائف والتطويف واثر راس المال في تجميدها وإخمادها دون استئصالها. ودور الحزبية في ذلك. وغياب هذه الاثار في الوطن العربي وكذب من يروا ماضي داعش في الوطن العربي بل في الغرب الأوروبي تحديدا وفي الاستيطان الأبيض في امريكا. لاحظ ان الصراع في الوطن العربي كان في قمة الحكم وليس في القاعدة الشعبية سنة وشيعة سوى مؤخراً.

[3] “… وحيث هي من بين بلدان ما بعد الشيوعية، (رومانيا-ع.س) فقد استهدف/مركز  شورش النظام التعليمي خاصتها. ففي الفترة ما بين 1990-1994، كان صندوقه –وهو ربما اكبر صندوق تحوُّط في العالم-ع.س-  مشغولاً في صياغة “كتب المناهج”- التي كُتبت  من قِبل أعضاء في الصندوق  بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم”. The Soros reign: a Romanian example-katehon.com

[4] ” ذكر المراقب  رعنان كاسبي  الضابط في وحدة التحريات في الشرطة الإسرائيلية  خلال اجتماع للجنة  برلمانية  حول الاتجار بالنساء ان 850 اجنبية كن يعملن كعاهرات او في خدمات المرافقة تم ابعادهن من اسرائيل وارسالهن الى دولهن الأصلية. … ومن بينها اوزبكستان ومولدافيا وبيلاروس وروسيا… وأبلغ دانييل ماروم  رئيس دائرة المنظمات الدولية  وحقوق الانسان في وزارة الخارجية الاسرائيلية اللجنة البرلمانية عن الظروف القاسية التي تتعرض لها هؤلاء النساء” جريدة القدس عن هآرتس. أنظر عادل سمارة ، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء، منشورات دار الرواد دمشق ومركز المشرق/العامل  رام الله 2011. باب البغاء

[5] بدأت في 3 حزيران 2018  مناورات عسكرية مشتركة في بولندا بين الناتو والجيش الصهيوني

[6] Tamás Krausz and Róbert Nárai, Searching for Alternatives in Eastern Europe

monthlyreview.org/2019/04/01/searching-for-alternatives-in-eastern-europe 1 April 2019

[7] Tamás Krausz and Róbert Nárai, Searching for Alternatives in Eastern Europe

monthlyreview.org/2019/04/01/searching-for-alternatives-in-eastern-europe 1 April 2019

[8] كان أحد شروط انضمام إسبانيا بعد فرانكو إلى الاتحاد الأوروبي أن تعترف بالكيان الصهيوني، ولكن، إذا كانت تركيا قد اعترفت باكرا بهذا الكيان، فهل رفض ضمها بعيداً عن دور هام لقوى الدين السياسي في اوروبا وفي تركيا على حد سواء؟

[9] أنظر عادل سمارة كتاب2005  ,  De-linking مصدر سبق ذكره.

[10] نقصد بهذا أن الاستعمار العثماني الذي تواصل على الوطن العربي لأربعة قرون قد خرج مهزوما من هذا الوطن بعد أن  أهلك الحرث والنسل مما جعل سيطرة الاستعمار الغربي “سهلا”. ومع ذلك  تزعم قوى الدين السياسي بأن العرب “خانوا” الخلافة الإسلامية  العثمانية! هذا وكأن الاستعمار العثماني كان مبرَّرا فقط لأنه استعمار بثوب إسلامي!  علماً بأن الدين ليس صاحب الدور الأساس في انظمة الحكم والعلاقات الاقتصادية بين المجتمعات بل الأساس هو الاقتصاد محددا في المصالح الاقتصادية. هذا إضافة إلى أن الإسلام ، نقلا عن الرسول، يحصر الخلافة في قريش، اي في العرب.

[11] انظر عادل سمارة، البريسترويكا والعلاقات العربية السوفييتية: النظام العالمي يعيد إنتاج نفسه، منشورات مركز إحياء التراث العربي-الطيبة، فلسطين المحتلة 1948، سنة 1991 ، ص ص 101-113.

[12] أوضح الأمثلة على تواطؤ هذه الأنظمة الهشة تمكين الموساد الصهيوني من اغتيال المناضل الفلسطيني عمر النايف داخل سفارة م.ت.ف في العاصمة البلغارية.

[13] انظر عادل سمارة، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء، منشورات  دار الرواد-بيروت توزيع دار النمير- دمشق، دمشق 2011، الفصل الرابع