الحرب المحتملة وتغييب الحدث المؤسس! عادل سماره

فيض من التحليلات والتهويلات والتطمينات تزخر بها وسائل الإعلام على مستوى كامل الكوكب حيث تناولت مختلف الاحتمالات وسيناريوهات حصول الحرب أو استبعادها.

ماذا يعني قول ماركس بأن “تاريخ العالم هوسلسلة من الصراعات الطبقية” ؟ لم يقصد الرجل عرض فيلم للتسلية ولم يقصد قراءة التاريخ كأرشيف أو ملف قديم كي يُطوى ويوضع على الرف، بل قصد القول: أيتها البشرية أنت الآن كما في الماضي كل يوم في حرب ولكن بدرجات من حيث الشدة والإمتداد. والحرب الطبقية هي حرب قومية ايضا، حرب الطبقات الحاكمة/المالكة ضد بعضها البعض بين مُعتدٍ ومعتدىً عليه طالما بقيت الراسمالية على قيد الحياة. إن آخر حرب هي حرب السلاح، ولكن كل يوم في عمر راس المال هو حرب بالنهب والتقشيط والاستغلال وحتى التبادل اللامتكافىء  وصولا إلى التراكم اللامحدود.

بماذا يمكننا وصف الاستعمار الذي لم ينتهي ولن ينتهي دون انتهاء راس المال؟ بماذا يمكننا وصف العدوان الحصاري على كوبا وكوريا منذ ستين عاماً، وعلى سوريا منذ خمسين عاماً وعلى روسيا منذ عام1917، وصولا إلى تفكيك الاتحاد السوفييتي وخاصة منذ  عام 2014 وعلى الصين، بل غالباً ضد كل دول العالم ما عدا الأنظمة الراسمالية البيضاء وخاصة المستوطنات البيضاء؟

ماذا نسمي هجوم الإعلام الكاذب والخبيث والمزركش والمزجج على عقل البشرية ووعيها، ولعل أخطر تعمية فيه هو زعم امريكا أنها بلد الحرية بينما هي تُمعن في العالم قتلاً، وبالطبع تمتطي ،ليخدموها، أوغاداً من حكام العالم وخاصة من العرب.

واليوم، لماذا تُنصِّب أمريكا نفسها حامية لأوروبا العجوز؟ هل هناك استفتاء لشعوب اوروبا بهذا الشأن؟ ولماذا بهذه الحجة يجري تزحيف قوات العدوان الأمريكي إلى حدود روسيا بحجة حماية دويلات البلطيق وأوكرانيا التي تصرخ بأنها ليست تحت تهديد روسي!  إذا كان هناك خطر روسي على أحد وإذا كانت أمريكا حامية الأمم، فلماذا ذبحت أفغانستان والعراق وتنهب سوريا ودمرت ليبيا؟ ولماذا تحقن الكيان الصهيوني بالسلاح من راسه إلى مؤخرته وهو يغتصب وطن شعب ويحتجز تطور أمة! بوسعنا القول بأن الزوبعة الأمريكية من أول اهدافها كلبشة أوروبا كي تبقى تابعة لأمريكا وفي هذا دور خياني بريطاني لأوروبا.

على مستوى أنظمة الحكم وأجهزة الإعلام التابعة لها هنا وهناك، ورغم أنها بالعموم استحضرت كل ما يمكن أن يعزز وقوع الحرب بل العدوان الراسمالي الغربي على روسيا، أو عدم وقوعها، إلا أن كافة هذه التحليلات قد تجنبت البعد بل التحليل النظري الماركسي في مسألة الحرب. اي النظرية التي تناقش لماذا تقوم الراسمالية بالحرب بل لماذا لا بد أن تشن الراسمالية الحروب ، وكانت قد فعلت ذلك كثيرا في حقبة الاستعمار فالإمبريالية فالعولمة وأخطرها حربين عالميتين أو حروب بين الحروب حتى لو كانت بمستوى معارك بين الحروب.

لا الأمريكي ولا الروسي  ولا أي إيديولوجي راسمالي يرد ما يحصل من تصاعد احتمال الحرب إلى التحليل الماركسي للرأسمالية. أي تحليل الرأسمالية وليس إسقاط تنظير على واقع الراسمالية . ولذا، فإن تغييب هذا التحليل، لا ينفي منطقيته .

لن نعود إلى تسلسل تاريخي لأسباب الحروب، ولكن على الأقل في عصر راس المال نشبت الحروب :

أولاً: بين الرأسماليين لأن راس المال عدواني بالضرورة محفوزاً بتحصيل التراكم وتراكم التراكم.

وثانيا: تكون الحرب ضرورة للخروج من أزمة اقتصادية اجتماعية

وثالثاً: لاقتسام العالم بين ضواري الإمبريالية وهذا يحصل  بالقوة

ورابعاً: دون دور لبقية العالم سوى دفع الثمن، كل كما يُملى عليه،  والسقوط تحت وطأة الغزو والاستغلال الرأسمالي.

بعد الحرب الإمبريالية/العالمية الثانية تصدرت امريكا العالم اقتصاديا ومن ثم سياسياً وأسعفت أوروبا لتتبيعها لها وصد تطور المد الإشتراكي في أوروبا الغربية وخاصة الدول التي كانت الحركة الشيوعية فيها قوية وواعدة.

ولتنفيذ كل هذا سارعت الإمبريالية إلى إشعال الحرب الباردة ضد القطب السوفييتي. وتلت تلك الحرب حالة ازدهار اقتصادي بقي حتى منتصف ستينات القرن الماضي  لتدخل الراسمالية في أزمة تدني معدل الربح والأزمة في جانب العرض بعد تصدير راس المال العامل الإنتاجي إلى المحيط ركضاً وراء مواقع الأجور الأقل والحقوق الأدنى للعمال وهذا زاد تراكم راس المال لصالح الأوليغارشية المالية في المركز. لكن هذا حمل نقيضه في احشائه حيث تحولت بعض هذه البلدان إلى منتجة ومصدرة مما نافس المنتجات الغربية وخاصة الأمريكية حتى اليوم ولا سيما ظاهرة الصين.

خلال هذه الفترة تمكن راس المال من هزيمة العمل على صعيد عالمي حيث تفككت الكتلة الشرقية وتوفر للرأسمالية الغربية فرصة التصدير إلى جغرافيا أوسع وانضمام مليار عامل من مجمل المحيط كمعروض للاستغلال. وبالتالي تم تجاوز أزمة خانقة ولكن إلى حين.

فتصدير راس المال العامل الإنتاجي ونمو الصين أغرى الشركات الأمريكية خاصة بالرحيل للخارج، كما اشرنا،  مما قاد لارتفاع البطالة وتدني الأجور في امريكا نفسها خاصة . لم يؤثر هذا على راس المال الذي اخذ يذهب باتجاه المضاربات بدل مواقع الإنتاج مما قاد إلى حصول تراكم ثروة وتوليد راس المال من راس المال على أساس وهمي. هذا إلى ان انفجرت أزمة 2007-08 في الولايات المتحدة ومن ثم العالم عموما.

هنا قاد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية حيث غدت قاطرة النظام العالمي من الانهيار إذ استثمرت الصين في قطاع البناء والذي تطلب استيراد مواد خام من معظم بلدان العالم مما اسعفها من الانهيار حيث يُقدر الإسمنت الذي استهلكته الصين في بضع سنوات بحجم ما استهلكته امريكا في قرن كامل. وبالتالي كان دورالصين إنقاذ الاقتصاد العالمي من التكويع بمعنى أنها فتحت بابا للنمو. وهذا ما دفع البعض للتساؤل: هل الصين “الإشتراكية” هي متعهد إنقاذ النظام الراسمالي!

ولكن الاقتصاديين الذين يعادون الصين رأوا في ذلك نهبا صينيا لأمريكا اللاتينية وإفريقيا (انظر كتابنا: صين اشتراكية أم كوكب اشتراكي 2022).

وفي معالجة الغرب الراسمالي لهذه الأزمة هبت البنوك المركزية لإنقاذ البنوك الكبرى مما ركز الاحتكار أكثر وكان الشعار عن هذه البنوك التي أصرت سلطة امريكا على إنقاذها (إنها أكبر من أن تنهار Two big to fall)

وهذا زاد السيولة المالية بين هذه البنوك والتي لجأت للمضاربات وتقليص الإقراض حتى لبعضها.

ولكن الغرب الراسمالي والذي تمتع بدور الصين في إنقاذ النظام الرأسمالي من الانهيار انتبه كما يزعم إلى ما أسماه “الخديعة الصينية” بمعنى أن الصين صعدت في غفلة من الغرب! ليجد أن الصين حافظت على نموها وأصبحت ورشة العالم، وأصبحت منافسا نداً لأمريكا.

لم تتمكن امريكا والغرب عامة من تجاوز هذه الأزمة لكي تجد نفسها في مواجهة أزمة جديدة هي أزمة كوفيد19  التي جرت محاولات مواجهتها سواء بالإغلاق، وتمويل الدولة (في امريكا) للناس في بيوتهم، مما لجم معدل النمو أكثر، والذي ترافق معه تناقض آخر هو تمكُّن الصين من التعافي السريع والحفاظ على نمو عالٍ وبالتالي القدرة على الإنتاج بمستويين:

الأول: مواصلة الإنتاج للتصدير للعالم ولو بوتائر أقل لأن قدرة الاستهلاك عالميا تراجعت وأعاقتها أكثر رسوم النقل التي تضاعفت اربع مرات.

والثاني: توجه الصين لتوسيع معدة سوقها تلافياً لتحولها إلى معتمدة كثيراً على   السوق العالمية لا مسيطرة عليه وهذا ضرب من التوجه إلى الانسحاب للداخل أو مستوى من فك الارتباط.

وكما هو بادٍ، فقد تحول كوفيد19 إلى مشروع استغلال إقتصادي للعالم تحت فزاعة انتشاره وتحوراته. (أنظر كتاب

http://librosml.blogspot.com/2021/03/covid-19-autoritarismo-e-izquierda.html

ومقالة عادل سماره فيه:

 Capital and Capitalized Coved-19 in Class War against Labor, by Adel Samara

بيت القصيد هنا أن النظام العالمي وخاصة في مركزه قد وصل حالة من الإنسداد بمعنى:

·       أن إصلاح النظام الراسمالي لم يعد ممكناً وخاصة على ضوء القلق من تصاعد الصين

·       وأن الثورة عملية سيرورة طويلة ليست على الأجندة آنياً.

·       وهنا علينا التذكر بأن الراسمالية لا تسقط هكذا بحد ذاتها كثمرة مضروبة حتى رغم تخليقها هي نفسها لنقيضها وهي تركض نحو “التطور” وهنا تكفينا ظاهرة أن الثراء يتسع والفقر يتزايد وخاصة على يد الثورة التكنولوجية حيث تحل الماكينة والروبوط محل قوة العمل الأمر الذي يقود إلى ضعف النقابات وتوسع العمل الفردي في الأسرة…الخ.

بمعنى أنه لا بد من أداة اجتماعية لذلك والأداة غائبة بشكل كبير، وهنا ليس موضع نقاشها.

كما انه لم تعد هناك مناطق يمكن غزوها براس المال ومن ثم اعطاء النظام حقنة حياة جديدة  بتوفير فرصة للتراكم كما خلال ظاهرة الاستعمار، والتي لم تتوقف، وما حصل بعد تفكك الكتلة الإشتراكية حيث رُدف المركز الراسمالي بجغرافيا خانعة وكتلة قوة عمل هائلة.

قد يتسائل البعض، ولكن كيف يمكن وجود وتركُّز هذه الثروات الهائلة دون أن تخلق قيمة؟

وقد يكون الجواب الصحيح في السؤال نفسه بمعنى أن تراكم الثروة لا يعني بالضرورة خلق قيمة حقيقية.  أن القيمة الحقيقية هي في إنتاج الخيرات المادية سواء من أجل القيمة الاستعمالية أو القيمة التبادلية. فالتمويل لا يخلق قيمة بحد ذاته. بل يخلق ثروة وهمية.

لذا، كان أحد المخارج إلى الخارج ايضا،  بتوجه الشركات الغربية وبعض الخليجية باتجاه شراء مقاطعات واسعة في إفريقيا وإقامة مزارع فيها لتصريف راس المال الكسول.

هناك اليوم إقبال على حيازة السلع المالية المادية اي الذهب والفضة، ولكن هذا محصور في أقل عدد من البشر والذين يسطون طبعا على ذهب البلدان الفقيرة التي تقوم بشراء منتجات ومصنوعات هي مضطرة لها.

نخلص هنا للقول بأن هذا التراكم الهائل هو في النهاية تراكم قاتل على طريقة حي بن يقظان.

دعك من الحروب البينية التي انقضَّت بها الراسمالية وخاصة في مرحلة الإمبريالية على بلدان صغيرة أو متوسطة.

فالحرب العالمية الأولى حصلت لاقتسام العالم سواء لأن ألمانيا واليابان كانتا تحاولان أخذ حصة من جغرافيا العالم و/أو كان ضغط فائض الإنتاج مثابة تأزيم اقتصادي إجتماعي داخلي في البلدان الراسمالية الغربية ايضاً كان لا بد من حله على حساب الأمم الأخرى.

بالطبع يقلل البعض من وحشية هذا بالقول بأن راس المال كان لا بد أن يغزو التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية التي لم تترسمل بعد. قد نسمي الدافع فائض الإنتاج أو الأزمة في جانب العرض حينها.

طبعا قامت تلك الحرب قبيل انبلاج فجر أول بلد إشتراكي.

أما الحرب العالمية الثانية، فلم تكن فقط لأن ألمانيا كانت تحاول الثار من هزيمتها في الحرب الأولى وإثقالها بالغرامات بل خاصة أن كل الغرب كان يدعم النازية لتدمير واجتثاث الدولة الاشتراكية ومن ثم الانقضاض على ألمانيا وقد أهلكتها الحرب، ولكن السوفييت هزموا ألمانيا مما سهل على الغرب الإنجلو سكسوني التمتع بنتائج الحرب دون خسائر تذكر. هذا إلى جانب أن الحرب العالمية الثانية أتت بعد أزمة 1929 الاقتصادية والتي لن يتم التعافي منها سريعا . وبالطبع اضطرت الراسمالية لتقديم تنازلات طبقية حسب وصفات جون كينز بعد تلك الأزمة والحرب والتي اعتمدت توسيع دور الدولة/دولة الرفاه واعتماد الكينزية ولاحقا الفوردية.

إثر ذلك باشر الغرب وخاصة امريكا وبريطانيا التحضير للحرب الباردة ضد الكتلة الإشتراكية لا لسبب إلا لأن الراسمالية :

·       عدوانية بالضرورة حتى دون أزمات لأنها ترفض أن تكون هناك دولا متطورة غيرها، هكذا قيل ويقال بلامواربة، فإما ان تدمرها وإما أن تلجم تطورها.

·       وتزداد عدوانيتها حين تقع هي نفسها في أزمة اقتصادية تخشى أن تتحول إلى إجتماعية ولذا تصر على حلها على حساب الآخرين.

واليوم، وبعد أزمة 2007-08 وأزمة كوفيد 19، نرى أن الأنظمة الراسمالية الغربية في حالة من الارتباك حيث لم تخرج من الأزمة من جهة بينما يتم تقدم الصين وتعافي روسيا.

هنا يجب التنبه إلى أن تغليف الغرب الإمبريالي للحرب الباردة بأنها كانت ضد الشيوعية هو زعم خبيث، فها هي هذه المرة تجهز لحرب على روسيا والصين غير الشيوعيتين مما يؤكد أن راس المال  لا يقبل بغيره بل يطمع في التهام غيره.

قد تثير المعترضة التالية بعض السخرية بمعنى أن الراسمالي كإرهابيي الدين السياسي الإسلامي، كل واحدة ترى نفسها الفرقة الناجية ولا بد أن تذبح الأخريات.

على هذه القاعدة، فإن احتمالات الحرب كمخرج لراس المال من أزمته هو أمر وارد.هذا هو الأساس النظري الاقتصادي للأمر.

أما كيفية تفجير الحرب، جغرافيا التفجير وتوقيته فهذا أمر مختلف.

لكن محاولات أمريكا وإلى حد كبير كل أوروبا إرغام أوكرانيا على دخول حرب استنزاف ضد روسيا سواء  كانت:

·       لاستزاف روسيا وحسب

·       أو إضعاف روسيا ومن ثم الانقضاض عليها تماماً كما حاول الغرب الرأسمالي ذلك  عام 1918 ضد الثورة البلشفية اليافعة حيث غزا الثورة ب مليون ونصف جندي وهُزم.

·       أو القيام بكل ذلك تمهيدا للانقضاض على الصين.

المهم أنه بالمعيار النظري والتاريخي بوسعنا القول أن احتمالات العدوان عالية.

الواضح حتى الآن أن أوكرانيا ليست بصدد الحرب مع روسيا كما تعلن سلطاتها. لكنها في الوقت نفسه تستقبل الأسلحة الغربية وحتى بعض القوات وهذا يطرح السؤال:

هل تريد مراكمة قوة ما عبر كسب الوقت؟ ومن ثم تلعب دور تفجير الحرب مع روسيا بكفاءة مناسبة أو لتكريس دخولها الأطلسي بينما لديها قوة ردع؟

هذا يفتح في الحقيقة على المسألة الأساس وهي إصرار الغرب على محاصرة روسيا وتقويض قوتها عبر وصول قوات الناتو حدودها في معظم أوروبا وليس فقط من جهة أوكرانيا. وهي الاستفزازات التي تهدف منها أمريكا انفجار حرب مع روسيا ولكن في أوروبا وعلى حسابها.  وهنا لنا أن نتذكر أن امريكا حتى في الحربين العالميتين بل الإمبرياليتين لم تدخل اياً منهما مباشرة كما لم تجر الحرب على أراضيها لكنها كانت تدعم حصول الحربين!

فأمريكا لم تدخل الحربين العالميتين مباشرة منذ بداية اياً منهما، وأتى دخولها بعد إنهاك مختلف الأطراف، بل وكسبت من وراء عدم دخولها مباشرة امرين هامين على الأقل:

·       إخفاء وجهها القبيح حيث ظهرت بمظهر ديمقراطي تدخل لإنقاذ العالم

·       راكمت من القوة ما سهَّل عليها وراثة السيطرة على العالم كاقوى قوة عظمي على حساب الإمبرياليات العجائز الأوروبيات أي وراثتهنَّ.

 فهل تنجح هذه المرة في ذلك؟

ربما بناءً على هذه الحسابات، هددت روسيا بأنها لن تتورع عن استخدام النووي، وهذا مقصود به أمريكا أكثر مما هو أوروبا وخاصة أن أوروبا منقسمة ولو شكلياً تجاه الحرب وإن كانت ستلحق بأمريكا في النهاية وهذا يتضح من مخادعات فرنسا وألمانيا بأنهما ليستا مع الحرب لكنهما تكرران التحذير من أن روسيا قد تدخل أوكرانيا، اي تكرسان الدعاية الأمريكية.

لكن روسيا لم تكن قد حركت قواتها داخل حدودها مع أوكرانيا لولا التزحيف العسكري للناتو على حدود روسيا ومحاولات إدخال أوكرانيا في الناتو. إن هذه المحاولة بحد ذاتها هي حرب. فروسيا بعد استعادة القرم وحماية الإقليمين المجاورين لها من أوكرانيا لا ترى مصلحة لها في حرب.

على ضوء هذه المعطيات وخاصة إعلان السلطة الأوكرانية أنها لا ترى أن روسيا مقبلة على حرب معها، هل يتم تفجير الحرب عبر تحريك أمريكي للنازيين الأوكران؟ وهل سيقود هذا إلى صراع داخل أوكرانيا دون رد كبير من روسيا على مناوشات النازيين؟ ولكن ألا يدرك النازيون أنهم يجرون بلادهم إلى صراع سيقود إلى تفكيكها؟

باستثناء الإخراج الهوليودي الأمريكي يتضح أن لا أحد معني بالحرب الشاملة.

ولأن كل شيء محتمل، وقد يصبح ممكنا وواقعا، لنفرض أن الحرب وقد فغرت فاها، ما هي المترتبات على ذلك؟

هل ستكون حرب إبادة حتى النهاية؟ كل شيىء وارد ولكن طريقة إدارة أمريكا للتناقض تقول غير ذلك بمعنى أنها حرب استباقية لإنهاك روسيا لأن الهدف الأكبر هي الصين ولكن لا بد من إرهاق روسيا كي لا تقف ، باي شكل إلى جانب الصين وخاصة بعد الاتفاقات الأخيرة بينهما سواء أمنيا أو نفطيا وغازياً مما يعوض روسيا عن خيانة أوروبية محتملة بالتوقف عن شراء الغاز الروسي أو اضطرارها لذلك بضغط أمريكي.

 بل إن أهم أهداف أمريكا من كل ما يجري هو استعادة احتوائها لأوروبا التي بدت من بعضها في السنوات الأخيرة محاولات التفلُّت من قبضة امريكا، لذا تُجدد فزاعة غزو روسي لأوكرانيا بل حتى لكل غرب أوروبا.

وسواء كانت الحرب شاملة أو محدودة فإنها لن تنتهي سريعا لا من حيث مدى الاشتباك ولا من حيث شدته.

وهذا يفتح على خسائر الأمم الفقيرة في المحيط بمعنى: أن وقفاً للنقل والتجارة سلاسل التوريد سوف يحصل سواء بسبب مخاطر الحرب وارتفاع الأسعار أو محاولة كل دولة منتجة الاحتفاظ بما لديها لشعبها، وهذا تقريبا ما حصل إثر كوفيد 19 حيث حاولت مختلف الدول إغلاق الباب على نفسها.

ماذا سيحصل مثلا للبلدان العربية وخاصة التي تعتمد غذائيا على الاستيراد عموما وهي بالطبع لا تنتج ولن تتمكن من العودة للإنتاج في وقت قصير؟

وماذا سيحصل لدويلات التصدير النفطي الخليجية الذي بالطبع سوف يتوقف؟ وربما تدور الحرب هناك في الخليج بين الطرفين؟

وكيف سوف تتصرف الدول الإفريقية التي تحولت مساحات واسعة منها إلى مزارع خصبة للشركات الغربية والخليجية؟ هل سيقتحم الناس المزارع رغم حراستها ليحصلوا على الغذاء؟

هل ستحصل بروفا فوضى عالمية؟

من جهة ثانية، من هو الطرف في الوطن العربي أو المنطقة الذي سيجد فرصته لاستغلال هذه الحرب؟

هل ستجرؤ تركيا على عدوان موسع ضد سوريا بإرهابيي الدين السياسي أو حتى بجيشها؟

هل سيقوم الكيان بالعدوان ضد لبنان، أو إيران أو لتهجير الضفة الغربية؟ هل من مصلحته دخول حرب كهذه بينما الغرب في حرب!

أم سوف يستغل محور المقاومة الموقف الانشغالي الغربي عن دعم الكيان وحمايته وخاصة إذا ما دارت هنا معركة طويلة وليس حرب الضربات الخاطفة؟ فالحرب الطويلة تشترط جسراً تسليحياً وتذخيراً جوياً أمريكيا للكيان؟.

وسواء كانت :

·       تلويح بالحرب

·       حرباً محدودة

·       أو حرباً شاملة

يتركز سؤالنا على مآل الوطن العربي، وهذا ما لا يمكن الإجابة عليه سلفاً، ولكن اختلال النظام العالمي ، وإن كان شديد الأذى على محيط هذا النظام، لكنه قد يفتح فرصاً لسقوط أو إسقاط الأنظمة العربية المعادية للأمة.

ملاحظتنا الأخيرة، يبدو على السطح صمت صهيوني عن الحرب، ولكن لا بد تحت السطح أن الكيان في جانب الإمبريالية، لكنه حريص على علاقته بروسيا، وهذا يعني أنه كلما اشتد الصراع وقارب الحرب او حصولها فإن الكيان سينحاز لصالح الغرب مما يُحرج روسيا.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.