الفصل العنصري: فلسطين المحتلة وجنوب أفريقيا … لماذا ينبغي التمييز؟ عادل سماره

مقدمة

نشرت منظمة العفو الدولة في الأول من فبراير 2022 تقريراً بعنوان نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين: نظامٌ قاسٍ يقوم على الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية، يوثق ممارسات الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين ويصفها ب”نظام يرقى إلى مستوى الفصل العنصري بموجب القانون الدولي”.[1]

تنطلق المنظمة من تعريفها ل “نظام الفصل العنصري” على أنه منظومة مُمأسسة للقمع والهيمنة تمارسها جماعة عرقية ضد أخرى وأنه انتهاك خطير لحقوق الإنسان يُحظّره القانون الدولي العام.

يبيّن هذا التقرير بالتفصيل كيف تفرض إسرائيل نظام اضطهاد وهيمنة على الشعب الفلسطيني أينما تملك السيطرة على حقوقه، وهذا يشمل الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، فضلاً عن اللاجئين النازحين في بلدان أخرى.

وفيما يلي نورد أهم ما جاء في هذا التقرير من ممارسات الكيان الصهيوني/اي كتابة منظمة العفو نفسها:

1) معاملة الفلسطينيين كمواطنين أقل درجة وكتهديد ديموغرافي، سواء كان الفلسطينيون يعيشون في غزة، أو القدس الشرقية، أو الخليل، أو “إسرائيل” نفسها،كجماعة عرقية دونية ويُحرمون من حقوقهم على نحو ممنهج. ويترسخ هذا التمييز العنصري في القوانين التي تؤثر في الفلسطينيين في كل أنحاء “إسرائيل” والأراضي الفلسطينية المحتلة. كما تبلور التمييز ضد الفلسطينيين عام 2018 في قانون دستوري كرّس للمرة الأولى “إسرائيل” كـ “دولة قومية لليهود” حصراً. ويعزز هذا القانون أيضاً بناء المستوطنات اليهودية ويُخفّض مكانة اللغة العربية كلغة رسمية.

2) أعمال القتل غير المشروعة … قمع لا يعرف حدودًا…عمليات الاستيلاء الهائلة على الأراضي والممتلكات الفلسطينية، حيث يشكل نزع الملكية من الفلسطينيين وتهجيرهم من منازلهم ركناً مهماً جداً في نظام الفصل العنصري الإسرائيلي منذ قيام دولة “إسرائيل”. ويوثّق التقرير كيف يُمنع الفلسطينيون فعلياً من الاستئجار في 80 بالمئة من أراضي دولة “إسرائيل”.

3) القيود الشديدة على حرية التنقل: حيث أقامن “إسرائيل” جداراً طوله 700 كيلومتر، ما برحت تعمل على تمديده، في المجتمعات الفلسطينية المحلية حيث يتعين على الفلسطينيين الحصول على تصاريح خاصة في أي وقت يدخلون فيه إلى منازلهم أو يغادرونها.

4) حصار غزة: حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني تحت حصار إسرائيلي معزولين فعلياً عن بقية العالم، ويستحيل عليهم السفر إلى الخارج أو إلى سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما خلق أزمة إنسانية كارثية.

5) حق العودة: في إشارة إلى حق العودة للاجئين الفلسطينيين والمنحدرين منهم، الذين هُجّروا في حَربَيْ 1947-1949 و1967، يشير التقرير إلى أن “إسرائيل” تحرمهم من حق العودة إلى أماكن إقامتهم السابقة. ويُعدّ إقصاء إسرائيل للاجئين انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي حيث ترك الملايين معلّقين في حالة تهجير قسري دائمة.

وفي تقريرها هذا، طالبت منظمة العفو الدولية وضع حد للممارسة الوحشية الإسرائيلية، ودعت المحكمة الجنائية الدولية إلى النظر في جريمة الفصل العنصري في سياق تحقيقاتها الحالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما ناشدت جميع الدول بممارسة الولاية القضائية الشاملة وتقديم مرتكبي جرائم الفصل العنصري إلى العدالة.

وفيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين، طالبت المنظمة “إسرائيل” منح جميع الفلسطينيين المقيمين فيها وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة حقوقاً متساوية بما يتماشى مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما أكدت أنه ينبغي عليها الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين والمنحدرين عنهم بالعودة إلى ديارهم التي كانت فيما مضى تعيش فيها عائلاتهم، وتقديم تعويضات كاملة إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية.

ملاحظة: غني عن القول، إن هذا التقرير على أهميته، قد جاء متأخراً عقوداً من الزمن لمنظمة تأسست عام 1961.

“كنعان”

■ ■ ■

الفصل العنصري الإسرائيلي في سياق اتفاقيات أوسلو: لماذا أوسلو ستان وليس بانتوستان

عادل سمارة، فلسطين المحتلة

نقدم فيما يلي ترجمة لأهم الملاحظات التي قدّمها الزميل عادل سماره بالإنكليزية لمؤتمر حق العودة للفلسطينيين الذي عُقد بتاريخ  20-22 حزيران / يونيو 2003 في تورنتو، كندا، تحت عنوان:

The Israeli Apartheid in the Context of Oslo accords: Why it is Oslo-Stan and not Bantustan

ويستطيع القارئ أن يطالع النص الأصلي في موقع “كنعان” على الرابط التالي:

■ ■ ■

لقد تم إجراء العديد من المقارنات بين الاستعمار الهولندي ولاحقًا الإنجليزي في جنوب إفريقيا، من جهة، واستعمار المستوطنين اليهود الصهاينة لفلسطين، من جهة أخرى. وفي هذا الصدد توفر اتفاقيات أوسلو (واسمها الحقيقي إعلان مبادىء – أي أقل من اتفاق) مادة جيدة للمقارنة بين الحالتين، خاصة أن هذه الاتفاقية لم تتضمن سيادة حقيقية للضفة الغربية وقطاع غزة.

لا شك أن هناك بعض أوجه الشبه بين الحالتين (فلسطين المحتلة وجنوب أفريقيا) لأن كلتيهما مشروع استيطاني وعنصري أبيض. غير أن أولئك الذين يحاولون فرض التماثل بين مناطق الحكم الذاتي الفلسطينية (حسب منطقة اتفاق أوسلو أ) والبانتوستان في جنوب إفريقيا، فإنهم يدخلون في مغامرة محفوفة بالمخاطر إذ يتجاهلون جوهر القضية الفلسطينية: اللاجئون الفلسطينيون وحقهم في العودة إلى وطنهم.

وبصرف النظر عن بعض أوجه التشابه بين البانتوستان وأوسلوستان والتي تشمل الاحتلال والعنصرية والاستيطان الأبيض والفصل العنصري، فإن هناك العديد من الفوارق، نذكر أهمها فيما يلي:

أولاً: ففي حين احتل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا الأراضي الخصبة والمناجم ومصادر الثروة الأخرى، فإنه لم يطرد السود الأفارقة خارج جنوب إفريقيا ليصبحوا لاجئين. فلا يزال أولئك الذين فقدوا الأرض هناك، يعيشون في مناطق أخرى في جنوب إفريقيا نفسها، في البانتوستانات. أما في الحالة الفلسطينية، فإن غالبية الشعب الفلسطيني تعيش في الشتات منذ عام 1948.

ثانيًا: تعود أسباب قضية فلسطين واللاجئين الفلسطينيين إلى أيّار 1948 عندما شرّد المستوطنون الصهاينة اليهود غالبية الشعب الفلسطيني من أراضيهم ومنازلهم. وعليه، فإن الحل العادل ينبغي أن ينطلق من نقطة الانطلاق هذه. أما اعتبار أن الحل يبدأ من احتلال 1967 (أي حل اتفاقيات أوسلو) فهو، في الحقيقة، توجه نحو تصفية القضية الفلسطينية.

ثالثًا: لقد استغل الاستعمار الاستيطاني الأبيض في جنوب إفريقيا، والذي لم يطرد السود من أراضيهم، أعداداً كبيرة من العمالة الرخيصة التي استغلوها إلى أقصى حد، والتي ولدت فوائض ضخمة مكنت نظام الفصل العنصري من تحقيق التراكم البدائي، وأن تصبح جنوب إفريقيا دولة رأسمالية متطورة. على خلاف ذلك، مارس الكيان الصهيوني الأشكنازي تاريخيًا التمييز ضد العمال والمزارعين العرب وأصر على توظيف العمالة العبرية، أي أنه كان أكثر عنصرية من نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

رابعًا: بينما توقف نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عن استيراد المهاجرين لأسباب سياسية وأيديولوجية، نرى أن الكيان الصهيوني الأشكنازي استمر، ولا يزال، في استيراد المهاجرين اليهود الجدد. بعبارة أخرى، إن االكيان الصهيوني الأشكنازي دولة استعمارية استيطانية في حالة توسع دائم، ومستمرة في تسعير الصراع.

خامساً: بما أن المستوطنين البيض في جنوب إفريقيا لم يُفرّغوا البلاد من مواطنيها السود، فقد ظهرت “تشكيلة اجتماعية جنوب أفريقية مشتركة”، على الرغم من أن هذه التشكيلة منقسمة إلى طبقة بيضاء عليا وطبقة سوداء دنيا. بالطبع كانت هناك طبقة سوداء من البرجوازية الصغيرة تتوسط هاتين الطبقتين، وقد تنامت هذه الطبقة تدريجياً لتصبح بيروقراطية وتكنوقراطية سوداء تتقاسم السلطة مع الطبقة الرأسمالية البيضاء.

غير أن النقطة المهمة هنا هي أن الدولة في جنوب إفريقيا كان لديها نظام اقتصادي واحد حيث تسيطر تشكيلة اجتماعية جديدة على نمط إنتاج رأسمالي يتمفصل مع عدة أنماط ثانوية للإنتاج، مثل إنتاج السلع الصغيرة أو أنماط إنتاج لارأسمالية.

لكن الحالة الفلسطينية أكثر وضوحا: حيث قام المستوطنون الصهاينة بتفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني منذ عام 1948. وبناءً عليه، لم تكن هناك فرصة لبلورة “تشكيلة اجتماعية عربية – يهودية مشتركة” ولم تُتح للفلسطينيين فرصة إنشاء نظام اجتماعي اقتصادي لأنهم لا يملكون الأرض.

سادساً: تمثّل الحالة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، من جهة، والكيان الصهيوني الأشكنازي من جهة ثانية، حالة تشكيلتين اجتماعيتين منفصلتين واقتصادين منفصلين. هذه الحقيقة لا  تتمفصل على قدم المساواة، ولا يمكن تجاوزها لأن اقتصاد الضفة الغربية وقطاع غزة خاضع للاقتصاد الاستيطاني الاستعماري. ففي هذا الشكل من العلاقات، أوجد نظام الكيان الصهيوني الأشكنازي أسوأ ظروف معيشية لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف تشريد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين واستبدالهم بالمستوطنين الاستعماريين المتطرفين. في هذا الصدد نجد أن الحالة الصهيونية في فلسطين تختلف عن حالة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

سابعاً: يبدو أن ظاهرة البانتوستان أكثر قابلية للتطبيق في حالة فلسطينيي الاحتلال الأول عام 1948: أولئك الذين استمروا في العيش داخل الكيان الصهيوني الأشكنازي نفسه. إنهم جزء من نفس التشكيلة الاجتماعية والنظام الاقتصادي والسياسي. ولكن من الواضح أنهم يعانون من تمييز إسرائيلي صارخ حيث يعيش معظم هؤلاء الفلسطينيين في مدنهم وقراهم، بينما صادر المستوطنون اليهود أراضيهم. ويعمل البعض منهم لدى المستوطنين اليهود لقاء أجر في زراعة أرضهم أو أراضي أقاربهم. بالإضافة إلى ذلك، فإنهم يعانون من التمييز في جميع مجالات الحياة، الاجتماعية والصحية والتعليمية.

ثامناً: واحد من أوجه الشبه بين حالة الفلسطينيين في الضفة الغربية والمستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية من جهة، والبانتوستان في جنوب إفريقيا من جهة أخرى، أن الفلسطينيين يمثلون الأغلبية مثل السود الأصليين في جنوب إفريقيا، بينما يمثل اليهود الأقليةكمستوطنين بيض. ومع ذلك، يواصل الكيان الصهيوني الأشكنازي سعيه غير المحدود لزيادة عدد هؤلاء المستوطنين اليهود من خلال تسريع بناء المستوطنات وإرغام الفلسطينيين على الرحيل بشتى الوسائل.

تاسعًا: في حين أن كل نظام استعماري استيطاني أبيض (الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، بما في ذلك السابق في جنوب إفريقيا) له حاضرته الخاصة metropolis ، فإن حاضرة الكيان الصهيوني الأشكنازي هي أكبر الحواضر، ألا وهي المركز الرأسمالي العالمي برمته، وهو ما جعل انتقاد الكيان الصهيوني، بما فيه إرهابه، مهمة صعبة، وهو أمر تمّ الإجماع عليه في هذا المركز.

عاشراً: خلال أشد حملة عالمية ضد الفصل العنصري في نظام جنوب أفريقيا الأبيض السابق، كان الكيان الصهيوني الأشكنازي وتايوان الدولتين الوحيدتين اللتين حافظتا على علاقات دبلوماسية مع البانتوستانات في جنوب إفريقيا، أي مع بوتسوانا.

بناءً على ما تقدمنا به، فإذا قبلنا الادعاء بأن حالة الضفة الغربية وقطاع غزة هي مجرد حالة فصل عنصري، فإننا في الواقع نقع في خطيئتين خطرتين:

  • تجاهل جوهر الصراع العربي -الصهيوني، ألا وهو حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
  • تجاهل معاناة فلسطينيي الداخل (فلسطيني الاحتلال الصهيوني الأول لفلسطين عام 1948) الذين يعيشون تحت حكم الفصل العنصري الحقيقي ويواجهون السياسات الإرهابية لنظام الكيان الصهيوني الأشكنازي.

[1]يستطيع القارئ مطالعة التقرير في موقع منظمة العفو الدولية على الرابط التالي:

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.