صفحات من كفاح الحركة العمالية العربية في فلسطين:

قراءة من كتاب: “الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة من خلال أوراق خوري البلد سمعان نصار (1930-1948)، دراسة وتحقيق: خالد عوض

مرت الحركة العمالية العربية في فلسطين بعد تأسيس جمعية العمال العربية الفلسطينية في 3/1925 /21وحتى نهاية الانتداب البريطاني في  15/ 5/ 1948 بمراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: مرحلة البناء والتثقيف من 1925 – 1935.

المرحلة الثانية: مرحلة الأضراب العام والثورة الكبرى من 1936 -1939.

المرحلة الثالثة: مرحلة الوثبة العمالية وانتصاراتها من 1940 – 1948. (*)

تزامن ميلاد الحركة النقابية الفلسطينية بخصوصية واقع الصراع بين المشروع القومي التحرري الفلسطيني والمشروع الصهيوني الذي سعى لتكريس أدواته الاقتصادية والسياسة العسكرية، بما في ذلك تأسيس الاتحاد العام للعمال اليهود (الهستدروت) عام 1920، والتي لم تطلع بدورها النقابي العمالي، بل استمرت في ترسيخ ركائز المشروع السياسي الصهيوني وإتباع سياسة عنصرية إزاء العمال الفلسطينيين العرب. وقد استفادت الحركة النقابية الفلسطينية من قانون الجمعيات العثماني الذي كان معمولاً به، والذي يسمح لثمانية أشخاص فأكثر أن يؤلفوا فيما بينهم جمعية لرعاية مصالح الأعضاء المنتسبين إليها ورفع مستواهم مادياً وثقافياً واجتماعياً. وكان القانون يشترط أن ينص دستور الجمعية على ألا تتدخل في الشؤون السياسية والدينية. (*) ومن حيفا انطلقت أولى النقابات العمالية، لتنتشر فيما بعد في مختلف المناطق الفلسطينية لا سيما في يافا والناصرة، وغيرها من المدن.

واعتبرت “جمعية العمال العربية الفلسطينية “من أبرز النقابات التي ظهرت في فلسطين قبل عام 1948م. حيث تأُسست نواتها الأولى كحركة خيرية في سنة 1920 م، من عمال سكك الحديد في حيفا، لجمع التبرعات لمساعدة المرضى من العمال وعائلات المتوفين من زملائهم. وكان المبادر إليها عبد الحميد حيمور، وهو من أصل سوري. وفي عام 1924 م رأت تلك الجماعة أن تفتح نادياً خيرياً باسم “النادي الخيري لعمال سكك الحديد”. وفي 21/3/1925م قدمت طلباً إلى الحكومة لتسجيل النادي بشكل رسمي. وتطورت هذه الفكرة إلى فكرة تأسيس جمعية عامة للعمال في السكة الحديدية وخارجها. وبتاريخ التاسع من ايار عام 1925م قُدم إلى الحكومة طلب تسجيل جمعية باسم “جمعية العمال العربية الفلسطينية”، وفي الثامن من اب عام 1925 م أبلغت الحكومة أصحاب الطلب أن جمعيتهم قد سجلت رسمياً.

ونص قانون الجمعية على أن مركزها هو مدينة حيفا، ويجوز أن تنشئ لها فروعاً في فلسطين، وعلى أن الغرض من إنشائها هو:

أ- إيجاد مركز رئيسي ترتبط به جميع فروع الجمعية في فلسطين

ب – تنظيم حركة العمال. والدفاع عن مصالحهم.

جـ – السعي لإيجاد تشريع خاص لحماية العامل إزاء أصحاب رؤوس الأموال والمصالح وأرباب العمل بتحديد ساعات العمل وتقدير الأجور، بشرط أن تكون كل أعمالها ضمن دائرة القانون والنظام، وألا تتناول الأمور السياسية أو الدينية.

د – منح القانون حق العضوية في الجمعية كل عامل خضع لقانونها، بشرط ألا يكون يهودياً.

وحدد الهيكل الإداري العام للجمعية على ثلاثة مستويات:

1- مؤتمر النقابات: هو السلطة التشريعية والتنظيمية العليا.

2- المجلس الأعلى: يتكون من ممثلي النقابات والفروع. وهو يتولى الإعداد للمؤتمر.

3- مكتب الإدارة: يتولى تصريف الأمور وتنفيذ القرارات يومياً. افتتحت الجمعية فروعاً لها في أنحاء فلسطين، وكانت في البداية عشرة فروع، ثم أصبحت ٤٦ فرعاً، حضر ممثلون عنهم مؤتمر الجمعية الثاني.

عقدت الجمعية ثلاث مؤتمرات، كان الأول في حيفا في كانون الاول عام 1930 م، وحضره واحد وستون مندوباً يمثلون 3020 عاملاً في تسعة فروع هي: حيفا ويافا ونابلس واللد وعكا وشفا عمرو والناصرة ولفتا. وانصب البحث في المؤتمر على وضع أسس لشروط استخدام العمال التي يجب المطالبة بها في كل مكان من فلسطين، وتعرض هذا المؤتمر لحركة شغب منظمة من الحركة العمالية الصهيونية (الهستدروت ).

اتخذ العمال في المؤتمر، ثلاثين قراراً عاماً، وقرابة ثلاثين قراراً خاصاً بعمال سكك الحديد، وقد تناول بعض هذه القرارات شروط استخدام العمال، وعالج بعضها الآخر نواحي أخرى عامة مهنية وسياسية. ومن أهم هذه القرارات:

1- استنكار الهجرة الصهيونية إلى فلسطين.

2- اصدار جريدة باسم “العامل العربي”. وقد صدر العدد الأول منها في 1930/5/4، ولكنه أتلف في المطبعة، وتقرر الغاء الفكرة؛ خوفاً من مقاومة الحكومة للجمعية؛ بسبب شائعات عن علاقة الجريدة بموسكو، في وقت كانت فيه حكومة الانتداب البريطانية تحارب النشاط الشيوعي .

3- تأسيس صناديق توفير للعمال: وقد استمرت هذه الصناديق في العمل ست سنوات معتمدة على إيداعات العمال أنفسهم، وتوقفت عام 1936 م مع بدء الاضراب العام في فلسطين الذي دام ستة أشهر، بسبب حاجة العمال للإيداعات التي أودعوها في الصناديق المذكورة .وعقدت الجمعية مؤتمرها الثاني في شهر اب عام 1946 م في حيفا . وشهد هذا المؤتمر تطوراً فكرياً وسياسياً في بناء الجمعية وأهدافها. افتتح المؤتمر أمين السر سامي طه وترأسه عبد الحميد حيمور، وضم ممثلين عن42 فرعاً ونقابة بلغ عددهم خمسين عضواً وثلاثة وخمسين عضواً مراقباً.

عقد المؤتمر الثالث والاخير في شهر آب من عام 1947 م، وضم زهاء 120 نقابياً يمثلون قرابة 120 ألف عامل، شارك في الانتخاب المنظم منهم نحو 80 ألف عامل، موزعين على ما يقارب 65 فرعاً. وعقد في جو سياسي عاصف على الصعيدين الفلسطيني والدولي. وطرح فيه العديد من المواضيع، ومنها ثلاثة مشاريع لإنقاذ الأراضي الفلسطينية من الاستيطان، الصهيوني، والنهوض بالفلاح الفلسطيني. ووافق المؤتمرون على هذه المشاريع الثلاثة وهي:

1- مشروع موسى العلمي المقدم إلى جامعة الدول العربية لرفع مستوى الفلاح الفلسطيني.

2- مشروع جامعة الدول العربية لفتح صندوق تساهم فيه الدول العربية، ويخصص ما يجمع له لشراء الأراضي الفلسطينية لئلا تباع لليهود.

3- مشروع صندوق الأمة المطروح من الهيئة العربية العليا، ينص على أن يكون البيع والشراء بإشراف الهيئة العربية العليا فقط.

واتخذ المشاركون في المؤتمر قرارات اخرى حدد فيها موقف الحركة العمالية من قضية فلسطين والمناقشات الجارية آنذاك في هيئة الأمم المتحدة حول قرار تقسيم فلسطين، وفي هذا الشأن نتج ما يلي:

أولا: رفض مبدأ مشروع تقسيم فلسطين.

ثانياً: إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية.

ثالثاً: اعتبار اليهود العرب الذي كانوا يقطنون فلسطين قبل العام 1918م، ومن تناسل منهم، مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات.

رابعاً: إجلاء كل من دخل إلى فلسطين دون رغبة أهلها. (*)

قامت جمعية العمال العربية الفلسطينية بنشاط نقابي واسع للدفاع عن حقوق العمال، تمثل في سلسلة من الإضرابات في الأعوام 1927، 1933، و1935. واستطاعت الجمعية أن تحقق مجموعة من الانجازات النقابية للعمال، أبرزها:

– 1- زيادة أجور العمل

2- تنظيم الإجازات المرضية والدينية وإجازات الأعياد، وكان بعضها بأجور كاملة وبعضها بنصف أجر.

3- جعل يوم العمل ثماني ساعات في جميع الشركات الكبرى، وتسع ساعات في الميناء التابع للحكومة.

4- قامت الجمعية بنشاط كبير بإضراب 1936، فأسست لجاناً تولت تنظيم الجماهير وتقديم الاعانات والرد على الدعايات المضادة، وكان سامي طه يمثل الجمعية في “اللجنة القومية العربية العليا” في القدس، في حين كان بعض أعضاء الجمعية يمثلونها في اللجان القومية العربية الفرعية في المدن.

عاشت الحركة النقابية مرحلة ضعف عام إثر اندلاع الإضراب عام 1936 حتى عام 1939، ثم عادت الحياة من جديد في مكاتب جمعية العمال العربية الفلسطينية، وتألفت نقابات جديدة انضمت إلى مجموعة النقابات السابقة، منها:

نقابة عمال معسكرات الجيش البريطاني، ونقابة عمال البرق والبريد والهاتف، ونقابة عمال دوائر الأشغال العامة، ونقابة عمال شركة “سبني” التجارية البريطانية، ونقابة عمال شركة تكرير البترول.

ونظمت الجمعية في هذه المرحلة سلسلة من الاضرابات الشاملة أبرزها:

1- الإضراب من أجل مساواة الأجور بين العمال العرب واليهود. وهي سلسلة إضرابات عمالية على امتداد عامي 1942 و1943. وقد نجحت في تحقيق أهدافها.

2- الإضراب العمالي العام الذي أعلنته الحركة العمالية الفلسطينية في 1946/4/10 ، ودام عشرة ايام ، احتجاجاً على رفض رئيس دائرة البريد والبرق والهاتف البريطاني في يافا الاعتراف بجمعية العمال العربية الفلسطينية ممثلة للعمال، وقد تعطلت نتيجة هذا الإضراب وسائل المواصلات، والدوائر الحكومية، والمؤسسات الرسمية.

3- إضراب عمال محاجر الصادق على شركة “سوليل بونيه” الصهيونية وتميز هذا الإضراب باعتصام العمال وتهيئة عناصر مسلحة للدفاع عنهم.

4- استطاعت الجمعية أن تمنع الهستدروت من تنظيم اضراب لعمال معسكرات الجيش البريطاني في نيسان عام 1943 ؛ حتى لا يُمكًّنه ذلك من إثبات ادعائه بأنه الممثل الشرعي للطبقة العاملة في فلسطين.

5- نجحت الجمعية في الوصول إلى المجال الدولي، فشاركت لأول مرة في مؤتمر النقابات الدولي بلندن الذي عقد في الفترة بين السادس والثاني والعشرون من شباط 1945. وترأس وفد الجمعية إلى المؤتمر سامي طه يرافقه المستشار القانوني حنا عصفور. وبذل جهده في تفنيد فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين، وفي تفنيد حجج ممثل الهستدروت الذي حاول التكلم باسم عمال فلسطين العرب واليهود. كما شاركت الجمعية للمرة الثانية في مؤتمر النقابات الدولي الذي عقد في باريس في شهر أيلول 1945، ومثلها فيه سامي طه وحنا عصفور. (*)

بعد نكبة عام ثمانية وأربعين تحطمت الحركة النقابية، ولم يبق من فروع جمعية العمال العربية الفلسطينية إلا مجلس النقابات في نابلس؛ وكان من أبرز أعضائه: حسني صالح الخفش، الذي حاول مع زملائه الإبقاء على راية الحركة النقابية، ودعوا جميع النقابيين الفلسطينيين أينما وجدوا إلى الحضور إلى مقر مجلس النقابات في نابلس لعقد مؤتمر يكون بمنزلة مجلس أعلى لجمعية العمال العربية الفلسطينية. وقد لبى هذه الدعوة عشرون نقابياً بالإضافة إلى نقابيي نابلس، واتخذوا قرارات

منها:

1 -اعتبار مدينة نابلس المركز الرئيسي المؤقت للحركة العمالية بدلاً من حيفا.

2- انتخاب حسني صالح الخفش أميناً عاماً بالوكالة.

3- العمل على تنظيم العمال في مدن الضفة الغربية والضفة الشرقية للأردن.

فتحت الجمعية على أثر ذلك فروعًا لها في رام الله وبيت لحم وعمان. وحضر الدكتور عم الخليل اجتماعاً للمجلس الأعلى في أريحا؛ ولكنه لم يمارس مهماته بسبب وضعه الصحي ووفاته السريعة بعد ذلك. وفي عام 1952 قررت الحكومة الأردنية إقفال جميع فروع جمعية العمال العربية الفلسطينية ومصادرة أموالها وممتلكاتها. وانتهت بذلك أبرز تجربة عمالية فلسطينية.

:::::

من صفحة خالد عوض على الفيس بوك

Khaled Awad

https://www.facebook.com/100073562701388/posts/146661521129271/?sfnsn=mo

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.