مصير شعب أوكرانيا بيد تُجّار الحُرُوب والفِتَن، الطاهر المعز

 لما استهدف الكيان الصهيوني حاويات السّلع بميناء اللاذقية السُّوري، مَرّتَيْن خلال أقل من أربعة أسابيع (كانون الأول/ديسمبر 2021)، لم يجتمع مجلس الأمن ولم تُنَدّد حكومات ووسائل إعلام دول حلف شمال الأطلسي بمثل هذا العدوان الذي يتكرر باستمرار، في وسط وغرب سوريا وفي محيط العاصمة دمشق، بل تدعم الولايات المتحدة وبعض حكومات أوروبا علنًا هذه العَرْبَدَة وهذا العدوان المستمر، بذريعة دفاع الكيان الصهيوني عن النّفس، ويتجَنّدُ الإعلام لإعادة نَشْر تقارير الإستخبارات الأمريكية عن هجوم مُحتمل، لم يحْصُل بَعْدُ، للجيش الروسي ضد أوكرانيا، وتُعَدُّ هذه الفقرات، التي تستند إلى برقيات وكالات الأخبار، محاولة لتحديد أهم المستفيدين من هذا التّجْيِيش، ضد روسيا والصين…  

أكدت فنلندا، في 11 شباط/فبراير 2022 ، شراء 64 طائرة مقاتلة من طراز F-35 من صنع شركة لوكهيد مارتن العابرة للقارات، ذات المنْشَأ الأمريكي، والمتخصصة في صناعة الأسلحة، وبلغت قيمة الصفقة الفنلندية 9,4 مليارات دولار، ويتزامن الإعلان عن شراء هذه الطائرات مع التوترات بين روسيا والولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، ولئن لم تكن فنلندا ، التي تشترك في حدود 1300 كيلومتر مع روسيا، عضوًا رسميا مُعلَنًا في الناتو، فهي “شريك متميز” لحلف شمال الأطلسي. كما أعلنت بولندا، جارة أوكرانيا، يوم الجمعة 18شباط/فبراير 2022، عن توقيع عقد لشراء دبابات أمريكية من نوع “أبرامز” بمبلغ ستة مليارات دولار، وتشمل الصّفقة أيضًا شراء 26 دبابة إصلاح وصيانة، ومئات من الآليات الثقيلة، ومدافع، وعتاد وألغام، وعبوات ناسفة وآلاف الذخائر والمعدات الأخرى، بحسب وكالة فرانس برس (18/02/2022).

 في آسيا، وفي علاقة مباشرة بالتوترات الأمريكية الصينية، وقعت إندونيسيا عقدًا مع شركة “داسو للطيران” (فرنسا) لشراء ست مقاتلات رافال، كجزء من صفقة أكبر، بقيمة ثمانية مليارات دولار لشراء 42 طائرة، كما أعلنت الولايات المتحدة موافقتها على صفقة لبيع 36 طائرة إف -35 لإندونيسيا بمبلغ 14 مليار دولار، وفي نفس اليوم عقد في العاصمة جاكرتا اجتماع الجانب المالي لمجموعة العشرين، حيث أعلن الرئيس الإندونيسي، “جوكو ويدودو”،  في خطابه الافتتاحي “إن الصراع في أوكرانيا قد يهدد انتعاش الاقتصاد العالمي”، ودعا دول مجموعة العشرين، بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة والصين، إلى إنهاء الخصومات والتوترات، والعمل معًا للمساعدة في التعافي الاقتصادي.

بين العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2021 – وهو التاريخ الذي طلبت فيه واشنطن تفسيرات من روسيا بشأن “تحركات غير عادية” للقوات الروسية على الحدود الأوكرانية – ويوم الجمعة 18 شباط/فبراير 2022، انخفضت المؤشرات الرئيسية للبورصة، ففي الولايات المتحدة، خسر موشر إس أند بي 500، نحو 7,2 % وداو جونز 6,2%، كما انخفض مؤشر نيكاي 225 (اليابان) بنسبة 7,4% ، وانخفض مؤشر كاك 40 (فرنسا) بنسبة 1,6%…

خلافًا لهذا التدهور شبه الشّامل للأسواق، التي تأثرت أيضًا بموجة متغير “أوميكرون” لوباء كوفيد-19، بدَتِ الشركات المتخصصة في صناعة وبيع الأسلحة في حالة جيدة، حيث ارتفعت قيمة أسهم شركة لوكهيد مارتن يوم الجمعة 02/18/2022 بنسبة 14,3% مقارنة مع يوم العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وبلغت الزيادة نسبة 6,4% في جنرال دايناميكس، و 4,8% في BAE Systems ، في حين ارتفعت أسهم شركة “داسو للطيران” الفرنسية بنسبة 20,4%، وقياسًا على ذلك، ارتفعت مؤشرات الشركات الأمريكية الأخرى، بقطاع الأسلحة، مثل “رايثون تكنولوجيز” بنسبة 3,5% أو “نورثروب غرومن”، بنسبة 7,3%…

 تسمح بيئة التهديد بالصراع، بتبرير وزيادة الضغوطات الامريكية على أعضاء حلف الناتو لزيادة الإنفاق العسكري، حتى في حالة عدم وجود غزو روسي، وتُتِيح بذلك انتعاش سوق الأسلحة، وتعزيز الهيمنة الأمريكية، ما يعود بالفائدة على شركات الأسلحة الكبيرة، الأمريكية خصوصًا، وبعض الشركات الأوروبية (منها شركات بريطانية)، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، يوم الخميس 17/02/2022، عن محللين في مصرف بيرينبرغ الألماني.

قدّرت دراسة “آفاق صناعة الطيران والفضاء 2022″ التي أجرتها شركة ” ديلويت”، قيمة الإنفاق العسكري العالمي بنحو 1980 مليار دولار سنة 2020، استنادًا إلى أحدث البيانات التي نشرها المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم، ومن المتوقع أن تزيد هذه النفقات بنحو 2,5% سنة 2022، وبالتالي زيادة أرباح أسلحة شركات تجارة القتل، العابرة للقارّات.

 بعد إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، مساء الاثنين (21/2/2022) ، الإعتراف بالمناطق ذات الأغلبية الروسيية، التي أعلنت انفصالها عن أوكرانيا، وإرسال قوات إلى هذه المناطق التي استهدفت للقصف الأوكراني، نددت حكومات دول الحلف الأطلسي، ومن يدعمها، بالقرار الروسي، وأعلنوا بصوت واحد وبشكل مُتَزامِن، فرض عقوبات، في حين اجتمع مجلس الأمن الدولي بشكل عاجل خلال الليل، لدراسة الوضع (وهو ما يحصل بعد الإعتداءات الصهيونية المتكررة)، وفي الحين، تراجعت الأسواق المالية الآسيوية خلال الليل من يوم الاثنين 21 إلى الثلاثاء 22/02/2022. في اليوم التالي (الثلاثاء 22/02/2022)، كانت أسواق الأسْهُم الأوروبية “في المنطقة الحمراء”، منذ الإفتتاح، بعد انخفاضات أسواق آسيا خلال الليل، وكانت المؤشرات الرئيسية في أوروبا في حالة تراجع منذ أيام، بسبب خطر نشوب صراع في أوكرانيا، وتراوح خسائر البورصات الأوروبية بين 1% و 2,1%، خلال الحصّة الصباحية ليوم الثلاثاء 22 شباط/فبراير 2022…

في ألمانيا، حيث توجد أهم القواعد العسكرية الأمريكية بأوروبا، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتز، الثلاثاء 22/02/2020 تعليق ترخيص خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 الذي يربط روسيا بألمانيا، كما أدت التوترات حول أوكرانيا إلى ارتفاع أسعار الطاقة، فارتفع سعر النفط، صباح الثلاثاء 22/02/2022، بأكثر من 2%، وأصبح يقترب من 100 دولار لبرميل خام برنت، كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي بنسبة 8,9%، ما يُؤثِّرُ سلْبًا في ميزانية الأُسَر الأوروبية، وعمومًا تؤثر هذه الزيادات في أسعار النفط والغاز على أوروبا، ولكن تأثيرها ضعيف على الولايات المتحدة، التي تنتج ما يكفيها من الغاز، بل تُصدّر منه إلى آسيا وأوروبا، ولا تستغل الولايات المتحدة كافة حقول النفط الموجودة بأراضيها…

في بداية جلسة “وول ستريت” صباح الثلاثاء (22/02/2022) ، كانت المؤشرات سلبية، مع خسائر تجاوزت 2% لمؤشر ناسداك.

تُظْهِرُ البيانات السّابقة (وهي غَيْضٌ من فَيْضٍ) أن الولايات المتحدة، التي بلغت ديونها ثلاثين تريليون دولارا ( لن تُسَدِّدَها)، هي الإمبريالية المُهَيْمِنَة، بسبب قوتها العسكرية، وانتشارها في ثمانمائة قاعدة عسكرية، وارتفاع ميزانيتها الحربية المُعلنة، سنة 2022 إلى حوالي 753 مليار دولارا، على حساب قطاعات أخرى، وإنها دولة تُقدّم مصالح مُجمّع الصناعات العسكرية على مصلحة القطاعات الأخرى، وعلى مصلحة الحُلفاء من حلف شمال الأطلسي أو من خارجه، وإن الولايات المتحدة تفتعل استمرار التّوتّرات مع المنافسين (الصين وروسيا) وتضغط على الدّول التي لم تستطع الهيمنة عليها بصفة كُلِّية، وتحتل دُولاً أخرى، أقل قُوّةً وتسليحًا، وذلك كشكل من أشكال مراقبة العالم، وحل المشاكل والأزَمات الإقتصادية والإجتماعية الأمريكية (الدّاخلية) بافتعال التوتر وبشن الحُرُوب بشكل مُستمر، فيما يلعب الإعلام دَوْرَ الدّاعية لحث العاملين والفُقراء على دعم الرأسمالية الأمريكية المُعَوْلَمَة، بذريعة الدّفاع عن مصالح الأُمّة وبذريعة الدّفاع عن الحُرّيات والدّيمقراطية، وما إلى ذلك من المُغالطات…

قدّرت مجلة “جاكوبين” الأمريكية (آب/أغسطس 2021) حصة الولايات المتحدة بنسبة 37% من تجارة الأسلحة بالعالم، حيث بلغت قيمة عُقود بيع السلاح الأمريكي إلى الخارج، خلال السنة المالية 2020، أكثر من 175 مليار دولار، واشترت السعودية نحو رُبُع هذه الأسلحة، فيما بلغ نصيب الكيان الصهيوني أكثر من 440 مليون دولارا، سنة 2020 و 735 مليون دولارا، سنة 2021، فضلاً عن المنحة العسكرية المَجانية السنوية بقيمة 3,8 مليار دولارا، ويُعتَبَرُ الجيش الأمريكي من أكبر المُساهمين في تلوث المُحيط، بسبب استخدام الغازات السامة، خلال الحُروب العدوانية، والقضاء على النباتات والغابات، وهو أكبر مستهلك صناعي للنفط والغاز (الطائرات والبوارج الحربية والدبابات وتعدّد المناورات العسكرية…)، بين سنتَيْ 2001 و 2019، بحسب تقرير نشرته جامعة “براون”…  

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.