بعض القليل (مش كثير قليل! ) عن روسيا من الداخل، تحديدا عن ليبرالييها، كفى الزعبي

لمن يجد وقتا للقراءة ويود الإطّلاع!

لعل السقف العالي جدا لحرية الكلمة في روسيا، يثير استغراب غير المطلع على الواقع الروسي في الداخل، فالمسافة التي تفصل بين ما يُشاع عن دكتاتورية السلطة وبين المشهد الحقيقي شاسعة للغاية. حرية بالغة تتمتع بها جميع وسائل الإعلام، كما يتمتع بها حقل الثقافة والفن. في روسيا هناك مئات المحطات التلفزيونية والإذاعية، ومئات الجرائد والمجلات، فضلا عن قنوات اليوتيوب والتلغرام، التي انتشرت على نطاق واسع في السنوات الأخيرة. وفي حال توفرت لدى شخص ما الرغبة في دراسة الموضوع، فسرعان ما سيجد نفسه أمام خطابات متناقضة في هذه الوسائل، بدءا من معارضة متطرفة لبوتين وللسلطة وانتهاء بولاء متطرف أيضا، بل من الممكن أحيانا للمرء أن يسمع هذين الخطابين المتناقضين في المحطة ذاتها أو في الجريدة ذاتها، مع الإشارة إلى أن ذلك يحدث حصرا في المحطات والقنوات والجرائد الحكومية. أما وسائل الإعلام المعارضة الخاصة، فهي تتمسك بخطاب ونهج واحد فقط، لا تحيد عنه.

الأمر المثير للانتباه هنا هي المحطات الإذاعية والتلفزيونية، التي تعارض الدولة بشكل متطرف، على الرغم من كونها حكومية وممولة تماما من الدولة، كإذاعة “صدى موسكو” واسعة الانتشار، على سبيل المثال لا الحصر، التي يترأسها يهودي صهيوني.

من المعروف أن الليبراليين الروس، ونسبة كبيرة منهم ذات أصول يهودية، سيطروا على جميع وسائل الإعلام منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. صحيح إن كثيرا من المحطات عدّل توجهاته، وغير لغة خطابه، بيد أن ثمة محطات حكومية بقيت في أيدي ليبراليين، ولم تحافظ هذه المحطات على خطها السابق وحسب، بل رفعت سقف معارضتها إلى الحد الأقصى، وأصبحت تقدم خطابها المعارض بلغة متشنجة للغاية: ضد بوتين والسلطة بعمومها كما وضد كل من يؤيد هذه السلطة ( أي ما يقارب ال 75% من الشعب الروسي). خطاب يمكن وصفه ببساطة بالمعادي لروسيا كدولة. وإذا كان المجتمع الروسي قد انساق في التسعينيات لهذا الخطاب وأيده، فقد أخذ شيئا فشيئا يدرك ماهية هذه اللغة وبات من الواضح له أن هذه المحطات لا تعادي السلطة بقدر ما تعادي روسيا ذاتها. بالمحصلة بدأ هذا الخطاب يثير حفيظة غالبية الروس، سواء كانوا من العامة أو من نخبهم الثقافية الوطنية. مما يثير الانتباه أيضا أن الأصوات في السنوات الأخيرة – تحديدا منذ عام 2014 ، تاريخ ضم شبه جزيرة القرم لروسيا – قد بدأت تعلو متسائلة بدهشة: لماذا تموّل الحكومة هذا السم؟ أندفع من جيوبنا ضرائبا كي نسمع في عقر دارنا خطابا معاديا لنا ولوطننا، يوالي الغرب أكثر من الغرب نفسه؟

إنه سؤال مشروع. وإذا كان ثمة تفسير له، فأول ما يخطر بالبال قضية حرية الكلمة – إحدى التهم الكبيرة الموجهة لبوتين من قبل الغرب. لو قيّد بوتين هؤلاء لقامت الدنيا في الغرب وما قعدت. هذا في الوقت الذي أغلق فيه زيلينسكي كل المحطات التلفزيونية المعارضة له، ومنع اللغة الروسية في الإعلام وفي كل مجالات الحياة في اوكراينا، وسجن عددا كبيرا من الإعلاميين الذين يعارضونه ووضعهم في زنازين انفرادية تحت الأرض مليئة بالقوارض. ولسبب ما، لم ينتبه الغرب لذلك وبقي زيلنيسكي رمزا للديمقراطية في نظرهم.

فضلا عن بعض وسائل الإعلام التي تستمر السلطة الروسية بتمويلها غاضة البصر عن خطابها المعادي لها ولروسيا، تموّل الحكومة الروسية أيضا الثقافة بكل مجالاتها. لعل أكبر مثال يصلح لتوضيح الصورة هي المسارح. ينبغي القول في البداية إن كل المسارح في روسيا هي مؤسسات حكومية تعيش على نفقة الدولة. حتى المسارح الصغيرة الخاصة، وعددها ضئيل للغاية، هي أيضا تعيش على الهبات الحكومية. فضلا عن الرواتب الشهرية التي يتقاضاها العاملون في المسارح من فنانين إلى فنيين، فإن كل مخرج يتلقى من الحكومة مبلغا مقطوعا – غير مرتبه الشهري – عن كل مسرحية يخرجها ( أدنى أجر لا يقل عما يعادل ألفي دولار، أما الأعلى فحدّث ولا حرج ، قد يصل، حسب شهرة المخرج، إلى ما يُعادل عشرات الآف الدولارات)

ربما لا يتخيل الإنسان العربي أهمية المسرح في روسيا! ففي موسكو وحدها هناك أربعمائة مسرح. وهي مؤسسات صخمة يزيد عدد العاملين فيها أحيانا عن الخمسمئة موظفا. أما في المدن النائية التي لا يصل عدد سكانها مئة ألف ففيها بالضرورة مسرح واحد على الأقل.

لماذا أشير لذلك؟ لأن قصة الإعلام ذاتها تتكرر في المجتمع المسرحي. لقد كان المسرح – كمؤسسة ثقافية، منذ ايام الإتحاد السوفييتي في قبضة نخبة من الفنانين والنقّاد ذوي الأصول اليهودية، الذين وما إن انهار الاتحاد السوفييتي حتى أعلنوا عن ليبراليتهم وتأييدهم المطلق للغرب. ولا يزالون لغاية هذا اليوم يسيطرون على المسرح، لدرجة أن الفنانين الروس الذين يكنون مشاعرا طيبة لوطنهم ظلوا لزمن طويل يتحفظون على أرائهم الشخصية تجاه قضايا بلدهم، لأن أي رأي يخرج عن الخطوط العامة لتلك النخب المسيطرة، لا يعني سوى النبذ بل والانتحار مهنيا وفنيا. إن لم يرض عنك هؤلاء ففشلك مضمون حتى لو كنت عبقريا. وهذة مفارقة طريفة جدا: أن لا يجرؤ الفنان المؤيد لوطنه وللسلطة الحاكمة هنا على التصريح عن رأيه: “اصمت وإلا فإنهم سيمزقونك ويأكلونك”- لطالما ترددت هذه الجملة همسا من أذن إلى أخرى. لكن هذا الهمس بدأ يعلو في السنوات الأخيرة، لأن الكيل على ما يبدو قد طفح.

في هذه الأيام كشّر الفنانون والمسرحيون الليبراليون المتنفذون في المشهد، عن أنيابهم لدرجة يبدو فيها أنهم سيمزقون ويأكلون بالمعنى الفعلي أي صوت قد يعلو بينهم مؤيدا لبوتين. ليبراليون ” يؤمنون” بحرية الرأي، ويكشفون عن دكتاتورية شنيعة ومتطرفة، وهم يمارسون سلطتهم في حقل الثقافة والفن، ويسحقون أي رأي يخالف توجهاتهم الغربية.

وكانت تلك النخب الليبرالية الصهيونية قد أعلنت في عام 2014 عن تأسيس ما سموه بـ ” كونغرس الانتلجنتسيا – أي النخبة الثقافية “، بمبادرة من فنانين ومسرحين وكتّاب وإعلاميين. ودأب هذا الكونغرس من وقت إلى آخر على إصدار بيانات – سأقول بثقة – ليست ضد السلطة بل هي في الجوهر ضد روسيا ومصالحاها القومية. آخرها كان بيانا معارضا لتدخل روسيا في كازخستان في بداية هذا العام. الطريف أن بعض أعضاء هذا الكونغرس (مثل ليف بونامروف – ناشط سياسي ومدافع عن حقوق الإنسان) يعلنون بصراحة، بل ويتباهون بأنهم يتلقون الأموال من أمريكا.

في الأيام الأخيرة، أي منذ اعلان بوتين عن العملية العسكرية الخاصة في اوكراينا، قاد أعضاء هذا الكونغرس حملة في وسائل التواصل تحت عنوان “أنا أخجل لأنني روسي”. الأمر الطريف الآخر إن عددا منهم يتنكر بشكل علني، عبر الموقع الالكتروني الرسمي لهذا الكونغرس، لروسيته! ملمحا لأصوله اليهودية ومعبرا عن عدم انتماءه لروسيا: فها هو فلاديمير بوزنر، الإعلامي الشهير الذي كان أول من أجرى لقاءً “أون لاين” جمع فيه بين غارباتشوف وريغان في بداية البيريسترويكا، ولا يزال لغاية اللحظة يقدم برامجا على القناة الأولى الروسية، ها هو يقول : “أنا لست روسيا، وما يربطني بروسيا هو عملي وحسب، روسيا ليست وطني، وأنا أشعر بنفسي هنا غريبا”.

إذن هم الآن وبسبب تدخل روسيا عسكريا في أوكرينا، يشعرون بالخجل لأنهم روس، وقد خرجوا بمظاهرات في عدد من المدن الروسية للتعبير عن معارضتهم لهذه الحرب. من يتمعن في صور هذه المظاهرات والمشاركين فيها، لن يجد صعوبة في اكتشاف أن الغالبية العظمى ( وعددهم بالعموم قليل ) هم من المراهقين الصغار، الذين يجندونهم عبر موقع التيك توك. وقد اعترف عدد منهم وبسهولة بعد مشاركتهم في مظاهرات سابقة أيدوا فيها نافالني، أنهم تقاضوا أجرا…اعترفوا بسهولة لأن عشرين أو ثلاثين دولارا – كما قال بعضهم ضاحكا ردا على أسئلة بعض الصحفيين – “لا تضر” .

لماذا يتصرف بوتين على هذا النحو؟ لماذا تموّل الحكومة الروسية من خزنتها أصوات معادية لها وتوّسع لهم صدرها وتحتمل خطابهم ولا تقوم على الأقل بمطالبتهم بالحياد، كونها تمولهم؟

لست أظن أن السبب يكمن فقط في محاولة إثبات هذه السلطة لديمقراطيتها، مع الإشارة إلى أنها ديمقراطية مبالغ بها، وما كان الغرب نفسه ليحتملها لو حدث هذا الأمر لديه. حسبما يبدو لي فأنه لو قامت السلطة الروسية بقمع هؤلاء، من إعلاميين إلى فنانين، لكان ذلك: ثالثا – دليلا دامغا على قمع بوتين سيتلقفه الغرب راقصا من شدة الفرح. ثانيا – لكان ذلك بمثابة ذريعة، يستعملها بل ويحتاجها هؤلاء الليبراليون – كضحايا لحرية الكلمة – يستعطفوا بواسطتها الرأي العام الروسي والغربي.

أما أولا وهو السبب الأهم – فإن إعطائهم كامل الحرية ليقولوا كل ما في صدورهم قد كشفهم بالمحصلة أمام الرأي العام الروسي، وراح الناس شيئا فشيئا ينفضّون عنهم بعد أن كانت اسماؤهم تلعلع شهرة في التسعينيات أيام يلتسين. من بات يضيق بهم ذرعا الآن ليست السلطة – الصامتة التي لم تدخل في أي صراع معهم – بل المجتمع ذاته، حتى إن الحرية التي يتمتعون بها غدت مأخذا كبيرا على هذه السلطة، مأخذ يتكرر في كل لحظة مدويا من على جميع المنابر.

لو قام بوتين بقمعهم لكان ديكتاتورا، غير أن الديكتاتورية هي أسهل طرق القيادة، ولا تحتاج إلى الذكاء. ما يحتاج إلى الذكاء هو لعب الشطرنج – اللعبة التي أثبت بوتين أنه يجيدها بامتياز.

الآن ، وبعد أن قدموا كل الذرائع والمبررات لها، يبدو أن السلطة قد بدأت معركتها معهم، في استجابة لمطالب الرأي العام الروسي! في اليومين الأخيرين تتالت أخبار عن استقالات في وسط مدراء بعض المسارح.

:::::

من صفحة الكاتب على الفيس بوك

Kafa Al-Zou’bi

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.