أمريكا متورطة في الحرب الروسية الأوكرانية، محمود فنون  

إنطلقت أعظم أزمة دولية في 24/2/2022م بدخول القوات الروسية إلى الأراضي الأوكرانية في عملية خاصة هي من أكبر العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الروسية منذ الحرب العالمية الثانية . 

وقد حددت القيادة الروسية أهداف الحملة بعد تداعيات متواصلة في الوضع الدولي متركزا حول الوضع في أوكرانيا . هذا الوضع الذي تأسس منذ عام 2014م بعد الإنقلاب العسكري في أوكرانيا وصعود تيار يميني متطرف معادي لروسيا وإفساح المجال لقوى قومية نازية شديد الخطورة على الأمن القومي الروسي بل وعلى العلاقات الدولية بمجملها كما أكدت الوقائع الحالية . 

لقد حددت روسيا أهدافها المباشرة من العملية بضرورة حياد أوكرانيا وعدم دخولها في حلف الناتو الغربي المعادي لروسيا ورفض إقامة قواعد أمريكية على أراضيها ورفض حصولها على سلاح نووي وأسلحة تشكل خطرا على الأمن القومي الروسي ، وكذلك دعما لجمهوريتي الدونباس واستقلالهما عن أوكرانيا وتحرير الدونباس كله لصالح الجمهوريتين . 

أما الأهداف الأعمق والتي تسعى روسيا لتحقيقها فتتعلق بإيجاد توازن دولي واستقرار دولي جديدين ينهي سيطرة القطب الواحد على العالم . 

وهذا اقتضى ويقتضي التقارب العميق مع الصين شريكة روسيا في الصراع الدولي القائم وحماية مقدمات ترسخ حضور القطب الثاني المتشكل والقادر على حماية نفسه بمعادلات دولية جديدة. 

من الجانب الآخر وتحسبا واستعدادا لمحطة جديدة في الصراع بدات أمريكا في توثيق علاقاتها بالسلطة الأوكرانية وأمدتها بالسلاح والمدربين وكل أشكال الدعم وإقناعها برفض التفاوض لإيجاد حلول سلمية للازمة المتفجرة لإيصال الحال إلى ما وصل إليه من حشود روسية وتهديدات عسكرية وصلت إلى ذروتها بالإقتحام لتنفيذ ما أسمته روسيا بعملية عسكرية خاصة وصلت خلالها القوات الروسية حاليا إلى مشارف كييف . 

وعلى الفور من إنطلاق العملية الروسية إنطلقت موجة من العقوبات ضد روسيا تشاركت فيها كل الدول الأوروبية وأمريكا وكندا واليابان وغيرها . 

ولم تقف الأمور هنا .  

إن أمريكا طرف متورطا في الحرب. 

فهي التي تقود الصراع بقضه وقضيضه. 

هي التي تقود فرض العقوبات وهي التي تقود تزويد أوكرانيا بالسلاح والمال وتوجه مواقف حكومتها في كل محطة . 

إذن هي حرب لا ينحصر أداؤها وخوضها بين أوكرانيا وروسيا بل هي حرب واسعة النقاط وتطال كل الميادين العسكرية والاقتصادية والثقافية وطالت حتى الرياضة والاعلام ووصل الأمر ألى ما يسمى عض الأصابع الطرية بين كلا طرفي الصراع .  

فالغرب يدفع جزءا من ثمن العقوبات التي فرضها على روسيا في مجالات التبادل التجاري عموما والطاقة خصوصا كما وقدر المختصون خسائر الإقتصاد العالمي ب 400 مليار دولار لهذا العام.والغرب  مضطر حتما لدفع تكاليف الحرب للجانب الأوكراني من خلال ما يسمى المساعدات المالية والعسكرية ، لأن اوكرانيا بحالها الحاضر لا تستطيع تحمل هذه التكاليف الباهظة وقد رصدت أمريكا حتى الآن حوالي عشرة مليارات دولار وستحذو اوروبا حذوها . 

إن الصراع يدور في أوكرانيا واوكرانيا هي ساحة الحرب بين أطراف الصراع والسلطة الأوكرانية هي سلطة خانعة وقبلت هذه المعادلة الإذعانية  وستدفع أوكرانيا النصيب الأساسي من هذه الحرب بتدمير بنيتها العسكرية والإقتصادية وتفكك البنية المجتمعية على شكل نزوح داخلي وخارجي وتوقف معظم مظاهر الحياة الإنسانية وسلطاتها تعرف ذلك وتقبل بذلك وإلا لكانت لجأت إلى التفاوض مع روسيا حفاظا على دولتها وأمن واقتصاد بلدها واستقرارها الإجتماعي . 

إنه من اليسير فهم ما يجري : فبتحريض من أمريكا وحلفها تعنتت الحكومة الأوكرانية ورفضت التفاوض وحتى بعد الحشود الروسية الضخمة على حدودها ولم تتمكن من اتخاذ الموقف الصائب بالتوجه للسلم . 

أي ان المعادلة أصبحت إما التفاوض وإما الحرب من وجهة نظر روسيا. وعدم التفاوض يعني ويعني فقط الحرب ولا شيء غيرها. 

وأمام هذا التحشيد الدولي أصبح العالم على شفا حافة الحرب العالمية . 

وحتى الآن ترى أن تخوض أمريكا غمار حربها بواسطة الجيش الأوكراني ومقاومة أوكرانية ومرتزقة مجندين من اصقاع الأرض وبينهم أوربيون وأمريكيون بلباس المقاومة الأوكرانية ودفع وتنظيم من الحلف المعادي لروسيا  بحيث لا يكون الضحايا من الدول الغربية وامريكا التي هي فعلا ستقود هذه المقاومة ان استطاعت إلى ذلك سبيلا. 

وربما يتخذ الحلف الغربي خطوات من شأنها أن تولد احتكاكا مباشرا مع حلف الناتو وخاصة إذا حاولت  فرض مناطق آمنة في الجو وعلى الأرض وإذا فرضت تركيا قرارا يقضي بمنع الأساطيل الروسية من عبور البسفور أو أي شيء من هذا القبيل 

وهي بهذا ستسعى لإطالة أمد الحرب بحيث يطول أمد العقوبات المختلفة وتأثيرها  ويتكبد الجيش الروسي مزيدا من الضحايا البشرية وترتفع فاتورة تكاليف الحرب إلى درجة ترهق الإقتصاد الروسي والمجتمعات الروسية وتثير فيها النزعات والقلاقل . 

أما روسيا وعلى لسان ناطقيها فهي تقول أنها مستعدة لكل الإحتمالات وستخوض عمليتها العسكرية إلى أن تحقق أهدافها المباشرة وإذا نجحت فإنها ستحقق مزيدا من الأهداف غير المباشرة وتقف مع حلفها قطبا فاعلا مقابل القطب الأمريكي ويعيش العالم استقرارا دوليا جديدا بمعادلات جديدة  ونكون أمام عالم جديد.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.