باسل الأعرج … الإنسان والفكرة، محمد العبد الله

“محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائماً لأن ذلك يبدل الكون تبديلاً تاماً. لذلك لا يمكن أن يكون ثمرة تفاهم ودي”.

 كتاب معذبو الأرض – فرانز فانون.

“فإما فلسطين..وإما فلسطين.. إما أن نكون.. وإما أن نكون..

تلك هي المسألة.. تأسيساً على الحياة”

الشاعر الراحل، والمحارب ” خالد أبو خالد “.

 مدخل

     انقضت خمس سنوات على سقوط جسد باسل الأعرج شهيدا، وارتقاء روحه، فجر يوم 6 / 3 / 2017 ) ليكون الحدث / الاشتباك / الاستشهاد ، تأكيدا جديدا على انخراط جيل فلسطيني ، نما وتشكل داخل بيئة المقاومة المسلحة والشعبية، مُتسلحا بالأفكارالتحررية، -كأمثلة وليست للحصر، لأن القائمة تطول…- “معتز وشحة ، غسان وعدي أبو جمل، مهند الحلبي، بهاء عليان، ومهند العقبي..” يستكمل مسيرة التحرر الوطني من الاستعمار الصهيوني، ويواجه بكل الوعي والإصرار والمقاومة، الانحراف السياسي، لنهجٍ مُستمر في محاولات التدمير-الفاشلة- للأفكار الثورية ،وللمقاومة المسلحة – أقصر الطرق للتحرر-.

    صمودٌ يفضح الوظيفة الأمنية للسلطة

     في ذلك اليوم، ختم باسل حياته بالطريقة التي أرادها؛ الاشتباك والشهادة . بذلك القرار، انتهت سنوات الملاحقة والاعتقال والتخفي. مابين اعتقال أجهزة أمن سلطة الحكم الإداري الذاتي ،المتكررة لباسل، وآخرها مع خمسة من رفاقه “هيثم سياج، سيف الإدريسي، محمد حرب، محمد السلامين، وعلي دار الشيخ ” كانت الأطول لأكثر من خمسة أشهر، والأقسى بسبب التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له . مؤسسة ” الضمير” لحقوق الإنسان، أكدت في بيانٍ لها “تعرض الشبان الستّة لتعذيبٍ قاسٍ في الأيام الأولى للاعتقال منها: الشبح، ومنع النوم والتحقيق المتواصل وضرب على كافة أنحاء الجسد والشتائم ومنع الاستحمام؛ وذلك لانتزاع اعترافات منهم بالقوة”.

   شقيق المعتقل باسل الأعرج، أضاف “في الأيام الأولى للتحقيق تم نقل باسل للمشفى بعد توقف قلبه عن النبض جراء التعذيب، ومن ثم أعادوه للتحقيق، ونقل 6 مرات للعلاج في الخدمات الطبية كونه يعاني من حصوة في الكلى ومرض السكري”. في تبرير جريمة الاعتقال، جاءت تصريحات الناطقين باسم السلطة، متضاربة : “جرى اعتقال الشبّان الستّة لتشكيلهم خطراً على الأمن العام الفلسطيني”. وفي رواية أخرى زعمت أن اعتقالهم هو”لحمايتهم من الإحتلال”. لكن “التهمة الحقيقية”، المتداولة وغيرالمعلنة كانت “قيامهم بعمليات استطلاع تمهيدا لشن هجمات مسلحة ضد جيش الاحتلال في الضفة الغربية”.

    خلال فترة الاعتقال، لجأ الشباب الستة للإضراب عن الطعام احتجاجاً على توقيفهم وتعذيبهم، وقد أضاف هذا الإضراب للحملة الشعبية الواسعة، الرافضة إعتقالهم، ولكل أشكال سياسة تكميم الأفواه، عوامل ضغط على السلطة، دفعت بالقضاء لإصدار قرار بإطلاق سراحهم .

   قرار التحول في المواجهة

   بعد أربعين يوما على خروجهم من سجن السلطة، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات أدت لوقوع رفاق باسل الخمسة في الأسر، باستثنائه، لأنه، وبعد تحرره من معتقلات جهاز المخابرات السلطوي، اتخذ قراره بالاختفاء لمتابعة نشاطه، وبالقطع التام مع احتمال الوقوع في الأسر، كما أخبرنا بوصيته التي أبلغنا فيها – بعد استشهاده – أنه قد جَّهَزَ نفسه وحَدَّدَ خياره الوحيد، وهو الاستشهاد .

    كانت قذيفة الأنيرغا التي أطلقها جيش الاحتلال بعد مئات الطلقات من البنادق والرشاشات باتجاه الشقة التي أقام فيها الباسل متخفيا، كفيلة باستشهاد المطلوب رقم واحد لهذا الجيش، على خليفة البحث عنه لما يقارب الستة أشهر، ب” تهمة ” الاختفاء، ومقاومة الاحتلال . قاتل المحارب حتى الطلقة الأخيرة؛ لم يستسلم، ولم يرفع الراية البيضاء، وهذا ماأكده شقيقه “سعيد” في نعيه ” لم تُسَلم لهم، ومثلك لا يعرف التسليم. اخترت أن تكون مقاوماً وأن تموت شهيداً مقبلاً مشتبكاً لا خانعاً” وهكذا ارتقى شهيدا. وقد ترك في السقيفة / العلّية، التي تحصن بها؛ عدة كتب ودفتر يحتوي وصيته المكتوبة بخط يده، وبندقيتين فارغتين مع مخازنهما الخالية من الطلقات، ومئات المقذوفات الفارغة، وجسدا حاز على عشرات الطلقات/الأوسمة، وكوفية مضمخة بدمائه.

   باسل الإنسان

    إن الكتابة عن الباسل/الإنسان في ذكرى سقوط الجسد، تأكيد على الاحتفاء بالشهيد. هذا الإنسان الذي عاش طفولته كأبناء جيله، مع استثناء واضح، كما قال والده “منذ طفولته، كان يعشق الكتاب ومسكون بالقراءة والبحث”. سنوات الدراسة في كلية الصيدلة بإحدى الجامعات المصرية لم تمنعه من القراءة اليومية في مجالات السياسة والفلسفة والتاريخ، والإطلاع الواسع على أهم ماكتبه أبرز المفكرين والباحثين في علم الاجتماع. بعد تخرجه وعودته لفلسطين،عمل الباسل في مجال اختصاصه في أكثر من مدينة ومخيم.لكن عشقه للبحث النظري والدراسات الميدانية، جعله يتفرغ لهذا المجال، وقد برز كباحث في “المتحف الفلسطيني”، مع حرصه الدائم على النزول لأرض الواقع لإيجاد عوامل الربط بين أساليب الثائر/المتمرد في القتال، والاختفاء. لهذا،عمل على القيام بجولات ميدانية مع عدد من الشباب والصبايا، في أرجاء الوطن ،ربط خلالها بشرح تفصيلي من خلال السرد التاريخي،الثورات الفلسطينية ورجالاتها، وعلاقة ذلك بالمكان / الجغرافيا – كما تضمنتها الفيديوهات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي -.وهنا، أقتبس مما كتبته الإعلامية والكاتبة المناضلة “مجدولين حسونة”، -التي عرفت الباسل عن كثب- في اليوم التالي لاستشهاده ” قرأ تجارب المقاومة الشعبية المسلحة في الجليل والمثلث زمان الاحتلال البريطاني وأدرك أن حرب العصابات هي الطريقة المثلى لاستنزاف العدو المحتل المعاصر.عرف أن الجغرافيا هي علم عسكري تنموي وليست معلومات مسابقات يتلقى فيها الفائز قطعة شوكولاته… فكشفت له تضاريس الطبيعة عن مخابئها المخفية ومراصدها المطوية”1. لم يمنعه عمله، وتفرغه لاحقاً للبحث النظري والميداني ،عن النضال في إطار”الحراك الشبابي” الذي كان أحد قياداته، والمشاركة في كل المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها شوارع وساحات مدينة رام الله المحتلة، ضد نهج الاستسلام وسياسات السلطة الاقتصادية والاجتماعية، وقد أدى ذلك لتعرضه للضرب العنيف والوحشي على يد قوات جيش الاحتلال، وفي مرات أخرى على يد عناصر أجهزة التنسيق الأمني “المُقدس”. كان الباسل ” يتصدر التظاهرات الشعبية ويرمي المحتل بكل حجر يلتقطه ولا يرى في الحجر إلا وجه بندقية”2.وقد ساهم الباسل في تقديم رؤيته لدور”الحراك الشبابي”:” حاول الشباب أن يجدوا أجوبة على الأسئلة المطروحة عبر عدة وسائل منها حتى عن طريق الفعل، كثير من الفعل لم يكن جواباً بقدر ماكان تساؤلاً عن ماهو الحل؟. عمل الحراك خلال المرحلة السابقة في أغلب نضالاته على إعادة بناء القيم الوطنية الجماعية لإعادة بناء الشعب ، والتي بدأت في السقوط والانهيار فيما بعد عملية السور الواقي”3.

    الفكرة عند الباسل

 أما الفكرة التي حملها الباسل واستشهد من أجلها “المقاومة وتحرير الأرض والإنسان”، مضيفاً لها في بضع كلمات، رؤية ثورية مضمونها” أنا لاأؤمن إلا بالتغيير الجذري للنظام الاجتماعي والسياسي”4 .ليقوم بتشكيلها في سبيكة نظرية، راديكالية، لاتحتمل التأويل، لأن لوعي النظري هو ذخيرة البندقية المقاتلة. جاءت الأحداث المتتالية لتؤكد أن الفكرة، تتجذر وتتمدد، بانتشار واضح من خلال اتساع ساحات المواجهة، وتعدد / تكاثر عدد نقاط الاشتباك مع جيش الغزاة ؛عسكريين، ومدنيين من المستعمرين الذين يحملون السلاح، لكونهم ميليشيات الإرهاب والقتل، الرديفة للجيش المحتل. تُشير التقارير الصحفية والإعلامية عن مواجهات الشهر الفائت “شباط/ فبراير” : إصابة 9 جنود ومستوطن في 67 نقطة مواجهة بالقدس المحتلة، فقط. بالإضافة للاشتباكات المسلحة في عدة مناطق بالضفة المحتلة ” مدينة جنين ومخيمها وقراها”، واستهداف نقاط المراقبة والحواجز العسكرية في بيتا/جبل أبو صبيح، بالرصاص، والتعرض للمركبات الصهيونية بزجاجات المولوتوف والأكواع المتفجرة، والعمليات المتكررة الطعن بالسكاكين، كما شهدناه في قرية “حزما ” شمال القدس المحتلة. مضافاً لكل ذلك، المقاومة المسلحة والمجتمع المقاتل في غزة. هنا، يمكن اقتباس ماكتبه الباسل في وصف المشهد الكفاحي للشعب في السنوات الأخيرة قبل استشهاده، والذي يُشابه تماماً ماتعيشة الضفة الآن. “هناك حركة مقاومة شعبية قوية جداً في كل فلسطين، بعيدة كل البعد عن البلاغة وخرجت تماماً عن عصر الصورة ذات السياق العالمي… شباب يواجهون في نقاط التماس، شباب آخرون يصنعون نقاط تماس جديدة ويجرون العدو إلى داخل قراهم”5.

 الوعي الكفاحي وثقافة الاشتباك

كل من عرف الباسل، أكد على الأهمية الفائقة “كماً ونوعاً ” للمخزون المعرفي/الثقافي الذي يمتلكه، لكن الثقافة عنده، لم تكن “فنتازيا استعراضية” أو”ثرثرات، لاتلامس واقع الوطن والإنسان”. يقول الباسل في إحدى ندواته المُسجلة ” إذا بدّك تصيرمُثَقَّفْ، لازم تصير مثقف مُشتبك، إذا بدكاش تشتبك، مافي فايدة لامنك ولامن ثقافتك”. لهذا، كانت الثقافة والوعي المعرفي  عنده مترابطان، كما جاء في كلمة الدكتور خالد عودة الله في مجلس عزاء الشهيد” نعرف أن تاريخنا على هذه الأرض، لايمكن إلاّ أن نرى فيه تاريخاً للمقاومة في فلسطين. مع كل ماتتعرض له المقاومة وممارسة المقاومة من هجمة من الجواسيس والخون، ممن عذبوا باسل في الزنازين، والذين لم يكتفوا بتعذيبه في الزنازين فقط، وإنما حاولوا تشويه صورته، وحاولوا أن يحاصروا فكرته، وحاولوا أن يغتالوه معنوياً في التمهيد لقتله وتصفيته جسدياً “6.

  تفقد الثقافة قيمتها، عندما يتجاهل / يُسقط المثقف دوره الوطني التغييري المباشر. وإذا لم تكن وظيفة الثقافة / المثقف، صقل الوعي النظري عند الفرد، والجماعة، من أجل الانخراط في عملية كفاحية للتحرر من الاستعمار، ولتحرير الإنسان من الظلم والقمع والاستبداد، عندها تنطبق مقولة الباسل “مافي فايدة لامنك ولا من ثقافتك”. في إضاءة على معنى ومضمون الاشتباك، يكتب الدكتور سيف دعنا ” ليس الاشتباك الثقافي البحت مع مثقفي الطرف الآخر فقط، ولا تسخير المعرفة والثقافة في خدمة النضال السياسي، ولا حتى في جعل النضال الهم الأول والأخير للمثقف.الاشتباك هو إدراك أهمية أن تصبح المقاومة حقلاً معرفياً (علم المقاومة) قائماً بذاته مختبره الميدان الفعلي للمواجهة، وأن تصبح الثورة أيضاً، مادة المعرفة الأولى والأخيرة والهم الدائم للمثقف التي يختبرها بنفسه ومباشرة في الخنادق والدشم والمتاريس وبين أزيز الرصاص على طريق تغيير العالم. وفي فلسطين، عرف باسل أن الاشتباك يأخذ معنى أعمق حتى من كل ما سلف وعرف أن المطلوب في هذا الوقت بالذات هو المثقف المشتبك”7 .

خاتمة

    يكتب الباسل ” كل من لا يضعُ فلسطين كقضيته المركزية ولا يضعُ العدو الصهيوني كتناقض رئيسي، أُنبَّئكم بأنه سيضل الطريق وسيضرّ القضايا التي ينحاز لها وسيضرّ قضيته… فلا تحلموا بعالم سعيد مادامت إسرائيل موجودة”8.

 أما الوصية التي كتبها الباسل وعُثر عليها في الأوراق التي وُجدت في موقع الاشتباك، فإنها لاتحمل إعتراف من كتبها بصحة الأفكار التي آمن بها، والدرب الذي سارعليه، بل هي نداء لكل الأحياء بأن يبحثوا عن خلاصهم من أجل أن يجدوا الأجوبة على أسئلتهم.

” أنا الآن أسير إلى حتفي راضياً مقتنعاً وجدت أجوبتي. يا ويلي ما أحمقني، وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد؟ . كان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهور طويلة إلا أنَّ ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء فلماذا أجيب أنا عنكم فلتبحثوا أنتم. أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله”9.

سلام عليك وأنت تُعيد للأفكار الثورية بهاءها ونقاءها.

سلام عليك وأنت تُقدم للأجيال الصاعدة نموذجا يقتدي به ويستلهم من تجربته الدروس .

سلام عليك وأنت تُعيد للسلاح قُدسيته، بعد أن تحول في يد الجهلة والجواسيس والمرتزقة، أداة فتنة وتصفيات.

سلام عليك وأنت تلتقي بالمواطن المشتبك “نزار بنات”، الشهيد المغدور، الثوري بلا حدود.

سلام عليك ياعبق زعتر البلاد، وياعطر دم الشهداء.

سلام عليك وسلام لك يا وعد الجيل القادم برايات الانتصار.

*كاتب فلسطيني

الهوامش:

 1 باسل الأعرج.. أَصَبتَ كلماتي بفاجعة، مقال “مجدولين حسونة” تاريخ 7/ 3 / 2017

 2  المصدر السابق.

 3  ص 219 “كتاب وجدت أجوبتي…هكذا تكلم الشهيد باسل الأعرج”. الناشر : دار رئبال -القدس – فسطين المحتلة + بيسان للنشر والتوزيع – بيروت.

4  ص 203 المصدر السابق.

5  ص 266 المصدر السابق.

6  ص 388- 389 المصدر السابق.

7  باسل الأعرج : الفدائي الكامل ،  مقال “سيف دعنا ” تاريخ 18/ 3 / 2017

8  ص 270 “كتاب وجدت أجوبتي…هكذا تكلم الشهيد باسل الأعرج”.

9  ص 383 المصدر السابق.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.