الحرب باسم الدّيمقراطية، الطاهر المعز

إن أزمة أوكرانيا ليست حدثًا منعزلاً، بل يندرج في سياق تاريخي، لا ينفصل عن تاريخ أوروبا، وبالأخص تاريخ ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، وهي الدّول التي عرفت شُعُوبها حكمًا فاشيًّا، خلال القرن العشرين، وتنافست فيما بينها، منذ القرن التاسع عشر، لاحتلال بلدان أخرى (في إفريقيا، على سبيل المثال) في إطار الإتجاه الطّبيعي لتوسُّع رأس المال، من أجل غَزْو أسواق جديدة، كمنافذ لفائض الإنتاج ولرأس المال، وكمصْدَر للمواد الأولية، ويستخدم رأس المال كافة الوسائل للتوسُّع، أو لحل الأزَمات الدّورية، بما في ذلك الحرب التي قد تُرهب المنافسين، ولكنها وبالخُصُوص، تسمح بزيادة الإنفاق العسكري الذي يُوَفِّرُ منفذًا لإنعاش قطاع الصناعة، وزيادة الإنفاق من أجل إعادة الإعمار، بعد الحرب، ما يوفِّرُ فُرَصًا لزيادة أرباح الشركات…

لقد تمكّنت الولايات المتحدة من التّفوقّ الإقتصادي على أوروبا، ومن قيادة العالم الرأسمالي، بفعل زيادة الإنفاق العسكري، منذ الحرب العالمية الأولى، وبفعل عدم تعرُّض أمريكا الشمالية إلى أي حرب على أراضيها، فاستثمرت الولايات المتحدة في إعادة إعمار أوروبا، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، ما خلق تغييرًا لصالحها في ميزان القوى الاقتصادي، لا يزال مُستمرًّا، بل ازداد حِدّة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ثم التحقت الصين بحلَبَة المنافسة الرأسمالية، لِتَهْتَزَّ مكانة الولايات المتحدة، كقاطرة للإقتصاد الرأسمالي العالمي…

لجأت الولايات المتحدة لزيادة الإنفاق العسكري، وتصريف إنتاجها الحربي عبر حلف شمال الأطلسي، لكي تُؤَجِّلَ انحدارها، وفقدانها المركز المُهَيْمِن على العالم، وهو انحدار بطيء، قد يستمر عدة عُقُود، لأن الدّولار لا يزال مُهيمنا على الإقتصاد العالمي والتّحويلات المالية وتقويم أسعار المواد الأولية والمبادلات التجارية، ولأن الولايات المتحدة تتحكم بنظام الإتصالات والشبكة الإلكترونية، وما إلى ذلك، ويسمح الدّولار (كعملة صَرْف وعملة احتياطية عالمية) للولايات المتحدة بتمويل العجز الكبير في ميزانية الدّولة وعجز التجارة الخارجية، من خلال طَبْعِ المزيد من الدّولارات، دون أن تُقابلها قيمة إنتاجية، ولئن كانت الولايات المتحدة في مركز قوة عسكرية ومالية، فإنها دولة طُفَيْلِيّة، لا تعتمد الإقتصاد المُنتج وتطوير القُوى العاملة، بل على قُوّة مُجَمّع الصّناعات العسكرية، وعلى الإنفاق العسكري الضّخم الذي تستخدمه الإمبريالية الأمريكية لخوض الحُروب العدوانية، وللهيمنة على أوروبا وأستراليا وأمريكا الشمالية وآسيا، من خلال حلف شمال الأطلسي، وثمانمائة قاعدة عسكرية منتشرة في أرجاء العالم، خصوصًا منذ انهيار الإتحاد السّوفييتي، حيث عَمَدَتْ إلى تعزيز حلف شمال الأطلسي، بدَلَ حَلِّهِ، وأصبحت القواعد الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي على حُدُود روسيا، وشَلِّ أي محاولة لاندماج روسيا في القارة الأوروبية، وفي هذا الإطار يأتي إجهاض خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2 ” الذي يضمن إمداد أوروبا الغربية بكميات كبيرة من الغاز، عالي الجودة، وبسعر معقول…

 إن الدّول الأوروبية التي ذكرناها في البداية (ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وغيرها) دول امبريالية، من ضمن دُول “المَرْكَز” (في مقابل دول “المُحيط”) وأنشأت عملتها الموحّدة (اليورو) في محاولة لمنافسة الدّولار، أو الإستقلال عنه، وأصبح ثاني أكبر عملة احتياطية عالمية، وإن بفارق كبير عن الدّولار، ولم تنجح محاولات أوروبا بناء قوة عسكرية موحّدة، وبقيت مُتأَرْجِحَة بين انتماء جل أعضاء الإتحاد الأوروبي إلى حلف شمال الأطلسي، من جهة، وبناء قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة، من جهة ثانية…

في هذا الإطار العام تأتي الضّغُوطات الأمريكية على الدّول الأوروبية لزيادة إنفاقها العسكري، ضمن حلف شمال الأطلسي، وشراء أسلحة ومعدّات حربية أمريكية، بذريعة “ضرورة تجانس الأسلحة” وتيسير الإسراف على التدريبات والمناورات، كما تأتي الضغوطات لإقصاء روسيا، رغم عدم تشكيل روسيا تهديدًا حقيقيا، لا لأوروبا ولا للولايات المتحدة، لكن إقصاء روسيا يُبْقِي على انقسام أوروبا وعلى سيطرة الولايات المتحدة…

تُمثّل الصّين المنافس الجِدِّي للولايات المتحدة، وهي مُرشّحة لتحل محلها كقوة اقتصادية عالمية مهيمنة، ومن يُهيْمن على الإقتصاد يتحكَّمُ بالقرار السياسي، ولذلك طورت الولايات المتحدة، خصوصا منذ سنة 2012، خلال حكم الرئيس باراك أوباما، سياسة احتواء الصين وتطويقها عسكريا، خصوصًا من البحر، بتعاون وثيق مع بريطانيا وأستراليا، فضلا عن حلف شمال الأطلسي والقواعد الأمريكية الضخمة بأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، لإحكام السيطرة على مناطق المحيط الهادئ والهندي، وجنوب آسيا…

لهذه الأسباب، ولغيرها، يمكن اعتبار الإمبريالية الأمريكية، وذراعها العسكرية (حلف شمال الأطلسي) أهم عامل من عوامل زعزعة الإستقرار، وشن الحُرُوب وهي تُشكّل أكبر تهديد لمستقبل الشّعوب وللسّلام في العالم…

رقابة على الأخبار والمعلومات

على الجبهة الإعلامية، وهي واحدة من أَوْجُهِ الإيديولوجية السائدة، تتباكى وسائل الإعلام السائد على ضحايا القصف العسكري الرّوسي، وهي مُحِقّةٌ في ذلك، لو تباكت على ضحايا الشُّعُوب المُسْتَعْمَرَة والمُضْطَهَدَة، في فلسطين وسوريا واليمن وليبيا وقبلها كان أطفال وشعب العراق وأفغانستان، وغيرها…  

يَعْسُر متابعة ما يحدث بين روسيا وأوكرانيا، بسبب غياب أي صوت مُغاير للدّعاية الأمريكية والأوروبية والأطلسية التي لا يمكن الوثوق بها، لأنها استفاقت فجأةً لتحدثنا عن مصاعب ومُعاناة سكان “كييف”، وتتجاهل معاناة مواطني كوبا وفنزويلا وإيران، جراء الحصار الإقتصادي، وتتجاهل مُعاناة الشعوب الواقعة تحت الإحتلال أو القَصْف اليومي والإغتيال والإعتقال وتهديم البيوت…

بعد انتخابات روسيا، سنة 2016، حَظَرَ موقع “تويتر”، في وقت مبكر من عام 2017، الإعلانات الخاصة بوسائل الإعلام الروسية (منها روسيا اليوم وسبوتنيك)، لأن مالكي “تويتر” يعتبرون الإنتخابات مُزَيَّفَة.   

بعد إعلان روسيا الحرب على أوكرانيا، خفتت أو اختفت أصوات الصحافيين والسياسيين والمنظمات المدافعة عن حرية التعبير في فنزويلا وروسيا وإيران وكوريا الشمالية وفي كوبا، بعد حَظْر الإتحاد الأوروبي بث وسائل الإعلام الروسية (روسيا اليوم وسبوتنيك )، وهي طريقة مُبْتَكَرَة للدفاع عن التعددية وحرية الرأي، وأعلن موقع “تويتر” حظر التغريدات التي يُشتَبَهُ في ارتباط أصحابها بوسائل الإعلام الحكومية الروسية، وإدراج هذه التغريدات في باب “الأخبار الزائفة”، كما أعلنت فيسبوك وغوغل ويوتيوب عن منع وسائل الإعلام الحكومية الروسية من تحقيق أي إيرادات من منصاتها…

تمارس سُلُطات ومؤسسات الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومُجْمل المنظمات “غير الحكومية”، خطابًا مُزْدَوَج اللغة، بخصوص الدفاع عن حقوق الإنسان وهو خطابٌ يقْصِي الصحافيين الفلسطينيين، ناهيك عن اللاجئين ومجمل فئات الشعب الفلسطيني، على سبيل المثال، من هذه الحُقُوق الأساسية، ويُدْرِج هذا الخطاب “النّازِيِّين الجُدُد” في أوكرانيا، ضمن المُدافعين عن الحُرِّيّة والدّيمقراطية، بل يُوزّع الإتحاد الأوروبي ومؤسساته جوائز عن “المُدافعين عن الحرية والديمقراطية” على مُنَظِّمِي الإنقلابات في فنزويلا وفي إفريقيا وعلى الرّجْعِيِّين وعلى من خانوا شُعوبهم…

تمْلأُ الوجوه المُدْماة والجثث وبُكاء الأطفال، ومظاهر الدّمار، شاشات التلفزيون، لإبراز وَحْشِيّة “العدو” (روسيا في أوكرانيا) أما في العراق فإن الصّور شبيهة بالألعاب الإلكترونية، حيث يرى المُشاهد سماء مُضيئة، وبالألوان الزاهية، وكأن سماء بغداد والأرض العراقية كانت في عيد، منذ سنة 1991، فلا جُثَث ولا تدمير ولا طوابير النّازحين ولا شُهداء ولا يتامي، وكذا الأمر في غزة، لأن حروب الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني وحلف شمال الأطلسي “نظيفة”، ولا يُصيب القصف “الذّكِي”ُّ سوى “الأشْرار”، وليس للمُشاهد أي بديل للصورة الواحدة والصوت الواحد والتّعْلِيق الواحد، والرّأي الواحد، بعد حَظْر الإطّلاع على أي وسيلة إعلام أخرى، فَلْتَمْتَلِئْ مدن بغداد ودمشق وطرابلس وغزة بجثث العرب (أي ضحايا من درجة ثانية) فلن يراها أحدٌ، ولن تُثِير أي تعليق أو استنكار، لأن المُعْتَدِي من “الأَخْيار”…  

من المُتضَرِّر ومن المُستفيد؟

هل اكتشفت وسائل الإعلام السائد والعديد من مواطني النّصف الغربي من الكرة الأرضية فظاعة الحرب في أوكرانيا (أي في أوروبا)، إن الحربَ بطبيعتها عنيفة، بل هي قِمّة العُنْف، ووصفها الأديب والفيلسوف الفرنسي “بول فاليري” ( 1871 – 1945) بأنها مذبَحة يُنفذها أشخاص لا يعرفون بعضهم البعض لصالح أناس يعرفون بعضهم البعض، لم يتوصّلوا إلى اتفاق فيما بينهم، ولكنهم لا يذبحون بعضهم البعض مُباشرة… أما المناضلة والقائدة الشيوعية رُوزا لكسمبورغ (1871 – 1919) فقد أعلنت “في زمن السلم يتحد عمال العالم، وفي زمن الحرب، يقوم عمال البلدان المختلفة بذبح بعضهم البعض”، لذلك، لا ينبغي أن نتحدث عن “جرائم الحرب”، فالحرب جريمة بذاتها، لكن الإختلاف يكمن في ماهية الحرب.

هل يجهل (بل يتجاهل) زعماء الدول الإمبريالية وأتباعهم من “الأَطْراف”، ووسائل الإعلام المُهَيْمِنة، مُشاركة جُيُوش أوروبا (ومنها أوكرانيا) وأمريكا وأستراليا وغيرها شاركت وتُشارك في إشعال الحُروب، والمجازر والتدمير والتخريب في يوغسلافيا، وفي العراق وسوريا وأفغانستان واليمن وليبيا وإفريقيا الشرقية (الصومال) والغربية، ناهيك عن الدّعم غير المشروط وغير المحدود للكيان الصهيوني…

ألم يَعْتَبِر السياسيون ووسائل الإعلام عُقُود بيع السلاح إلى السعودية والإمارات (لتقتيل العرب الفُقراء) نَصْرًا تجاريا وصناعيا هامًّا، يزيد من أرباح شركات تصنيع الأسلحة الأوروبية والأمريكية، ولا يُطعم الفُقراء ولا يُوفِّرُ لهم مأوى…

أليست الحرب اليومية التي تشُنُّها الرأسمالية على العاملين والفقراء جريمة متواصلة، ضد قرابة ثلاثة مليارات من البشر، منهم مئات الملايين من الأطفال، الذين لا يتمكّنون من الحصول على قوتهم اليومي؟

ألا يُغتبر الغذاء والدّواء والمسكن اللائق من الحُقُوق الأساسية للإنسان؟

لماذا لا تبقى المؤسسات الدّولية في حالة طوارئ مُستمرة ما دام في الدّنيا أطفال جِياع، ومُشرّدون، بفعل الحرب الطبقية، كما بفعل الحُروب العدوانية والإحتلال…

لا يمكن للعمال ولا للفقراء أن يستفيدوا من الحرب، فالحرب جريمة، والإحتلال والتّدمير والتجويع جرائم وجبت مُقاومتها بكافة الوسائل.    

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.