العقوبات الإقتصادية والعض على الإصابع الطرية، محمود فنون 

الغرب يحارب من أجل الحاضر واستمراره وروسيا تحارب من أجل المستقبل. 

وصفت العقوبات الإقتصادية على روسيا بالعقوبات النووية بسبب شدة خطورتها وتنوعها وشموليتها وتأثيرها على البنية الإقتصادية والمجتمعية الروسية ، وهي فعلا كذلك. 

وهي عقوبات ممتدة منذ عام 1914م وتم تطويرها وتوسيعها الآن . 

ويتوجب الافتراض أن طرفي الصراع قد درسا كافة الجوانب والتأثيرات المتبادلة والقدرة على التحمل ، ودرسا دور وأهمية هذه العقوبات على مسارات الصراع عموما والعملية العسكرية الروسية الخاصة على أوكرانيا . 

ومن المهم كذالك أن كل يطلق قوسه ويتفاعل الآخر معه ومع النتائج وبشكل متبادل فلا يكون التحكم بالنتائج على قدر طرف واحد . 

عندما فرضت العقوبات على إيران قدرت التقارير أن أوروبا حرمت من الإستثمار في إيران بقيمة 600 مليار دولار موثقة في عقود واتفاقيات كما حرمت من النفط والغاز الإيراني .وذلك على سبيل المثال لا الحصر . 

إن اقتصاد أوروبا والدول الراسمالية الغربية يعتمد على المواد الخام المنتجة في الأطراف وعلى أسواقها ولا يكون الأمر بغير ذلك .وشنت الحروب تاريخيا على شعوب الأرض لأجل هذه الغاية ومستعدة لشن مزيد من الحروب من أجل تامين موارها والحفاظ على أسواقها . 

واليوم ومن خلال العقوبات على روسيا إنما تحرم نفسها من الموارد والأسواق الروسية الغنية جدا بالموارد والأسواق . 

موارد الطاقة التي تزود أوروبا ب 40 % من حاجتها من الغاز وحوالي 30 % من حاجتها من النفط بحيث يصعب استبداله والمعادن المتنوعة التي تحتاجها لصناعتها . 

ومن الآن رأينا الارتفاع الهائل في أسعار الطاقة والعادن في الأسواق العالمية وتشير تقديرات المختصين بأن سعر النفط سيتضاعف ثلاث مرات ليبلغ ثلاثمائة دولار للبرميل وسعر الغاز سيبلغ اربعة آلاف دولار للطن الواحد بما يزيد العبء على الاقتصاد الغربي ويرفع الأسعار بشكل غير مسبوق ويزيد العبء على المستهلك الأوروبي بدرجة كبيرة وقد بدأت مفاعيل ذلك في الظهور . 

من الملاحظ أن أمريكا هي من تفرض العقوبات وأن أوروبا تتبع سلسلة العقوبات التي تفرضها أمريكا كما لو كانت مدير شركة الدول الرأسمالية الغربية كلها وبشكل لا يأخذ بالاعتبار مصالح الدول الأوروبية الخاصة . 

هي الحرب وللحرب قائد أركان واحد في كل طرف   وفي حالنا فإن أمريكا هي القائد المقرر والمتنفذ علما أن أوروبا ليست دولة واحدة وتتفاوت مصالحها في ما بينها وتتفاوت مصالحها مع أمريكا . 

واوربا هي الخاسر الأكبر من فقدانها للنفط والغاز الروسيين وبقية الموارد الأخرى وكذلك من خسائرها في الاستثمار الواسع في الأسواق الروسية وحظر التوريد منها ولها وبقية أشكال الحظر .ستجد روسيا نفسها تتجه للداخل واستثمار مواردها الضخمة للاكتفاء الذاتي في معيشة السكان واحداث تنمية خاصة بحالة الحرب واعتقد انها قادرة على ذلك ويمكنها كذلك ان تجد اسواقا اخرى في الصين وبعض الدول الحليفة مهما كانت شدة الحصار . 

أما أمريكا وهي ستتأثر بارتفاع الأسعار الفاحش على السكان المستهلكين فهي ليست بالضرورة بحاجة لموارد الطاقة الروسية وسوف تخسر الإستيراد والتصدير معها .وهم اليوم يخسرون السوق الأوكراني بكافة موارده الضرورية جدا للغرب الإستعماري ويخسرون التصدير وتصريف بضائعهم . 

والعقدة الأكبر في أوروبا حيث ستنعكس نتائج العقوبات على المستهلك والصناعة وكل قطاعات الإنتاج بما يعكس نفسه سلبا على مجمل الإقتصاد العالمي وعلى معيشة الناس وقدراتها على تأمين الإحتياجات المعيشية بشكل كبير . 

الرأسمال يربح من المستهلكين ويحقق أرباحه ولكن المستهلكين سيدفعون الثمن مباشرة وفي كل يوم ومنذ اليوم الأول . 

هكذا إذن هي خسائر متبادلة للطرفين وفي لعبة عض الأصابع الطرية التي قد لا تحتمل العض مطولا. 

وهذا سوف يؤثر على مسار الصراع وأطواره ومداياته : فإن صمدت روسيا وأعتقد أنها ستصمد ، فإنه من الصعب على أوروبا أيجاد البدائل السريعة والمناسبة. وبعد أن كانت ولا زالت تطمع في إخضاع روسيا والسيطرة على مواردها ربما تجد نفسها هي الأكثر قابلية للخضوع. والزمن القريب سيعطي حكمه الصارم. 

 _________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.