خُرسان الدهيشة! قصّة قصيرة: رشاد أبوشاور

عرفنا أنه الربيع. حتى الذين خرجوا من قراهم قبل أن يعرفوا الربيع سمعوا بالكلمة تتردد في المخيم بين الجيران والجارات، والأساتذة في المدرسة.

الشمس الدافئة قالت أنه الربيع، والنسائم الفاترة المنعشة أيدت حفاوة سكان خيام مخيم الدهيشة بابتهاجهم بعد أيام وليالي شتاء شديد القسوة.

مفاجأة الربيع بدأت تتجلّى في ظهور أرتال أهالي بيت لحم الذين ينبثقون من وراء المنعطف ويتقدمون بهدوء أًسرا وافرادا، وبعض النساء يدفعن بعربات صغيرة تضم في داخلها أطفالاً، والجميع يتبادلون الكلام وعلى وجوههم تفيض ابتسامات وضحكات، وبعضهم يخرجون من أكياس يحملونها أشياء يدسونها في أفواههم.

أحمد ابن جيراننا في الخيمة الكبيرة غمزني بأصابعه:

-اليوم الأحد…

سألته:

-يعني شو؟!

-يعني أهل بيت لحم يخرجون للفسحة في الربيع..والربيع بدأ يا شاطر، ويتمشون إلى برك سليمان..وأرطاس حيث توجد كنائس كثيرة.

أخذنا في متابعتهم وهم يتأملون بعيونهم خيام الدهيشة التي تبدأ من المنعطف حتى مسافة طويلة بمحاذاة الإسفلت، وكأنهم يرونها لأول مرّة.

الأولاد والبنات وهم يندفعون للمدارس يتوقفون ويتأملون بدهشة الأولاد الذين يرتدون ملابس جميلة جديدة وأحذية ويتنطنطون بجوار ذويهم.

قال أحمد ابن جيراننا:

-أنظر ..ماذا سافعل!

نط أمام عربة فيها طفل وبدأ يتقافز، ويخرج صوتا من شفتيه اللتين يمرر عليهما أصابعه، ويدور حول نفسه..والولد يكركر ضاحكا.

المرأة التي تدفع العربة مدّت يدها بالكيس الذي تحمله فتلقفه وهو يبربر بكلام غير مفهوم، وكأنه أخرس!

سمعت المرأة وهي تكلّم رجلا بدا كأنه زوجها:

-ما أحلااااه. خسارة..يبدو كأنه أخرس.

رفع أحمد صوته: با..با ..آ..آء..ها

وأخذ يحييهم جميعا براحتيه. وعندما ابتعدت المرأة وابنها وزوجها تقدّم من أًسرة أُخرى وأخذ في التقافز والدوران حول نفسه وهو يخرج أصواتا تبدي أنه أخرس..عندئذ مدّت له المرأة شيئا في علبة ورقية ففكها وأخذ في التهام بعض ما فيها.

أمممم..هااااه..أغغغغغغ…

يا حرام: اخررررس..خسارة عليه…

وتلاحق تدفق القادمين من بيت لحم، وحدنا عن الطريق وهبطنا إلى خيم المدرسة:

مدّ يده لي بشيء أخرجه من الكيس والعلبة الورقية الملونة:

-بسكوت! عمرك ذقت البسكوت؟

-لأ..ولا شفته.

-أنا كان أبي يأخذني معه إلى عكا، وهناك عرفت البسكوت، والفلافل والحمص..والكعك..والكعكبان..والقضامة الحلوة و..شفت البحر. عمرك شفت البحر؟

وضع في يدي أقراص تذوقتها فأمتعتني بحلاوتها، وتمنيت لو يعطيني المزيد ففعل وكأنه أدرك رغبتي.

-كل..سأجعلك تأكل المزيد كل يوم أحد!

نظرت إليه مستفسرا:

-الأحد القادم سأتغيّب عن المدرسة، وسأجمع الكثير من خبز بيت لحم، و..البسكوت، والكعك، والملبس والشوكلاطة..وسأطعمك لأنك ابن جيراننا.. ويتيم.

أحمد في الصف الرابع. خرج من البلاد وهو في الصف الثالث. انا دخلت في الصف الأول، وهي صار في أعلى صف في المدرسة مع الكبار مثله.

بوم الأحد التالي لم يحمل شنطته القماشية التي خاطتها له أمه، بل تركها في الخيمة، وسمعته يقول لأمه: عندنا اليوم رياضة، ما عندنا دروس، فعرفت أنه سيغيب، وسيجعل من نفسه أخرسا يُضحك الأولاد ويبسط أهلهم.

أشار لي أن أنتظر معه مجئ أهالي بيت لحم، فوجدتني أقف قريبا منه وأنا أحضن كتابي ودفتري وقلمي.

-لا تذهب إلى المدرسة…

ثم:

-لأ..إذهب أحسن أبوك يزعل ويبهدلني لأنني السبب في غيابك.

الشمس الصباحية ملأت الفضاء بنورها، والسماء زرقاء فيها غيوم صغيرة بيضاء، والعصافير تحوّم فوق الخيام، تمرق مسرعة وسقسقتها تمرق في الفضاء.

تركته ومشيت على رصيف الإسفلت و..عندما صرت قريبا من حائط مرفوع يحجب أطراف الخيام عن الشارع لبدت لمراقبته.

ما أن وصلت أول أًسرة تدفع بعربة فيها صغير حتى بدأ في التقافز وتلعيب رأسه، والدوران والحجل على قدم واحدة..فمدت له المرأة يدها بشئ، ودس الرجل يده في جيبه واخرج منه شيئا دسّه في يده. رايته يفتح يده ويقلّب ما فيها، فعرفت أن الرجل منحه قطعة نقدية. تقافز بفرح وراح إلى أًسرة تدفع بعربة..ومن جديد كرر ما فعله. سمعت جرس المدرسة ولكنني لبثت في مكاني، وتقدمت وراء الجدار حتى أسمع وأرى ما يفعله، وما يحصل عليه وأنا أتلمظ متمنيا أن يطعمني من الأشياء الحلوة التي لا أعرفها ولم أذقها من قبل.

فجأة اندفع ولد بعمر احمد من بين الخيام وقفز عن السنسلة، ورفع صوته بما لا يمكن تفسيره وأخذ في الدوران حول نفسه، واخرج شيئا وضعه على رأسه..فمدت امرأة تدفع بعربة يدها بشئ التقطه الولد بفرح.

اندفع أحمد صوبه وشدّه من قميصه، وانتحى به وراء السنسلة فأدرت ظهري حتى لا يكتشفان وجودي:

-اسمع . انت ستفضحنا. مش معقول كل أولاد الدهيشة يصيروا خرسان…

– يعني؟

-يعني أنا وأنت نتقاسم..أنا أحد وأنت أحد..أو واحد يخرس ونتقاسم آخر النهار كل شئ بيننا!

-ماشي..أنا موافق.

فاجأتهما وأنا أنط قربهما: آآآ..با…إغغغغغغغ…

ودققت على صدري، وفتحت يدي لأتناول حصتي مما معهما…

-وهذا من أين خرج لنا؟

رد أحمد مبتسما:

-لقد ذاق حلاوة البسكوت..فلا بد أن تكون له حصة..وإلاّ سيفضحنا.

وغمزني وهو يناولني حصتي من البسكوت والخبز…

دسست قطعة بسكوت في فمي وأنا أجري إلى المدرسة، ولولا الخوف من أبي لبقيت معهما..وشاركتهما في الخرس في يوم أحد..يوم أحلّي فمي فيه بكثير من البسكوت!

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.